بين 30 يونيو 1989 و30 يونيو 2023: «الإخوان» يدمرون السودان

لإشباع شهوتهم إلى السلطة أشعلوا حرب الجنرالين ويذكون نارها

قائد الانقلاب عمر البشير مع بعض أعضاء فريقه في الخرطوم (أ.ف.ب)
قائد الانقلاب عمر البشير مع بعض أعضاء فريقه في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

بين 30 يونيو 1989 و30 يونيو 2023: «الإخوان» يدمرون السودان

قائد الانقلاب عمر البشير مع بعض أعضاء فريقه في الخرطوم (أ.ف.ب)
قائد الانقلاب عمر البشير مع بعض أعضاء فريقه في الخرطوم (أ.ف.ب)

تحفظ ذاكرة السودانيين ما حدث في الثلاثين من يونيو (حزيران) 1989، وما جاء في البيان الأول لرئيس الانقلاب، العميد وقتها، عمر البشير، واستيلاء الإسلاميين المدنيين بقيادة الراحل حسن الترابي على السلطة، وتنفيذ العسكريين الموالين لهم «ثورة الإنقاذ الوطني».

وبعد مرور نحو أربعة وثلاثين سنة على ذلك الحدث، ثبت أن نتاج ذلك الانقلاب الذي ادعى الإصلاح، كان خراباً مطرداً في كل نواحي البلاد، بلغ ذروته بانفصال جنوب السودان، وانتشار الميليشيات المسلحة الموالية للإسلاميين، والمناوئة لهم، ودخول البلاد في عزلة دولية وحصار اقتصادي، وغيرها من المشكلات التي يرى كثير من المراقبين أنها مهدت الأرض للحرب الحالية بين الجيش وقوات «الدعم السريع» التي قام الانقلاب بصناعتها لمواجهة حركات التمرد.

بيان الانقلاب

البشير قال في «البيان الأول» إن القوات المسلحة «تحركت اليوم لإنقاذ بلادنا العزيزة، من أيدي الخونة والمفسدين، لا طمعاً في مكاسب السلطة، بل تلبية لنداء الواجب الوطني الأكبر في إيقاف التدهور المدمر، ولصون الوحدة الوطنية من الفتنة والسياسة، وتأمين الوطن، ومنع انهيار كيانه، ومن أجل إبعاد المواطنين من الخوف والتشرد والجوع والشقاء والمرض».

قائد الانقلاب عمر البشير يصافح بعض ضباطه في الخرطوم (أ.ف.ب)

انقلب البشير، بتدبير من «الحركة الإسلامية» (الاسم السوداني لتنظيم الإخوان المسلمين) على حكومة رئيس الوزراء الراحل، الصادق المهدي، المنتخبة، والتي أعقبت سقوط نظام الديكتاتور جعفر النميري بثورة شعبية. وحكم البشير البلاد بقبضة حديدية، وكان الإسلاميون هم «حجر الرحى» في نظامه، إذ وظفوا الشعارات الدينية لتصفية خصومهم السياسيين، وبموجبها نفذوا «مجزرة» واسعة في أجهزة الخدمة المدنية والعسكرية، أحالوا بموجبها مئات الآلاف من العاملين إلى ما أسموه «الصالح العام». وتحت شعارات «الأسلمة»، مكّنوا أفراد التنظيم من مفاصل البلاد باسم «التمكين»، فدانت لهم البلاد اقتصادياً وسياسياً وأمنياً طوال ما عرف بـ«العشرية الأولى»، وكان خلالها البشير «منفذاً» لسياسات «الحركة الإسلامية»، بينما كانت السلطة الفعلية لزعيم الإسلاميين الراحل حسن الترابي، وأتباعه من «الإخوان» السودانيين.

استضافة المتطرفين

واستضافت الحكومة الإسلاموية الإرهابيين والجهاديين الإسلاميين من كل أنحاء العالم، بمن فيهم زعيم تنظيم «القاعدة» الإرهابي أسامة بن لادن، وحركات جهادية محسوبة على التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

أسامة بن لادن (غيتي)

وأتاحت الخرطوم لهم مقدرات البلاد لينفذوا عملياتهم ضد بلدانهم. ونتيجة لذلك، اعتبرت الخارجية الأميركية السودان دولة راعية للإرهاب، وفرضت عليه عقوبات اقتصادية قاسية، لم ترفع إلا بعد سقوط نظام الإسلاميين بثورة شعبية في 11 أبريل (نيسان) 2019.

فصل الجنوب

وأثناء حكم الإسلاميين تصاعدت الحرب في جنوب السودان بقيادة الراحل جون قرنق ديمبيور. ومن تمرد ضد الدولة، حول الإخوان حركته إلى حرب جهادية، جيشوا لها الشعب تحت الشعارات الدينية، لكنهم فشلوا في حسم الحرب، فاضطروا للتفاوض مع القوات الجنوبية، ووقعوا اتفاقية السلام الشامل «نيفاشا» الشهيرة في 2005، والتي أعطت جنوب السودان حق الاستفتاء على الوحدة أو الانفصال، الذي كانت نتيجته أن صوت الجنوبيون بأغلبية ساحقة للانفصال، فولدت بناء على ذلك «دولة جنوب السودان» الحالية، وهي أكبر خسارة وطنية أنزلها الإخوان بالسودان، فقدت بموجبها البلاد ثلث مساحتها وسكانها، ومعظم مواردها النفطية.

حرب دارفور 2003

ولم توقف الحكومة الإسلامية حروبها، فبمجرد توقيع اتفاق السلام الشامل، أشعلت الحرب في إقليم دارفور (المسلم) في عام 2003، وقتلت قرابة نصف مليون نسمة من السكان، وشردت أكثر من 2.5 مليون بين لاجئ ونازح، بيد أنها فشلت في القضاء على التمرد.

وللقضاء عليه، أنشأت ما عرف بـ«ميليشيا الجنجويد»، لتكون سنداً للجيش في حربه ضد الحركات الدارفورية المسلحة. ومارست ميليشيا «الجنجويد» انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان تحت إشراف الحكومة المركزية، التي وظفت التناقضات بين المجموعات السكانية في الإقليم (عرب وزرقة)، ونتج عن ذلك أن اتخذت الأمم المتحدة قرارات تحت البند السابع، قضت بتكوين واحدة من أكبر بعثات حفظ السلام في تاريخ المنظمة الدولية، هي بعثة «يوناميد» المكونة من عشرات الآلاف من الجنود الدوليين، لحماية المدنيين من القوات الحكومية والميليشيا المساندة لها «الجنجويد».

الاتهامات بجرائم الإبادة

ونتيجة لانتهاكات حقوق الإنسان في إقليم دارفور وأقاليم أخرى في البلاد، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات قبض ضد الرئيس عمر البشير ووزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الداخلية في الدولة وقتها أحمد هارون، وقائد الجنجويد الذي يخضع للمحاكمة الآن في «لاهاي»، تحت تهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي، لكن البشير وحكومته رفضوا المثول أمام تلك المحكمة.

الرئيس السابق عمر البشير المتهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور (رويترز)

وبلغت التناقضات الداخلية بين الإسلاميين أقصاها بانتهاء العشرية الأولى من حكمهم. ففي 1999، انقلب البشير على عراب الإسلاميين حسن الترابي وحل البرلمان الذي كان يترأسه، وأدخله السجن مع عدد من أتباعه، وانقسمت الحركة إلى تيار موالٍ للبشير وتيار موالٍ للترابي. واختار أقرب تلاميذ الترابي، وأبرزهم علي عثمان محمد طه، ونافع علي نافع، وعوض أحمد الجاز، الانحياز للسلطة وموالاة البشير ضد زعيمهم التاريخي، وراج آنذاك القول بأن «ثورة الإنقاذ أكلت أباها».

ميلاد «الدعم السريع»

وحين تزايدت الصراعات داخل المجموعة الحاكمة نفسها، أنشأ البشير القوات التي تعرف اليوم باسم «قوات الدعم السريع»، بقيادة محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي»، كقوات خاصة به لحمايته من غدر «إخوانه». فقد سبق لهم أن غدروا بأبيهم، فكيف لا يغدرون بصنيعتهم في صراع السلطة الذي اشتد، خاصة بعد انفصال جنوب السودان؟

حميدتي خلال لقاء (قبل الحرب) مع قواته في ولاية نهر النيل (أ.ب)

لكن قوات «الدعم السريع»، التي استجلبت من دارفور لقمع الثورة الشعبية، «ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018»، وحماية البشير، خدمت عكس الغرض الذي كونت من أجله، وأعلنت الانحياز للثورة. وضمن الترتيبات التي أعقبت الثورة، حظي زعيمها «حميدتي» بمنصب نائب رئيس مجلس السيادة ضمن حكومة الشراكة بين المدنيين والعسكريين التي أقرتها الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس (آب) 2019.

انقلاب أكتوبر 2021

لكن الإسلاميين عادوا بعد أن انحنوا للعاصفة، فقد عملوا بالتنسيق مع عناصرهم داخل الجيش وأجهزة الأمن والشرطة، على عرقلة عمل حكومة الثورة، بل تحريض العسكريين على الانقلاب عليها، خاصة بعد تكوين «لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين ومحاربة الفساد»، والتي استردت من قادتهم ملايين الدولارات، على شكل عقارات وأموال سائلة وغيرها، ما يهدد وجودهم على الأرض. لذا لعبوا دوراً مهماً في انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو.

لكن الانقلاب فشل بسبب التنافس بين قائديه؛ إذ أعلن حميدتي أن شريكه في السلطة استغل الانقلاب لإعادة الإسلاميين إلى السلطة، وهم يعتبرونه خائناً، فأعلن من طرف واحد أنه يدعم خروج الجيش من السياسة وعودة الحكومة المدنية. وفي الأثناء، وقع الرجلان مع القوى المدنية اتفاقاً إطارياً قضى بتسليم الحكم للمدنيين، ودمج قوات «الدعم السريع» في الجيش، وخروج العسكريين من السلطة، واستئناف تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وركائزه السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية.

الجنرال عبد الفتاح البرهان قاد انقلاب 25 أكتوبر 2021 (رويترز)

وأعلن الإسلاميون رفضهم القاطع لذلك الاتفاق باعتبار تنفيذه نهاية لهم، فهددوا علناً بإفشاله، مهما استدعى الأمر، وعادوا لهتافات الإخوان المسلمين الشهيرة: «فلترق منهم دماء، أو فلترق منا دماء، أو فلترق كل الدماء»، معلنين استعدادهم لإحراق البلاد، واستغلوا خلافات بين قادة الجيش و«الدعم السريع» تتعلق بالجدول الزمني لعملية دمج قوات «الدعم السريع»، واشتغلوا على زرع الفتنة بينهم، حتى اندلعت الحرب بين القوتين الكبيرتين. وتقول تقارير إن الإسلاميين «أدخلوا الجيش في الحرب عبر كتائبهم الجهادية».

حرب الجنرالين

وتسببت «شهوة الإخوان للسلطة» والعودة إليها في إشعال الحرب الحالية، وخلالها أعلنوا صراحة وقوفهم إلى جانب الجيش ضد «الدعم السريع»، تحت ذرائع قديمة متجددة اعتادوا عليها. فبعد أن كانوا يعتبرون الحرب في الجنوب «جهاداً» يُكفَّر من يقف ضده، ها هم يصفون الحرب الحالية بأنها حرب «الكرامة»، ومن يقف ضدها فهو خائن وعميل، وظلوا، وفقاً للتقارير، يقفون ضد أي محاولة لوقف الحرب عبر التفاوض.

البرهان (يسار) وحميدتي بعد سنوات من العمل معاً... يقودان الآن معركة كلاهما ضد الآخر من أجل السلطة (أ.ف.ب)

وانتهت الأوضاع في البلاد، من خلال حكم الإسلاميين لثلاثين سنة مباشرة، وأربع سنوات مستترة عبر لجنتهم الأمنية التي عطلت عمل الحكومة المدنية، إلى الحرب الحالية التي تهدد السودان بالتشظي والحرب الأهلية. وبعد أن كانوا قد أعلنوا أنهم جاؤوا إلى الحكم لـ«إنقاذ البلاد»، فإن محصلة سياساتهم أنهم ورطوها في «أتون حرب» لن تنساها ذاكرة السودانيين، وقد تنهي وجود وطن اسمه «السودان».


مقالات ذات صلة

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء ​السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق إفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)

الحرب تقتل الأشجار

في الأشهر الأولى لاندلاع الحرب، شهدت «غابة السنط» وهي محمية طبيعية تقع على ضفاف النيل الأبيض بالعاصمة الخرطوم عملية إبادة وقطع الأشجار.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».