مخيم جنين... رمز لقضية «الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني»

تُركت المخيمات في ظروف غير إنسانية فنشأت في داخلها مقاومة من «الجيل الجديد»

مدخل مخيم جنين وقد عمّه الدمار... وفي الخلفية عربة عسكرية إسرائيلية (إ.ب.أ)
مدخل مخيم جنين وقد عمّه الدمار... وفي الخلفية عربة عسكرية إسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

مخيم جنين... رمز لقضية «الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني»

مدخل مخيم جنين وقد عمّه الدمار... وفي الخلفية عربة عسكرية إسرائيلية (إ.ب.أ)
مدخل مخيم جنين وقد عمّه الدمار... وفي الخلفية عربة عسكرية إسرائيلية (إ.ب.أ)

ليست هذه هي المرة الأولى، التي تقدم فيها السلطات الإسرائيلية على عملية اجتياح لمخيم جنين للاجئين الفلسطينيين بهدف «تدمير البنى التحتية» للنشاط المسلح للمنظمات الفلسطينية.

ومن الواضح أن هذه العملية «لن تكون الأخيرة»، لسبب بسيط هو أن «التدمير»، كما في عمليات سابقة، ليس مضموناً. وسنستمع بعد سنوات قليلة إلى تصريحات تتحدث عن خطة أخرى «لتدمير البنى التحتية». فالقضية ليست قضية بضعة مقاتلين فلسطينيين اختاروا الكفاح ضد الاحتلال، بل هي قضية وجود المخيم برمته، كرمز للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.

مخيم اللاجئين هذا، أُقيم في عام 1953 في الحي الغربي لمدينة جنين، الواقعة في أحد الأطراف الشرقية من مرج بن عامر. وهو يعد ثاني أكبر مخيم لاجئين في الضفة الغربية بعد مخيم بلاطة.

وتم إنشاؤه في حينه بواسطة وكالة «الغوث» التابعة للأمم المتحدة، بالتعاون مع المملكة الأردنية، على مساحة 372 دونماً، واضطرت السلطات الأردنية إلى توسيعه قبل سنة 1967، ليستوعب التكاثر الطبيعي. ويسكن فيه اليوم ما يقارب 27 ألف نسمة (25 ألفاً وفق إحصاءات سنة 2005)، غالبيتهم كانوا في الأصل من أهالي مدينة حيفا وغيرها من بلدات جبل الكرمل.

حالما احتلت إسرائيل الضفة الغربية، دخلت في نقاشات حول مخيمات اللاجئين، فهي كانت تتهم الدول العربية المجاورة (سوريا ولبنان والأردن)، بإقامة مخيمات اللاجئين لـ«تخليد الصراع». وتقول إنها؛ أي إسرائيل، استوعبت مئات ألوف اليهود المهاجرين من الدول العربية، لكنها لم تقم لهم مخيمات، بل سارعت إلى دمجهم في المجتمع الإسرائيلي وتوطينهم في البلدات الإسرائيلية.

مسعفون ينقلون جريحاً خلال العملية الإسرائيلية واسعة النطاق في مدينة جنين يوم الاثنين (د.ب.أ)

لكن الآن أصبح تحت سيطرتها 32 مخيم لاجئين للفلسطينيين (24 مخيماً في الضفة الغربية و8 مخيمات في قطاع غزة)، ولم تفعل شيئاً مغايراً، وأبقت على هذه المخيمات غير صالحة للسكن الإنساني، قابعة في فقر مدقع وبطالة واسعة وظروف معيشة غير إنسانية. وفي ظل حكمها المتواصل منذ 56 عاماً (باستثناء فترة «أوسلو» من 1995 وحتى 2002)، تعاملت معها كـ«بؤر عداء»، وهاجمتها بقوات عسكرية كبيرة.

الانتفاضة الفلسطينية الثانية

وفي سنة 2002، علا نجم مخيم اللاجئين في جنين بشكل خاص، بسبب الأحداث التي شهدها في شهر أبريل (نيسان)، حيث اجتاحته قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي. وفي حينه، اعتبروه معقلاً لقيادة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي كانت مسلحة. وقرروا أيضاً «تصفية البنية التحتية للإرهاب». وتبين أن الشباب الفلسطيني في المخيم، نصبوا كميناً لهذه القوات، وبضربة واحدة كبّدوها 23 قتيلاً ما بين ضباط وجنود. وردت القوات الإسرائيلية بهجوم جنوني استمر 10 أيام، دمرت خلاله 150 بيتاً وقتلت 53 فلسطينياً (نحو نصفهم مدنيون).

نشطاء فلسطينيون يشتبكون في معركة بالأسلحة النارية مع الجيش الإسرائيلي في جنين (إ.ب.أ)

ورغم مرور 21 سنة على تلك المعركة، بقي العداء سافراً بين إسرائيل والمخيم؛ فنشأت في داخله قوة مقاومة من «الجيل الجديد»، الذي يشبه «عرين الأسود» في نابلس، و«كتائب جبع» و«كتائب طولكرم»، وغيرها، التي تتمرد على جميع الفصائل الفلسطينية التقليدية وترفض الانقسام بينها، ويتعاون فيها شباب «فتح» و«حماس» و«الجهاد» وغيرهم، معاً، ويصبون كل همهم ضد الاحتلال. ويطلقون عمليات نوعية موجعة ضد الجنود الإسرائيليين والمستوطنين، وفي السنة الماضية نفذوا عمليات حتى داخل تل أبيب وغيرها من البلدات الإسرائيلية.

تحريض اليمين

وقد استخدم اليمين الإسرائيلي المتطرف هذا المخيم، كأداة تحريض على الجيش وغيره من الأجهزة الأمنية، فاتهم قادته بالتخلي عن عقيدة الإقدام القتالية وعن عقيدة الاشتباك مع العدو، واستفزوا الجيش قائلين: «أنتم لا تجرؤون على دخول مخيم جنين».

وراحت قيادة الجيش تجاري هذه الاتهامات وتحاول البرهنة على أنها لا تخاف. ووضعت خطة اقتحام جديدة للمخيم في زمن حكومة يائير لبيد، وتدربت عليها طيلة السنة الماضية. ووضعت لها العنوان القديم نفسه: «تصفية البنى التحتية للإرهاب» في جنين. وشملت التدريبات حتى سلاح الجو.

نقل فلسطيني إلى المستشفى بعد إصابته خلال هجوم القوات الإسرائيلية على جنين الاثنين (د.ب.أ)

وفي 19 يونيو (حزيران) الماضي، حاولت تنفيذ عملية اجتياح، لكنها فوجئت برد الفعل؛ فقد نصب لها الشباب الفلسطينيون كميناً، وقاموا بتفعيل عبوات ناسفة ثقيلة ضد السيارات العسكرية المصفحة، وتمكنوا من تدمير مدرعة إسرائيلية حديثة عندما دخلت منطقة ملغومة، بعبوة ناسفة محلية الصنع وزنها 40 كيلوغراماً، كما أعطبوا سبع مدرعات بقذفها بالصواريخ. وخرجت القوات الإسرائيلية بسبع إصابات بين صفوف جنودها. ورغم أنها قتلت في حينه خمسة فلسطينيين وتسببت بجراح لـ30 شخصاً، أدركت أن الإخفاقات زادت على الإنجازات.

وانتظرت القوات الإسرائيلية مرور عيد الأضحى، لتعيد التجربة. وبدأت فجر (الاثنين) المعركة بواسطة شن غارات جوية عبر الطائرات المسيّرة وطائرة «أباتشي» مروحية مقاتلة.

ومع أن حكومة بنيامين نتنياهو ليست المبادرة إلى هذه العملية، التي، كما أشرنا، بدأ الإعداد لها في عهد لبيد، فإن الحكومة الحالية تحمست لها وصادقت على كل بنودها ومنحت الجيش حرية التصرف بالكامل فيها، على أمل أن ينشغل الإسرائيليون بها ويتخلوا عن حملة الاحتجاج على خطتها الانقلابية على منظومة الحكم والجهاز القضائي.

مركبات قتالية إسرائيلية على الطريق في جنين بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

الجيش من جهته يريدها عملية محدودة، ليقلل من فوائدها لهذه الحكومة، لكنه ليس الجهة الوحيدة المسيطرة على زمام الأمور. فمثل هذه المعارك، تعرف كيف تبدأ، ولكنك لا تعرف كيف تتطور لاحقاً، وكيف سيتصرف بقية اللاعبين، وما إن كانت ستتدحرج إلى صدام أكبر.

وتبقى قصة مخيم جنين رمزاً للقضية الكبرى؛ «الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني»، الذي يخطئ الإسرائيليون كثيراً عندما يحسبون أنه يعالَج بالطرق العسكرية.


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته في الضفة ويستمر في محاصرة الخليل

المشرق العربي الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته في الضفة ويستمر في محاصرة الخليل

واصل الجيش الإسرائيلي عمليته العسكرية في الضفة الغربية وواصل محاصرة الخليل واعتقال مزيد من الفلسطينيين وهدم المنازل

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يتجادلون مع جنود من الجيش الإسرائيلي خلال احتجاج ضد تهجيرهم من منازلهم في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

إسرائيل توسع عملياتها بالضفة لتأكيد الحضور يوم الانتخابات

الجيش الإسرائيلي يوسع عملياته في الضفة للحفاظ على وجود ميداني في يوم الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
أوروبا جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وذلك في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

3 نواب بريطانيون يقولون إن السلطات الإسرائيلية منعتهم من دخول الضفة الغربية

قال ثلاثة نواب بريطانيون إن السلطات الإسرائيلية احتجزتهم لمدة ثماني ساعات، ومنعتهم من دخول الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ) p-circle

الحملة الإسرائيلية في الخليل تفتح خلافاً بين الحكومة والجيش

عملية الخليل تتحول إلى محل خلاف بين نتنياهو والجيش الذي يطلب إنهاء العملية في ظل النتائج العملياتية الضعيفة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

شهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية توسّعاً مستمراً منذ عام 1967 رغم الضغوط الدولية، لكنّ وتيرته تسارعت بشكل ملحوظ منذ عودة نتنياهو إلى السلطة عام 2022.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته في الضفة ويستمر في محاصرة الخليل

الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته في الضفة ويستمر في محاصرة الخليل

الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

واصل الجيش الإسرائيلي التصعيد في الضفة الغربية، الأربعاء، واقتحم مناطق في شمال ووسط وجنوب الضفة، وهدم منازل واعتقل فلسطينيين، في محاولة للحفاظ على وجود ميداني واضح في أيام الانتخابات.

واقتحم الجيش مناطق واسعة في نابلس وبيت لحم وطولكرم ورام الله وقلقيلية، وهدم منزلاً وفجَّر آخر في بلدة بيتا جنوب نابلس قالت مصادر فلسطينية إنهما يعودان لمعتقلين. كما هدم بناية سكنية مأهولة، وجرف أرضاً في قرية الولجة، شمال غربي بيت لحم.

وفي القدس، أجبرت القوات الإسرائيلية فلسطينياً على هدم منزله في سلوان، جنوب المسجد الأقصى، بحجة عدم الترخيص.

وكان الجيش قد كثَّف عملياته في الضفة، الأسبوع الأخير. وإضافة إلى العملية التي أطلقها في الخليل جنوب الضفة، الجمعة الماضي، أطلق عملية في نابلس، الثلاثاء، فيما واصل مداهماته اليومية في مناطق أخرى.

وواصل الجيش عمليته الواسعة في الخليل لليوم السادس على التوالي، وداهم المزيد من منازل الفلسطينيين في منطقتي الجلدة ودير بحة في الخليل، واعتقل أربعة من مخيم الفوار ودورا جنوباً.

وقالت بلدية الخليل إن عدد العائلات المتضررة ارتفع إلى نحو 780 عائلة، إضافة إلى تشريد ومحاصرة ما يقارب من 5000 مواطن، سواء بإجبارهم قسراً عن النزوح عن منازلهم، أو محاصرتهم داخلها، خاصة في منطقتي الجلدة ودير بحة.

وبحسب بيانات نادي الأسير الفلسطيني، اعتقلت القوات الإسرائيلية منذ بداية عمليتها في الخليل 109 مواطنين بينهم فتاة، فيما احتجزت المئات ونكَّلت بهم.

وتواصلت العملية في الخليل رغم خلاف دب بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير قبل الانتخابات، بعدما طلب زامير إنهاء العملية في الخليل بسبب «النتائج العملياتية الضعيفة»، وهو ما رفضه كل من نتنياهو وكاتس.

وأعلن الجيش أنه فتش 500 موقع واعتقل العشرات ووجد حفرة تحت الأرض، لكنه لم يعلن عن ضبط كميات من الأسلحة أو بنى تحتية كما كان يأمل.

وفي وقت سابق، قال مصدر عسكري لهيئة البث الإسرائيلية (كان) إنه لا داعي لمواصلة العملية من أجل العثور على مسدس إضافي أو علم لـ«حماس»، ملمحاً إلى دوافع انتخابية وراء استمرار العملية.

وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش أراد الحفاظ على وجود ميداني في الضفة في أيام الانتخابات بسبب مخاوف من محاولة شن هجمات. وكان قد أغلق الضفة الغربية بالكامل عشية يوم الانتخابات.

وتخشى السلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني من عمليات تهجير جديدة في الضفة، وطالبتا المجتمع الدولي بالتدخل للجم التصعيد الإسرائيلي في الضفة.

ودعت مؤسسات المجتمع المدني إلى وقف التدهور الإنساني في مدينة الخليل ومسافر يطا وسائر أنحاء الضفة الغربية المحتلة، محذرة من تصاعد مخاطر التهجير القسري في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم والإغلاق وتقييد حركة الفلسطينيين.

وقالت في نداء مشترك إن الأوضاع الإنسانية تشهد تدهوراً متسارعاً، لا سيما في الخليل ومسافر يطا والتجمعات البدوية في جنوب الضفة الغربية، حيث تترافق إغلاقات الطرق والقيود المفروضة على حركة السكان مع صعوبات متزايدة في الوصول إلى مياه الشرب والخدمات الصحية والتعليمية والأراضي الزراعية.

وأشارت إلى أن هذه الممارسات أسفرت عن تشريد آلاف المواطنين الذين باتوا دون مأوى، محذرة من أن استمرارها يقوض مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي للسكان، ويزيد مخاطر النزوح والتهجير القسري، ويهدد الوجود الفلسطيني في هذه المناطق.


مقتل 5 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على قطاع غزة

جانب من الدمار جراء غارات إسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)
جانب من الدمار جراء غارات إسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مقتل 5 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على قطاع غزة

جانب من الدمار جراء غارات إسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)
جانب من الدمار جراء غارات إسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)

قُتل 5 فلسطينيين على الأقلّ، وأصيب آخرون، الأربعاء، جرّاء سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت مناطق مختلفة في قطاع غزة، وفق ما أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية.

وقال الجيش الإسرائيلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه «استهدف إرهابيين»، مشيراً إلى أن معلومات إضافية ستصدر في هذا الخصوص في وقت لاحق.

وأفاد الناطق باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، الوكالة بسقوط «3 شهداء وعدد من الإصابات، بعضهم بحالة حرجة جراء استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية نقطة لوزارة الاقتصاد، شمال مواصي رفح في جنوب قطاع غزة».

وأكّد مستشفى ناصر وصول 3 قتلى، هم محمود أبو نعمة، ومحمد حميد شريق أبو سلطان وهمام جبر السيد أبو لبدة، إضافة إلى 15 مصاباً إلى المرفق الطبي في خان يونس.

وقتل شخص رابع في قصف إسرائيلي على حارة البيوك، وسط المدينة الواقعة في جنوب القطاع، بحسب الدفاع المدني.

وقال مستشفى ناصر إنه تسلّم جثّة محمد عليان البيوك، الذي قضى في قصف على خان يونس.

ورغم خفض إسرائيل وتيرة ضرباتها مقارنة بما كانت عليه قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بوساطة أميركية مصرية قطرية، فإنها تواصل استهداف القطاع الذي تسيطر على نحو 70 في المائة من أراضيه بصورة شبه يومية. ومنذ ذلك الحين، قتل 1550 شخصاً على الأقل، بحسب وزارة الصحة في القطاع التابعة لـ«حماس».

وجاءت الضربات فيما تنتظر إسرائيل صدور النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، التي يبدو أن أيّاً من المعسكرين المتنافسين فيها لم يحصل على غالبية تخوّله تشكيل حكومة منفرداً.


السلطة والفلسطينيون في الضفة «يترقبون» الحكومة الإسرائيلية المنتظرة

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

السلطة والفلسطينيون في الضفة «يترقبون» الحكومة الإسرائيلية المنتظرة

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

عندما رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شعاره الشهير في الحملة الانتخابية الأخيرة «يمين أو فلسطين» كان يحاول تأليب الناخبين على منافسيه الآخرين، غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان، قائلاً إنهم سيمنحون الفلسطينيين دولة إن هم فازوا، وسيُحلون -كما زعم- كارثة على إسرائيل.

وبغض النظر عمَّن صدَّق نتنياهو من عدمه في إسرائيل، فإن الفلسطينيين لم يصدقوه قط؛ لأنهم يعرفون أكثر من غيرهم أن أياً من الزعماء الإسرائيليين في اليمين المتشدد أو اليمين الوسطي أو اليسار لن يعطيهم دولة، ولا حتى حكماً ذاتياً في هذه المرحلة.

وعلى الرغم من هذا الفهم العميق لدى غالبية الفلسطينيين، فإنهم يراقبون هذه الانتخابات دقيقة بدقيقة وينتظرون نتائجها النهائية باهتمام غير مسبوق؛ لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي القادم والوزراء من حوله سيقررون غالباً شكل الحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال السنوات المقبلة.

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»: «ندرك أن أي حكومة لن تطلق مساراً سياسياً في هذه المرحلة. هذا صعب ومعقد، وجميعهم لا ينوون إعطاءنا الحق في تقرير المصير وإقامة الدولة. وهذه مسألة لا نتراجع عنها ونواصل النضال من أجلها بكل الطرق».

وأضاف: «الكثير من الأشياء المصيرية الأخرى على المحك: مستقبل السلطة، الوضع الاقتصادي، مستقبل الضفة، الوضع الأمني في الضفة، إرهاب المستوطنين، مستقبل قطاع غزة، إعمار القطاع وحكم غزة. كل هذه قضايا مرتبطة بالائتلاف الذي سيحكم هناك».

واستطرد قائلاً: «إذا بقي ائتلاف نتنياهو اليميني مع وجود وزراء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش سنكون أمام وضع معقد وصعب ومصير مجهول. أما إذا شكل (غادي) آيزنكوت حكومة، أو حتى تشكلت حكومة وحدة من دون بن غفير وسموتريتش، فقد نشهد انفراجة».

السلطة الفلسطينية

تراقب السلطة الفلسطينية هذه العملية من كثب، وتُمني النفس بنجاح آيزنكوت وسقوط نتنياهو، بافتراض أن انفراجة أمنية واقتصادية مسألة محتملة وممكنة مع أي حكومة إسرائيلية جديدة غير الحكومة الحالية، وأن أي حكومة تقبل التفاوض حول القضايا الاقتصادية والأمنية العالقة وتفرج عن الأموال المحتجزة وتنتظم في التحويلات المالية ستكون «أهون الشرور».

ولا تعبِّر السلطة الفلسطينية عن ذلك صراحة، وإنما تلتزم الصمت، وتحاول أن تكون شديدة الحذر قائلة إن المسألة شأن داخلي.

وفي الانتخابات السابقة عام 2022، حاولت المساعدة على هزيمة نتنياهو، وحينها أصدر لها جهاز الأمن العام (الشاباك) بشكل واضح «تحذيراً شديداً» بعدم التدخل في الأمر.

وجاء التحذير آنذاك بعد أن التقى رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، ماجد فرج، قادة الأحزاب العربية، في اجتماع قال الإسرائيليون إنه هدف إلى إقناعهم بتوحيد صفوفهم، وقالت السلطة إنه لم يتناول الانتخابات.

وذكرت تقارير إسرائيلية حينئذ أن السلطة الفلسطينية عبَّرت لقادة الأحزاب العربية عن قلقلها من احتمال انخفاض نسبة المشاركة العربية في الانتخابات؛ ما قد يؤدي إلى عودة نتنياهو إلى السلطة بحكومة يمينية متشددة، وقالت إن المسؤول في السلطة الفلسطينية ذهب إلى حد اتهام المشرعين العرب بعدم القيام بما يكفي لمنع مثل هذا السيناريو.

ولم تحاول السلطة هذه المرة لقاء العرب، لكنها بلا شك كانت تملك قنوات تواصل بكل الطرق مع قادة الأحزاب العربية، وهي سعيدة بحجم المقاعد التي حصل عليها العرب في الكنيست، والتي تمنع في حقيقة الأمر نتنياهو من فوز صريح.

«مشروع المحو»

وقاد نتنياهو حكومة يمينية متطرفة صعَّدت ضد الفلسطينيين في الضفة بكل الطرق والأشكال وشنت حرباً دموية في قطاع غزة. وفي أثناء ذلك، عملت على إضعاف السلطة وحجزت أموالها، وأطلقت يد المستوطنين يقتلون ويهاجمون ويحتلون في الضفة، ودفعت خطة لتوسيع المستوطنات القائمة وإقامة جديدة، وربطها معاً في أحزمة استيطانية متصلة، وأنشأت في الضفة نحو 1000 حاجز عسكري وبوابة في محاولة لسجن الفلسطينيين داخل المنطقة «أ».

وألغت حكومة نتنياهو «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، كبرى مدن الضفة الغربية، وأطلقت نظام «سجل الأراضي وتسوية الحقوق» الإلكتروني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة دراماتيكية من شأنها أن تعمق عملية ضم الضفة، تاركة السلطة الفلسطينية بلا سيادة، والفلسطينيين بلا حماية قانونية.

كان كل ذلك مجموعة من سياسات تصب في خدمة مشروع «محو» الفلسطينيين كشعب.

ومشروع المحو، كما قالت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية في تحقيق موسع، يستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة ويتحقق عبر منظومة متكاملة من خمسة محاور عمل: العنف وبث الرعب، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، والتدمير السياسي والاجتماعي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز.

أحالوا الحياة «جحيماً»

وقال أحمد تيم، (50 عاماً)، من رام الله في الضفة الغربية، لـ«الشرق الأوسط»: «لا نتوقع تغييراً مهماً من أي حكومة. كلهم واحد. لكن إذا جاء أشخاص غير نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، ممكن تمشي الأمور فيما يخص الحياة اليومية».

وأضاف: «إذا دفعوا الأموال للسلطة وردعوا المستوطنين أكثر، إذا رجعوا العمال على إسرائيل، إذا خففوا الضغط على الضفة وخففوا الحواجز والبوابات، هذا يخفف على الناس كثيراً. هذا مهم».

ويعاني الفلسطينيون في الضفة ضائقة اقتصادية شديدة وتضييقاً وتعطيلاً يومياً على الحواجز وعمليات عسكرية إسرائيلية يومية وهجمات قاتلة من المستوطنين؛ ما يجعل حياتهم صعبة للغاية.

وأعرب موسى عواد من بيت لحم عن أمله في أن ينجح العرب «في إرسال نتنياهو وبن غفير وسموتريتش إلى منازلهم»، مضيفاً: «لقد حولوا حياتنا جحيماً».

ولم يقتصر الجحيم على الفلسطينيين في الضفة، بل طال الأسرى في السجون الذين حرمهم بن غفير الطعام والزيارات وكل الامتيازات السابقة.

وقالت أم الأسير، خلدون عبيات، إنها تصلي من أجل ابنها يومياً ومن أجل أن يرحل بن غفير.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «لقد حوَّل السجون مقابر. قلبي يغلي على ابني كلما وصل خبر من السجن. إن شاء الله ينصرف بلا رجعة».

وسينتظر الفلسطينيون أسابيع وربما أكثر قبل حسم الأمر في إسرائيل، ثم سينتظرون شهوراً طويلة قبل أن تتخذ الحكومة الجديدة، إذا تشكلت، أي إجراءات استثنائية متعلقة بهم.