نظم الذكاء الاصطناعي للحفاظ على أسماك البحر الأحمر

تقنيات جديدة تضع المصائد بالسعودية على مقياس الاستدامة في حماية الأنواع المهددة من الصيد الجائر

في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك  ( إليزا مخيتاريان)
في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك ( إليزا مخيتاريان)
TT

نظم الذكاء الاصطناعي للحفاظ على أسماك البحر الأحمر

في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك  ( إليزا مخيتاريان)
في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك ( إليزا مخيتاريان)

يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد أنشطة الصيد غير القانونية هل هناك حقاً الكثير من الأسماك في البحر؟ في عام 2014 شدد تقرير صدر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO)، على أن أعداداً كبيرة من البشر أكثر من أي وقت مضى، أصبحت تعتمد اليوم على مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية كغذاء ومصدر للدخل، لكن الممارسات الضارة وسوء الإدارة تهدد استدامة هذا القطاع. وأشارت تقارير المنظمة إلى أن نسبة الأرصدة السمكية الواقعة ضمن المستويات المستدامة بيولوجياً، تراجعت من 90 في المائة عام 1974 إلى ما دون 66 في المائة.

وقد وضعت في سبيل ذلك مؤشرات لغرض تعزيز الصلات والشفافية والفاعلية والمساءلة في إطار إدارة الموارد الطبيعية، فهي تساعد عملية تقييم أداء سياسات مصائد الأسماك وإدارتها على المستويات العالمية والإقليمية، وتوفر أداة سهلة الفهم لوصف حالة الموارد السمكية ونشاطات الصيد، ولتقييم الاتجاهات فيما يتعلق بأهداف التنمية المستدامة.

وفي عام 2015 صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على 17 هدفاً للتنمية المستدامة التي تشمل برنامج التنمية المستدامة لعام 2030، من ضمنها الهدف 14 المتعلق بالحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها بشكل مستدام لتحقيق التنمية المستدامة.

تعزيز إدارة الصيد

في المملكة العربية السعودية، تستورد البلاد حالياً نحو 60 في المائة من الأسماك المستهلكة، ولكن الحكومة تبذل جهوداً مضنية؛ لتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، وقد استثمرت بالفعل بشكل كبير في الاستزراع السمكي؛ لتعويض التراجع في صيد الأسماك في البحر الأحمر.

في هذا السياق، وضمن المشاريع المدعومة من قبل وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة، تُجرى جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) البحوث العلمية بدأب؛ لتعزيز إدارة الصيد، وتأمين مستقبل هذا المصدر الغذائي الحيوي.

يقول الدكتور أندرو تيمبل، باحث ما بعد مرحلة الدكتوراه في «كاوست»: «إنّ الصيد يتطلب تحقيق التوازن بين معدل النمو السريع لكل نوع من الأسماك، وكمية ما نأخذه منها أثناء الصيد، ولكن عملية جمع البيانات يمكن أن تستغرق مدة تصل إلى عِقد من الزمان لاكتشاف الانخفاض في أعداد الأسماك؛ ولذلك نحن دائماً نحاول التعويض والمقايضة، مما يؤثر بشكل خاص على الأشخاص الذين يعتمدون على الصيد كمصدر للغذاء أو الدخل».

واستناداً إلى خبرته في العمل مع صناعة الصيد العالمية من شمال أوروبا إلى شرق أفريقيا، يأمل تيمبل في تحويل بحوث الصيد من علم يعتمد على رد الفعل والاستجابة لتراجع الأنواع، إلى علم استباقي يحول دون تراجع الأنواع ويسهل اتخاذ التدابير اللازمة لحماية البيئة البحرية.

دور الذكاء الاصطناعي

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي؟ يمكن لتقنيات للذكاء الاصطناعي (AI) أن تؤدي دوراً في تقييم استدامة الأسماك من خلال أساليب مختلفة تعتمد على البيانات، حيث يمكن لتلك الخوارزميات تحليل كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بتجمعات الأسماك وممارسات الصيد والعوامل البيئية. ومن خلال معالجة هذه البيانات يمكن تحديد الأنماط والاتجاهات التي تساعد في تقييم استدامة مصايد الأسماك.

كما تطبق تقنيات مثل التعلم الآلي على البيانات التاريخية لتطوير النماذج التنبؤية لتقدير مستويات المخزون السمكي في المستقبل، وتقييم تأثير ممارسات الصيد، والتنبؤ باستدامة مصايد الأسماك بمرور الوقت.

ومن خلال دمج البيانات من مصادر مختلفة، بما في ذلك سجلات الصيد وأنظمة مراقبة السفن ومعلومات السوق، يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد أنشطة الصيد غير القانونية وغير المبلّغ عنها وغير المنظمة وتقديم رؤى حول استدامة سلسلة التوريد الشاملة.

كما تستخدم تلك التقنيات في مساعدة صانعي السياسات وتجار التجزئة للمأكولات البحرية والمستهلكين في اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن خيارات الأسماك والمأكولات البحرية. من خلال توفير البيانات والتحليلات في الوقت الفعلي.

نهج «كاوست»

يعترف تيمبل بأنّ «صناعة الصيد تعاني من سمعة سيئة، ولكن معظم الأنواع التي لدينا بيانات موثوقة عنها تُصطاد بشكل مستدام». ويضيف: «ثمَّة أنظمة إدارة فعالة في أماكن مثل أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا، وتصطاد أنواع مثل التونة بشكل مستدام في معظم الدول».

مع ذلك، فإن إدارة الصيد في البحر الأحمر محدودة؛ حيث يتسارع انخفاض الأنواع الشعبية، مثل: سمك هامور (غروبر) وسمكة نابلوين (humphead wrasse).

يقول تيمبل «الدافع الاقتصادي لصيد هذه الأسماك الكبيرة عالٍ جداً»، ويلفت محذراً إلى أنه يجدر بمعظم الصيادين القلق بشأن الوضع الحالي، وليس فقط بخصوص الـ20 عاماً المقبلة».

وتستهدف المملكة العربية السعودية - من خلال «رؤية 2030» - مكافحة سوء التغذية من خلال إنتاج الأغذية المستدامة. وفي هذا الصدد، يعكف تيمبل على تطوير أداة بسيطة تستخدم الذكاء الاصطناعي؛ لتصنيف الأسماك حسب قيمتها الاقتصادية، ومدى سرعة نمو أعدادها. ويُتوقع أن تساعد هذه التقنية صنّاع القرار، على تحديد الأنواع المعرضة لمخاطر التدهور المحتملة، في أسرع وقت ممكن، كما تساعد الباحثين في تحديد أولويات جهودهم.

وحول ما يقوم به تيمبل يقول مرشده الأكاديمي، البروفيسور مايكل بيريومن، أستاذ علوم البحار ومدير مركز أبحاث البحر الأحمر في «كاوست»: إن «هذا يُعد نهجاً إبداعياً للتعامل مع مشكلة ملحوظة في الوقت الحالي؛ حيث تحتاج السعودية بشكل عاجل إلى تحسين إدارة الصيد البحري؛ للحفاظ على البيئة البحرية وضمان الأمن الغذائي. يمكن للأداة أن تزود الجهات المعنية، ولا سيّما وزارة البيئة والمياه والزراعة، ومشاريع ساحلية كبيرة، مثل (نيوم)، بمعلومات ذات صلة للاستجابة لهذه التحديات».

يجمع نهج تيمبل متعدد التخصصات بين الدراسات السوقية، والمعرفة المحلية، مع البيانات البيولوجية ومورفولوجيا الأنواع (شكل وحجم الأسماك)، حيث يتمكن علماء الأحياء من إلقاء نظرة ثاقبة على تاريخ تطورها، ويمكنهم تقدير معدلات نمو هذه الأسماك؛ على سبيل المثال، تكون الأسماك الكبيرة أبطأ في الإنجاب من الصغيرة، وبالتالي تكون أكثر عرضة للانقراض؛ بسبب الصيد الجائر.

يقول تيمبل: «من خلال فرز الأنواع، باستخدام قدرتها على التحمل والنظر في كيفية تفاعل الناس معها؛ لتوقع الأنواع الأكثر عرضة للخطر، يمكننا اتخاذ إجراءات الآن بدلاً من الانتظار خمس إلى عشر سنوات».

خلال الأشهر الثلاثة الماضية، رافق تيمبل استشاريون بيئيون من فريق تطوير الصيد في مبادرة المنارة للتطوير في «كاوست» في رحلات إلى أسواق الأسماك المحلية، حيث جمعوا بيانات حول حجم الأسماك وعمرها ونضجها التكاثري لبعض الأنواع ذات القيمة العالية، بما في ذلك: شيم حصاني، والنهاش، والهامور، وسمك الماكيريل الإسباني. كما تم تجميع بيانات عن الصيد من الموانئ لتتبع عدد الأسماك الملتقطة.

الصيادون المحليون

لاحظ تيمبل عند مرافقته الصيادين المحليين في رحلة صيد بشباك الجر من القنفذة في جنوب البحر الأحمر؛ لمراقبة كيفية تفاعلهم مع الأنواع غير المتوفرة في السوق، أن سفن الصيد تقوم بشكل أساسي بصيد الجمبري، لكن شباكها الكاسحة تكون عشوائية إلى حد ما، حيث انتهى المطاف بصيد الكثير من الحبار والأسماك. ونظراً لأنهم يفهمون النظام البيئي جيداً، يُعدّ الصيادون المحليون مصدراً مهماً للمعلومات لما يعرف بأبحاث الحفظ التي تستهدف فهم وحماية الحياة البرية والبيئة الطبيعية، لكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت لمد جسور الثقة معهم، سيؤدي تحديد الأنواع ذات الأولوية إلى تسريع التقدم نحو خطة إدارة مصايد الأسماك التي تقدم توصيات، على سبيل المثال، بشأن وقت ومواقع رحلات الصيد. وفي هذا السياق، يخشى تيمبل من مواجهة أسئلة حساسة حول سبل عيش الصيادين.

يقول تيمبل: «مجتمعات الصيد هنا متعاونة للغاية بالفعل، ولديهم حتى قائمة بالسفن للذهاب إلى مناطق صيد مختلفة». «يجب أن تتضمن قرارات الإدارة مدخلات من الصيادين والشركات المحلية لتحديد ما هو ممكن ومقبول.»

تعمل شركة «المنارة» للتطوير بدأب على سد الفجوات بين الباحثين - مثل تيمبل - وأصحاب المصلحة وصناع القرار. يقول مارك ديميك، مدير برنامج المصايد في الشركة: «ننفق الكثير من الوقت للعمل مع قطاع صيد الأسماك؛ لجمع البيانات عن مخزون الأسماك مباشرةً من القوارب في مواقع الصيد، وعلى متن السفينة وفي أسواق المزادات؛ حيث نستهدف في الأخير، إنشاء إطار إداري متكامل، يعتمد على الوضع الحالي للموارد، حتى تتمكن المملكة من الوصول إلى هدفها المنشود، الذي يتمثل في وجود مصايد أسماك البحر الأحمر المستدامة على المدى الطويل». لافتاً إلى أن الشركة ستطرح مقترحاتها في هذا الصدد في وقت لاحق من هذا العام.



هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟
TT

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

توالت التحذيرات أخيراً وبشكل مكثف بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، إذ أشار رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت» إلى أن هذه التقنية قد تتحول إلى «نوع سيليكوني» جديد ينافس البشر، بينما قال موظف سابق في شركة «أنثروبيك» إن هناك احتمالاً كبيراً بأن نهلك جميعاً على يد هذه التقنية. كما يرى جيفري هينتون، الملقب بـ«الأب الروحي للذكاء الاصطناعي»، أننا قد نفقد السيطرة عليه تماماً في غضون عام واحد، كما كتب ماثيو سباركس(*). فهل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً حقيقياً بهذا القدر؟

تمرد الذكاء الاصطناعي... له دوافع بشرية

تحذر ميري أيتكين، التي عملت سابقاً في معهد «آلان تورينغ» وتشغل حالياً منصب شريك مؤسس في منظمة «Our AI Collective» غير الربحية، من قبول التنبؤات لمجرد مكانة أو سمعة من يطلقونها. وتدعو بدلاً من ذلك إلى النظر في الحقائق، التي لا تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد تحرر من السيطرة البشرية أو أنه على وشك القيام بذلك.

تقول أيتكين: «إنها رواية يتم ترويجها مراراً وتكراراً، ونحن نشهد موجات من الهلع الجماعي». وتضيف أنه إذا كان هناك شيء ما قد خرج عن المسار الصحيح أو تمرد، فهو ليس نماذج الذكاء الاصطناعي، بل البشر الذين يطورونها. فعندما تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي باختراق موقع حكومي أو أجهزة كمبيوتر تابعة لشركة أخرى، فإن ذلك يحدث لعدم وضع تدابير السلامة المناسبة أثناء الاختبارات، وهي اختبارات صُممت أصلاً لتقييم قدرة تلك النماذج على اختراق أجهزة الكمبيوتر. إننا ببساطة نشهد إخفاق الشركات في وضع ضمانات كافية.

نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي

كما تشير أيتكين إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي - وهو ما قد يشير إلى اقترابنا من «نقطة التفرد»، (singularity) حيث ينزلق الذكاء الاصطناعي في حلقة تحسين ذاتي تتسارع وتؤدي سريعاً إلى خلق «ذكاء اصطناعي عام» (AGI) - وتقول: «عندما تُطرح أفكار الذكاء الفائق هذه، فإنها تستند إلى سردية مثيرة وجذابة، لكن لا توجد أدلة ملموسة تدعمها. ولو كان هناك شيء بهذه القوة، لكنا قد رأينا مؤشرات عليه».

ومن جانبه، يقول أندرو روغويسكي، من جامعة ساري في المملكة المتحدة، إنه في الواقع لم يطرأ أي تغيير جوهري على مستوى المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي، رغم التقدم الذي أحرزته هذه التقنية. لكن الضجة الإعلامية تثار بين الحين والآخر بسبب حادثة ما أو عبارة رنانة وجذابة.

الطبيعة البشرية

ويقول روغويسكي: «من السهل جداً اختلاق هذا النوع من القصص المخيفة، فهي تلامس وتراً حساساً في النفس البشرية». وهو يعتقد أننا صنعنا - من خلال النماذج اللغوية الكبيرة - كياناً يبدو شبيهاً بنا لدرجة أنه يعكس صورتنا وكأننا ننظر في مرآة، إذ نُسقِط عليه كل السلوكيات والمخاوف البشرية، ولذا فإننا نشعر بالرعب منه.

الشركات تتصنّع مظاهر المسؤولية لخوفها من تشريعات تحدّ من عملها

إذا كان كل ذلك صحيحاً، فلماذا يطالب كثير من قادة شركات التكنولوجيا بإبطاء وتيرة أبحاث الذكاء الاصطناعي؟

ترى أيتكين أن هذا الحديث وسيلة لثني المشرعين عن سن قوانين قد تعيق عمل شركات الذكاء الاصطناعي؛ فمن خلال إظهار أنفسهم بمظهر المسؤولية، يقللون من الحاجة إلى تدخل حكومي. وتقول: «قصص الذكاء الاصطناعي الفائق هذه تخدم مصالح الشركات في الواقع، لأنها تثير الضجة والحماس، وتزيد حجم الاستثمارات».

مصالح الشركات... تجارية بحتة

والنتيجة هي أن هذه الشركات تجد نفسها تسير على حبل مشدود بين مسارين: فهي تطمئننا بأنها تتصرف بمسؤولية وأخلاقية عبر الدعوة إلى إبطاء وتيرة العمل (وهو أمر مستبعد الحدوث)، وفي الوقت نفسه تروج لأفكار الخيال العلمي حول الذكاء الاصطناعي الفائق لأن ذلك يصب في مصلحة أعمالها.

من جهته يعتقد روغويسكي أن هناك عاملاً آخر قد يزيد الأمور تعقيداً؛ فالاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات الذكاء الاصطناعي غير مستدامة، لذا فإن الإبطاء الرسمي للوتيرة قد يمنحها فرصة لتهدئة الأمور دون أن تخسر أمام منافسيها، بل وربما يعزز تفوقها.

قد تدرك الشركات أن زيادة حجم النماذج وتوسيع نطاقها ليسا أمراً ضرورياً لمهام العمل اليومية - مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني - ولذا فهي قد ترحب بفرصة تخفيف الوتيرة، وخفض التكاليف، وزيادة الإيرادات.

التخطيط للمخاطر المحتملة

ومع ذلك، وفي خضم كل هذا تبرز مخاوف مشروعة بشأن المستقبل وسط كل هذا؛ إذ يشير روغويسكي إلى وجود خطر حقيقي - وإن كان محدوداً - مرتبط بالذكاء الاصطناعي، وهو خطر يستوجب التعامل معه بجدية. وسواء ظهر النموذج المتطور بما يكفي لتشكيل هذا الخطر قريباً أو بعد سنوات، فإن الأمر يستحق التخطيط له مسبقاً.

ويشكك روغويسكي في أن أياً من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية يمتلك ذكاءً حقيقياً، لكنه يشير إلى أنه عند ظهور مثل هذا الذكاء، لا ينبغي توقع أن يبدو أو يتصرف مثلنا، إذ «ستكون هناك أنماط من التفكير والسلوك غريبة للغاية». ولذا، فإن محاولة رصد هذا النوع من الذكاء تزداد صعوبة، كما تزداد صعوبة التنبؤ بدوافعه المحتملة. ولهذا السبب، يعتقد أنه ينبغي لنا البدء بالفعل مناقشة الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الذكاء الاصطناعي.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
TT

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي

يحذر علماء المناخ من أن ما يقرب من 450 ألف شخص حول العالم قد يفقدون حياتهم بحلول شهر فبراير (شباط) المقبل نتيجة لارتفاع درجات الحرارة الناجم عن ظاهرة «إل نينيو» التي تسجل مستويات قياسية. وتستند هذه التقديرات إلى أعداد الوفيات التي نتجت سابقاً عن درجات الحرارة المتطرفة في مختلف أنحاء العالم، كما كتب مايكل لو بيغ في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

وتقول إميلي غروفر - كوبيك، من مجموعة «روديم»، (Rhodium Group)، وهي مؤسسة بحثية مستقلة: «نأمل أن تكون هذه المعلومات مفيدة للتوجه إلى تنفيذ إجراءات عملية، وأن تُتخذ قرارات لتوجيه الموارد مسبقاً». وقد تشمل هذه الإجراءات تكليف كوادر صحية بتفقد أحوال الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وضمان توافر كميات كافية من المياه للسكان، وتوفير مراوح، أو أجهزة تكييف الهواء.

وفيات نصف الكرة الجنوبي... أولاً

ستتركز معظم الوفيات خلال الأشهر القليلة المقبلة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، نظراً لأن الحرارة الإضافية ستتزامن مع فصلي الربيع والصيف هناك. ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر ظاهرة «إل نينيو» حتى حلول الربيع في نصف الكرة الأرضية الشمالي، ما يعني حدوث موجة أخرى من الوفيات في تلك المنطقة بعد شهر فبراير.

ثم.. تضرر الهند والباكستان

وتضيف غروفر - كوبيك: «سنشهد انتقال أعداد الوفيات المرتفعة بشكل غير معتاد نحو الشمال. وللأسف، أتوقع تماماً أن تتزايد هذه الأعداد». وتشير إلى أن الهند وباكستان قد تكونان من أكثر الدول تضرراً.

وتستند التقديرات التي وضعتها غروفر - كوبيك وفريقها -التي تشير إلى احتمال وفاة 450 ألف شخص، ونُشرت في تقرير صادر عن «مختبر تأثيرات المناخ» (Climate Impact Lab) بجامعة شيكاغو- إلى العلاقة المرصودة بين درجات الحرارة والوفيات الأعلى من المتوقع.

وتتخذ هذه العلاقة شكل منحنى يشبه حرف (U) باللغة الإنجليزية؛ حيث تزداد معدلات الوفيات في حالات البرد الشديد، أو الحرارة الشديدة، إلا أن الشكل الدقيق للمنحنى يختلف من مكان لآخر بناءً على عوامل عدة، مثل مدى تكيف السكان، والبنية التحتية مع درجات الحرارة المتطرفة، أو القدرة المالية على توفير وسائل التبريد، مثل مكيفات الهواء.

وقد قسمت دراسة أُجريت عام 2022 العالم إلى 24 ألف منطقة، وقدرت طبيعة هذه العلاقة لكل منطقة على حدة، وذلك بالاعتماد إما على بيانات تاريخية تعود لعقود مضت، أو من خلال الاستقراء، والمقارنة مع مناطق مشابهة.

توقعات الأشهر الستة المقبلة

ودمجت غروفر - كوبيك وزملاؤها هذا النهج مع التوقعات الموسمية الصادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF) لتقدير عدد الوفيات الإضافية -التي تفوق المعدلات المعتادة- الناجمة عن الحرارة المرتبطة بظاهرة «إل نينيو».

وتشير النتائج إلى أنه خلال فترة التوقعات الممتدة لستة أشهر -من سبتمبر (أيلول) وحتى فبراير- ستُسجَّل 240 ألف حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة. وعند إضافة الوفيات التي يُقدَّر أنها حدثت بالفعل منذ بدء ظاهرة «إل نينيو» الحالية في يونيو (حزيران)، يرتفع إجمالي العدد إلى 450 ألف حالة وفاة.

مناطق الوفيات الأكثر حدوثاً

ويُقدِّر الفريق أن أفريقيا ستكون الأكثر تضرراً، إذ يُتوقع تسجيل أكثر من 30 ألف حالة وفاة إضافية في نيجيريا وحدها خلال الأشهر القليلة المقبلة. كما قد تشهد الفترة نفسها تسجيل 19 ألف حالة وفاة إضافية في إندونيسيا، و16 ألفاً في الهند، و13 ألفاً في البرازيل.

الخطر الأكبر على الأطفال والشيوخ

ويُقسِّم التقرير السكان إلى ثلاث فئات عمرية: الأطفال في سن الرابعة، أو أقل، وكبار السن (65 عاماً فما فوق)، وبقية الفئات العمرية. وتقول غروفر - كوبيك: «هناك تأثيرات تطال الفئات العمرية الثلاث جميعها، إلا أن الفئة الأكثر عرضة للخطر هي فئة كبار السن، تليها فئة الرضع».

ونظراً لأن ظاهرة «إل نينيو» تؤثر أيضاً على حرائق الغابات، والفيضانات، وغيرها من الظواهر، فقد تكون حصيلة الوفيات الإجمالية أعلى من ذلك. ويقول كريستوفر كالاهان، من جامعة إنديانا في بلومنغتون: «أجد هذه النتائج منطقية؛ فظاهرة «إل نينيو» ستجلب درجات حرارة مرتفعة للغاية إلى أجزاء واسعة من العالم، والعلاقة بين الحرارة ومعدلات الوفيات علاقة ثابتة، وموثوقة عالمياً».

وكان كالاهان قد استخدم أخيراً نهجاً مشابهاً لتقدير أن موجة الحر التي ضربت أوروبا في شهر يونيو الماضي أودت بحياة 20 ألف شخص. وحتى الآن تم الإبلاغ عن 35 ألف حالة وفاة إضافية في أوروبا تُعزى إلى الحرارة خلال فترة أطول من فصل الصيف. ويشير كالاهان إلى أن تقدير الوفيات الإضافية البالغ 240 ألف حالة بين شهري سبتمبر وفبراير يعتمد على دقة التوقعات.

تقديرات متوسطة

وتوضح غروفر - كوبيك أن توقعات المركز الأوروبي (ECMWF) تقع في منتصف نطاق التوقعات الأخرى، ما يجعلها تمثل تقديراً متوسطاً لما قد يحدث. يشير كالاهان أيضاً إلى أن التقرير يقتصر على الوفيات المرتبطة بالحرارة؛ إذ يقول: «تؤثر ظاهرة (إل نينيو) على حرائق الغابات في إندونيسيا، والأمراض المعدية في أميركا الجنوبية، والفيضانات في غرب الولايات المتحدة، وغيرها من الظواهر؛ ولذا فإن إجمالي عدد الوفيات قد يكون أعلى من ذلك».

دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية

وتعلق راكيل نونيس، من جامعة وارويك في المملكة المتحدة: «إن الرسالة الأهم لا تكمن في الرقم المطلق بحد ذاته، بل فيما يمكن القيام به للحد من الأضرار التي يمكن تجنبها». وتضيف: «من الأفضل النظر إلى هذا التقرير باعتباره دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية، والجاهزية، وتدابير التكيف الموجهة، لا سيما بالنسبة للفئات السكانية المعرضة للمخاطر، والهشة».


«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير
TT

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

كان الهدف من الذكاء الاصطناعي توفير الوقت، فلماذا نجد اليوم أنفسنا غارقين فيما يُعرف اليوم بـ«نفايات العمل»؟

«قنابل النفايات» من الذكاء الاصطناعي

أطلق توبياس لوتكي، الرئيس التنفيذي لشركة «شوبيفاي» Shopify، تسمية خاصة على رسائل البريد الإلكتروني والمذكرات ورموز البرمجة وغيرها من المحتويات التي يولدها الذكاء الاصطناعي من دون تدقيق بشري، وهي: «قنابل النفايات slop grenades. ورغم أن لوتكي كان من أوائل المتبنين للذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، فإنه أشار في بودكاست The Knowledge Project، إلى أن هذه التقنية باتت تخلق المزيد من الأعباء والمهمات، كما كتب جيري كولونا(*).

من الحدس والتقدير الذاتي... إلى إبهار الآلة

ولقد لوحظ حدوث هذا الأمر في الجانب القيادي أيضاً؛ إذ بدأ يتسبب في حالة «إرهاق اتخاذ القرار» وحالة من التردد. فالقرارات التي كانت تُتخذ سابقاً بناءً على الحدس أو التقدير السليم، أصبحت الآن تمر عبر عمليات الذكاء الاصطناعي لدرجة تسبب الإنهاك. وما ينتج عن ذلك غالباً هو مزيج متشابك من الأرقام والأفكار التي تبدو مبهرة على الورق، لكن يصعب على البشر استيعابها وفهمها.

توظيف غير مدروس

يُطلق باحثون من جامعة ستانفورد ومنصة «BetterUp» على هذا النتاج اسم «نفايات العمل» workslop. ويمكن لهذا النوع من المحتوى أن يجعلك تشعر بأنك «محتال» (متظاهر بالكفاءة)، ويسبب لك إرهاقاً في اتخاذ القرار، ويثير مجموعة من المشاعر السلبية، وكل ذلك ينبع من الاستخدام غير المدروس للذكاء الاصطناعي.

كيف تنتشر هذه «النفايات»؟

عندما يتلقى الزميل «قنبلة» من هذا النوع، فإنه قد يجد نفسه عاجزاً عن التصرف (فهو كمن يجلس فوق قنبلة حقيقية)، وغالباً ما يخشى الاعتراف بأنه لا يفهم المحتوى. وبدلاً من ذلك، قد يمررها إلى شخص آخر، لينتهي المطاف بذلك الشخص في حالة مماثلة من الحيرة والارتباك... وبهذا تنتشر هذه المخرجات غير المجدية.

إرباك القيادة

ومع ذلك، هناك جانب آخر يتعلق بـ«نفايات الذكاء الاصطناعي» داخل المؤسسة قد تواجهه بصفتك قائداً. فالسماح للذكاء الاصطناعي بأن يحل محلك في مقعد القيادة - عبر حل المشكلات واتخاذ القرارات - قد يجعلك تشعر بأنك عالق في مأزق؛ وذلك لأن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد عدد هائل من الحلول المحتملة.

إن مواجهة مشكلة واحدة من زوايا ووجهات نظر متعددة قد تكون أمراً منهكاً، كما أنها قد تدفعك للتشكيك في رؤيتك الخاصة للموقف.

كيف تتجنب إرهاق الذكاء الاصطناعي؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد أفكاراً ربما لم تخطر ببالك، كما يمكنه المساعدة في تنقيح المستندات أو تقديم رؤى حول مشكلات معقدة. لكن لا تجعل الذكاء الاصطناعي نقطة البداية. بدلاً من ذلك، ابدأ بتدوين الحقائق التي تعرفها وكيفية تعاملك مع الموقف بناءً على معرفتك وخبرتك الشخصية. تأمّل الحقائق التي تدرك صحتها، ثم دع حدسك يوجهك.

ومن هذه النقطة، يمكنك الاستعانة بالذكاء الاصطناعي -عند الحاجة- للحصول على أفكار إضافية تدعم حلك الخاص، ولكن احرص على ألا تحيد عن مبادئك الأساسية.

من المرجح أن تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل المشكلات وتوليد أفكار ربما لم تخطر ببالك من قبل، لكن لا ينبغي أن تترك له مهمة التفكير بالنيابة عنك بالكامل.

توجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير بطريقتك

إن البدء بأفكارك الخاصة وتوجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير في موضوع ما بنفس طريقتك يمكن أن يشكّل شراكة رائعة؛ فالأمر ينجح عندما تبدأ أنت بطرح الأسئلة وتوجيه المسار. أما المشكلة فتنشأ حين تطلب من الذكاء الاصطناعي معالجة مسألة لم تكن قد أدركتَ -بشكل واعٍ- أنها تمثل مشكلة من الأساس. لذا فعليك استخدام الذكاء الاصطناعي لصقل حكمك وتقديرك للأمور، لا لاستبدالهما.

عندما تنتج محتوىً رديئاً

إن الوقوع في الأخطاء وإنتاج محتوىً رديء أمر وارد؛ فقد ترسل لفريقك شيئاً ولّده الذكاء الاصطناعي دون تمحيص كافٍ، أو ربما تكون قد بدأت بتحليلٍ أعدّه الذكاء الاصطناعي بدلاً من الاعتماد على أفكارك الخاصة، لتجد نفسك عالقاً في حيرة وشك حول مدى فهمك للقيادة.

العودة إلى الجوهر

لكن يمكنك دائماً العودة إلى الجوهر، اذ يمكنك دائماً العودة إلى القيادة التي تضع العنصر البشري في المقام الأول. اعترف بالخطأ، وتراجع خطوة إلى الوراء، وحدد ما كانت ستكون عليه فكرتك أو حلك الأصلي، ثم انطلق من تلك النقطة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً في مجال القيادة، شريطة ألا يكون هو صاحب القرار النهائي بينما أنت غافل عما يجري.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».