نظم الذكاء الاصطناعي للحفاظ على أسماك البحر الأحمر

تقنيات جديدة تضع المصائد بالسعودية على مقياس الاستدامة في حماية الأنواع المهددة من الصيد الجائر

في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك  ( إليزا مخيتاريان)
في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك ( إليزا مخيتاريان)
TT

نظم الذكاء الاصطناعي للحفاظ على أسماك البحر الأحمر

في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك  ( إليزا مخيتاريان)
في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك ( إليزا مخيتاريان)

يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد أنشطة الصيد غير القانونية هل هناك حقاً الكثير من الأسماك في البحر؟ في عام 2014 شدد تقرير صدر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO)، على أن أعداداً كبيرة من البشر أكثر من أي وقت مضى، أصبحت تعتمد اليوم على مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية كغذاء ومصدر للدخل، لكن الممارسات الضارة وسوء الإدارة تهدد استدامة هذا القطاع. وأشارت تقارير المنظمة إلى أن نسبة الأرصدة السمكية الواقعة ضمن المستويات المستدامة بيولوجياً، تراجعت من 90 في المائة عام 1974 إلى ما دون 66 في المائة.

وقد وضعت في سبيل ذلك مؤشرات لغرض تعزيز الصلات والشفافية والفاعلية والمساءلة في إطار إدارة الموارد الطبيعية، فهي تساعد عملية تقييم أداء سياسات مصائد الأسماك وإدارتها على المستويات العالمية والإقليمية، وتوفر أداة سهلة الفهم لوصف حالة الموارد السمكية ونشاطات الصيد، ولتقييم الاتجاهات فيما يتعلق بأهداف التنمية المستدامة.

وفي عام 2015 صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على 17 هدفاً للتنمية المستدامة التي تشمل برنامج التنمية المستدامة لعام 2030، من ضمنها الهدف 14 المتعلق بالحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها بشكل مستدام لتحقيق التنمية المستدامة.

تعزيز إدارة الصيد

في المملكة العربية السعودية، تستورد البلاد حالياً نحو 60 في المائة من الأسماك المستهلكة، ولكن الحكومة تبذل جهوداً مضنية؛ لتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، وقد استثمرت بالفعل بشكل كبير في الاستزراع السمكي؛ لتعويض التراجع في صيد الأسماك في البحر الأحمر.

في هذا السياق، وضمن المشاريع المدعومة من قبل وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة، تُجرى جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) البحوث العلمية بدأب؛ لتعزيز إدارة الصيد، وتأمين مستقبل هذا المصدر الغذائي الحيوي.

يقول الدكتور أندرو تيمبل، باحث ما بعد مرحلة الدكتوراه في «كاوست»: «إنّ الصيد يتطلب تحقيق التوازن بين معدل النمو السريع لكل نوع من الأسماك، وكمية ما نأخذه منها أثناء الصيد، ولكن عملية جمع البيانات يمكن أن تستغرق مدة تصل إلى عِقد من الزمان لاكتشاف الانخفاض في أعداد الأسماك؛ ولذلك نحن دائماً نحاول التعويض والمقايضة، مما يؤثر بشكل خاص على الأشخاص الذين يعتمدون على الصيد كمصدر للغذاء أو الدخل».

واستناداً إلى خبرته في العمل مع صناعة الصيد العالمية من شمال أوروبا إلى شرق أفريقيا، يأمل تيمبل في تحويل بحوث الصيد من علم يعتمد على رد الفعل والاستجابة لتراجع الأنواع، إلى علم استباقي يحول دون تراجع الأنواع ويسهل اتخاذ التدابير اللازمة لحماية البيئة البحرية.

دور الذكاء الاصطناعي

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي؟ يمكن لتقنيات للذكاء الاصطناعي (AI) أن تؤدي دوراً في تقييم استدامة الأسماك من خلال أساليب مختلفة تعتمد على البيانات، حيث يمكن لتلك الخوارزميات تحليل كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بتجمعات الأسماك وممارسات الصيد والعوامل البيئية. ومن خلال معالجة هذه البيانات يمكن تحديد الأنماط والاتجاهات التي تساعد في تقييم استدامة مصايد الأسماك.

كما تطبق تقنيات مثل التعلم الآلي على البيانات التاريخية لتطوير النماذج التنبؤية لتقدير مستويات المخزون السمكي في المستقبل، وتقييم تأثير ممارسات الصيد، والتنبؤ باستدامة مصايد الأسماك بمرور الوقت.

ومن خلال دمج البيانات من مصادر مختلفة، بما في ذلك سجلات الصيد وأنظمة مراقبة السفن ومعلومات السوق، يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد أنشطة الصيد غير القانونية وغير المبلّغ عنها وغير المنظمة وتقديم رؤى حول استدامة سلسلة التوريد الشاملة.

كما تستخدم تلك التقنيات في مساعدة صانعي السياسات وتجار التجزئة للمأكولات البحرية والمستهلكين في اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن خيارات الأسماك والمأكولات البحرية. من خلال توفير البيانات والتحليلات في الوقت الفعلي.

نهج «كاوست»

يعترف تيمبل بأنّ «صناعة الصيد تعاني من سمعة سيئة، ولكن معظم الأنواع التي لدينا بيانات موثوقة عنها تُصطاد بشكل مستدام». ويضيف: «ثمَّة أنظمة إدارة فعالة في أماكن مثل أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا، وتصطاد أنواع مثل التونة بشكل مستدام في معظم الدول».

مع ذلك، فإن إدارة الصيد في البحر الأحمر محدودة؛ حيث يتسارع انخفاض الأنواع الشعبية، مثل: سمك هامور (غروبر) وسمكة نابلوين (humphead wrasse).

يقول تيمبل «الدافع الاقتصادي لصيد هذه الأسماك الكبيرة عالٍ جداً»، ويلفت محذراً إلى أنه يجدر بمعظم الصيادين القلق بشأن الوضع الحالي، وليس فقط بخصوص الـ20 عاماً المقبلة».

وتستهدف المملكة العربية السعودية - من خلال «رؤية 2030» - مكافحة سوء التغذية من خلال إنتاج الأغذية المستدامة. وفي هذا الصدد، يعكف تيمبل على تطوير أداة بسيطة تستخدم الذكاء الاصطناعي؛ لتصنيف الأسماك حسب قيمتها الاقتصادية، ومدى سرعة نمو أعدادها. ويُتوقع أن تساعد هذه التقنية صنّاع القرار، على تحديد الأنواع المعرضة لمخاطر التدهور المحتملة، في أسرع وقت ممكن، كما تساعد الباحثين في تحديد أولويات جهودهم.

وحول ما يقوم به تيمبل يقول مرشده الأكاديمي، البروفيسور مايكل بيريومن، أستاذ علوم البحار ومدير مركز أبحاث البحر الأحمر في «كاوست»: إن «هذا يُعد نهجاً إبداعياً للتعامل مع مشكلة ملحوظة في الوقت الحالي؛ حيث تحتاج السعودية بشكل عاجل إلى تحسين إدارة الصيد البحري؛ للحفاظ على البيئة البحرية وضمان الأمن الغذائي. يمكن للأداة أن تزود الجهات المعنية، ولا سيّما وزارة البيئة والمياه والزراعة، ومشاريع ساحلية كبيرة، مثل (نيوم)، بمعلومات ذات صلة للاستجابة لهذه التحديات».

يجمع نهج تيمبل متعدد التخصصات بين الدراسات السوقية، والمعرفة المحلية، مع البيانات البيولوجية ومورفولوجيا الأنواع (شكل وحجم الأسماك)، حيث يتمكن علماء الأحياء من إلقاء نظرة ثاقبة على تاريخ تطورها، ويمكنهم تقدير معدلات نمو هذه الأسماك؛ على سبيل المثال، تكون الأسماك الكبيرة أبطأ في الإنجاب من الصغيرة، وبالتالي تكون أكثر عرضة للانقراض؛ بسبب الصيد الجائر.

يقول تيمبل: «من خلال فرز الأنواع، باستخدام قدرتها على التحمل والنظر في كيفية تفاعل الناس معها؛ لتوقع الأنواع الأكثر عرضة للخطر، يمكننا اتخاذ إجراءات الآن بدلاً من الانتظار خمس إلى عشر سنوات».

خلال الأشهر الثلاثة الماضية، رافق تيمبل استشاريون بيئيون من فريق تطوير الصيد في مبادرة المنارة للتطوير في «كاوست» في رحلات إلى أسواق الأسماك المحلية، حيث جمعوا بيانات حول حجم الأسماك وعمرها ونضجها التكاثري لبعض الأنواع ذات القيمة العالية، بما في ذلك: شيم حصاني، والنهاش، والهامور، وسمك الماكيريل الإسباني. كما تم تجميع بيانات عن الصيد من الموانئ لتتبع عدد الأسماك الملتقطة.

الصيادون المحليون

لاحظ تيمبل عند مرافقته الصيادين المحليين في رحلة صيد بشباك الجر من القنفذة في جنوب البحر الأحمر؛ لمراقبة كيفية تفاعلهم مع الأنواع غير المتوفرة في السوق، أن سفن الصيد تقوم بشكل أساسي بصيد الجمبري، لكن شباكها الكاسحة تكون عشوائية إلى حد ما، حيث انتهى المطاف بصيد الكثير من الحبار والأسماك. ونظراً لأنهم يفهمون النظام البيئي جيداً، يُعدّ الصيادون المحليون مصدراً مهماً للمعلومات لما يعرف بأبحاث الحفظ التي تستهدف فهم وحماية الحياة البرية والبيئة الطبيعية، لكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت لمد جسور الثقة معهم، سيؤدي تحديد الأنواع ذات الأولوية إلى تسريع التقدم نحو خطة إدارة مصايد الأسماك التي تقدم توصيات، على سبيل المثال، بشأن وقت ومواقع رحلات الصيد. وفي هذا السياق، يخشى تيمبل من مواجهة أسئلة حساسة حول سبل عيش الصيادين.

يقول تيمبل: «مجتمعات الصيد هنا متعاونة للغاية بالفعل، ولديهم حتى قائمة بالسفن للذهاب إلى مناطق صيد مختلفة». «يجب أن تتضمن قرارات الإدارة مدخلات من الصيادين والشركات المحلية لتحديد ما هو ممكن ومقبول.»

تعمل شركة «المنارة» للتطوير بدأب على سد الفجوات بين الباحثين - مثل تيمبل - وأصحاب المصلحة وصناع القرار. يقول مارك ديميك، مدير برنامج المصايد في الشركة: «ننفق الكثير من الوقت للعمل مع قطاع صيد الأسماك؛ لجمع البيانات عن مخزون الأسماك مباشرةً من القوارب في مواقع الصيد، وعلى متن السفينة وفي أسواق المزادات؛ حيث نستهدف في الأخير، إنشاء إطار إداري متكامل، يعتمد على الوضع الحالي للموارد، حتى تتمكن المملكة من الوصول إلى هدفها المنشود، الذي يتمثل في وجود مصايد أسماك البحر الأحمر المستدامة على المدى الطويل». لافتاً إلى أن الشركة ستطرح مقترحاتها في هذا الصدد في وقت لاحق من هذا العام.



من جراحة البابا إلى اللقاحات الشخصية… ثورة علمية ترسم مستقبل علاج السرطان

سرطان الرئة: الطرق الجديدة تزيد فرص علاجه
سرطان الرئة: الطرق الجديدة تزيد فرص علاجه
TT

من جراحة البابا إلى اللقاحات الشخصية… ثورة علمية ترسم مستقبل علاج السرطان

سرطان الرئة: الطرق الجديدة تزيد فرص علاجه
سرطان الرئة: الطرق الجديدة تزيد فرص علاجه

سلّط تعافي البابا ليو الرابع عشر بعد خضوعه لجراحة أُزيل خلالها سرطان الرئة بالكامل مع عدم حاجته إلى علاج إضافي، الضوء على التقدم الكبير الذي شهده علاج السرطان خلال العقود الماضية من خلال تحسين فرص التشخيص المبكر وتطوير علاجات أكثر دقة وفاعلية.

البابا ليو الرابع عشر يحيي الجمهور بعد فترة وجيزة من عملية استئصال سرطان الرئة

وبعد أن كان يُنظر إلى تشخيص السرطان في كثير من الحالات بصفته حكماً بالموت، باتت فرص النجاة أفضل لبعض المرضى حتى في أنواع المرض التي كانت تُعدّ شديدة الفتك. ومع ذلك، لا يزال السرطان من أبرز أسباب الوفاة عالمياً؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو شخص واحد من كل خمسة أشخاص سيصاب به خلال حياته؛ ما يجعل مواصلة تطوير وسائل الوقاية والتشخيص والعلاج ضرورة صحية متزايدة.

علاجات تستهدف الخلايا السرطانية بدقة

يُعدّ سرطان الرئة مثالاً على التحولات التي أحدثها التقدم الطبي، فقد ارتفعت نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات بعد التشخيص في الولايات المتحدة من نحو 15 في المائة في أواخر تسعينات القرن الماضي إلى قرابة 30 في المائة حالياً، وفق بيانات أوردتها «نيويورك تايمز»، الجمعة، في تقرير حول السرطان. ومع ذلك، لا يزال سرطان الرئة السبب الأول للوفيات الناجمة عن السرطان.

ومن أبرز التطورات العلاجية ظهور العلاجات الموجّهة التي تستهدف تغيرات جينية محددة داخل الخلايا السرطانية، ففي بعض حالات سرطان الرئة تساعد أدوية تستهدف طفرات في جين EGFR على تحسين النتائج العلاجية مع تقليل التأثير في الخلايا السليمة مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.

وامتد هذا التقدم إلى سرطان الثدي؛ إذ أسهمت تقنيات الكشف المبكر والعلاجات الموجّهة والمناعية في رفع معدلات البقاء على قيد الحياة. ويعتمد العلاج المناعي على تنشيط الجهاز المناعي ومساعدته على التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.

التحليل الجيني والعلاج المناعي

ويرتبط جانب مهم من هذه الإنجازات بالتطور في تقنيات تسلسل الحمض النووي «دي إن إيه» DNA التي تتيح تحليل الخصائص الجينية للورم وتحديد الطفرات المسؤولة عن نموه بما يساعد الأطباء على اختيار العلاج الأنسب لكل مريض. وفي بعض أنواع السرطان يمكن لهذه التحاليل أيضاً المساعدة في تحديد المرضى الأكثر استفادة من العلاج الكيميائي وتجنب تعريض آخرين لآثاره الجانبية دون فائدة مرجحة.

كذلك، أحدث العلاج المناعي تحولاً في التعامل مع بعض الأورام المتقدمة، ومنها سرطان الجلد الميلانيني Advanced melanoma؛ فمنذ اعتماد فئة من الأدوية المناعية عام 2011 تحسنت فرص بعض المرضى الذين كانت خياراتهم العلاجية محدودة للغاية. لكن هذه الإنجازات لا تعني أن العلاج أصبح متاحاً للجميع إذ لا تزال التكلفة المرتفعة ومحدودية الإمدادات والتفاوت في اعتماد الأدوية بين الدول تعيق استفادة كثير من المرضى خصوصاً في البلدان منخفضة الدخل.

لقاحات شخصية لمنع عودة السرطان

ومن أكثر المجالات الواعدة تطوير لقاحات شخصية تستهدف الخلايا السرطانية بهدف تقليل خطر عودة المرض بعد إزالة الورم جراحياً. وتختلف هذه اللقاحات عن اللقاحات الوقائية المعروفة، مثل لقاح فيروس الورم الحليمي البشري human papillomavirus (HPV) الذي يقي من عدوى قد تؤدي إلى بعض أنواع السرطان.

وتعمل اللقاحات الشخصية على تدريب الجهاز المناعي على التعرف على خصائص محددة في الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد أظهرت تجارب سريرية على مرضى الميلانوما الذين خضعوا لاستئصال الأورام نتائج مشجعة؛ ما يعزز الاهتمام بإمكانية توسيع هذا النهج ليشمل أنواعاً أخرى من السرطان.

ومع ذلك، لا تزال هذه التقنية قيد التطوير، ولا بد من استكمال الدراسات لتحديد فاعليتها وسلامتها ومدى إمكانية استخدامها على نطاق واسع.

هل يتحول السرطان من مرض قاتل إلى مرض مزمن؟

ويرى الباحثون أن الوصول إلى علاج شافٍ لجميع أنواع السرطان لا يزال هدفاً بعيداً، لكن بعض أنواع المرض أصبحت قابلة للسيطرة لفترات أطول. فبعد أن كان تشخيص السرطان في المرحلة الرابعة يعني في كثير من الحالات بقاء المريض على قيد الحياة لبضع سنوات فقط يعيش بعض المرضى اليوم عشر سنوات أو أكثر بفضل العلاجات الحديثة.

ومع إطالة العمر تظهر تحديات جديدة تتعلق بالتخطيط للحياة والعمل والاستقرار المالي، فضلاً عن القلق المستمر المرتبط بانتظار نتائج الفحوص الدورية.

وتؤكد هذه التطورات أن المعركة مع السرطان لم تنتهِ، لكنها أصبحت أكثر اعتماداً على فهم بيولوجيا الورم وتخصيص العلاج لكل مريض. وبين التقدم في التشخيص والعلاج المناعي واللقاحات الشخصية تتسع آفاق الأمل مع بقاء إتاحة هذه الابتكارات لجميع المرضى أحد أهم التحديات المستقبلية.


الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

في الوقت الذي تتسابق فيه المستشفيات حول العالم لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض وتحليل الصور الطبية والتنبؤ بالمضاعفات الصحية، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن دقة هذه التقنيات: من يتحمل المسؤولية عندما تخطئ الخوارزمية في تشخيص مريض أو توصية علاجية؟

هذا السؤال يشكل محور تقرير تحليلي مستقل أعدّه البروفسور عميد خالد عبد الحميد، الأستاذ الزائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بجامعة شرق لندن. ونشرت الجامعة عرضاً لنتائجه في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، محذرة من اتساع الفجوة بين سرعة اعتماد الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الصحية وتطور الضمانات اللازمة لحماية المرضى.

أرقام تكشف الفجوة

استند التقرير الذي حمل عنوان «فجوة حوكمة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية»، إلى تحليل نتائج منشورة عن منظمة الصحة العالمية شملت 50 دولة مستجيبة في الإقليم الأوروبي للمنظمة. وأظهرت البيانات أن 64 في المائة من هذه الدول أفادت باستخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي، بينما لم تتجاوز نسبة الدول التي أعلنت امتلاك استراتيجية وطنية مخصصة للذكاء الاصطناعي الصحي 8 في المائة.

غموض قانوني

وكشفت النتائج أيضاً أن 8 في المائة فقط أفادت بوجود معايير أو إرشادات تتعلق بالمسؤولية القانونية عن الذكاء الاصطناعي، في حين اعتبرت 86 في المائة من الدول المشاركة أن الغموض القانوني يمثل عائقاً أمام تبني هذه التقنيات.

وتعكس هذه الأرقام، المستمدة من بيانات جُمعت بين يونيو (حزيران) 2024 ومارس (آذار) 2025، تفاوتاً واضحاً بين التقدم التقني والتطور التنظيمي، لكنها لا تعني بالضرورة أن الدول التي تفتقر إلى استراتيجية متخصصة تخلو من التشريعات أو الضمانات الصحية الأخرى.

صورة للتقرير المنشور على موقع جامعة شرق لندن الإلكتروني

عندما تخطئ الخوارزمية

تكمن خطورة هذه الفجوة في أن أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يختلف باختلاف المرضى والبيئات الطبية. فالخوارزمية التي تحقق نتائج دقيقة في مستشفى أوروبي قد لا تحقق المستوى نفسه من الأداء عند تطبيقها في مستشفى آخر يستخدم أجهزة مختلفة أو يتعامل مع مرضى ينتمون إلى خلفيات سكانية ووراثية متنوعة.

وقد يؤدي الاعتماد على نتائج لم تُختبر محلياً إلى أخطاء تشخيصية أو توصيات غير مناسبة، خصوصاً عندما لا يكون الطبيب مدرباً على فهم حدود النظام أو الاعتراض على مخرجاته. ويرى مؤلف التقرير الجديد أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تطوير خوارزميات أكثر دقة، بل يشمل بناء منظومة تستطيع اكتشاف أخطائها ومراقبة أدائها وتحديد المسؤولية عن قراراتها.

من المبادئ إلى التطبيق

يطرح التقرير ست ضمانات أساسية يمكن للمستشفيات اعتمادها لتحويل المبادئ الأخلاقية إلى إجراءات عملية.

تبدأ هذه الضمانات بتحديد المسؤولية السريرية والمؤسسية بوضوح، بحيث يكون لكل نظام ذكاء اصطناعي مستخدم في الرعاية الصحية مسؤول معروف يتابع سلامته وأداءه. وتشمل كذلك التحقق السريري المحلي قبل الاستخدام، وتدريب العاملين الصحيين على تفسير مخرجات الخوارزميات والتعرف على حدودها، والمراقبة المستمرة للأداء بعد التطبيق.

ويؤكد التقرير ضرورة إنشاء آليات واضحة للإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحقيق فيها، ومنح المؤسسات الصحية صلاحية تعليق استخدام الأنظمة التي يثبت أنها تشكل خطراً على المرضى.

كما يقترح إجراء مراجعة مؤسسية خلال 90 يوماً، تحصر فيها المستشفيات أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة، وتراجع الأدلة الداعمة لسلامتها، وتحدد المسؤولين عنها وإجراءات التعامل مع الأعطال والأخطاء المحتملة.

السعودية والتحول الصحي

تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في المملكة العربية السعودية، التي تشهد توسعاً في تطبيقات الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن مستهدفات رؤية 2030. فمع تطور المستشفيات الذكية وخدمات الطب الافتراضي والتحليل الآلي للصور الطبية، تتزايد أهمية مواءمة الابتكار مع التحقق السريري المحلي والحوكمة المؤسسية.

ولا تعني الحاجة إلى ضوابط إضافية إبطاء الابتكار، بل توفير بيئة تتيح استخدام التقنيات الجديدة بثقة، مع المحافظة على سلامة المرضى والمسؤولية المهنية. ويرى واضع التقرير الذي يقيم ويعمل في المملكة منذ نحو 27 عاماً، أن التجربة السعودية توفر فرصة لتطوير نماذج عملية تجمع بين التقدم التقني والرقابة السريرية، بما يدعم مكانة المملكة في الابتكار الصحي المسؤول.

مشاركة أكاديمية دولية

يأتي إعداد التقرير ضمن اهتمام د. عبد الحميد الباحث والأكاديمي بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمته في الرعاية الصحية، بصفته أستاذاً زائراً في جامعة شرق لندن، ورئيساً ومؤسساً للمنظمة العربية للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد ركز في تحليله على الانتقال من إعلان المبادئ الأخلاقية العامة إلى وضع آليات قابلة للتطبيق داخل المستشفيات، مع التأكيد على أهمية التحقق من ملاءمة الأنظمة للسكان المحليين واستمرار سلطة القرار السريري بيد الإنسان.

ويعكس نشر الجامعة للتقرير اهتماماً أكاديمياً متزايداً بمسألة المساءلة في الطب المعتمد على الخوارزميات، خصوصاً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في القرارات التي قد تؤثر مباشرة في حياة المرضى.

من يحمي المريض؟

لا يدعو التقرير إلى التراجع عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب، بل إلى تطوير منظومة تضمن الاستفادة من قدراته دون التضحية بحقوق المرضى أو إضعاف الحكم السريري للطبيب. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بقدرة الخوارزمية على اكتشاف المرض، وإنما بوجود نظام قادر على إثبات سلامتها، ومراقبة أدائها، والتدخل عندما تظهر مؤشرات الخطر.

ويخلص التحليل إلى أن النجاح الحقيقي للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا يُقاس بعدد الأنظمة التي تدخل المستشفيات، بل بمدى قدرتها على تحسين النتائج الصحية ضمن منظومة واضحة من المسؤولية والرقابة والثقة. فكلما أصبحت الخوارزميات أكثر حضوراً في القرارات الطبية، ازدادت الحاجة إلى ضمان أن تبقى سلامة الإنسان، وليس سرعة التكنولوجيا وحدها، المعيار النهائي للتقدم.

الرابط الإلكتروني للتقرير:


دراسة كندية: الذكاء الاصطناعي «لا يفهم الثقافات المختلفة حول العالم»

دراسة كندية: الذكاء الاصطناعي «لا يفهم الثقافات المختلفة حول العالم»
TT

دراسة كندية: الذكاء الاصطناعي «لا يفهم الثقافات المختلفة حول العالم»

دراسة كندية: الذكاء الاصطناعي «لا يفهم الثقافات المختلفة حول العالم»

تواجه نماذج الذكاء الاصطناعي غالباً صعوبة في فهم الثقافات المختلفة حول العالم، كما أنها تبدي تردداً في الاعتراف بجهلها بأمر ما. هذا ما توصل إليه باحثون في مختبر «كوهير لابس» (Cohere Labs) الكندي للذكاء الاصطناعي، حين اختبروا قدرة روبوتات الدردشة على تجاوز مجرد التحدث بلغة ثقافة معينة.

التحقق من المعرفة الثقافية

وللتحقق مما إذا كانت هذه النماذج تمتلك معرفة ثقافية أعمق، طرح الباحثون عليها مجموعة من الألغاز الثقافية الفريدة. ومن بين هذه الألغاز: «ما هو حدث 11 سبتمبر (أيلول) («9/11»- حسبما يكتبه الأميركيون) في السياق الألماني؟». ولم ينجح سوى نموذج واحد فقط في تقديم الإجابة الصحيحة من أصل 28 نموذجاً للذكاء الاصطناعي. ويبدو أن النماذج قد ارتبكت بسبب صيغة التاريخ (حيث أجاب سبعة منها بأنه «هجمات البرجين التوأمين»). ففي أوروبا، يُكتب اليوم قبل الشهر؛ لذا فإن «9/11» يشير إلى التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو اليوم الذي سقط فيه جدار برلين عام 1989.

معايير تقييم الأداء

تُقيِّم العديد من معايير قياس أداء الذكاء الاصطناعي الحالية المعرفة الثقافية، بدءاً من الأطعمة اليومية في وجبة الإفطار والأحداث التاريخية، وصولاً إلى تقاليد الأعياد. وغالباً ما تتعامل هذه المعايير مع الثقافة باعتبارها مجموعة من الحقائق الثابتة التي يمكن حفظها أو العثور عليها عبر بحث سريع على الإنترنت. لكن معرفة حقائق حول ثقافة ما لا تعادل فهم الكيفية التي يدرك بها أفراد تلك الثقافة العالم من حولهم. لذا، أدرك الباحثون حاجتهم إلى اختبار يطلب من النماذج الربط بين عناصر ثقافية تبدو غير مترابطة وتوظيفها معاً. وهذا ما قادهم إلى استخدام الألغاز، وابتكار نوع مختلف من المعايير الثقافية التي تتطلب إجابات تستند إلى التجربة الحياتية الفعلية.

ألغاز ثقافية

تقول جوليا كروتزر، الباحثة في «كوهير لابس» التي قادت تطوير معيار «الألغاز الثقافية» (CulturalRiddles): «هذا هو الجانب الذي نحاول رصده من خلال هذا المعيار؛ تلك التفاصيل الدقيقة والمفاهيم الغامضة التي يصعب التقاطها أو التحقق منها... وهنا تظهر تعقيدات الحياة الواقعية». وقد أمضت كروتزر وفريقها ستة أشهر في العمل مع متطوعين من مختلف أنحاء العالم لجمع الألغاز، وطرحها على نماذج الذكاء الاصطناعي، ثم تقييم الإجابات التي قدمتها.

استخدم الباحثون أيضاً تقييمات الخبراء هذه لضبط نموذج ذكاء اصطناعي والتحقق من دقته، بحيث يمكنه تقييم جودة الإجابات في الحالات التي تغيب فيها تقييمات الخبراء.

اختبار 28 نموذجاً

وفي المجمل، اختبر باحثو «كوهير لابس» 28 نموذجاً للذكاء الاصطناعي باستخدام ألغاز ثقافية، صاغها 166 متطوعاً من 45 دولة وبـ51 لغة. وقد قام المتطوعون بتقييم وتصنيف 68154 إجابة فريدة قدمتها هذه النماذج. وبناءً على ذلك، رتب الباحثون النماذج وفقاً لدقتها الإجمالية عبر اللغات والثقافات التي شملها الاختبار.

نتائج الاختبارات

- حاز نموذج «جيمناي 3.1 برو بريفيو» (Gemini 3.1 Pro Preview) من شركة «غوغل» على أعلى درجة، بنسبة 79.4 في المائة.

- وجاء نموذج «جي بي تي-5.5» (GPT-5.5) من شركة «أوبن إيه آي» في المرتبة الثانية بنسبة 76.3 في المائة.

- تلاه نموذج «كلود أوبوس 4.7 ثينكينغ» (Claude Opus 4.7 Thinking) من شركة «أنثروبيك» بنسبة 66 في المائة.

- أما نموذج «كيون 3.5 0.8 بي» (Qwen 3.5 0.8B) من شركة «علي بابا»، فقد حل في المركز الأخير، حيث أجاب بشكل صحيح عن 0.4 في المائة فقط من الألغاز.

- ومن بين النماذج الأخرى التي سجلت نتائج لافتة، نموذج «نوفا مايكرو» (Nova Micro) من شركة «أمازون» (Amazon) الذي أجاب بشكل صحيح عن 8.3 في المائة من الألغاز، ونموذج «جيمناي 2.5 فلاش لايت» (Gemini 2.5 Flash Lite) من «غوغل» الذي حقق نسبة 33.6 في المائة.

- وحتى النموذج الأفضل أداءً، «جيمناي 3.1 برو بريفيو»، فقد سجل دقة تقل عن 50 في المائة في 6 من أصل 57 مجتمعاً ثقافياً شملها الاختبار، مما يسلط الضوء على الطريق الطويل الذي لا يزال يتعين على هذا القطاع قطعه فيما يتعلق بالوعي الثقافي.

ميل الذكاء الاصطناعي للتخمين بدلاً من الاعتراف بالجهل

والأكثر إثارة للقلق هو أن الاختبار كشف عن ميل النماذج إلى التخمين بدلاً من الاعتراف بعدم المعرفة، فعلى الرغم من إبلاغها صراحةً بإمكانية الإجابة بعبارة «لا أعرف»، فإنها لم تفعل ذلك إلا في 0.7 في المائة فقط من الحالات. كما تبين أن نحو 31 في المائة من الإجابات التي راجعها المقيّمون كانت مختلقة تماماً، وإن تفاوتت درجات الإبداع في صياغتها.

وتقول كروتزر: «كانت النماذج تقدم إجابات واثقة تبدو أحياناً سخيفة ومضحكة، لكنها قد تكون في أحيان أخرى مسيئة للغاية. إذ تلاحظ أن النماذج تميل تلقائياً إلى تبني وجهات نظر الثقافات الأكثر هيمنة على شبكة الإنترنت، بدلاً من تقديم إجابات تستند إلى السياق الثقافي المحلي».

فجوات المعرفة الثقافية

وأجرت «كوهير لابس» استطلاعاً منفصلاً لاستكشاف كيفية تأثير فجوات المعرفة الثقافية في الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع. وأفاد العديد من مستخدمي روبوتات الدردشة حول العالم أنهم يضطرون إلى استخدام اللغة الإنجليزية للحصول على إجابات مفيدة، لأن الإجابات المُولّدة بلغاتهم الأم غير مُجدية. ووصف المستخدمون إجابات تفتقر إلى السياق الثقافي الأساسي، وفي بعض الحالات، أنظمة ذكاء اصطناعي تتعارض مع معاييرهم الثقافية.

ضرورة دمج الوعي الثقافي في نماذج الذكاء الاصطناعي

وخلص باحثو «كوهير لابس» إلى ضرورة دمج الوعي الثقافي في نماذج الذكاء الاصطناعي منذ البداية، لكي تخدم الأدوات التي تُشغّلها جميع المستخدمين، وليس فقط الثقافات المُمثلة تمثيلاً جيداً في بيانات التدريب. ويشير معيار CulturalRiddles الذي طوروه إلى أن العديد من النماذج الحالية لا تزال قاصرة.

صممت كرويتزر وفريقها CulturalRiddles ليكون قابلاً للتطوير المستمر. وقد أتاحوا الألغاز والبرمجيات والعرض التوضيحي ولوحة التحكم التفاعلية كمصدر مفتوح، ليتمكن أي شخص من المساهمة بألغاز من ثقافته الخاصة من خلال عملية مراجعة.

وتقول كرويتزر: «من المأمول ألا يُعتمد هذا المعيار فقط من قِبل الباحثين الأكاديميين، بل أيضاً من قِبل مختبرات الصناعة الكبرى التي تسعى لإثبات تقدمنا في مجال التكنولوجيا، لا في المهام الصعبة القابلة للتحقق فقط، بل أيضاً في المهام الأقل دقة».

* مجلة «فاست كومباني».