3 سيناريوهات تحدد شكل الاقتصاد المصري بعد بدء برنامج الطروحات

خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» وحددوا عوامل أساسية للمديين القصير والمتوسط

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تصافح محافظ المركزي المصري حسن عبد الله بينما ينظر وزير المالية محمد معيط (الصورة من وزارة المالية)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تصافح محافظ المركزي المصري حسن عبد الله بينما ينظر وزير المالية محمد معيط (الصورة من وزارة المالية)
TT

3 سيناريوهات تحدد شكل الاقتصاد المصري بعد بدء برنامج الطروحات

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تصافح محافظ المركزي المصري حسن عبد الله بينما ينظر وزير المالية محمد معيط (الصورة من وزارة المالية)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تصافح محافظ المركزي المصري حسن عبد الله بينما ينظر وزير المالية محمد معيط (الصورة من وزارة المالية)

وضع خبراء استثمار واقتصاد، 3 سيناريوهات للاقتصاد المصري للفترة المقبلة، بعد إعلان المرحلة الأولى من برنامج الطروحات لبيع أصول والتخارج من جزء من ممتلكات الدولة.

الخبراء، الذين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، عدّوا عامل الوقت والدعم الإقليمي وتحديداً الخليجي، واستمرار التعاون مع صندوق النقد الدولي، وأوضاع الاقتصاد العالمي، محددات أساسية لما ستكون عليه الأوضاع الاقتصادية في مصر، على المديين القصير والمتوسط، وقد تمتد إلى المدى البعيد أيضاً.

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أعلن الثلاثاء، أن مصر حققت عقوداً لبيع حصص بالأصول المملوكة للدولة بقيمة 1.9 مليار دولار، في إطار برنامج لتعزيز مشاركة القطاع الخاص وجمع العملة الصعبة، وهو ما يقلّ قليلاً عن المستهدف البالغ ملياري دولار حتى 30 يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم تأكيد مدبولي أنه سيتم الإعلان خلال الفترة القليلة المقبلة، عن بيع جزء آخر من أصول الدولة بما تصل قيمته إلى مليار دولار، مع استعداد الحكومة لطرح مزيد من العروض لحصص في الشركات المملوكة للدولة، بالإضافة إلى العروض التي جرى الإعلان عنها بالفعل في 32 شركة، إلا أن الباحث الاقتصادي هيثم الجندي يرى أن عامل الوقت قد لا يكون في مصلحة الحكومة «التي تسير بوتيرة بطئية» في برنامج الطروحات.

بينما يرى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين - الأفارقة، الدكتور يسري الشرقاوي، أن تأخير الإعلان عن برنامج الطروحات، «جاء فقط رغبةً من الدولة في تعظيم العوائد وعدم البيع بأسعار زهيدة، نتيجة أن البائع وهو هنا الحكومة، والتي تقوم بالتصرف في الأصول المملوكة للشعب المصري، أمام القطاع الخاص الذي يود الحصول على أفضل النتائج وأقل الأسعار...».

وأوضح الجندي في هذا الصدد، أن «بطء وتيرة برنامج الطروحات الحكومية، معناه استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض على مصر، ومواجهة صعوبة في العودة إلى أسواق الدين الدولية».

وذكر الخبير الاقتصادي الدكتور محمد يوسف، أن «الإسراع في تطبيق هذا البرنامج (الطروحات) يعود في الأساس إلى تدهور الاحتياطات بالعملات الأجنبية، مع ضرورة تدبير موارد عاجلة من النقد الأجنبي للانتظام في خدمة أعباء الدين الخارجي، ودون الحاجة إلى عودة الحكومة لاتخاذ إجراءات غير مرغوبة على جانب الاستيراد».

الصندوق والدعم الإقليمي

في ديسمبر (كانون الأول) 2022، وافق مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، على منح مصر قرضاً جديداً بقيمة 3 مليارات دولار.

وقتها، قال الصندوق: إن الموافقة على القرض، ستسمح بـ«توفير تمويلات إضافية بقيمة تصل إلى 14 مليار دولار من شركاء دوليين وإقليميين، شاملة موارد تمويلية جديدة من دول مجلس التعاون الخليجي وشركاء آخرين، من خلال عمليات البيع الجارية للأصول المملوكة للدولة، وقنوات التمويل التقليدية من الدائنين الثنائيين ومتعددي الأطراف».

ينص الاتفاق بين مصر وصندوق النقد، على صرف دفعة فورية بقيمة 347 مليون دولار (تم صرفها) في إطار «تسهيل الصندوق الممتد» الذي تصل مدته إلى 46 شهراً، غير أن الصندوق توقف عن المراجعة الثانية والتي كانت مقررة في مارس (آذار) الماضي، بعد تثبيت سعر الصرف من قِبل البنك المركزي المصري وعدم تركه للعرض والطلب.

وتعاني مصر شحاً في الدولار، وخفضاً متكرراً لقيمة العملة منذ مارس 2022، بفعل تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، والتي سبقتها تداعيات جائحة كورونا.

قال معتز يكن، وهو كبير الاستشاريين الاقتصاديين في شركة «لينكس بزنس أدفايزرس» للاستشارات: إنه ما زالت هناك تحديات كبيرة تواجه الاقتصاد المصري، خاصة فيما يتعلق بسوق الصرف الأجنبي، «هذا الموضوع بالذات هو محور اهتمام الشركات العاملة في مصر حالياً والتي تعاني صعوبات في تدبير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد مستلزمات الإنتاج خاصة للقطاع الصناعي». مشيراً إلى الشركات المحلية والدولية.

وأشار يوسف هنا إلى التحول في شكل الدعم الإقليمي لمصر، «حيث الواضح جلياً أن الدول الداعمة للاقتصاد المصري باتت ترى أنه من غير الممكن الاستمرار في الدعم النقدي المباشر، وأن الأنسب لجميع الأطراف هو الدعم من خلال إنجاح صفقات الطروحات الحكومية».

وأمام هذه المعطيات، يرى الجندي أن «كلمة السر في برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي، هي: المرونة... سواء تقبل الحكومة بمرونة حقيقية في سعر الصرف أو يبدي الصندوق مرونة بالتخلي عن هذا الشرط».

أوضاع الاقتصاد العالمي

يُعدّ العامل الخارجي أساسياً رغم كل شيء، «فرغم تكيف واستيعاب الاقتصاد العالمي أزمة الحرب الروسية على أوكرانيا، ما زال الاقتصاد العالمي يعاني الهشاشة المالية والتجارية، وما زالت أسعار الطاقة التقليدية تراوح مكانها، بحيث يمكن لأزمة بسيطة تحدث في الجغرافيا الملتهبة دولياً أن تشعل أزمات جديدة ومتتابعة في سلاسل الإمداد وفي معدل التضخم العالمي ومن ورائه تكاليف التمويل وتحركات رأس المال الدولي»، وفق الدكتور محمد يوسف.

لكن معتز يكن أشار هنا إلى نقطة نجاح تحسب للحكومة رغم كل ذلك، وقال: «إن نجاح مصر في جذب ما يزيد على 11 مليار دولار خلال عام 2022، كما ورد بتقرير الاستثمار العالمي الصادر حديثاً عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد UNCTAD) هو أمر يدعو الحكومة إلى الحفاظ على هذا الإنجاز والعمل على استمرار معدلات نمو الاستثمار الخاص...».

سفينة ترسو على رصيف مليء بالحاويات في العين السخنة (الشرق الأوسط)

كما أشار أيضاً إلى «أهمية إصدار قانون للحياد التنافسي بما يضمن زوال المزايا والتفضيلات التي تحصل عليها الكيانات الاقتصادية المملوكة للدولة، حيث إن هذا القانون من شأنه تحقيق تغيير جذري في نظرة مستثمري القطاع الخاص المصري والأجنبي لفرص الاستثمار في مصر».

وتوقع الشرقاوي، في هذا الصدد ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال عامين، إلى نفس نسبة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد المصري، أي مساهمته بنسبة 60 في المائة إلى 65 في المائة. غير أنه أشار إلى النتائج السلبية لبرنامج الخصخصة خلال العقود السابقة، وقال: «يجب إتمام صفقات بيع أصول الدولة، بما يضمن تعظيم العوائد لحماية مستقبل الاقتصاد المصري، وليس كما حدث في تجربة الخصخصة في العِقد الماضي، وما خلفته من نتائج سلبية».

ويرى يكن: «في هذا الصدد تبرز أهمية جذب استثمارات خاصة جديدة، من أجل خلق أصول إنتاجية جديدة وليس فقط تداول أصول قائمة، وخاصة في القطاعات الواعدة وعلى رأسها الطاقة الجديدة والمتجددة، مثل الهيدروجين الأخضر والأزرق وكذلك طاقة الرياح، إلى جانب الصناعات الغذائية، والصناعات الهندسية الخفيفة (للإحلال محل الواردات)، وبالنسبة للقطاعات الخدمية فإن قطاع السياحة يعد بفرص ضخمة للنمو وتحقيق إيرادات كبيرة من العملة الأجنبية».

3 سيناريوهات

وضع الخبير الاقتصادي محمد يوسف 3 سيناريوهات للاقتصاد المصري خلال الفترة القليلة المقبلة، السيناريو الأول المتفائل يتمثل في:

تحسن الظروف الدولية سريعاً بما ينعكس على تضييق فجوة النقد الأجنبي المصري خلال الربع الأخير من عام 2023 وبدايات العام المقبل، كنتيجة لتراجع ملحوظ في الأسعار الدولية للطاقة، وتراجع سياسة التشديد النقدي الدولية، وتطور إيجابي في تدفقات رأس المال الدولي، مع ازدهار في مصادر النقد الأجنبي المصري.

«كل ذلك سيكفل للحكومة المصرية أن تلتقط أنفاسها وتعيد إحياء برنامج الصندوق مع تنظيم برنامج الطروحات بما يزيد عوائد النقد الأجنبي منه وبما يقلل من مخاطر هذا البرنامج على التوظف والتشغيل والنمو، فضلاً عن مخاطره على أداء سوق رأس المال المصري».

السيناريو الثاني المحايد، وهو أن تظل أزمة موازنة الصرف على حالها المتفاقم مع استمرار العوامل الخارجية المؤثرة سلباً على الاقتصاد المصري، وبالأخص تحويلات العاملين بالخارج، وما يعنيه ذلك من حتمية الإسراع الحكومي في تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، مقابل تخفيض تدريجي في قيمة الجنيه في سوق الصرف الأجنبي خلال النصف الثاني من العام الحالي (2023).

ومن التكاليف المتوقعة لهذا السيناريو على الاقتصاد المصري أن تنخفض الأرباح الآنية من برنامج الطروحات مع تأثير متوسط المدى على مؤشرات التوظيف والنمو واستمرار التباين في وجهات النظر بين مؤسسات التمويل الدولية والحكومة المصرية.

السيناريو الثالث: من المتوقع أن تتباطأ حدة التداعيات الدولية على الاقتصاد المصري، وتتسارع في الوقت ذاته إجراءات الحكومة في تنفيذ المرحلة الثانية من الطروحات، لكن من دون تراجع في مؤشرات المديونية الخارجية، ومن دون نمو سريع في مولدات النقد الأجنبي المصري خلال الأشهر القليلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد فقد القطاع الصناعي الألماني الذي يُعدُّ عصب الاقتصاد عوامل دعم مهمة بسبب رسوم ترمب الجمركية (رويترز)

ألمانيا تخسر تريليون دولار منذ 2020 جرَّاء الأزمات الاقتصادية

بلغت التكلفة الاقتصادية لسلسلة الأزمات التي شهدتها ألمانيا خلال السنوات الماضية قرابة تريليون يورو (1.18 تريليون دولار)، حسب تقديرات معهد الاقتصاد الألماني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد قطعة نقدية من فئة 2 يورو إلى جانب ورقة نقدية من فئة 10 جنيهات إسترلينية في صورة توضيحية (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

دعا البنك المركزي الأوروبي، الاتحادَ الأوروبي، إلى تسريع اعتماد «اليورو الرقمي»، محذراً من أن أي تأخير قد يعمّق اعتماد القارة على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
TT

الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)

جدَّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا ​مودي، ونظيره الماليزي أنور إبراهيم، الأحد، تعهداتهما بتعزيز التجارة، واستكشاف أوجه التعاون المحتملة في مجالات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والدفاع وغيرها.

جاء ذلك في إطار زيارة يقوم بها مودي لماليزيا تستغرق ‌يومين، وهي الأولى ‌له منذ أن رفع ‌البلدان ⁠مستوى ​العلاقات ‌إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في أغسطس (آب) 2024.

وقال أنور إن الشراكة تشمل تعاوناً عميقاً في مجالات متعددة، منها التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والدفاع، والرعاية الصحية، والسياحة.

وأضاف في مؤتمر ⁠صحافي بعد استضافة مودي في مقر ‌إقامته الرسمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا: «إنها (شراكة) شاملة حقاً، ونعتقد أنه يمكننا المضي قدماً في هذا الأمر وتنفيذه بسرعة بفضل التزام حكومتينا».

وعقب اجتماعهما، شهد أنور ومودي توقيع 11 ​اتفاقية تعاون، شملت مجالات أشباه الموصلات، وإدارة الكوارث، وحفظ السلام.

وقال ⁠أنور إن الهند وماليزيا ستواصلان جهودهما لتعزيز استخدام العملة المحلية في تسوية المعاملات عبر الحدود، وعبَّر عن أمله في أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية 18.6 مليار دولار، وهو الرقم الذي سُجِّل العام الماضي.

وأضاف أنور أن ماليزيا ستدعم أيضاً جهود الهند ‌لفتح قنصلية لها في ولاية صباح الماليزية بجزيرة بورنيو.