مي المنقرية وذو الرمة: الماء يطلق شرارة الحب ولا ينجح في إطفائها أبداً

لغته الجاهلية المتسمة بالوعورة أكسبها الحب كثيراً من الرقة

مي المنقرية وذو الرمة... صورة تخيلية
مي المنقرية وذو الرمة... صورة تخيلية
TT

مي المنقرية وذو الرمة: الماء يطلق شرارة الحب ولا ينجح في إطفائها أبداً

مي المنقرية وذو الرمة... صورة تخيلية
مي المنقرية وذو الرمة... صورة تخيلية

لم يحظَ غيلان بن عقبة التميمي الملقب بذي الرمة، بالاهتمام نفسه الذي حظي به أقرانه من شعراء العصر الأموي، سواء أولئك الذين شغلتهم موضوعات المديح والهجاء والسياسة كالأخطل والفرزدق وجرير، أو الذين شاطرهم اهتمامهم بموضوع الغزل والحب، مثل عمر بن أبي ربيعة والشعراء العذريين. والأرجح أن السبب في ذلك يعود إلى ملازمته الصحراء وابتعاده عن المدن والحواضر ومركز الخلافة، فضلاً عن وعورة شعره الذي عُرف بالطرديات. إلا أن في تجربة ذي الرمة ما يمكن حمله على محمل المفارقة البحتة، حيث إن اللغة الخشنة والمخيلة البرية اللتين عبر بواسطتهما عن عالم الصحراء الموحش، يخليان مكانيهما حين يتعلق الأمر بالحب، إلى مفردات وصور أقل وعورة وتعقيداً، ويكتسبان الكثير من الرقة والعاطفة الصادقة والسلاسة التعبيرية.

جوانب القوة الشعرية

أما معاصرو ذي الرمة من الشعراء والرواة والنقاد، فقد رأوا أن جوانب القوة في شعره تتمثل في جودة وصفه، كما ذهب الكميت، وفي تميز تشبيهاته ورقة شكواه، كما ذهب الأصمعي، وفي كونه أخذ من طريف الشعر وحسنه ما لم يسبقه إليه أحد، كما قال جرير والفرزدق. وحيث وضعه كثيرون في مقدمة الطبقة الثانية من الشعراء، آخذين عليه إلحاحه على تناول موضوعات الطلول والإبل وعوالم الصحراء، فقد رأى حماد الراوية أن ما أخّر القوم عن ذكره هي حداثة سنه وحسدهم له، كما عدّه ابن قتيبة أوصف الشعراء وأحسنهم تشبيهاً، فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع. وإذ عده البعض آخر شعراء الجاهلية، ذكر الرواة أن ذا الرمة لم يكن الشاعر الوحيد وسط أسرته، بل كان أشقاؤه الثلاثة مسعود وجرفاس وهشام يتبارون في نظم الشعر.

والطريف في الأمر أن الخلاف حول ذي الرمة، لم ينحصر في الجانب الشعري وحده، بل تعداه إلى الجانب المتعلق بملامحه ومواصفاته الشكلية. ففي حين يذكر محمد بن داود أن ذا الرمة كان مدوّر الوجه حسن الشَّعر أجعده أقنى أنزع أكحل وحسن الضحك، يذكر سيد الغنوي أنه كان «كناز اللحم مربوعاً قصيراً وأنفه ليس بالحسن». والأرجح أنه كان وفق معظم معاصريه، أقرب إلى الدمامة منه إلى الوسامة، بحيث اضطرت أمه إلى مخاطبة الهازئين منه بالقول: «استمعوا إلى شعره ولا تنظروا إلى وجهه».

وُلد غيلان بن عقبة بن ربيعة التميمي في نجد عام 696 م، وكان يكنّى منذ صغره بأبي الحارث. أما لقب ذي الرمة الذي اشتهر به، فقد اختلف حوله المؤرخون، حيث روى بعضهم أن خرقاء العامرية قد لاحظت في أثناء شربه الماء أنه يضع على كتفه قطعة من حبل مهترئ، فقالت له: «اشرب يا ذا الرمة». وروى آخرون أن الحصين بن عبدة الذي صنع له تعويذة تقيه من رهاب الظلمة، قابله وهو بصحبة أمه بعد سنوات، وإذ استحسن أبياتاً رددها غيلان على مسامعه، التفت إلى أمه قائلاً: «لقد أحسن ذو الرمة»، فغلب اللقب على اسمه الأصلي.

أما عن شرارة الحب الأولى التي اندلعت بينه وبين مي، فيخبرنا أبو الفرج الأصفهاني أن ذا الرمة خرج في طلب الماء مع أخيه وابن عمه، حتى إذا أقبلوا على حوض عظيم، وجدوا امرأة عجوزاً تقف وراءها صبية فاتنة الجمال. وحين استسقوهما التفتت العجوز إلى الفتاة وأشارت إليها أن تصب الماء في قربة غيلان، الذي ألهاه افتتانه بالفتاة عن تثبيت القربة بحيث كان الماء يندلق بمعظمه في الخارج. وحين لاحظت العجوز ذلك قالت له «يا بني، ألْهَتْكَ مي عمّا بعثك أهلك له، أما ترى الماء يذهب يميناً وشمالاً؟». فقال ذو الرمة للعجوز: «أما والله ليطولنّ هيامي بها». وحين خاطبته مي بقولها إن أهله كلّفوه أكثر من طاقته وهو بعد غلام حديث السن، استشعر استصغارها لشأنه فارتجل أبياتاً من الشعر كانت الأولى التي نظمها في حياته.

وإذا كانت هذه القصة تتقاطع مع الكثير من قصص الحب المماثلة عند العرب، وبينها قصة جميل مع بثينة، حيث الطرفان يلتقيان عند الماء ويتعاركان حول أولوية الانتفاع منه، فلأن الماء يمتلك في عالم الشظف الصحراوي دلالته الخاصة بوصفه رمزاً للحياة نفسها. وحين تتشابك عبره ومن حوله النظرات الولهى للبشر المتحابين، تبدو كأنها تبحث عن مواءمة مستحيلة بين عنصرَي الماء والنار، اللذين لا قِبل لأحدهما أن يتعايش مع الآخر. كما أن العراك الذي يسبق العشق، يعكس حالة التوتر التي ترافق الانجذاب إلى الآخر من جهة، والخوف من عدم استجابته من جهة أخرى، بما يجعل الحب نوعاً من الرقص على الحبال الفاصلة بين الشغف والتوجس، أو بين الانجذاب وسوء التفاهم. ولم يقتصر أمر التشابه بين الشعراء العشاق على سيرهم الشخصية وحدها، بل يطال أشعارهم في الوقت ذاته. إذ إننا نعثر على الكثير من ظلال جميل بثينة في لاميّة ذي الرمة التي يقول فيها:

خليلي عوجا عوْجة ناقتيكما

على طللٍ بين القرينة والحبْلِ

وهل همَلانُ العين يُرجع ما مضى

من الدهر أو يدنيكِ يا مي من أهلي

أقول وقد طال التنائي ولبّست

أمورٌ بنا أسبابَ شغلٍ إلى شغلِ

ألا لا أبالي الموت إن كان قبله

لقاءٌ لميّ وارتجاعٌ من الوصلِ

اللقاء الأول

ويروي أحمد بن الحسين السراج في «مصارع العشاق»، أن صديقاً لذي الرمة مسناً وبالغ الظرف، عرض عليه أن يرافقه على ناقته للقاء مي والوقوف على أحوالها، وحين وصلا إلى ديارها كان بنو منقر قد ذهبوا جميعاً إلى الغزو، فتحلقت حولهما النسوة، ثم ظهرت مي بوجهها الصبوح وقوامها الرشيق وشعرها الأسود الفاحم. ولم تكد النسوة تطلبن من الشاعر العاشق شيئاً من الشعر حتى أنشد:

وقفتُ على رسمٍ لميّة ناقتي

فما زلتُ أبكي عنده وأخاطبُهْ

وأسقيهِ حتى كاد مما أبثه

تكلمني أحجاره وملاعبُهْ

ثم يتابع السراج قائلاً بأن مياً كانت قد أهدت ذا الرمة قارورة فيها دهنُ طيِب وقلادة لمعصمه، عاهدها ألا يخرجها من يده أبداً.

وكما ألحّ قيس وجميل وعروة على اقتحام منازل حبيباتهم، كذلك فعل ذو الرمة الذي لم يتوانَ عن زيارة منزل حبيبته الزوجيّ، ظناً منه أن زوجها لن يكتشف هويته الحقيقية، وسيستقبله بترحاب كما يستقبل العرب ضيوفهم. إلا أن زوج مي عرف غريمه ورفض استقباله، فبدأ الشاعر ينشد بصوت مرتفع:

أتاركة يا مي أيامنا الألى

بذي الإثل، أم لا ما لهن رجوعُ؟

وإذ سيطرت على الزوج مشاعر الغيرة والشك بماضي زوجته، وهتف بالأخيرة «قومي اشتميه وقولي له: أيها السافل أيّ أيام كانت لي معك بذي الإثل؟»، فأجابته بقلق: «إنه ضيف، والشاعر يقول أي شيء». على أن الزوج لم يقتنع بجوابها ثم انتضى سيفه وهدد بقتل ذي الرمة، قبل أن تذعن مي وتنفذ ما طلبه زوجها منها. وقد وفرت الصدفة للشاعر سبيلاً لرد الإهانة، حين ركب مع بعض أصحابه قاصداً ترقيع خفه الممزق، فالتقى كوكبة من الجواري. وحيث استهوته بينهن فتاة رائعة الجمال، وسألها مازحاً إذا كانت ترضى برتق خفه، أجابت بأنها خرقاء لا تحسن ذلك العمل. فأطلق عليها ذو الرمة اسم خرقاء، وشرع في التغزل بها ليثير من خلالها غيرة حبيبته. ولم تقف الأمور بين الطرفين عند ذلك الحد، بل إن الشاعر وبعض أصحابه التقوا مياً وسلموا عليها، فقالت: «وعليكم إلا ذا الرمة». فنظم في ذلك أبياتاً تتجاوز العتاب إلى الهجاء، قائلاً:

أيا مي لا مرجوع للوصل بيننا

ولكنّ هجراً بيننا وتَقالِيا

ألا تريَنَّ الماءَ يخبث طعمُهُ

وإن كان لونُ الماء في العين صافيا

وبينما يدحض بعض النقاد المحدثين وقوع مثل هذه الحادثة، يذهب ابن قتيبة إلى القول بأن مياً التي ساءها كثيراً قول ذي الرمة، سألته غاضبة ومستنكرة: «أتحب أن تذوق طعم الماء؟»، قال: «إي والله»، فقالت له: «ستذوق الموت قبل أن تذوقه».

ولم تكن مي تعلم أن ما وعدت به شاعرها العاشق آنذاك سيكون له طابع الاستشراف وقوة الحدس، وهو الذي استشعر موته المبكر حين قال: «أنا ابن نصف الهرم». وحين أحس ذو الرمة بالاعتلال ودنوّ الأجل، أشار لأهله وهم يمرون في إحدى الوهاد أنه لا يحب أن يُدفن في بطون الأودية، فدفنوه في مكان مرتفع يُدعى رملة الدهناء، كان قد ذكره كثيراً في شعره. أما مي المنقرية فقد عاشت من بعده إلى أن أدركت سن الشيخوخة، حتى إذا سألها أحد الخبثاء: «ما الذي دفع ذا الرمة إلى أن يقول فيكِ ما قاله من شعر؟»، أشارت إلى جارية شابة وفائقة الجمال وقالت له: «يا بنيّ، لقد رأيتني وقد ولّيتُ وذهبتْ محاسني، ولو رأيتني يومئذ لازدريت هذه الفتاة».

الخلاف حول ذي الرمة لم ينحصر في الجانب الشعري وحده؛ بل تعداه إلى الجانب المتعلق بملامحه ومواصفاته الشكلية


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».