الصور... أكبر مصدر للمعلومات المضلّلة على الإنترنت

23 % من المنشورات المرئية في «فيسبوك» تضمنت معلومات مزيفة

الصور... أكبر مصدر للمعلومات المضلّلة على الإنترنت
TT

الصور... أكبر مصدر للمعلومات المضلّلة على الإنترنت

الصور... أكبر مصدر للمعلومات المضلّلة على الإنترنت

ما مقدار المعلومات المضلّلة على موقع «فيسبوك»؟ وجد الكثير من الدراسات أن كمية المعلومات الخاطئة على منصة التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية، منخفضة، أو أن مشكلة وجودها قد تراجعت بمرور الوقت.

صور مضلّلة

إلا أن دراسة جديدة أجراها فريق من الباحثين في ثلاث جامعات أميركية متخصصين في مجال الاتصالات والإعلام والشؤون العامة والاستخبارات الرقمية، أكدت أن تلك الدراسات كانت خاطئة؛ إذ لم تشكل الروابط التي تقود إلى مواقع إخبارية مزيفة أكبر مصدر للمعلومات المضللة على «فيسبوك»، بل إن المصدر الأكبر تمثل في الصور... «لقد كان جزء كبير من الصور المنشورة، مضللاً».

وأجرى الدراسة كل من يونكانغ يانغ، أستاذ مساعد في الاتصالات بجامعة تكساس إيه آند إم. وماثيو هندمان، أستاذ الإعلام والشؤون العامة بجامعة جورج واشنطن، وتريفور ديفيس، زميل في مركز تاو للصحافة الرقمية بجامعة كولومبيا. ونشرت في مجلة «ذي كونفيرسيشن» الأميركية.

التضليل المرئي بالأرقام

وقال الباحثون: «على سبيل المثال، عشية الانتخابات الأميركية 2020، احتوى واحد تقريباً من كل أربعة منشورات للصور السياسية على (فيسبوك) على معلومات مضللة»، وأضافوا أن دراستهم هي أول جهد واسع النطاق، على أي منصة وسائط اجتماعية، لقياس مدى انتشار المعلومات المضلّلة القائمة على الصور حول السياسة الأميركية.

وتعد منشورات الصور مهمة للدراسة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها أكثر أنواع المنشورات شيوعاً على «فيسبوك» بنسبة 40 في المائة تقريباً من جميع المنشورات.

تشير الأبحاث السابقة إلى أن الصور قد تكون فعالة بشكل خاص؛ إذ يمكن أن تؤدي إضافة الصور إلى القصص الإخبارية إلى تغيير المواقف، ويزيد احتمال إعادة مشاركة المنشورات التي تحتوي على صور. وكانت الصور أيضاً عنصراً قديماً في حملات التضليل التي ترعاها الدولة، مثل تلك التي تقوم بها وكالة أبحاث الإنترنت الروسية.

الصور المضلّلة من أكثر أنواع المنشورات المزيفة شيوعاً على «فيسبوك»

وجمعت الدراسة أكثر من 13 مليون منشور مصور على «فيسبوك» من أغسطس (آب) حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2020، من 25000 صفحة ومجموعة عامة». ويتركز الجمهور على «فيسبوك» لدرجة أن هذه الصفحات والمجموعات تمثل 94 في المائة على الأقل من جميع التفاعلات - الإعجابات والمشاركات وردود الفعل - لمشاركات الصور السياسية.

واستخدم الباحثون تقنيات التعرف على الوجه للتعرف على الشخصيات العامة، وتتبعوا الصور المعاد نشرها، ثم قاموا بتصنيف عمليات السحب العشوائية الكبيرة للصور في عينتنا، بالإضافة إلى الصور الأكثر إعادة نشرها.

بشكل عام، كانت النتائج التي توصلوا إليها قاتمة: 23 في المائة من منشورات الصور في بياناتنا تحتوي على معلومات مضللة. ووجدوا أن المعلومات الخاطئة تم توزيعها بشكل غير متساوٍ على أسس حزبية، بينما احتوت 5 في المائة فقط من المشاركات ذات الميول اليسارية على معلومات مضللة، فإن 39 في المائة من المشاركات ذات الميول اليمينية احتوت على معلومات مضلّلة.

كانت المعلومات الخاطئة التي رُصدت على «فيسبوك» متكررة للغاية وبسيطة في كثير من الأحيان. على الرغم من وجود الكثير من الصور التي تمت معالجتها بطريقة مضللة، فإن عدد هذه الصور يفوق عدد النصوص المضللة، أو لقطات شاشة لمشاركات مزيفة من منصات أخرى، أو منشورات تلتقط صوراً غير متغيرة وتحرفها.

على سبيل المثال، تم نشر صورة مراراً وتكراراً كدليل على أن مذيع قناة «فوكس نيوز» السابق كريس والاس كان شريكاً مقرباً من المفترس الجنسي جيفري إبستين. في الواقع، الرجل ذو الشعر الرمادي في الصورة ليس إبستين، بل الممثل جورج كلوني.

وكانت منشورات الصور على «فيسبوك» سامة بطرق تجاوزت المعلومات الخاطئة البسيطة؛ إذ رصد عدد لا يحصى من الصور التي كانت مسيئة أو كارهة للنساء أو عنصرية ببساطة. كانت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة، وهيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، وكمالا هاريس، نائبة الرئيس الأميركي، وميشيل أوباما أكثر الأهداف شيوعاً للانتهاكات.

جهل جماعي

وقال الباحثون: إنه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به في فهم الدور الذي تلعبه المعلومات الخاطئة المرئية في المشهد السياسي الرقمي. وبينما لا يزال «فيسبوك» أكثر منصات التواصل الاجتماعي استخداماً، يتم نشر أكثر من مليار صورة يومياً على منصة «فيسبوك» الشقيقة «إنستغرام»، ومليارات أخرى على «سناب شات» المنافس. وقد تكون مقاطع الفيديو المنشورة على «يوتيوب»، أو «تيك توك» مؤخراً، أيضاً ناقلاً مهماً للمعلومات السياسية المضللة التي لا يعرف الباحثون عنها سوى القليل.

واختتم الباحثون دراستهم: «ربما تكون النتيجة الأكثر إثارة للقلق في دراستنا هي أنها تسلط الضوء على اتساع نطاق الجهل الجماعي بالمعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي. تم نشر مئات الدراسات حول هذا الموضوع، لكن حتى الآن لم يفهم الباحثون المصدر الأكبر للمعلومات المضللة على أكبر منصة للتواصل الاجتماعي».

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

صانعو الذكاء الاصطناعي يحذرون من إمكاناته لـ«قتل الناس جميعاً»!

الولايات المتحدة​ أناس أمام جناح شركة «إنفليم» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)

صانعو الذكاء الاصطناعي يحذرون من إمكاناته لـ«قتل الناس جميعاً»!

حذر عدد من المشرعين الأميركيين وباحثون لدى كبرى شركات التكنولوجيا من أن السباق الجاري لتطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم يمكن أن يؤدي إلى «قتل الناس جميعاً».

علي بردى (واشنطن)
تكنولوجيا شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)

روبوت بشري يتجاوز التقليد إلى تركيب حركات جديدة بالذكاء الاصطناعي

درّب باحثون روبوتاً بشرياً على حركات معقدة باستخدام بيانات بشرية محدودة ما أتاح له مزج المهارات وتنفيذ مهام جديدة بمرونة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)

خاص «إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

ترى «إرنست ويونغ» أن سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتطلب قدرات محلية ومواهب وحوكمة لا توطين البيانات والبنية فقط.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)

خاص «تحالف» لـ«الشرق الأوسط»: الرياض تختبر قدرة الفعاليات العالمية على إنتاج أثر اقتصادي مستدام

تبحث «تحالف» في تحويل «Money20/20» إلى منصة ذات أثر مستدام عبر العملاء والاستثمارات والشراكات والتوسع المحلي والدولي للشركات.

نسيم رمضان (الرياض)
العالم شعار شركة «أنثروبيك» ولوحة مفاتيح ويد آلية في هذه الصورة الملتقطة في 5 يونيو 2026 (رويترز)

«أنثروبيك»: الصين وإيران ضمن دول استخدمت الذكاء الاصطناعي للتجسس

أعلنت شركة «أنثروبيك»، الخميس، أنها أغلقت عمليات تجسس عدة برعاية دول استخدمت نماذجها للذكاء الاصطناعي للمراقبة، من بينها الصين وإيران.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)

روبوت بشري يتجاوز التقليد إلى تركيب حركات جديدة بالذكاء الاصطناعي

شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)
شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)
TT

روبوت بشري يتجاوز التقليد إلى تركيب حركات جديدة بالذكاء الاصطناعي

شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)
شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)

طوّر باحثون من جامعتي كاليفورنيا في بيركلي وستانفورد إطاراً جديداً للذكاء الاصطناعي يتيح للروبوتات البشرية تعلم مجموعة واسعة من الحركات المعقدة انطلاقاً من بيانات الحركة البشرية، بما يشمل الركض والرقص والقفز والحركات القتالية والعجلات الهوائية. ويحمل النظام اسم «BeyondMimic»، وقد نُشرت نتائجه في مجلة «Science Robotics».

الفكرة الأساسية لا تقتصر على جعل الروبوت يقلّد حركة بعينها، بل على تدريبه على مجموعة من المهارات الحركية ثم منحه القدرة على تركيبها واستخدامها في مهام لم يواجهها أثناء التدريب. ويستهدف الباحثون بذلك معالجة أحد أبرز تحديات الروبوتات البشرية الحالية، إذ تستطيع كثير من الأنظمة تنفيذ مجموعة محدودة من الحركات بشكل جيد، لكنها تحتاج غالباً إلى تدريب أو ضبط منفصل لكل حركة أو مهمة جديدة.

ساعتان ونصف من الحركة البشرية

اعتمد الفريق في التدريب على نحو 2.5 ساعة من بيانات الحركة البشرية، تضمنت المشي والركض والرقص وفنوناً قتالية وقفزات وحركات أكروباتية أخرى. وبعد ذلك جرى تكييف هذه الحركات مع أبعاد ومفاصل روبوت «G1» البشري من شركة «Unitree Robotics».

واستخدم الباحثون التعلم المعزز لتدريب سياسات التحكم على محاكاة مواضع أعضاء الجسم واتجاهاتها وسرعاتها أثناء الحركة. وفي هذا النوع من التدريب، يحصل النظام على مكافآت عندما يتتبع الحركة المرجعية بصورة دقيقة، بينما تُفرض عليه عقوبات عند تنفيذ حركات متقطعة أو وضع المفاصل في أوضاع غير آمنة أو التسبب في احتكاكات غير مرغوبة بين أجزاء الجسم.

ووفق الفريق، أتاحت هذه الطريقة للروبوت إتقان حركات شديدة الديناميكية ضمن إعداد موحد بدلاً من الحاجة إلى ضبط منفصل لكل مهارة. وتشمل الأمثلة الركض والركلات الدورانية والركلات الهوائية والعجلات الأكروباتية.

من التقليد إلى تركيب الحركات

الجزء الأكثر أهمية في «BeyondMimic» يأتي بعد مرحلة التقليد المباشر. فقد استخدم الباحثون نموذجاً رياضياً لضغط الحركات التي تعلمها الروبوت إلى تمثيل مبسط، ثم دربوا نموذج انتشار «Diffusion Model» على استخدام هذه التمثيلات لإنشاء تسلسلات حركية جديدة. وبذلك، لا يحتاج الروبوت إلى استدعاء حركة محفوظة كما هي فقط، بل يمكنه مزج مجموعة من المهارات الحركية بما يتناسب مع الهدف المطلوب.

وتوضح الصفحة الرسمية للمشروع أن النظام يستطيع تنفيذ مهام مثل التحرك نحو نقاط محددة، والتحكم عبر عصا قيادة وتجنب العوائق من دون تدريب منفصل مخصص لكل مهمة. ويصف الباحثون هذه القدرة بأنها انتقال من مجرد تتبع الحركة إلى تحكم أكثر مرونة في كامل جسم الروبوت.

يهدف النهج إلى بناء روبوتات بشرية أكثر مرونة قادرة على التكيف مع مهام متعددة من دون إعادة تدريب منفصلة لكل حركة (الجامعة)

اختبار المهارات على روبوت حقيقي

بدأ الباحثون باختبار النظام في المحاكاة، قبل نقل مجموعة من المهارات إلى روبوت «Unitree G1» فعلي. وتم نشر 30 مقطعاً حركياً تمثيلياً على الروبوت، الذي تمكن من تنفيذ حركات تضمنت أوضاع التوازن والرقص والزحف والركض والركلات والقفزات الدورانية والعجلات الهوائية.

كما شملت التجارب تقييماً بشرياً لمقارنة طبيعية الحركة. وشارك 77 شخصاً في مقارنة طريقة المشي والركض الناتجة عن «BeyondMimic» مع الحركات التي ينتجها نظام التحكم القياسي الخاص بروبوت «Unitree». وفي 70.8 في المائة من المقارنات، اعتبر المشاركون أن حركات «BeyondMimic» تبدو أكثر طبيعية وشبهاً بحركة الإنسان.

الذكاء الاصطناعي المادي

تتجاوز أهمية هذا النوع من الأبحاث استعراض قدرات الروبوت على أداء الحركات الأكروباتية. فإحدى المشكلات الأساسية في تطوير الروبوتات البشرية تتمثل في بناء أنظمة تحكم يمكنها التعامل مع مهام متنوعة من دون إعادة تدريب كاملة في كل مرة.

ويشير الباحثون إلى أن النظام يستطيع استخدام المهارات المكتسبة للتعامل مع أهداف جديدة، مثل تجنب العوائق أو التنقل إلى موقع محدد، مع نقل هذه القدرات من المحاكاة إلى الأجهزة الحقيقية مباشرة في بعض الاختبارات. ويمثل هذا النوع من المرونة عنصراً مهماً في تطوير ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي المادي، حيث لا تقتصر النماذج على معالجة النصوص أو الصور، بل تتحكم في آلات وروبوتات تتفاعل مباشرة مع البيئة المحيطة.

آفاق الاستخدامات العملية

لا يعني نجاح التجارب أن الروبوت أصبح جاهزاً لتنفيذ جميع المهام البشرية في البيئات الواقعية. فالنتائج الحالية تركز أساساً على التحكم الحركي وتوليد حركات مرنة، وليس على إتمام مهام صناعية أو منزلية معقدة بصورة مستقلة.

ويشير فريق البحث إلى إمكانية توسيع النظام مستقبلاً ليشمل نطاقاً أوسع من الحركات واختباره على منصات روبوتية بشرية أخرى. كما يفتح النهج الباب أمام تدريب الروبوتات على مكتبات أكبر من الحركة البشرية، ثم استخدام تلك المهارات في مهام لم تكن جزءاً مباشراً من بيانات التدريب الأصلية.

ويبقى التحدي التالي هو الانتقال من إتقان الحركة نفسها إلى دمجها مع الإدراك والتخطيط واتخاذ القرار، بحيث لا يعرف الروبوت فقط كيف يتحرك مثل الإنسان، بل أيضاً متى يستخدم الحركة المناسبة لتنفيذ مهمة حقيقية بأمان وكفاءة.


«إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)
البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)
TT

«إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)
البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)

لم تعد سيادة الذكاء الاصطناعي تُختصر في مكان وجود مراكز البيانات. فالفجوة بين توطين البنية التحتية وامتلاك القدرة الاستراتيجية أصبحت أكثر وضوحاً؛ إذ يمكن لدولة أن تحتفظ ببياناتها وحوسبتها داخل حدودها، بينما تظل معتمدة على الخارج في تقنيات أو خبرات أو قدرات أساسية.

ويرى ماركو بياجي، قائد الذكاء الاصطناعي والبيانات في «إرنست ويونغ» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن تعريف السيادة يحتاج إلى أن يكون أوسع من مجرد مكان وجود الخوادم والبيانات، خاصة في السعودية، حيث يترافق الاستثمار في البنية الحاسوبية مع توسع سريع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد والجهات الحكومية،

ويشرح، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» الذي عقد في الرياض أواخر أغسطس (آب) الفائت، أن المسألة تشمل القدرة على تطوير المواهب والمعرفة والمنظومة المحلية اللازمة لإنشاء حلول الذكاء الاصطناعي ونشرها وتوسيع استخدامها، بما يعزز القدرة التنافسية والمرونة والاستقلالية على المدى الطويل.

ماركو بياجي قائد الذكاء الاصطناعي والبيانات في «إرنست ويونغ» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الشركة)

ما الذي يجب أن يبقى تحت السيطرة المحلية؟

داخل هذه المعادلة، يضع بياجي البيانات والبنية التحتية بين المكونات التي تزداد أهميتها باعتبارها أصولاً استراتيجية ينبغي الحفاظ على مستوى مرتفع من السيطرة المحلية عليها.

ووفق رؤيته، لا يعني ذلك بناء منظومة مغلقة أو محاولة الاستغناء عن الشركاء العالميين. فالشراكات يمكن أن تستمر في توفير التكنولوجيا والخبرات والمواهب التي تحتاج إليها السوق خلال مراحل تطور القدرات المحلية.

ويفسر بأن النموذج الأكثر فاعلية يقوم على السيطرة على الأصول الاستراتيجية، مع استخدام التعاون الدولي لتسريع الابتكار وبناء القدرات، بدلاً من التعامل مع السيادة والانفتاح بوصفهما خيارين متعارضين.

هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة للسعودية، لأن بناء منظومة محلية لا يحدث في فراغ. فنماذج الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنى السحابية والبرمجيات تتطور بوتيرة تجعل التعاون مع المنظومات العالمية جزءاً من عملية التطور نفسها.

وبالتالي، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بما إذا كانت المملكة ستستخدم تكنولوجيا عالمية أم لا، وأكثر ارتباطاً بأي أجزاء من سلسلة القيمة تريد الاحتفاظ بقدرة مستقلة على إدارتها وتطويرها واتخاذ القرار بشأنها.

اقتصاد الذكاء الاصطناعي

لكن هل امتلاك البنية لا يعني تلقائياً أن الاستثمار تحوّل إلى قيمة اقتصادية؟

يجيب بياجي بأن البنية التحتية وحدها لا تخلق العائد، وأن الأثر يبدأ عندما تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وتدمجه في العمليات الأساسية، وتعيد من خلاله تشكيل طريقة أداء العمل واتخاذ القرارات. وبذلك ينتقل مقياس النجاح من كمية القدرة الحاسوبية المتاحة إلى مستوى استخدامها الفعلي، ومدى ارتباطها بطلب حقيقي وتطبيقات يمكن أن تنتج نتائج قابلة للقياس.

وتضع هذه الرؤية أمام المؤسسات السعودية تحدياً مختلفاً عن مجرد شراء التكنولوجيا أو إطلاق تجارب جديدة. فالمسألة تصبح مرتبطة بمدى قدرة الإدارة على اختيار حالات استخدام ذات أثر واضح، وإعادة تصميم العمليات حولها، وإدارة التغيير داخل المؤسسة. ويلفت بياجي إلى أن المؤسسات الأكثر نجاحاً في تبني الذكاء الاصطناعي لا تتعامل معه كمبادرة ابتكار منفصلة، بل تربطه بعمليات العمل الرئيسية، مع إعطاء الأولوية للتطبيقات ذات الأثر المرتفع والاستثمار في إدارة التغيير.

سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز توطين البيانات إلى بناء المعرفة والمواهب والقدرات المحلية (شاترستوك)

من مساعد ذكي إلى «وكيل»

تتغير معادلة السيادة والحوكمة بصورة أكبر مع ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي لا تكتفي بتقديم توصية، بل تستطيع تنفيذ سلسلة من الخطوات واتخاذ إجراءات داخل أنظمة المؤسسة. وهنا يميز بياجي بين مفهوم السيادة وقضية الحوكمة والسلامة والمساءلة. فكلما ازدادت استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، تحتاج المؤسسة إلى وضع ضوابط تحدد ليس فقط ما الذي يستطيع الوكيل القيام به، وإنما متى يجب إيقافه أو تصعيد القرار إلى شخص مسؤول أو إخضاعه لمراجعة إضافية. ويعتبر أن هذه الضوابط ينبغي أن تدخل في تصميم النظام نفسه، لا أن تضاف بعد نشره، لأن الثقة في الوكلاء المستقلين ستعتمد جزئياً على وضوح حدود عملهم وصلاحياتهم.

أين يجب أن يبقى القرار للإنسان؟

تزداد حساسية هذا السؤال عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات مثل التمويل والصحة والخدمات الحكومية والبنية التحتية الحرجة. ويرى بياجي أن الإشراف البشري يجب أن يبقى جزءاً أساسياً من القرارات التي تحمل أثراً كبيراً مالياً أو اجتماعياً أو قانونياً أو على السلامة. ففي القطاعات شديدة التنظيم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع سرعة وكفاءة اتخاذ القرار، لكن المسؤولية النهائية برأيه ينبغي أن تبقى لدى أشخاص مخولين بذلك.

المعادلة التي يطرحها لا تقوم إذاً على الاختيار بين الإنسان والآلة، بل على توزيع مختلف للأدوار حيث تستخدم المؤسسة سرعة الأتمتة وقدرتها على معالجة كميات كبيرة من المعلومات، مع إبقاء الحكم والمسؤولية والمساءلة البشرية في القرارات الأكثر حساسية.

مع توسع وكلاء الذكاء الاصطناعي تصبح الحوكمة وحدود الصلاحيات والمساءلة البشرية عناصر أساسية في التصميم (شاترستوك)

الحوكمة ليست عائقاً للتوسع

تظهر هنا مفارقة أخرى تواجه المؤسسات، حيث إنه كلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، ترتفع المخاطر، لكن المبالغة في الضوابط قد تؤدي إلى إبطاء الابتكار.

بياجي يرفض وضع الحوكمة والابتكار في اتجاهين متعاكسين، معتبراً أن الغرض من الحوكمة ليس تقليل عدد مشاريع الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل توفير مستوى من الثقة يسمح للمؤسسة بالانتقال من الاختبارات إلى الاستخدام واسع النطاق ضمن إطار واضح للمخاطر. ويذكر أن المعيار الصحيح ليس تعظيم عدد المبادرات، وإنما تعظيم النتائج التي تحققها الأعمال مع إبقاء المخاطر ضمن الحدود المقبولة.

إنتاج ملكية فكرية سعودية

لا ترتبط المرحلة التالية من بناء السيادة فقط باستخدام حلول موجودة، بل بقدرة السوق المحلية على تطوير منتجات وخدمات وملكية فكرية خاصة بها. ويؤكد بياجي أن الوصول إلى التكنولوجيا لا يكفي لتحقيق ذلك. فبناء الملكية الفكرية المحلية يحتاج إلى تطوير المواهب، وتشجيع ريادة الأعمال، وإنشاء منظومات تدعم الابتكار، والأهم وجود طلب محلي على الحلول المطورة داخل السوق. فكلما اتسع الاستخدام، واكتسبت المؤسسات خبرة أعمق في تطبيق الذكاء الاصطناعي، زادت إمكانية تطوير حلول مختلفة يمكن استخدامها محلياً ثم نقلها إلى أسواق خارجية.

هذه النقطة تنقل مفهوم السيادة إلى مستوى اقتصادي أكثر وضوحاً. فالدولة التي تستضيف التكنولوجيا ليست بالضرورة الدولة التي تنتج القيمة الأعلى منها، ما لم تتشكل داخلها شركات ومهارات وملكية فكرية قادرة على تحويل البنية إلى منتجات وخدمات قابلة للتوسع.

ما الذي سيحدد النجاح بحلول 2030؟

عندما يصل النقاش إلى عام 2030، لا يختار بياجي مؤشراً واحداً للحكم على نجاح المنظومة السعودية. يعد أن المواهب المحلية والملكية الفكرية واستخدام القدرة الحاسوبية والصادرات ومستويات التبني كلها عوامل مهمة. لكنه يعطي وزناً أكبر لمدى الثقة في استخدام الذكاء الاصطناعي وقوة المنظومة التي تدعم هذا الاستخدام.

ويشدد على أن المنظومة القوية تخلق بصورة متتابعة فرصاً لتطوير المواهب وإنتاج الملكية الفكرية والابتكار ورفع استخدام البنية التحتية. وإذا أصبح الذكاء الاصطناعي يحقق قيمة على نطاق واسع في قطاعات متعددة ويدعم نمواً اقتصادياً مستداماً، فإن عدداً من المؤشرات الأخرى سيتحسن تباعاً.


«تحالف» لـ«الشرق الأوسط»: الرياض تختبر قدرة الفعاليات العالمية على إنتاج أثر اقتصادي مستدام

تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)
تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)
TT

«تحالف» لـ«الشرق الأوسط»: الرياض تختبر قدرة الفعاليات العالمية على إنتاج أثر اقتصادي مستدام

تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)
تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)

ربما لن تكون ثلاثة أيام في الرياض وحدها كافية للحكم على نجاح النسخة الجديدة من مؤتمر «Money20/20 الشرق الأوسط» أو غيرها من المؤتمرات العالمية الضخمة. فالاختبار الفعلي يبدأ بعد مغادرة المشاركين وطرح عدة أسئلة:

هل تحولت الاجتماعات إلى عملاء؟ هل تقدمت محادثات التمويل؟ هل قررت شركات دولية دخول السوق السعودية؟ وهل استخدمت شركات محلية العلاقات التي بنتها للانتقال إلى أسواق جديدة؟

هذه هي المقاييس التي تضعها أنابيل ماندر، نائبة الرئيس التنفيذي في شركة «تحالف»، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، عند الإجابة عن الدور الاقتصادي طويل الأجل للفعاليات الدولية الكبرى، متجنبةً اعتبار الحضور أو عدد اللقاءات دليلاً كافياً على الأثر.

تستضيف الرياض «Money20/20 الشرق الأوسط» من 14 إلى 16 سبتمبر (أيلول) 2026 فيما يأتي بعد أسابيع قليلة من استضافة مؤتمر «ليب 2026» أواخر أغسطس (آب) وقبل استعداد العاصمة السعودية أيضاً للدورة العاشرة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» من 26 إلى 29 أكتوبر (تشرين الأول). وتضع هذه الفعاليات الكبرى وغيرها قطاعات مختلفة، من التكنولوجيا والخدمات المالية إلى الاستثمار والمعادن، ضمن أجندة متزايدة من المؤتمرات الدولية في الرياض.

أنابيل ماندر نائبة الرئيس التنفيذي في «تحالف» (الشركة)

من «التعارف» إلى نتيجة تجارية

تقول ماندر إن الإشارات الأهم التي تعقب تلك الأحداث تظهرت في استمرار بعض المحادثات بعد انتهاء المؤتمر من حيث مواصلة لقاءات المؤسسين مع المستثمرين، إلى شركات بدأت استكشاف شراكات، فضلاً عن استمرار التواصل بين جهات من الصناعة والمنظمين.

لكنها تحذر من المبالغة في نسب نتائج الصفقات إلى الحدث نفسه. فالمنصة قد تجمع طرفين، أو تساعد نقاشاً قائماً على التقدم بصورة أسرع، لكن الشركات هي التي تتولى التفاوض وإتمام الاستثمار أو الشراكة.

ولهذا، فإن عدّ الاجتماعات لا يجيب عن السؤال الأهم. فاجتماع واحد يمكن أن يؤدي إلى دخول سوق جديدة، في حين قد تنتهي عشرات اللقاءات من دون نتيجة تجارية. ويصبح القياس، وفق ماندر، مرتبطاً بكيفية انتقال العلاقة من تقديم أولي إلى نقاش استثماري أو شراكة محتملة أو خطة دخول سوق، ثم بما تستطيع الأطراف تأكيده لاحقاً بشأن النتيجة.

العميل الفعلي مؤشراً للنمو

هذا المنطق ينعكس أيضاً على طريقة قياس تطور منظومة التقنية المالية السعودية. فالجولة الاستثمارية ليست المؤشر الوحيد، وقد لا تكون دائماً المؤشر الأكثر أهمية.

تضع ماندر في مقدمة المؤشرات حصول الشركة على عملاء يدفعون مقابل الخدمة، وتحول تجربة تجريبية إلى خدمة تعمل فعلياً، وتأسيس فرق محلية، وفوز شركات سعودية بأعمال خارج المملكة.

وتشير إلى أن حصول شركة تقنية مالية على أول عميل مصرفي كبير قد يكون على القدر نفسه من الأهمية الذي تحمله جولة تمويل، لأنه يقدم دليلاً مباشراً على وجود طلب ويعطي الشركة قاعدة يمكن أن تنطلق منها إلى نمو أوسع.

كما تشمل المعايير الوظائف ونقل المعرفة، خصوصاً عندما تبقى الخبرات داخل السوق وتتحول إلى قدرات لدى الفرق المحلية. وعلى مدى عدة دورات، تقترح ماندر النظر إلى ما إذا كانت الشركات المشاركة أصبحت توظف عدداً أكبر، وتخدم مزيداً من العملاء، وتدخل أسواقاً إضافية.

يمكن للرياض الاستفادة من تجمع البنوك والمستثمرين والمنظمين والشركات الناشئة لتسريع النقاشات التجارية لكن النتائج النهائية تبقى مسؤولية الشركات نفسها (تحالف)

الحاجة إلى أكثر من مستثمر

تكمن إحدى صعوبات نمو شركات التقنية المالية في أن التمويل لا يحل وحده جميع العقبات. فالشركة قد تحتاج في اللحظة نفسها إلى عميل مصرفي، وشريك تجاري، وفهم للترخيص، وقناة توزيع، ورأس مال إضافي. ومن هذا المنطلق، ترى ماندر أن القيمة المحتملة لجمع البنوك والمستثمرين والجهات التنظيمية والشركات الناشئة في مكان واحد تأتي من القدرة على إجراء عدة أنواع من المحادثات بالتوازي، وليس من وجود مؤتمر بحد ذاته.

وتوضح أن الشركات المالية والتقنية الدولية التي تدرس دخول السوق السعودية قد تستخدم هذه اللقاءات لفهم العملاء المحتملين والشركاء والمتطلبات التشغيلية، فيما تستطيع الشركات السعودية التواصل مع مستثمرين أو شركاء خارج المملكة.

الحوار لا يعني تغيير السياسة

أحد المجالات التي يمكن أن يبالغ فيها وصف أثر المؤتمرات هو دورها في التنظيم، خصوصاً في قطاع مالي يخضع لمتطلبات دقيقة. لهذا تضع ماندر فاصلاً واضحاً هنا، إذ إن الجهات التنظيمية هي التي تتخذ قرارات السياسة والترخيص، بينما يمكن للقاءات مع الشركات والبنوك أن تساعد في تعريف المشكلة بصورة أفضل.

فقد يرى مؤسس شركة أن متطلباً معيناً يعرقل إطلاق منتجه، في حين يراه البنك مشكلة في التكامل التقني، بينما تحتاج الجهة التنظيمية إلى أدلة أكثر حول حماية العميل. ومقارنة هذه التصورات قد تحدد الأسئلة التي تتطلب مزيداً من العمل، لكنها لا تعني بالضرورة أن الحوار سينتهي إلى تغيير تنظيمي.

أربعة مجالات لفرصة سعودية أوسع

بعيداً عن الحدث نفسه، تحدد ماندر المدفوعات بين الشركات، والمصرفية المفتوحة، والتمويل المدمج، والتقنية المالية المتوافقة مع الشريعة ضمن المجالات التي ترى أنها تحمل فرصاً للسعودية لبناء حضور دولي.

وتربط المدفوعات بين الشركات بمشكلات يومية مثل إدارة التدفقات النقدية وتحصيل المدفوعات والحصول على التمويل، وهي احتياجات لا تقتصر على السوق السعودية ويمكن أن تمنح المنتج المحلي مجالاً للتوسع.

وفي التقنية المالية المتوافقة مع الشريعة، ترى إمكانية لتطوير منتجات تستهدف مستخدمين في أسواق دولية، شرط أن تجمع الابتكار المالي مع فهم المتطلبات الخاصة بهذه الفئة. أما القاعدة التي تضعها للتوسع الخارجي فهي أن تبدأ الشركة بحل مشكلة بصورة قوية في السوق المحلية، لكنها تفكر منذ مرحلة تطوير المنتج في إمكانية استخدامه خارجها.

اليوم الثالث من معرض «ليب 2026» الذي استضافته الرياض أواخر أغسطس

الأصول المرمّزة أقرب إلى السوق

عند الانتقال إلى التقنيات الناشئة، تميز ماندر بين الأصول المرمّزة والأموال القابلة للبرمجة والتمويل الذاتي. وتقول إن الأصول المرمّزة تمتلك المسار الأكثر وضوحاً على المدى القريب للتبني التجاري في المنطقة، خصوصاً في تطبيقات مؤسسية محددة يمكن إثبات فائدتها الاقتصادية. كما ترى إمكانات في الأموال القابلة للبرمجة لتحسين تنفيذ وتسوية المدفوعات، لكنها تربط انتشار هذه الحلول ببنية موثوقة، ووضوح تنظيمي، وفائدة تجارية كافية تدفع العملاء إلى تغيير الأنظمة المستخدمة بالفعل.

أما «التمويل الذاتي»، فتتعامل معه بحذر أكبر، لأن أتمتة مهمة محددة تختلف عن السماح لنظام مستقل باتخاذ قرارات مالية معقدة، حيث تصبح أسئلة المسؤولية والثقة أكثر صعوبة. وتضيف أن الفاصل التجاري في النهاية ليس حداثة التقنية، بل قدرتها على حل مشكلة حقيقية بموثوقية تجعل العملاء يستخدمونها مراراً.

حدود التوسع الدولي

تنطبق المعادلة نفسها على شركات التقنية المالية السعودية التي تسعى إلى التوسع خارج المملكة. فالنجاح محلياً يوفر نقطة انطلاق، لكن كل سوق يحمل توقعات مختلفة للعملاء، ومتطلبات تنظيمية، وآليات شراء وعلاقات توزيع خاصة به. ووفقاً لماندر، تحتاج الشركات إلى عملاء واضحين وشركاء محليين وفرق تعرف السوق، إضافة إلى تطوير قدرات الحوكمة والامتثال وخدمة العملاء بالتوازي مع النمو.

كما أن رأس المال المخصص للتوسع يجب أن يأخذ في الاعتبار المدة اللازمة لإنشاء عملية تجارية مستدامة، بدلاً من التعامل مع تأسيس كيان في بلد جديد بوصفه نقطة النهاية. وتختصر ماندر الفارق بوضوح قائلة إن دخول السوق يمثل محطة، لكن القدرة على الفوز بأعمال متكررة هي الاختبار الحقيقي.

اختبار 2028

تضع ماندر عام 2028 كموعد يمكن عنده تقييم ما إذا كان الحدث قد تحول إلى جزء فعلي من منظومة التقنية المالية السعودية. وتشير إلى أنه بحلول ذلك الوقت ينبغي أن يكون ممكناً إظهار شركات حصلت على عملاء، أو تقدمت في استثماراتها، أو دخلت السعودية، أو توسعت دولياً نتيجة علاقات تطورت من خلال «Money20/20 الشرق الأوسط». كما تتوقع أن تظهر شركات عائدة إلى الحدث في مرحلة مختلفة عن مشاركتها الأولى. على سبيل المثال، مؤسس أصبح صاحب شركة توظف عدداً أكبر، أو شركة دولية وسعت فريقها السعودي، أو علاقة مصرفية تحولت إلى خدمة قائمة.

لكن هذا الهدف يضع بدوره معياراً يمكن اختباره. فالقول إن فعالية دولية أصبحت جزءاً من البنية التحتية لقطاع التقنية المالية يتطلب أكثر من الحضور الدولي والزخم الإعلامي. كما يتطلب إثبات أن العلاقات التي بدأت خلالها استمرت بعدها وأنتجت نشاطاً تجارياً قابلاً للرصد.