نظم الذكاء الاصطناعي للحفاظ على أسماك البحر الأحمر

تقنيات جديدة تضع المصائد بالسعودية على مقياس الاستدامة في حماية الأنواع المهددة من الصيد الجائر

في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك  ( إليزا مخيتاريان)
في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك ( إليزا مخيتاريان)
TT

نظم الذكاء الاصطناعي للحفاظ على أسماك البحر الأحمر

في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك  ( إليزا مخيتاريان)
في «كاوست»، يعد التعاون مع الصيادين المحليين مصدراً قيماً للمعلومات لأبحاث الحفاظ على الأسماك ( إليزا مخيتاريان)

يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد أنشطة الصيد غير القانونية هل هناك حقاً الكثير من الأسماك في البحر؟ في عام 2014 شدد تقرير صدر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO)، على أن أعداداً كبيرة من البشر أكثر من أي وقت مضى، أصبحت تعتمد اليوم على مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية كغذاء ومصدر للدخل، لكن الممارسات الضارة وسوء الإدارة تهدد استدامة هذا القطاع. وأشارت تقارير المنظمة إلى أن نسبة الأرصدة السمكية الواقعة ضمن المستويات المستدامة بيولوجياً، تراجعت من 90 في المائة عام 1974 إلى ما دون 66 في المائة.

وقد وضعت في سبيل ذلك مؤشرات لغرض تعزيز الصلات والشفافية والفاعلية والمساءلة في إطار إدارة الموارد الطبيعية، فهي تساعد عملية تقييم أداء سياسات مصائد الأسماك وإدارتها على المستويات العالمية والإقليمية، وتوفر أداة سهلة الفهم لوصف حالة الموارد السمكية ونشاطات الصيد، ولتقييم الاتجاهات فيما يتعلق بأهداف التنمية المستدامة.

وفي عام 2015 صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على 17 هدفاً للتنمية المستدامة التي تشمل برنامج التنمية المستدامة لعام 2030، من ضمنها الهدف 14 المتعلق بالحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها بشكل مستدام لتحقيق التنمية المستدامة.

تعزيز إدارة الصيد

في المملكة العربية السعودية، تستورد البلاد حالياً نحو 60 في المائة من الأسماك المستهلكة، ولكن الحكومة تبذل جهوداً مضنية؛ لتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، وقد استثمرت بالفعل بشكل كبير في الاستزراع السمكي؛ لتعويض التراجع في صيد الأسماك في البحر الأحمر.

في هذا السياق، وضمن المشاريع المدعومة من قبل وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة، تُجرى جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) البحوث العلمية بدأب؛ لتعزيز إدارة الصيد، وتأمين مستقبل هذا المصدر الغذائي الحيوي.

يقول الدكتور أندرو تيمبل، باحث ما بعد مرحلة الدكتوراه في «كاوست»: «إنّ الصيد يتطلب تحقيق التوازن بين معدل النمو السريع لكل نوع من الأسماك، وكمية ما نأخذه منها أثناء الصيد، ولكن عملية جمع البيانات يمكن أن تستغرق مدة تصل إلى عِقد من الزمان لاكتشاف الانخفاض في أعداد الأسماك؛ ولذلك نحن دائماً نحاول التعويض والمقايضة، مما يؤثر بشكل خاص على الأشخاص الذين يعتمدون على الصيد كمصدر للغذاء أو الدخل».

واستناداً إلى خبرته في العمل مع صناعة الصيد العالمية من شمال أوروبا إلى شرق أفريقيا، يأمل تيمبل في تحويل بحوث الصيد من علم يعتمد على رد الفعل والاستجابة لتراجع الأنواع، إلى علم استباقي يحول دون تراجع الأنواع ويسهل اتخاذ التدابير اللازمة لحماية البيئة البحرية.

دور الذكاء الاصطناعي

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي؟ يمكن لتقنيات للذكاء الاصطناعي (AI) أن تؤدي دوراً في تقييم استدامة الأسماك من خلال أساليب مختلفة تعتمد على البيانات، حيث يمكن لتلك الخوارزميات تحليل كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بتجمعات الأسماك وممارسات الصيد والعوامل البيئية. ومن خلال معالجة هذه البيانات يمكن تحديد الأنماط والاتجاهات التي تساعد في تقييم استدامة مصايد الأسماك.

كما تطبق تقنيات مثل التعلم الآلي على البيانات التاريخية لتطوير النماذج التنبؤية لتقدير مستويات المخزون السمكي في المستقبل، وتقييم تأثير ممارسات الصيد، والتنبؤ باستدامة مصايد الأسماك بمرور الوقت.

ومن خلال دمج البيانات من مصادر مختلفة، بما في ذلك سجلات الصيد وأنظمة مراقبة السفن ومعلومات السوق، يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد أنشطة الصيد غير القانونية وغير المبلّغ عنها وغير المنظمة وتقديم رؤى حول استدامة سلسلة التوريد الشاملة.

كما تستخدم تلك التقنيات في مساعدة صانعي السياسات وتجار التجزئة للمأكولات البحرية والمستهلكين في اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن خيارات الأسماك والمأكولات البحرية. من خلال توفير البيانات والتحليلات في الوقت الفعلي.

نهج «كاوست»

يعترف تيمبل بأنّ «صناعة الصيد تعاني من سمعة سيئة، ولكن معظم الأنواع التي لدينا بيانات موثوقة عنها تُصطاد بشكل مستدام». ويضيف: «ثمَّة أنظمة إدارة فعالة في أماكن مثل أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا، وتصطاد أنواع مثل التونة بشكل مستدام في معظم الدول».

مع ذلك، فإن إدارة الصيد في البحر الأحمر محدودة؛ حيث يتسارع انخفاض الأنواع الشعبية، مثل: سمك هامور (غروبر) وسمكة نابلوين (humphead wrasse).

يقول تيمبل «الدافع الاقتصادي لصيد هذه الأسماك الكبيرة عالٍ جداً»، ويلفت محذراً إلى أنه يجدر بمعظم الصيادين القلق بشأن الوضع الحالي، وليس فقط بخصوص الـ20 عاماً المقبلة».

وتستهدف المملكة العربية السعودية - من خلال «رؤية 2030» - مكافحة سوء التغذية من خلال إنتاج الأغذية المستدامة. وفي هذا الصدد، يعكف تيمبل على تطوير أداة بسيطة تستخدم الذكاء الاصطناعي؛ لتصنيف الأسماك حسب قيمتها الاقتصادية، ومدى سرعة نمو أعدادها. ويُتوقع أن تساعد هذه التقنية صنّاع القرار، على تحديد الأنواع المعرضة لمخاطر التدهور المحتملة، في أسرع وقت ممكن، كما تساعد الباحثين في تحديد أولويات جهودهم.

وحول ما يقوم به تيمبل يقول مرشده الأكاديمي، البروفيسور مايكل بيريومن، أستاذ علوم البحار ومدير مركز أبحاث البحر الأحمر في «كاوست»: إن «هذا يُعد نهجاً إبداعياً للتعامل مع مشكلة ملحوظة في الوقت الحالي؛ حيث تحتاج السعودية بشكل عاجل إلى تحسين إدارة الصيد البحري؛ للحفاظ على البيئة البحرية وضمان الأمن الغذائي. يمكن للأداة أن تزود الجهات المعنية، ولا سيّما وزارة البيئة والمياه والزراعة، ومشاريع ساحلية كبيرة، مثل (نيوم)، بمعلومات ذات صلة للاستجابة لهذه التحديات».

يجمع نهج تيمبل متعدد التخصصات بين الدراسات السوقية، والمعرفة المحلية، مع البيانات البيولوجية ومورفولوجيا الأنواع (شكل وحجم الأسماك)، حيث يتمكن علماء الأحياء من إلقاء نظرة ثاقبة على تاريخ تطورها، ويمكنهم تقدير معدلات نمو هذه الأسماك؛ على سبيل المثال، تكون الأسماك الكبيرة أبطأ في الإنجاب من الصغيرة، وبالتالي تكون أكثر عرضة للانقراض؛ بسبب الصيد الجائر.

يقول تيمبل: «من خلال فرز الأنواع، باستخدام قدرتها على التحمل والنظر في كيفية تفاعل الناس معها؛ لتوقع الأنواع الأكثر عرضة للخطر، يمكننا اتخاذ إجراءات الآن بدلاً من الانتظار خمس إلى عشر سنوات».

خلال الأشهر الثلاثة الماضية، رافق تيمبل استشاريون بيئيون من فريق تطوير الصيد في مبادرة المنارة للتطوير في «كاوست» في رحلات إلى أسواق الأسماك المحلية، حيث جمعوا بيانات حول حجم الأسماك وعمرها ونضجها التكاثري لبعض الأنواع ذات القيمة العالية، بما في ذلك: شيم حصاني، والنهاش، والهامور، وسمك الماكيريل الإسباني. كما تم تجميع بيانات عن الصيد من الموانئ لتتبع عدد الأسماك الملتقطة.

الصيادون المحليون

لاحظ تيمبل عند مرافقته الصيادين المحليين في رحلة صيد بشباك الجر من القنفذة في جنوب البحر الأحمر؛ لمراقبة كيفية تفاعلهم مع الأنواع غير المتوفرة في السوق، أن سفن الصيد تقوم بشكل أساسي بصيد الجمبري، لكن شباكها الكاسحة تكون عشوائية إلى حد ما، حيث انتهى المطاف بصيد الكثير من الحبار والأسماك. ونظراً لأنهم يفهمون النظام البيئي جيداً، يُعدّ الصيادون المحليون مصدراً مهماً للمعلومات لما يعرف بأبحاث الحفظ التي تستهدف فهم وحماية الحياة البرية والبيئة الطبيعية، لكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت لمد جسور الثقة معهم، سيؤدي تحديد الأنواع ذات الأولوية إلى تسريع التقدم نحو خطة إدارة مصايد الأسماك التي تقدم توصيات، على سبيل المثال، بشأن وقت ومواقع رحلات الصيد. وفي هذا السياق، يخشى تيمبل من مواجهة أسئلة حساسة حول سبل عيش الصيادين.

يقول تيمبل: «مجتمعات الصيد هنا متعاونة للغاية بالفعل، ولديهم حتى قائمة بالسفن للذهاب إلى مناطق صيد مختلفة». «يجب أن تتضمن قرارات الإدارة مدخلات من الصيادين والشركات المحلية لتحديد ما هو ممكن ومقبول.»

تعمل شركة «المنارة» للتطوير بدأب على سد الفجوات بين الباحثين - مثل تيمبل - وأصحاب المصلحة وصناع القرار. يقول مارك ديميك، مدير برنامج المصايد في الشركة: «ننفق الكثير من الوقت للعمل مع قطاع صيد الأسماك؛ لجمع البيانات عن مخزون الأسماك مباشرةً من القوارب في مواقع الصيد، وعلى متن السفينة وفي أسواق المزادات؛ حيث نستهدف في الأخير، إنشاء إطار إداري متكامل، يعتمد على الوضع الحالي للموارد، حتى تتمكن المملكة من الوصول إلى هدفها المنشود، الذي يتمثل في وجود مصايد أسماك البحر الأحمر المستدامة على المدى الطويل». لافتاً إلى أن الشركة ستطرح مقترحاتها في هذا الصدد في وقت لاحق من هذا العام.



أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.