أرض غودو

الماضي لا يزال حيّاً بالنّسبة إلينا ولن ينتهي قَطُّ

زقورة عقرقوف قرب بغداد
زقورة عقرقوف قرب بغداد
TT

أرض غودو

زقورة عقرقوف قرب بغداد
زقورة عقرقوف قرب بغداد

يفرض القدر على بعض الشّعوب أن تعيش في عالم مقفل وبلا مخرج، ويظهر على الجميع عندها توقٌ إلى العيش في الماضي، لأنّه من المستحيل البقاء في القاع إلى الأبد. وعندما يكثر السّؤال وينعدم الجواب، لا يقدر غير الفنّ على تقديم الحلول. كلّ طَلَلٍ هو عمل فنّي لا يُملّ ولا تنفدُ طاقة الحياة فيه لأنّه حُمِّلَ بكلّ شذى الأيّام الغابرة، ويُعجب المرء به، ويتأمّله مثل أثَر مقدّس مصون في خزنة زجاجيّة. إنّ من يحاول العيش في ذكرى الأمس البعيد يفكّر في أمرين؛ الرّغبة في العزلة عن الحاضر، والتوق إلى التواصل مع الأسلاف، كما أنّ المستقبل لم يعد مغناطيسيّاً وجاذباً. بهذه الصّورة عبّر فلوبير عن انتقامه من العالم الذي كان يعيش فيه بكتابة رواية «صالامبو» وأقرّ بذلك بشكل عفويّ: «قليلون هم من سيكتشفون إلى أي حدّ ينبغي على المرء أن يكون حزيناً حتى يتكبّد عناء إحياء قرطاجة».

أوّل مرّة وقعت عيناي فيها على البحر كانت في «باكو»، وكان يفصله عنّي شارع عريض وشاطئٌ لم أتبيّنْه، ثم اتّجهتُ إليه وكان البرْجُ الشّهير باسم (قلعة الفتاة) يقع في طريقي، فاتّجهتُ بعيني بلهفة واحدة، نحو البرج وإلى جهة البحر، وصار منذ تلك السّاعة عندي مشهد الماضي معادلاً في موضوعه وفي شكله لرؤية البحر. سرتُ على الشّاطئ نحو نصف ساعة، عدتُ بعدها متعجّلاً لفحص القلعة شبراً شبراً، وكان الدّليل السياحي يشرح لي تفاصيلَ عن التاريخ وعن البناء والهندسة والحبّ والقهر والنصر في أنحاء البناء، وكذلك الهزيمة. وفي نهاية الزيارة كان عقلي ممتلئاً بأرقام السنين وبأسماء رجالات التاريخ، إلى أن تبخّر من مسام بدني كلّ ما رغبتُ فيه من حجارة البناء، ومن عطرها والحياة فيها، فرميتُ بنفسي نحو شاطئ البحر ثانية، وكنتُ أسير وأسير محاولاً نفض ما علق بي من مادّة مسمومة بعلم التاريخ الذي يكاد يتشابه في جميع جهات الأرض. ثم صار هذا الأمر من عوائدي التي لا أقبل بديلَها مهما كان السبب، كلما وجدتُ الحياة القديمة في طريقي صددتُ عن أي شيء تقوله كتب التاريخ، لأن ما أبتغيه هو الماضي وليس رجاله الذين صنعوا الحروب والهزائم والانتصارات الزّائفة.

تمثال الحجَر يبقى بعد زوال المدينة الحجر، ودليل السياحة في المكان القديم لا يقدّم للّزائر معلومة مفيدة، لأنّه يكْشط السّحر والفنّ عن الأثر القديم ويعيده إلى الواقع الحاضر، بينما يودّ بعضُنا أن يضحّي بسنينه على أن يحتويه دفء الماضي ورائحته، فتتغيّر عندها حياته وهو يتأمّل الحجارة خاشعاً. لقد احتوت أيّامه على أيّام وسنين وعقود جديدة، وهي وظيفة الفنّ الرئيسيّة؛ توسيع الحياة في جميع الجهات، عن طريق استرجاع واستحضار تجارب عاشها ناسٌ غيرنا، وانتقلت إلينا عن طريق سحر الفنّ، وهذا شرح لما تُدعى نظرية ادّخار الطاقة، أي نقلها من الماضي إلى أيامنا. دليل السياحة يشبه بحيرة سوداء تطمس فيها أقدامنا، تلوّثها بمعنى ما من آثار الحاضر، فتَعوق سيرَنا في الطّريق إلى اكتشاف الفنّ في التاريخ القديم وتاريخنا، والأمر هنا يشبه الفرق بين قراءة رواية «صالامبو»، أو كتاب علمي في التاريخ عن تلك الحقبة من الزمن.

كما لو أنّ للأحجار ذاكرة تحفظ الأحداث والأسماء، ولساناً ينطق وعيناً ترى وقلباً يخفق، والأرض التي تضمّ هذه الحجارة تختلف عن غيرها بالتأكيد. بهذه الصورة يخضع المكان القديم إلى ما يمكن أن ندعوه قانون الشعريّة، الذي يمنحه دثاراً حيّاً يملأ عين ساكنه دهشة، ويجعل ترابه يختلف ولون الماء الجاري، حتى الهواء كأنه مصنوع من مادة أكثر عذوبة. المكان بلا تاريخ شعري ليس مكاناً، بل هو قفْرٌ لا حياة فيه، ولا جماد، ويسري الأمر نفسه على المدينة التي نزورها وتلك التي نتخذها مثوى، بينما نجد المهندسين يصممون مدناً غريبة ويشقّون شوارعَ عريضة لا أوّل لها ولا آخر. لكنك تهجرها حتماً، ويقودك سيرك الحثيث إلى حيث تقع البلدة القديمة والسوق القديمة والناس العتيقون كأنهم أشباح تعيش في الماضي. هنا تنزلق بصمات الخلائق من على جدران المباني وسقوفها، وفيها كذلك مسحة من مشاعرهم، يذوبون فيها وتتعتّق مثل النبيذ بهم، ولا يسكن هذا الجزء من المدينة غودو وإخوانه، فهؤلاء يطلبون المدينة الحديثة، المتاهة الفارغة الصامتة، الخالية من أي نور للروح، محتَمين بأسوارها الزجاجيّة، منطوين على أسرارهم، ناطقين بلا شيء غير الكوابيس ورافضين أي فكرة للخلاص. هل يشبه هؤلاء قوم يأجوج ومأجوج، الذين حبسهم الإسكندر ذو القرنين ببناء سدّ منيع حولهم؟

ميلان كونديرا

يتجدّد في العاصمة بغداد في هذه السنين كل شيء، لكن نفسي بقيت مشدودة إلى الشّوارع القديمة والمقاهي القديمة والمطاعم. ليس في الأمر نوستالجيا مريضة تعشق كلّ ما في الماضي وتفضّله على الحاضر، لكنها رؤية شعريّة للوجود. اليوم ينتهي، الغد ينتهي لأنّه غير كائن، وحده الأمس لا ينتهي لأنّنا نعيشه في خيالنا، وكذلك في الواقع. الماضي مكتملٌ إذن ولهذا فهو من أعمال الفنّ، كما أن لفظة «الآن» غير حقيقيّة، لأنّ زمنها يمتدّ آلاف السّنين إلى الوراء، وبهذا يكون الماضي لا يزال حيّاً بالنّسبة إلينا، ولن ينتهي قَطُّ. عندما نقترب من المبنى القديم فإننا نعيش زمننا زائداً عقوداً تبلغ العشرات صارت ودَرَست، ولم تَمُت. يقول ميلان كونديرا: «إننا نعيش في الحاضر مغمَضي العيون ولن يمكننا أن نفهم ما نقع فيه من خيارات إلا عند انقضاء الحاضر، أي حينما يصبح ماضياً». الميّت هو الحاضر لأنه لا وجود له، ولأنه بلا خبرة مثل فرْخ غادر بيضَته في الحال، فلا يستطيع العيش وحده، وإن حاول جاهداً صارت عيشته من طينٍ غودويّ قاتم...

ثمّة نظريّة أميركيّة في فنّ العمارة تقول إن كلَّ جديد قبيحٌ حتماً، والمبنى الذي عمره نصف قرن وأكثر يكون باهي الصورة وإن كان دكّاناً مهجوراً في سوق الخردة. الجديد والمشغول بالمال الجديد، في أي مكان في الدنيا، ولأنه من صنع بني البشر، فهو مكانٌ عدمٌ يعيش فيه غودو وإخوانه، بينما مرّت على القديم يد الزمان - أي رسمته فرشاة لا تُقلّد ولا يكون لها بديل، ولهذا السبب تحرص الأمم المتحضّرة على الطريق القديم وغباره، وعلى الساحة القديمة تتردّد فيها أبواق القرون الغابرة، وعلى روح المباني بكلّ صورة، فلا يبدّل القائمون على فنّ العمارة ملّيمتراً من هذه التحف الأسطوريّة ثمناً بأعلى برج في مدينة جديدة تتآخى فيها الحداثة مع التطوّر.

صموئيل بيكيت

قرأ يحيى حقّي مسرحيّة «في انتظار غودو» لصموئيل بيكيت مرات ولم يفهم، وأُصيب يوماً بحمّى شديدة وأتى على الكتاب بلهفة وأدرك معناه. سأتوقّف قليلاً مع هذه السخونة التي ألمّت بكاتبنا لأن عدم الكشف عنها ربما يصيب كلَّ ما قلته بالعطب. عندما يفقد المكان شعريَّته يتردّى ناسُه في صراع وجودي مع تناقضات لا تُحصى تزخر بها أرضُهم، كأنهم شخصيّات انفلتت من مسرحيّة بيكيت الشهيرة، دون هويّة واسم ووجه. في أرض غودو ثمة عدمية لا نهائيّة تتشرّب فيها الأشياء، وتسبب حمّى تلسع الجلد، وتهبط شيئاً فشيئاً إلى العظام، وهي ليست عرضاً من مرض بل هي جواب عن سؤال يبقى معلّقاً دون حلّ: كيف يمكن العيش في لا مُستقرّ؟ شعرية المكان إذن هي تعريف جديد للوطن، وحيثما عثرتَ على أرض فيها شعر فهي أرضك...

للكاتبة الأميركية ماري ليرنر قصة عنوانها «نفوس صغيرة» تصف فيها برجاً «أشبه بكتلة من التراب لأنه مبنيّ من الطابوق المفخور بالشمس الذي يثير سُمْكُه الدهشة، وبين كل 3 أو 4 أقدام طبقة من القصب. وأكثر ما لفت انتباهنا هي الطّراوة الغريبة للقصب، كأنه وُضِعَ قبل بضع سنوات فقط، مع أن أفضل الروايات تؤكد أنه بُنِي قبل أكثر من 4 آلاف سنة». شاهدتُ مثل هذا النوع من القصب في جدران زقورة عقرقوف، في المدينة التي تقع قرب بغداد، وكانت عاصمة للكيشيين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وتلمّستْ يداي طراوتَه، وكان يبدو أكثر حقيقيّة من النّبات الحيّ. إن (عصب) الحياة في تلك الأزمان يشبه هذا القصب الذي لم يَمُت، لكنه تحمّل بحيوات مضاعفة عبر قرون من السنين، وصار كأنه خالد بهذه الواسطة.

ثمّة نظريّة أميركيّة في فنّ العمارة تقول إن كلَّ جديد قبيحٌ حتماً والمبنى الذي عمره نصف قرن وأكثر يكون باهيَ الصورة وإن كان دكّاناً مهجوراً في سوق الخردة

أختم الكلام بمشهد من حياة أغاثا كريستي مع زوجها عالِم الآثار ماكس مالوان، وكان يعمل في أحد التلال غرب نهر الفرات، وطلب منها أن تختار ثوباً ترتديه في ذلك اليوم، وكي يصفه لزوجته فإنه اختار استعارة من صميم عمله، فجاء وصفه آثاريّاً: «البسي تلك السترة الضاربة إلى الخضرة التي تحمل نقشاً معينيّاً على شكل تلّ (خلف)». قاطعته زوجته قائلة: «أتمنى عليك ألّا تستخدم لغة الحفريّات في وصف ثيابي». لقد اختار عالم الآثار في ساعة أن ينظر إلى الماضي بعين أديب شاعر، وهذا ما أرتئيه وأفضّله في كلّ مرة أقتربُ فيها من المبنى الجديد والقديم والأقدم. تمثال الحجر يبقى، والمدينة القديمة ليست سوى تمثالٍ كلّها من حجر، وإلّا ما سكنتها الأشباحُ وغيرُ الفانين من بني البشر.


مقالات ذات صلة

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

ثقافة وفنون كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

لطالما كانت الكتب التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون «توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم

«توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم

لا تنفصل البنية السردية في رواية بشرى الهلالي «توقيت آخر للحياة» (دار الحكمة، لندن) عن سياق السرديات العراقية المعاصرة المحكومة باستراتيجية المواجهة مع الصدمة؛

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون الكاتب الذي يموت مرتين

الكاتب الذي يموت مرتين

قد يموت الكاتب مرتين. مرة حين يتوقف الناس عن القراءة له، ومرة حين يوارى جسده في أعماق التراب. المفارقة أن الموت الأول قد يسبق الثاني بسنوات طويلة،

خالد الغنّامي

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.