قد لا يكون القولون العصبي مجرد اضطراب في العلاقة بين الأمعاء والدماغ كما ظل يُعتقد؛ إذ تكشف دراسة وراثية دولية واسعة عن خيط بيولوجي جديد يربط الاستعداد للإصابة بالمرض بآليات استقلاب الدهون ووظائف الكبد ولا سيما تنظيم مستويات الدهون الثلاثية في الدم، وذلك في اكتشاف قد يعيد رسم فهم المرض ويفتح الطريق أمام علاجات أكثر استهدافاً لآلياته.
وتشير الدراسة المنشورة في دورية «Gut» لشهر يوليو (تموز) 2026 إلى أن اضطراب تنظيم الدهون الثلاثية triglycerides قد يمثل حلقة مفقودة في لغز متلازمة القولون العصبي Irritable bowel syndrome (IBS) بعدما وجد الباحثون ارتباطاً بين الاستعداد الجيني للإصابة بالمتلازمة وارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم.
وبرز في هذا الارتباط جين GCKR الذي يؤدي دوراً مهماً في تنظيم استقلاب الغلوكوز والدهون داخل الكبد، ما يلمّح إلى أن الكبد والعمليات الأيضية قد يكون لهما دور أكبر في نشأة القولون العصبي مما كان معروفاً سابقاً.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة مع انتشار المتلازمة على نطاق واسع؛ إذ تصيب أكثر من 10 في المائة من عموم السكان، وتتسبب في أعراض مزمنة تشمل آلام البطن المتكررة والانتفاخ والإمساك أو الإسهال، بينما لا تزال الآليات البيولوجية الدقيقة التي تقف وراء المرض غير مفهومة بالكامل.
أكبر خريطة جينية للقولون العصبي
وقاد الدراسة البروفسور ماورو دامّاتو أستاذ علم الوراثة الطبية في جامعة LUM في كازاماسيما إيطاليا وباحث في معهد CIC bioGUNE الإسباني ضمن تعاون دولي واسع جمع بيانات وراثية وصحية من 2775539 شخصاً في 22 بنكاً حيوياً حول العالم.
وقارن الباحثون بين الأشخاص المصابين بالقولون العصبي وغير المصابين به بحثاً عن اختلافات في الحمض النووي قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة. وأسفر التحليل عن تحديد 35 منطقة في الجينوم البشري مرتبطة بخطر الإصابة بالقولون العصبي.
وكان بعضها متوقعاً؛ إذ ارتبط بجهاز الأعصاب والدماغ والجهاز العصبي المعوي، وهو شبكة معقدة من الأعصاب تتحكم في وظائف الجهاز الهضمي. لكن المفاجأة كانت في ظهور ارتباط قوي بين بعض الإشارات الجينية المرتبطة بالقولون العصبي وخصائص استقلابية وقلبية وعائية.
وباستخدام أساليب حسابية متقدمة، وجد الباحثون أدلة تشير إلى وجود علاقة سببية محتملة بين الاستعداد الجيني للقولون العصبي وارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم.
وبرز جين GCKR بصورة خاصة؛ إذ يؤدي دوراً رئيسياً في تنظيم استقلاب الغلوكوز والدهون داخل الكبد. وتوجد نسخة جينية معروفة من هذا الجين ترتبط بزيادة تراكم الدهون في الكبد وارتفاع إنتاج الدهون الثلاثية. ويرى الباحثون أن هذه النتائج تطرح احتمال وجود مسار بيولوجي يربط الكبد والتمثيل الغذائي بالأمعاء، إلى جانب المسار المعروف الذي يربط الدماغ والجهاز العصبي بالأمعاء.
وقال دامّاتو إن العلماء يعرفون منذ فترة طويلة أن القولون العصبي يتضمن حواراً معقداً بين الأمعاء والدماغ لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذا الحوار يشمل أيضاً الجهاز الأيضي في الجسم، وأن تنظيم الدهون ووظائف الكبد قد يمثلان جزءاً من الصورة التي ظلت ناقصة.
من الجينات إلى تطوير الأدوية
ولم تتوقف الدراسة عند اكتشاف الروابط الجينية؛ إذ بحث الفريق أيضاً في أنماط نشاط الجينات المرتبطة بالقولون العصبي بهدف معرفة ما إذا كانت هناك أدوية أو مركبات يمكنها عكس التغيرات الجزيئية المرتبطة بالمرض.
وحدد الباحثون عدداً من المركبات التي أظهرت قدرة محتملة على عكس هذه الأنماط، وكان من بينها أدوية تستخدم لعلاج أمراض القلب واضطرابات الدهون. وقد يفتح ذلك الباب أمام ما يعرف بـإعادة توظيف الأدوية أي اختبار أدوية موجودة أصلاً لعلاج أمراض أخرى لمعرفة ما إذا كان يمكن استخدامها لعلاج القولون العصبي لدى فئات محددة من المرضى.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تعني أن أدوية خفض الدهون أو علاج اضطرابات الكبد أصبحت علاجاً للقولون العصبي؛ إذ تحتاج هذه الفرضيات إلى اختبارات سريرية للتأكد من فاعليتها وسلامتها لدى المرضى.
وتشير الدراسة إلى أن القولون العصبي قد لا يكون مرضاً واحداً بالآلية نفسها لدى جميع المرضى، بل ربما توجد مسارات بيولوجية مختلفة تقود إلى الأعراض. وقد يساعد فهم هذه المسارات مستقبلاً في تقسيم المرضى إلى مجموعات بحسب الآلية التي تقف وراء حالتهم، ثم اختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل مجموعة بدل الاعتماد على نهج علاجي واحد للجميع.
ويقول الباحثون إن النتائج تدعم رؤية أكثر شمولاً للقولون العصبي تتجاوز مفهوم «محور الأمعاء والدماغ» التقليدي لتشمل أيضاً الكبد والتمثيل الغذائي والدهون في الدم.
وتأتي الدراسة ضمن مبادرة دولية تعرف باسم bellygenes شاركت فيها مؤسسات أكاديمية وطبية من أوروبا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى، واستفادت من قواعد بيانات سكانية ضخمة بينها UK Biobank وFinnGen وMillion Veteran Program وAll of Us.
وقد تمثل هذه الخريطة الجينية الجديدة خطوة مهمة نحو فهم سبب اختلاف أعراض القولون العصبي واستجابة المرضى للعلاج، وربما نحو تطوير علاجات مستقبلية تستهدف السبب البيولوجي للمرض بدل الاكتفاء بتخفيف أعراضه.