ماكرون يدين استغلال وفاة نائل وينشر تعزيزات أمنية لمكافحة الشغب

اعتقال 800 شخص وإصابة 249 شرطياً... واليمين يدعو لفرض حالة الطوارئ

TT

ماكرون يدين استغلال وفاة نائل وينشر تعزيزات أمنية لمكافحة الشغب

ماكرون يعلن عن إجراءات أمنية جديدة لمواجهة أعمال الشغب خلال اجتماع أزمة بباريس (إ.ب.أ)
ماكرون يعلن عن إجراءات أمنية جديدة لمواجهة أعمال الشغب خلال اجتماع أزمة بباريس (إ.ب.أ)

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، إنه سيتم نشر قوات أمنية إضافية للسيطرة على أعمال الشغب والاضطرابات التي تشهدها أنحاء مختلفة من فرنسا في أعقاب مقتل شاب برصاص شرطي. وأكد، في كلمة ألقاها بعد اجتماع أزمة لحكومته، أن وزارة الداخلية ستعمل على حشد «وسائل إضافية» للتعامل مع الاحتجاجات العنيفة، مندّداً «بالاستغلال غير المقبول لوفاة مراهق». كما دعا منصات التواصل الاجتماعي إلى حذف مشاهد الشغب «الحساسة»، وحمّل الآباء وأولياء الأمور مسؤولية إلقاء أبنائهم في المنازل، لافتاً إلى أن ثلث مَن تم اعتقالهم على خلفية أعمال الشغب ليلة الخميس إلى الجمعة صغار في السن.

أعمال شغب وتمرد

طويلة لائحة المدن والضواحي التي اشتعلت ليلة الخميس إلى الجمعة، بعد أن انطلقت شرارتها من مدينة نانتير، الواقعة في ضاحية باريس الغربية، وهي آخذة بالتمدد إلى جميع الأراضي الفرنسية لتعيد إلى الأذهان ما عرفته البلاد من أعمال شغب وتمرد وحرائق واشتباكات في عام 2005، ثم إبان حراك «السترات الصفراء» بدءاً من أواخر عام 2018.

رجل إطفاء يخمد نيران سيارة محترقة في نانتير عقب مواجهات في 29 يونيو (أ.ف.ب)

واليوم، تجد السلطات نفسها في حالة قريبة من العجز وهي مترددة حول الإجراءات والتدابير التي عليها اعتمادها لإطفاء الحريق المتنامي. وكانت نقطة البداية مقتل المراهق نائل، البالغ من العمر 17 عاماً، وهو من أصل جزائري ــ مغربي على يد رجل شرطة لرفضه الانصياع لأوامره بوقف محرك سيارته المسروقة والنزول منها. وعوضاً عن ذلك، عمد السائق إلى الإقلاع مجدداً، ما دفع الشرطي إلى إطلاق النار عليه من قرب ما تسبب بوفاته. وكما كان متوقعاً، انطلقت المظاهرات سريعاً جداً، وجاءت الاشتباكات ومعها إحراق السيارات وبعض المراكز العمومية. ولم تعد الأمور محصورة في نانتير أو في الضواحي المتاخمة لها وتلك الواقعة فيما يسمى «إيل دو فرانس»، أي المناطق المحيطة بالعاصمة، بل تمدّدت إلى المدن الكبرى في النواحي الأربع.

ومنذ يوم الأربعاء، تتلاحق الاجتماعات على جميع المستويات لإيجاد السبيل الناجع لإطفاء الحريق ومنع تفاقمه. ورغم أن السلطات عبّأت 40 ألف رجل أمن من جميع القطاعات وبعضها مزود بمدرعات، فإن ذلك لم يجدِ نفعاً، إذ إن ليلة الشغب الثالثة «الخميس إلى الجمعة» كانت الأكثر عنفاً. وتفيد أرقام الأجهزة الأمنية بأنه تم إلقاء القبض على أكثر من 800 شخص، وأصيب 249 رجل أمن.

وكان جيرالد دارمانان، وزير الداخلية، قد استدعى لهذه الليلة نحو 10 أضعاف من مختلف تشكيلات القوى الأمنية، ومنها المتخصصة في مكافحة الشغب. بيد أن النتيجة جاءت محدودة للغاية بالنظر إلى أعداد السيارات التي أُحرقت والمباني الرسمية المدمرة والسرقات المتنقلة. وباختصار، كان السؤال المطروح صباح الجمعة يدور حول ما يمكن أن تقرره «خلية الأزمة» التي دعاها الرئيس ماكرون للالتئام ظهراً للمرة الثانية خلال 24 ساعة في وزارة الداخلية.

من جانبها، عقدت إليزابيث بورن، رئيسة الحكومة، اجتماعاً صباح الجمعة لتقييم الوضع بحضور أربعة وزراء؛ بينهم وزيرا الداخلية والعدل. وغرّدت الأخيرة صباحاً، معتبرة أن اللجوء إلى العنف «غير مقبول ولا يمكن تبريره»، وأكدت دعمها للشرطة ورجال الإطفاء الذين «يقومون بواجبهم بشجاعة».

ومنذ ما قبل الاجتماعين، سارع إريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، إلى مطالبة الرئيس ماكرون بفرض حالة الطوارئ. وكتب سيوتي، في بيان، أن «صور أعمال الشغب هذه الليلة في كل أنحاء فرنسا يصعب تحملها»، عادّاً أن «لا شيء يبرر تسلسل العنف». وهاجم سيوتي اليسار، وتحديداً المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب «فرنسا المتمردة»، معتبراً أن ما يحصل هو «نتيجة لنهج» الحزب المذكور، مؤكداً أن جان لوك ميلونشون «يحلم باندلاع ثورة، لكنّه لا يعرض على الفرنسيين سوى الخوف ومخاطر التمرد». وحمّل مسؤولية الوضع الحالي «لليسار المتطرف ولأعداء الجمهورية».

دعوات لفرض حالة الطوارئ

وبالتوازي، دعا جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ المنتمي إلى الحزب نفسه، إلى «قمع (أعمال العنف والشغب) بيد من حديد». وسويتي ولارشيه أعربا عن «دعمهما» للقوى الأمنية. كذلك، سُمعت أصوات أخرى من اليمين واليمين المتطرف تدعو لاستخدام القوة الرادعة. وفي هذا السياق، طالب سيباستيان شينو، نائب رئيسة البرلمان وعضو حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، بفرض حالة الطوارئ ومنع التجول في الأحياء التي تشهد أعمال عنف وشغب، وبتعبئة جميع الوسائل والقوى الأمنية في البلاد لوضع حد لها.

تعرضت محال تجارية للاعتداء في روبية شمالي فرنسا في 30 يونيو (أ.ف.ب)

ودعا إريك زيمور، المرشح الرئاسي السابق والمنظر اليميني المتموضع على أقصى اليمين المتطرف، بدوره إلى فرض حالة الطوارئ واللجوء إلى «القمع الشرس» من أجل إعادة الهدوء. ووصف زيمور ما يحصل بأنه «مقدمة لحرب أهلية» و«إتنية». ويعد زيمور من المروجين لنظرية «الاستبدال»، أي استبدال الفرنسيين «الأصليين» وحضارتهم بالوافدين واللاجئين الساعين لـ«أسلمة فرنسا». وسبق لحكومة الرئيس جاك شيراك في عام 2005 أن فرضت حالة الطوارئ في 25 دائرة، بعد 10 أيام من الشغب والعنف عقب وفاة مراهقين في ضاحية سان دونيس الفقيرة الواقعة على مدخل باريس الشمالي، هرباً من ملاحقة الشرطة. وحتى أول من أمس، كانت الحكومة ترفض هذا الطلب، معتبرة أنه «غير مطروح في الوقت الحاضر». إلا أن بورن قالت، الجمعة، إن «كل الاحتمالات واردة»، ما يفتح الباب أمام فرض حالة الطوارئ.

اتهامات بالعنصرية والتمييز

ثمة إجماع لدى المحللين والفاعلين في القطاع الاجتماعي على أن المعالجة الأمنية لا تكفي لإعادة الهدوء، «لأن الداء أعمق بكثير». وكان لافتاً التحذير الذي صدر الجمعة عن الأمم المتحدة ممثلة بمفوضية حقوق الإنسان، التي مقرها جنيف، والداعي باريس إلى النظر في ملف العنصرية والتمييز العنصري الذي تعاني منه البلاد، والذي ترى فيه أحد أسباب اندلاع العنف وما يرافقه من شغب وخلافه.

وقالت رافينا شمدساني، الناطقة باسم المفوضية: «حان الوقت لفرنسا أن تعالج جدياً، وفي العمق، مسائل العنصرية والتمييز العنصري الذي تمارسه القوى الأمنية». ودعت شمدساني السلطات إلى «ضمان أن استهداف القوى الأمنية للعناصر العنيفة خلال المظاهرات يتم في ظل احترام مبادئ القانون والضرورة والتناسبية وانعدام التمييز والحذر والمسؤولية». وتشير المسؤولة الأممية بذلك إلى شكاوى الشباب المتحدرين من أصول مهاجرة، أكانت أفريقية أو مغاربية، من استهدافهم الدائم من قبل الشرطة، ما يعدونه ممارسة تمييزية بحقهم بسبب انتمائهم أو لون بشرتهم.

يقول جاك مايار، الخبير في شؤون الشرطة والأمن، في حديث لصحيفة «لو موند»: «إننا نعيش اليوم وضعاً شبيهاً لما جرى في عام 2005؛ حيث الهيمنة لميزان القوى بين الأجهزة الأمنية والمتظاهرين». وأشار إلى أمرين: الأول أن «تأهيل رجال الشرطة لممارسة وظائفهم غير كافٍ» لتجنب أحداث من النوع الذي حصل في نانتير، والآخر أن تطبيق مضمون القانون الذي صدر في عام 2017 إبان رئاسة فرنسوا هولاند الذي يتيح إطلاق النار في حال الامتناع عن الانصياع لأمر الشرطة، واعتبار أن حياة رجل الأمن قد تكون مهددة، نتجت عنه زيادة عدد القتلى، وقد وصل في العام الماضي إلى 12 قتيلاً جراء إطلاق النار عليهم. وتجدر الإشارة إلى أن الشرطي مطلق النار على المراهق نائل قال للمحققين إنه شعر بالتهديد، وإن السائق حاول دهسه «مع زميله»، وهو ما كذّبته أشرطة الفيديو التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت النتيجة أن مدعي عام نانتير وجّه تهمة «القتل العمد» للشرطي المعني، وطلب توقيفه احتياطياً وهو ما قرره قاضيا التحقيق المكلفان بالملف.

تداعيات واسعة

كان واضحاً، الجمعة، أنّه يتعين على الحكومة اتخاذ القرار المناسب والشجاع لإعادة الهدوء، بينما البلاد مقبلة على موسم سياحي واعد، وفق ما تؤكده نقابة أصحاب الفنادق والعاملون في القطاع السياحي.

بقايا سيارة محترقة عقب أعمال شغب وصدامات في روبية شمالي فرنسا في 30 يونيو (أ.ف.ب)

وثمة إجماع على أن ما يحصل يسيء لصورة فرنسا التي تتعرض لهزات متلاحقة، إذ إن ما يحصل راهناً يأتي بعد أشهر قليلة على المظاهرات الجرارة التي عرفتها بمناسبة تعديل قانون التقاعد، وصور العنف والسلب والاشتباكات وتحطيم واجهات المحال التجارية والإنشاءات العامة تدور من غير انقطاع على شبكات التلفزة العالمية. وكل ذلك له تأثير سلبي ليس فقط على السياحة، ولكن أيضاً على المستثمرين ورجال الأعمال الراغبين في المجيء إلى فرنسا.


مقالات ذات صلة

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

آسيا تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

وسط مشاعر مختلطة بين الحزن والغضب، شيعت تركيا جنازة ضحايا هجوم مسلح نفذه طالب يبلغ من العمر 14 عاماً داخل مدرسة إعدادية في كهرمان ماراش بجنوب البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن الموريتاني (أ.ف.ب)

موريتانيا: توقيف 40 ناشطاً خلال مسيرة منددة باعتقال حقوقيين

فرقت قوات مكافحة الشغب الموريتاني، اليوم الخميس، مسيرة احتجاجية لحركة انبعاث التيار الانعتاقي «إيرا» الحقوقية المناهضة للعبودية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شؤون إقليمية مسعفون ينقلون القتلى والمصابين في هجوم على مدرسة في كهرمان ماراش بجنوب تركيا وسط انتشار للشرطة (إعلام تركي)

تركيا: مقتل وإصابة 24 شخصاً في هجوم على مدرسة إعدادية 

قتل 4 أشخاص وأصيب 20 آخرون على الأقل في هجوم مسلح على مدرسة إعدادية في ولاية كهرمان ماراش في جنوب تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

شارك مئات التونسيين، من بينهم نشطاء وممثلون عن المجتمع المدني، في مسيرة مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين في العاصمة تونس اليوم السبت.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

موريتانيا: أحزاب معارضة تدعو للتظاهر رفضاً لإجراءات الحكومة

دعا حزب معارض في موريتانيا إلى التظاهر يوم الأحد المقبل احتجاجاً على إجراءات اتخذتها الحكومة بسبب تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران 

الشيخ محمد (نواكشوط)

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
TT

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

بعد التصريح الشهير الذي أطلقه مطالع الشهر الحالي ضد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ورفضه السماح للطائرات التي تشارك فيها باستخدام القواعد الأميركية في إسبانيا، فاتحاً بذلك الباب أمام تشكيل «جبهة» أوروبية رافضة للتجاوب مع ضغوط واشنطن لجرّها إلى المشاركة في العمليات العسكرية لفتح مضيق هرمز، ذهب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خطوة متقدمة نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية»، التي تضمّ القوى التقدمية في العالم، في مدينة برشلونة، شارك فيها عدد من الرؤساء اليساريين، يتقدمهم رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم، ورئيس جمهورية جنوب إفريقيا، إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان. وضمّت هذه القمة أيضاً عدداً غفيراً من النقابات العمالية، والشخصيات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني من عشرات الدول.

عدد من الرؤساء اليساريين يتقدمهم الإسباني سانشيز والبرازيلي لولا ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم ورئيس جمهورية جنوب أفريقيا إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان (أ.ب)

تأتي هذه القمة التي كانت إسبانيا تحضّر لها منذ بداية العام الحالي، بعد سنوات شهدت خلالها القوى التقدمية مرحلة مديدة من الانتكاسات السياسية، وتراجع تأييد الأوساط الشعبية لها في النظم الديمقراطية الغربية، وفي أميركا اللاتينية، ولجوء هذه الأوساط إلى القوى الشعبوية واليمينية المتطرفة بحثاً عن حلول لأزماتها الاقتصادية والاجتماعية. كما تتزامن مع الهزيمة القاسية التي لحقت بالرمز الأوروبي والعالمي لهذه القوى، رئيس وزراء المجر فكتور أوربان، في الانتخابات العامة، التي رأى فيها كثيرون نذيراً لبداية تراجع التيّار اليميني المتطرف الذي بدأ يشعر بالحرج من تماهيه مع سياسة الإدارة الأميركية.

وكان لولا قد أدلى بتصريحات قبل وصوله إلى برشلونة، قال فيها: «ليس من حق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستيقظ في الصباح ويهدد هذا البلد أو ذاك». وفيما نفى أن تكون هذه القمة موجهة ضد ترمب، أكّد أن الهدف منها هو تشكيل جبهة سياسية عالمية بديلة عن تلك التي تضمّ اليوم الولايات المتحدة والقوى اليمينية المتطرفة في أوروبا. وقالت زعيمة الحزب الديمقراطي الإيطالي إيلي شلاين: «منذ سنوات واليمين المتطرف يقرع طبول الحرب ويغذّي الصراعات، ويدمّر الاقتصاد ويدفع المزيد من الناس إلى براثن الفقر. جاء الآن دورنا كي نبني عالماً مختلفاً، ونخوض المعارك نفسها من أجل السلام والعدالة الاجتماعية».

سانشيز يتوسط البرازيلي لولا ورئيس كولومبيا (إ.ب.أ)

وسبق لرئيس الوزراء الإسباني والرئيس البرازيلي أن عقدا لقاءات عدة في السنوات المنصرمة، وأظهرا انسجاماً تاماً بينهما على الصعيد السياسي، رغم التباين في موقف كل منهما من الحرب في أوكرانيا، إذ يدعم سانشيز بقوة الموقف الأوروبي المؤيد لأوكرانيا، بينما يراهن لولا على تسوية سلمية تحصل روسيا بموجبها على بعض الأراضي الأوكرانية.

وكانت مفاجأة هذه القمة مشاركة رئيسة المكسيك، التي نادراً ما تسافر خارج بلادها، خصوصاً وأن العلاقات مع إسبانيا كانت مشوبة بتوتر شديد منذ سنوات، بعد رفض مدريد التجاوب مع طلب الرئيس المكسيكي السابق أوبيز أوبرادور أن تعتذر إسبانيا عن المجازر التي ارتكبتها إبّان احتلال المكسيك.

كلاوديا شينباوم شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل (إ.ب.أ)

كان سانشيز قد اعترف مؤخراً بأن إسبانيا ارتكبت «تجاوزات» خلال تلك المرحلة، وقامت حكومته بعدد من المبادرات لترطيب الأجواء مع المكسيك، توّجتها تصريحات للعاهل الإسباني الملك فيليبي السادس أقرّ فيها هو أيضاً بتلك التجاوزات. وقد حرصت الرئيسة المكسيكية على حسم الجدل حول العلاقات مع إسبانيا بقولها «لا توجد أزمة سياسية مع إسبانيا. لم توجد أبداً».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وبعد أن نوّه لولا بالجهود التي يبذلها سانشيز ونجاحه في زيادة عدد «القطيع التقدمي»، قال إنه لا بد من التساؤل عن الأسباب التي تدفع الناخبين إلى تأييد القوى اليمينية المتطرفة، مضيفاً: «أعداد التقدميين إلى تراجع في كل أنحاء العالم... لكن سانشيز حقق إنجازاً استثنائياً بهذه القمة التي جاءت إليها رئيسة المكسيك ورئيس جنوب أفريقيا. من واجبنا اليوم أن نقدم للعالم خطاباً يحمل الأمل بغد أفضل، وألا نسمح بتكرار ما حصل مع هتلر. لا شيء في الدنيا أفضل من الديمقراطية، فهي تسمح مثلاً لعامل مثلي لا يحمل شهادات أن يصل إلى رئاسة البرازيل».

نائبة رئيس غانا نآنا جين أوبوكو-أغيمانغا تشارك في قمة زعماء اليسار في الدفاع عن الديمقراطية (أ.ف.ب)

من جهته قال سانشيز إن إسبانيا والبرازيل عازمتان على مضاعفة الجهود للعمل من أجل السلام، وتجديد النظام الدولي متعدد الأطراف ومؤسساته، وأضاف: «نحن نريد دمل الجراح التي يفتحها الآخرون، وإنهاء الإجحاف والفوارق الحادة في مجتمعاتنا وبين الدول، والتصدي للتحديات العالمية الكبرى مثل التغيّر المناخي والتطور التكنولوجي السريع، والدفاع عن الديمقراطية التي تتعرّض للهجوم من الموجة الرجعية العالمية وأنظمة الاستبداد والمعلومات المزورة».

سانشيز مع رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم (إ.ب.أ)

رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه لويس ثاباتيرو الذي لعب دوراً رئيسياً في التحضير لهذا اللقاء، قال «إن الأفكار هي التي تجمع بين القوى التقدمية، بينما القوى اليمينية لا تجتمع إلا حول السلطة»، واعتبر أن قمة برشلونة «محطة تاريخية من حيث كونها الأهم بالنسبة للأحزاب التقدمية في العالم منذ بداية هذا القرن، وقد أصبحنا على أبواب مرحلة جديدة نشهد فيها تراجع الخطاب السياسي الذي ينكر القرائن العلمية الدامغة، ولا يقيم للسلم وزناً ويتمتع بمشاهد المسيّرات والصواريخ وحاملات الطائرات. اليمين المتطرف إلى تقهقر، لكن من واجبنا كقوى تقدمية أن نكون متحدين في مواجهته».

وتوقف الزعيم الاشتراكي الإسباني طويلاً في كلمته أمام القرار الذي اتخذته هذا الأسبوع حكومة سانشيز بتعديل قانون الأجانب بما يسمح لأكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي بتسوية أوضاعهم القانونية، في خطوة معاكسة تماماً للاتجاه الذي تسير فيه بقية الحكومات الأوروبية، وقال: «أشعر بالفخر بالحزب الاشتراكي عندما تتخذ الحكومة خطوة تعطي حقوقهم للمهاجرين الذين يساهمون في بناء مجتمعنا الذي يسجّل اليوم أعلى مستويات النمو في الاتحاد الأوروبي».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وقال الرئيس الكولومبي غوستافو بترو، وهو أحد المشاركين في القمة: «إن أميركا اللاتينية قد تشهد تمرداً واسعاً إذا لم تبادر واشنطن إلى إعادة النظر في سياستها»، واعتبر أن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تركت جرحاً عميقاً في أميركا اللاتينية، إذ إن كاراكاس هي المدينة الوحيدة التي تعرضت للقصف في تاريخ المنطقة.

كلاوديا شينباوم، التي لقيت استقبالاً حاراً لدى وصولها إلى القمة كونها أول رئيسة للمكسيك تزور إسبانيا منذ ثماني سنوات، شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل، ودعت إلى مضاعفة الجهود وتوحيدها لضبط أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي الضخمة «التي أصبحت هي البوصلة الرئيسية للمشهد الاجتماعي والسياسي في معظم البلدان».

الرئيسة الآيرلندية كاثرين كونولي تشارك في لقاء برشلونة لقوى الحشد التقدمي العالمي (إ.ب.أ)

لكن إلى جانب الشعارات السياسية والدعوات إلى رصّ الصفوف وتوحيد الجهود والتنسيق لخوض المعارك الانتخابية في لوائح مشتركة، احتلت الطروحات الاقتصادية حيّزاً رئيسياً في أعمال القمة الموازية تحت عنوان «الحشد التقدمي العالمي» التي ركّزت على التدابير الهادفة إلى حماية المواطنين لمنع اتساع الفجوة بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة من جهة، وطبقة كبار الأغنياء، الذين يشكلون 0.0001 في المائة من سكان العالم، يستحوذون على 17 في المائة من الثروة العالمية. ويفيد تقرير وضعته منظمة «أوكسفام» المنبثقة عن جامعة أكسفورد، بأن مداخيل 1 في المائة من السكان الأثرياء نمت ضعف مداخيل الطبقات المتوسطة، وحصلت وحدها على نصف الأرباح التي نجمت عن ارتفاع أسعار المواد الأولية عبر أدواتها الاستثمارية.

الصحافية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ماريا ريسا تشارك في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

يأتي اختيار مدينة برشلونة، وليس مدريد، لاستضافة هذه القمة، لكون هذه الأخيرة قد تحولت منذ سنوات إلى معقل القوى اليمينية والمحافظة في إسبانيا، بينما يدير برشلونة مجلس بلدي يساري ويتولى رئاسة حكومة كاتالونيا الإقليمية فيها اشتراكي سبق أن شغل مناصب وزارية في حكومات سانشيز. وفيما كان رئيس الوزراء الإسباني يعقد القمة الثنائية مع لولا على هامش القمة، كانت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد، اليمينية إيزابيل آيوسو، تستضيف زعيمة المعارضة الفنزويلية كورينا ماتشادو التي رفضت دعوة سانشيز للحلول ضيفة رسمية على حكومته.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)
TT

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة إن الولايات المتحدة وافقت على بيع محتمل لمعدات عسكرية لألمانيا تقدر قيمتها بنحو 11.9 مليار دولار.

وجاء في بيان الخارجية الأميركية، إن «هذا البيع المقترح سيدعم أهداف السياسة الخارجية وأهداف الأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تحسين أمن دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)».

وأضاف البيان أن ألمانيا كانت قوة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في أوروبا.

ووفقا للبيان، تسعى ألمانيا للحصول على ثمانية أنظمة قتالية متكاملة وأنظمة رادار حديثة وأنظمة إطلاق للصواريخ الموجهة، من بين معدات أخرى.

وستسمح هذه التكنولوجيا للسفن الحربية باكتشاف التهديدات مبكرا والتصدي لها والاتصال بوحدات الناتو الأخرى.

وقالت وزارة الخارجية إن «البيع المقترح سيعزز قدرة القوات البحرية الألمانية على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تحسين الدفاع الوطني والإقليمي بالإضافة إلى إمكانية التشغيل البيني مع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو».

وتم تقديم الصفقة إلى الكونغرس الأميركي، الذي لا يزال بإمكانه الاعتراض عليها.


زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفّذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك، حيث لا يزالان محتجَزين حتى الآن، ويواجهان تُهماً؛ من بينها التآمر لتهريب المخدّرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت قيام بيلاروسيا بتوسيع شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا.

ولم يقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

كانت روسيا قد استخدمت الأراضي البيلاروسية منطلقاً في غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.