بين 30 يونيو 1989 و30 يونيو 2023: «الإخوان» يدمرون السودان

لإشباع شهوتهم إلى السلطة أشعلوا حرب الجنرالين ويذكون نارها

قائد الانقلاب عمر البشير مع بعض أعضاء فريقه في الخرطوم (أ.ف.ب)
قائد الانقلاب عمر البشير مع بعض أعضاء فريقه في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

بين 30 يونيو 1989 و30 يونيو 2023: «الإخوان» يدمرون السودان

قائد الانقلاب عمر البشير مع بعض أعضاء فريقه في الخرطوم (أ.ف.ب)
قائد الانقلاب عمر البشير مع بعض أعضاء فريقه في الخرطوم (أ.ف.ب)

تحفظ ذاكرة السودانيين ما حدث في الثلاثين من يونيو (حزيران) 1989، وما جاء في البيان الأول لرئيس الانقلاب، العميد وقتها، عمر البشير، واستيلاء الإسلاميين المدنيين بقيادة الراحل حسن الترابي على السلطة، وتنفيذ العسكريين الموالين لهم «ثورة الإنقاذ الوطني».

وبعد مرور نحو أربعة وثلاثين سنة على ذلك الحدث، ثبت أن نتاج ذلك الانقلاب الذي ادعى الإصلاح، كان خراباً مطرداً في كل نواحي البلاد، بلغ ذروته بانفصال جنوب السودان، وانتشار الميليشيات المسلحة الموالية للإسلاميين، والمناوئة لهم، ودخول البلاد في عزلة دولية وحصار اقتصادي، وغيرها من المشكلات التي يرى كثير من المراقبين أنها مهدت الأرض للحرب الحالية بين الجيش وقوات «الدعم السريع» التي قام الانقلاب بصناعتها لمواجهة حركات التمرد.

بيان الانقلاب

البشير قال في «البيان الأول» إن القوات المسلحة «تحركت اليوم لإنقاذ بلادنا العزيزة، من أيدي الخونة والمفسدين، لا طمعاً في مكاسب السلطة، بل تلبية لنداء الواجب الوطني الأكبر في إيقاف التدهور المدمر، ولصون الوحدة الوطنية من الفتنة والسياسة، وتأمين الوطن، ومنع انهيار كيانه، ومن أجل إبعاد المواطنين من الخوف والتشرد والجوع والشقاء والمرض».

قائد الانقلاب عمر البشير يصافح بعض ضباطه في الخرطوم (أ.ف.ب)

انقلب البشير، بتدبير من «الحركة الإسلامية» (الاسم السوداني لتنظيم الإخوان المسلمين) على حكومة رئيس الوزراء الراحل، الصادق المهدي، المنتخبة، والتي أعقبت سقوط نظام الديكتاتور جعفر النميري بثورة شعبية. وحكم البشير البلاد بقبضة حديدية، وكان الإسلاميون هم «حجر الرحى» في نظامه، إذ وظفوا الشعارات الدينية لتصفية خصومهم السياسيين، وبموجبها نفذوا «مجزرة» واسعة في أجهزة الخدمة المدنية والعسكرية، أحالوا بموجبها مئات الآلاف من العاملين إلى ما أسموه «الصالح العام». وتحت شعارات «الأسلمة»، مكّنوا أفراد التنظيم من مفاصل البلاد باسم «التمكين»، فدانت لهم البلاد اقتصادياً وسياسياً وأمنياً طوال ما عرف بـ«العشرية الأولى»، وكان خلالها البشير «منفذاً» لسياسات «الحركة الإسلامية»، بينما كانت السلطة الفعلية لزعيم الإسلاميين الراحل حسن الترابي، وأتباعه من «الإخوان» السودانيين.

استضافة المتطرفين

واستضافت الحكومة الإسلاموية الإرهابيين والجهاديين الإسلاميين من كل أنحاء العالم، بمن فيهم زعيم تنظيم «القاعدة» الإرهابي أسامة بن لادن، وحركات جهادية محسوبة على التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

أسامة بن لادن (غيتي)

وأتاحت الخرطوم لهم مقدرات البلاد لينفذوا عملياتهم ضد بلدانهم. ونتيجة لذلك، اعتبرت الخارجية الأميركية السودان دولة راعية للإرهاب، وفرضت عليه عقوبات اقتصادية قاسية، لم ترفع إلا بعد سقوط نظام الإسلاميين بثورة شعبية في 11 أبريل (نيسان) 2019.

فصل الجنوب

وأثناء حكم الإسلاميين تصاعدت الحرب في جنوب السودان بقيادة الراحل جون قرنق ديمبيور. ومن تمرد ضد الدولة، حول الإخوان حركته إلى حرب جهادية، جيشوا لها الشعب تحت الشعارات الدينية، لكنهم فشلوا في حسم الحرب، فاضطروا للتفاوض مع القوات الجنوبية، ووقعوا اتفاقية السلام الشامل «نيفاشا» الشهيرة في 2005، والتي أعطت جنوب السودان حق الاستفتاء على الوحدة أو الانفصال، الذي كانت نتيجته أن صوت الجنوبيون بأغلبية ساحقة للانفصال، فولدت بناء على ذلك «دولة جنوب السودان» الحالية، وهي أكبر خسارة وطنية أنزلها الإخوان بالسودان، فقدت بموجبها البلاد ثلث مساحتها وسكانها، ومعظم مواردها النفطية.

حرب دارفور 2003

ولم توقف الحكومة الإسلامية حروبها، فبمجرد توقيع اتفاق السلام الشامل، أشعلت الحرب في إقليم دارفور (المسلم) في عام 2003، وقتلت قرابة نصف مليون نسمة من السكان، وشردت أكثر من 2.5 مليون بين لاجئ ونازح، بيد أنها فشلت في القضاء على التمرد.

وللقضاء عليه، أنشأت ما عرف بـ«ميليشيا الجنجويد»، لتكون سنداً للجيش في حربه ضد الحركات الدارفورية المسلحة. ومارست ميليشيا «الجنجويد» انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان تحت إشراف الحكومة المركزية، التي وظفت التناقضات بين المجموعات السكانية في الإقليم (عرب وزرقة)، ونتج عن ذلك أن اتخذت الأمم المتحدة قرارات تحت البند السابع، قضت بتكوين واحدة من أكبر بعثات حفظ السلام في تاريخ المنظمة الدولية، هي بعثة «يوناميد» المكونة من عشرات الآلاف من الجنود الدوليين، لحماية المدنيين من القوات الحكومية والميليشيا المساندة لها «الجنجويد».

الاتهامات بجرائم الإبادة

ونتيجة لانتهاكات حقوق الإنسان في إقليم دارفور وأقاليم أخرى في البلاد، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات قبض ضد الرئيس عمر البشير ووزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الداخلية في الدولة وقتها أحمد هارون، وقائد الجنجويد الذي يخضع للمحاكمة الآن في «لاهاي»، تحت تهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي، لكن البشير وحكومته رفضوا المثول أمام تلك المحكمة.

الرئيس السابق عمر البشير المتهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور (رويترز)

وبلغت التناقضات الداخلية بين الإسلاميين أقصاها بانتهاء العشرية الأولى من حكمهم. ففي 1999، انقلب البشير على عراب الإسلاميين حسن الترابي وحل البرلمان الذي كان يترأسه، وأدخله السجن مع عدد من أتباعه، وانقسمت الحركة إلى تيار موالٍ للبشير وتيار موالٍ للترابي. واختار أقرب تلاميذ الترابي، وأبرزهم علي عثمان محمد طه، ونافع علي نافع، وعوض أحمد الجاز، الانحياز للسلطة وموالاة البشير ضد زعيمهم التاريخي، وراج آنذاك القول بأن «ثورة الإنقاذ أكلت أباها».

ميلاد «الدعم السريع»

وحين تزايدت الصراعات داخل المجموعة الحاكمة نفسها، أنشأ البشير القوات التي تعرف اليوم باسم «قوات الدعم السريع»، بقيادة محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي»، كقوات خاصة به لحمايته من غدر «إخوانه». فقد سبق لهم أن غدروا بأبيهم، فكيف لا يغدرون بصنيعتهم في صراع السلطة الذي اشتد، خاصة بعد انفصال جنوب السودان؟

حميدتي خلال لقاء (قبل الحرب) مع قواته في ولاية نهر النيل (أ.ب)

لكن قوات «الدعم السريع»، التي استجلبت من دارفور لقمع الثورة الشعبية، «ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018»، وحماية البشير، خدمت عكس الغرض الذي كونت من أجله، وأعلنت الانحياز للثورة. وضمن الترتيبات التي أعقبت الثورة، حظي زعيمها «حميدتي» بمنصب نائب رئيس مجلس السيادة ضمن حكومة الشراكة بين المدنيين والعسكريين التي أقرتها الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس (آب) 2019.

انقلاب أكتوبر 2021

لكن الإسلاميين عادوا بعد أن انحنوا للعاصفة، فقد عملوا بالتنسيق مع عناصرهم داخل الجيش وأجهزة الأمن والشرطة، على عرقلة عمل حكومة الثورة، بل تحريض العسكريين على الانقلاب عليها، خاصة بعد تكوين «لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين ومحاربة الفساد»، والتي استردت من قادتهم ملايين الدولارات، على شكل عقارات وأموال سائلة وغيرها، ما يهدد وجودهم على الأرض. لذا لعبوا دوراً مهماً في انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو.

لكن الانقلاب فشل بسبب التنافس بين قائديه؛ إذ أعلن حميدتي أن شريكه في السلطة استغل الانقلاب لإعادة الإسلاميين إلى السلطة، وهم يعتبرونه خائناً، فأعلن من طرف واحد أنه يدعم خروج الجيش من السياسة وعودة الحكومة المدنية. وفي الأثناء، وقع الرجلان مع القوى المدنية اتفاقاً إطارياً قضى بتسليم الحكم للمدنيين، ودمج قوات «الدعم السريع» في الجيش، وخروج العسكريين من السلطة، واستئناف تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وركائزه السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية.

الجنرال عبد الفتاح البرهان قاد انقلاب 25 أكتوبر 2021 (رويترز)

وأعلن الإسلاميون رفضهم القاطع لذلك الاتفاق باعتبار تنفيذه نهاية لهم، فهددوا علناً بإفشاله، مهما استدعى الأمر، وعادوا لهتافات الإخوان المسلمين الشهيرة: «فلترق منهم دماء، أو فلترق منا دماء، أو فلترق كل الدماء»، معلنين استعدادهم لإحراق البلاد، واستغلوا خلافات بين قادة الجيش و«الدعم السريع» تتعلق بالجدول الزمني لعملية دمج قوات «الدعم السريع»، واشتغلوا على زرع الفتنة بينهم، حتى اندلعت الحرب بين القوتين الكبيرتين. وتقول تقارير إن الإسلاميين «أدخلوا الجيش في الحرب عبر كتائبهم الجهادية».

حرب الجنرالين

وتسببت «شهوة الإخوان للسلطة» والعودة إليها في إشعال الحرب الحالية، وخلالها أعلنوا صراحة وقوفهم إلى جانب الجيش ضد «الدعم السريع»، تحت ذرائع قديمة متجددة اعتادوا عليها. فبعد أن كانوا يعتبرون الحرب في الجنوب «جهاداً» يُكفَّر من يقف ضده، ها هم يصفون الحرب الحالية بأنها حرب «الكرامة»، ومن يقف ضدها فهو خائن وعميل، وظلوا، وفقاً للتقارير، يقفون ضد أي محاولة لوقف الحرب عبر التفاوض.

البرهان (يسار) وحميدتي بعد سنوات من العمل معاً... يقودان الآن معركة كلاهما ضد الآخر من أجل السلطة (أ.ف.ب)

وانتهت الأوضاع في البلاد، من خلال حكم الإسلاميين لثلاثين سنة مباشرة، وأربع سنوات مستترة عبر لجنتهم الأمنية التي عطلت عمل الحكومة المدنية، إلى الحرب الحالية التي تهدد السودان بالتشظي والحرب الأهلية. وبعد أن كانوا قد أعلنوا أنهم جاؤوا إلى الحكم لـ«إنقاذ البلاد»، فإن محصلة سياساتهم أنهم ورطوها في «أتون حرب» لن تنساها ذاكرة السودانيين، وقد تنهي وجود وطن اسمه «السودان».


مقالات ذات صلة

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

شمال افريقيا من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»...

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

حكم غيابي بإعدام قائد «الدعم السريع» في السودان

أصدرت محكمة سودانية، يوم الأحد، حكماً غيابياً بإعدام قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، وآخرين لاتهامهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية .

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا 
مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً

أثار تسريب وثيقة أميركية، تتضمن عدة نقاط، لوقف الحرب في السودان، جدلاً واسعاً بشأن فرص التوصل إلى هدنة إنسانية تنهي أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً تعقبها مفاوضات

أعاد تسريب وثائق متبادلة بين الإدارة الأميركية والحكومة السودانية إحياء آمال السودانيين بإمكانية التوصل إلى هدنة إنسانية توقف جانباً من معاناة المدنيين

أحمد يونس (كمبالا) محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

مسؤولة بـ «الجنائية الدولية» تؤكد إحراز تقدم في تحقيقات دارفور

تحقق المحكمة الجنائية الدولية في الهجمات التي استهدفت مدينتي الجنينة في عام 2023 والفاشر العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (نجامينا )

مصر تُجدد رفض التدخلات الخارجية في شؤون سوريا

لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُجدد رفض التدخلات الخارجية في شؤون سوريا

لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)

جددت مصر رفضها التدخل في شؤون سوريا، وأكدت ضرورة «تمكين مؤسسات الدولة الوطنية السورية»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وتوم برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص لكل من سوريا والعراق، الأحد.

وأشار عبد العاطي إلى «أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسلامتها»، وشدد على «رفض أي تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية»، وجدد إدانة مصر العملية الإرهابية الأخيرة التي شهدتها العاصمة دمشق الأسبوع الماضي، مؤكداً «أهمية تضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بكل صوره وأشكاله».

ووقع صباح يوم الثلاثاء الماضي تفجيران أمام مبنى وزارة السياحة السورية في منطقة جسر فكتوريا وسط العاصمة دمشق، قرب الفندق الذي كان يُقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أول زيارة لرئيس غربي إلى سوريا، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة 31 آخرين، أغلب إصاباتهم طفيفة، وكان ذلك الحادث الإرهابي الثاني خلال أسبوع.

وفي ذلك الحين، أعربت مصر عن «إدانتها الشديدة للتفجيرين»، وأكدت رفضها لكل أشكال العنف والإرهاب، مشددة على «ضرورة التصدي لكل ما من شأنه زعزعة أمن واستقرار الجمهورية العربية السورية».

وجددت القاهرة تأكيد وقوفها إلى جانب سوريا «في مواجهة كل ما يستهدف أمنها واستقرارها، معربة عن دعمها الجهود الرامية إلى حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب».

وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره السوري أسعد الشيباني، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، على ضرورة «استعادة سوريا دورها الطبيعي داخل محيطها العربي والإقليمي، ما سيُعزز الأمن القومي العربي»، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية.

كما جدد عبد العاطي «رفض مصر القاطع للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية»، محذراً من «خطورة محاولات استغلال الأوضاع الراهنة لتبرير التدخلات الخارجية».

وشهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين. والشهر الماضي التقى عبد العاطي نظيره الشيباني على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في العاصمة الأردنية عمَّان. وأكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي».

كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري - السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.


«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
TT

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

قال الناطق باسم «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، فريد الحميد، إن عدد المفقودين في السودان يزيد على 11 ألف شخص منذ بدء الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الرقم يمثل فقط الحالات المسجلة لدى «اللجنة» والجمعيات الوطنية المحلية، مرجحاً أن يكون عدد الأشخاص المفقودين أعلى بكثير من هذا الرقم.

وأوضح الحميد أن استمرار النزاع فاقم حركة النزوح السكاني، وأدى إلى «ازدياد عدد الأشخاص الذين يلتمسون المساعدة لإعادة الروابط العائلية أو لمعرفة مصير أحبائهم الذين انقطع بهم الاتصال؛ مما يعكس الحجم الواسع والأبعاد العميقة للعواقب الإنسانية لهذه الحرب».

وذكر أن «اللجنة» تلقّت في العام الماضي أكثر من 1682 طلبَ بحثٍ من عائلات داخل السودان، و2200 طلب من الخارج؛ للحصول على معلومات بشأن مصير وأماكن وجود أقاربها المفقودين، «بما في ذلك التأكد من سلامتهم أو معرفة ما إذا كانوا محتجزين لدى أي جهة عسكرية أو أمنية». وأفاد المسؤول الدولي بأن «اللجنة الدولية» ساعدت العائلات في توفير معلومات عن 846 من الأشخاص المفقودين.

النساء المفقودات

من جانبها، قالت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية، سليمى إسحاق، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد النساء المفقودات منذ اندلاع الحرب تجاوز 600. وأضافت أن الجهات المختصة تواجه «تحديات كبيرة في الحصول على المعلومات الدقيقة بشأن أعداد المفقودات؛ إذ إن غالبية الأسر تخشى الإبلاغ عن مفقوديها الفتيات لأسباب اجتماعية بحتة متعلقة بوصمة العار».

وذكرت إسحاق أن كثيراً من النساء المفقودات خلال الحرب «تركن خلفهن مئات الأطفال في أعمار مختلفة».

وفي وقت سابق، طالبت الحكومة السودانية الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالتدخل العاجل للكشف عن مصير أكثر من 20 ألف سجين تحتجزهم «قوات الدعم السريع» في ظروف إنسانية بالغة السوء.

البحث عن الأقارب

عوضية مع بنت ابنها المفقود (الشرق الأوسط)

في الأثناء، يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا في الحرب. عوضية عباس (60 عاماً) اعتُقل ابنها مبارك من قبل «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على العاصمة الخرطوم، عندما كان في طريقه لشراء بعض الأغراض، وما زالت تبحث عنه بعد مرور نحو عامين على اختفائه قسراً.

قالت: «لا أعرف مصيره وما إذا كان حياً أم ميتاً. ما أتمناه في هذه الدنيا رؤيته قبل موتي»، مضيفة: «أترقب دخوله في أي لحظة... لكنه حتي الآن لم يرجع».

وأصيب والده مصطفى بمرض أقعده عن الحركة ثم توفى بعد 4 أشهر من غياب ابنه. ومبارك نفسه أب لـ4 أبناء، أكبرهم عمره 15 عاماً، وأصغرهم طفلة ذات 5 أعوام لا تكف عن سؤال جدتها متى يعود والدها إلى البيت.

ومنذ ذلك الوقت تتابع عائلته المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أملاً أن يكون أحدهم قد تعرف عليه في المعتقلات.

سحر هارون مثالُ آخر... فقدت زوجها واثنين من إخوانها منذ منتصف مارس (آذار) 2024. قالت لـ«الشرق الأوسط»: «علمنا بأن (قوات الدعم السريع) تحتجزهم في سجن سوبا شرق العاصمة الخرطوم، وذهبنا مرات عدة، لكن لم يسمحوا لنا بزيارتهم».

وبعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم وخروج «قوات الدعم السريع» منها، قالت سحر إن بعض المعتقلين الذين أُطلق سراحهم أبلغوها بترحيل أفراد أسرتها إلى غرب السودان، لكن حتى الآن لا تتوفر أي معلومات عن مكانهم.

ابتزاز الفدية

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي ظل هذه الظروف، وقع كثير من العائلات ضحايا للابتزاز المالي، حيث كانوا يتلقون مكالمات هاتفية من أشخاص يزعمون أنهم يحتجزون أقرباءهم، ويطلبون فدية للإفراج عنهم مقابل إطلاق سراحهم، مهددين بقتلهم إذا لم تستجب الأسر.

وتعرض آلاف المعتقلين، في مراكز احتجاز منتشرة بالخرطوم، لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وفق شقيق فتاة مفقودة بعد اقتيادها من منزلها في الخرطوم. وقال إن الأسرة لا تزال تترقب عودتها في أي لحظة، رغم انقطاع الاتصال بها أكثر من 8 أشهر.

واعتقل المئات من المدنيين؛ غالبيتهم من الشباب، عند نقاط التفتيش التي كانت تقيمها «قوات الدعم السريع» في المناطق التي كانت تسيطر عليها داخل ولايتي الخرطوم والجزيرة في وسط البلاد، دون إخطار عائلاتهم، بينما تشير أنباء عن مقتل أعداد كبيرة منهم داخل معتقلات التعذيب والتجويع المتعمد.


وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
TT

وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

زيارة رسمية هي الأولى من نوعها لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر، لتركيا، تأتي وسط توترات تشهدها المنطقة مع عودة التصعيد الأميركي-الإيراني، وقلق إسرائيلي متصاعد من تقارب القاهرة وأنقرة.

تأتي هذه الزيارة الرسمية بعد توالي التدريبات العسكرية المشتركة، وتؤشر، حسب خبراء في مصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التنسيق العسكري وصل لمرحلة متقدمة للغاية، وسيعزز فرص تعزيز الاستقرار بالمنطقة ومواجهة أي توترات إقليمية.

كما أكد الخبراء أيضاً «أن إسرائيل ستظل تنظر لهذا التقارب بريبة كبيرة دون أي تدخل مباشر، خصوصاً ونحن إزاء دولتين كبيرتين بالمنطقة عسكرياً وحسابات المواجهة معهما معقدة».

أول زيارة منذ 13 عاماً

وأعلن الجيش المصري، في بيان الأحد، أن الوزير زاهر، «غادر أرض الوطن متوجهاً إلى دولة تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى في زيارة رسمية بدعوة من وزير الدفاع التركي يشار غولر لإجراء عدد من المباحثات لدعم آفاق التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين في العديد من المجالات».

وهذه أول زيارة من نوعها لوزير الدفاع المصري الحالي الذي تم تعيينه في منصبه في فبراير (شباط) الماضي، والأولى لوزير دفاع مصري يقوم بزيارة رسمية لتركيا منذ 2013، ففي 8 مايو (أيار) من ذلك العام، قام وزير الدفاع المصري وقتها عبد الفتاح السيسي بزيارة رسمية لتركيا، والتقى وقتها عصمت يلمظ وزير الدفاع الوطني التركي آنذاك.

وفي نهاية أبريل (نيسان) 2024، أعلن صالح موتلو شن، السفير التركي في القاهرة، أن رئيس أركان الجيش المصري وقتها الفريق أسامة عسكر، زار تركيا بدعوة من رئيس هيئة الأركان التركية الفريق أول متين غوراك، وأجرى محادثات هناك، في أول زيارة لمسؤول عسكري مصري رفيع المستوى لتركيا منذ توتر العلاقات بين البلدين عام 2013.

وفي مايو الماضي، أجرى رئيس أركان الجيش المصري، الفريق أحمد خليفة، زيارة رسمية إلى تركيا، التقى خلالها نظيره التركي الفريق أول متين غوراك، ضمن فعاليات الاجتماع الرابع للجنة العسكرية المشتركة بين البلدين، وتم بحث سبل تطوير التعاون العسكري، لا سيما في مجالات التدريب وتبادل الخبرات.

وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

ويرى المستشار في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء عادل العمدة، أن الزيارة غير المسبوقة «تأتي ضمن التقارب العسكري المصري-التركي وتطوره إلى تعاون عسكري مؤسسي شمل اتفاقات دفاعية واجتماعات دورية وتدريبات مشتركة للقوات المسلحة، بما يعكس انتقال العلاقات من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة التعاون العملي».

ويشير العمدة إلى أن الزيارة «تحقق أهدافاً على ثلاثة محاور، أولها استراتيجياً باعتبار أن مصر وتركيا تمتلكان أكبر قوتين عسكريتين في شرق المتوسط، وبالتالي فإن أي تقارب بينهما يغيّر ميزان القوى الإقليمي، وأمنياً مع وجود مصالح مشتركة في تأمين شرق المتوسط والبحر الأحمر وليبيا ومكافحة الإرهاب وتأمين خطوط الملاحة، وصناعياً مع التوجه للتعاون نحو الصناعات الدفاعية ونقل الخبرات، والتدريب وربما التصنيع المشترك لبعض المعدات العسكرية مستقبلاً».

تعاون يتنامى

ويرى الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو أن هذا التعاون المصري التركي «يتصاعد على كل المستويات وبدأ ينمو عسكرياً في الفترة الأخيرة، ما يشكل تحولاً مهماً في مسار العلاقات بعد سنوات من الفتور»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني وجود رغبة بين البلدين لخدمة مصالحهما المشتركة وسط تطورات وتعقيدات إقليمية ستدفعهما لمزيد من التنسيق».

وشهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتبادل الزيارات الرئاسية؛ ما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، حيث استأنف البلدان التدريبات المشتركة «بحر الصداقة»، واتفقا على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، كما انضمت القاهرة لبرنامج طائرات الجيل الخامس الشبحية التركية «KAAN».

وقد عُرضت نماذج لطائرات بيرقدار (Bayraktar) التركية المسيّرة خلال معرض الصناعات الدفاعية «إيديكس 2025» في القاهرة، وظهرت الطائرات والذخائر وهي تحمل العلم المصري.

وفي فبراير 2026، وقّعت مصر وتركيا «اتفاقية تعاون عسكري» في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره رجب طيب إردوغان، الذي كان يزور العاصمة المصرية آنذاك.

ووقّعت مصر وتركيا، في أغسطس 2025، اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي.

جانب من تدريب «نسر الأناضول» نهاية يونيو الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

وفي ضوء ذلك، يرى طه عودة أوغلو، «أن الزخم الكبير في التعاون العسكري، يحمل إشارة واضحة على وجود تنسيق متزايد بين البلدين، تترجمه المناورات والاتفاقيات والزيارات بشكل لافت في العامين الماضيين».

وعن مستقبل التعاون العسكري، يتوقع اللواء عادل العمدة أنه «إذا استمرت العلاقات السياسية في مسارها الحالي فمن المتوقع زيادة المناورات البرية والبحرية والجوية المشتركة، وتوسيع التعاون في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية، وتنسيق أكبر بشأن أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط».

تخوف إسرائيلي

هذا التصاعد في التعاون المصري التركي تتخوف منه إسرائيل، وزعمت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية يونيو (حزيران) الماضي أن المخابرات الأميركية رصدت نشاطاً غير عادي، مفاده أن مصر وتركيا «تعملان بهدوء على تعزيز تعاون عسكري واسع النطاق قد يشمل صفقات أسلحة تغير موازين القوى».

ويعتقد العمدة «أن إسرائيل تتابع هذا التقارب باهتمام في ظل حديث مستمر منها عن قلق من تنامي العلاقات المصرية–التركية، وتضع في حساباتها أنهما قوتان عسكريتان وإقليميتان مؤثرتان وأي تنسيق بينهما قد يغيّر الحسابات الأمنية في شرق المتوسط»، مستدركاً «لكن لا توجد مؤشرات معلنة على وجود تحالف عسكري موجه ضد إسرائيل، خصوصاً أن السياسة المصرية تقوم على تنويع الشراكات العسكرية مع الحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي، ما يجعل التعاون بينهما قائماً على المصالح المشتركة أكثر من كونه تحالفاً شاملاً».

ويتفق معه الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو، قائلاً: «إسرائيل ترى أن التقارب المصري التركي عسكرياً يؤثر على موازين القوى في المنطقة، لكن ذلك لا يعني تشكيل حلف ضد إسرائيل كما تسوق تل أبيب عادة، بل محاولة من البلدين لتعزيز التنسيق في المنطقة ولعب أدوار مهمة في تهدئة التوترات».