المتاحف البريطانية تتحول إلى الداعمين مع انخفاض التمويل

معرض الصور الوطني البريطاني «ناشونال بورتريه غاليري» بلندن الذي فتح أبوابه الخميس الماضي بعد عملية تجديد تكلفت 53 مليون دولار.

صورة للمغني ديفيد بوي من معروضات «ناشونال بورتريه غاليري» تعرض بالقرب من المعرض (توم جاميسون / نيويورك تايمز)
صورة للمغني ديفيد بوي من معروضات «ناشونال بورتريه غاليري» تعرض بالقرب من المعرض (توم جاميسون / نيويورك تايمز)
TT

المتاحف البريطانية تتحول إلى الداعمين مع انخفاض التمويل

صورة للمغني ديفيد بوي من معروضات «ناشونال بورتريه غاليري» تعرض بالقرب من المعرض (توم جاميسون / نيويورك تايمز)
صورة للمغني ديفيد بوي من معروضات «ناشونال بورتريه غاليري» تعرض بالقرب من المعرض (توم جاميسون / نيويورك تايمز)

في جولة قام بها مؤخراً في معرض الصور الوطني (ناشونال بورتريه غاليري) في لندن، أشار نيكولاس كولينان، مدير المعرض، إلى بعض الشخصيات البريطانية الرئيسية من التاريخ والثقافة الشعبية الذين اصطفت تصاوير أمثالهم على الجدران: شكسبير، والملك هنري الثامن، وآنا وينتور محررة مجلة «فوغ».

وأشار، ما بين التباهي بالصور، إلى بعض الأعضاء غير المألوفين (أو الأقل شهرة) في المجتمع البريطاني الراقي.

إذ وُضعت على اللوحات التي رُسمت على الجدران أسماء المتبرعين الذين دفعوا جزءاً كبيراً من تكاليف تجديد مؤسسته بقيمة بلغت 53 مليون دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

جناح بلافاتنيك سمي على اسم رجل أعمال أوكراني المولد أعطى المتحف ما يقرب من 13 مليون دولار (توم جاميسون/ نيويورك تايمز)

مع إعادة افتتاح المُتحف للجمهور، يدخل الزائرون معرض الصور الوطني عبر «ساحة روس»، التي سُميت على اسم أحد أقطاب البيع بالتجزئة الذي تبرع بأكثر من 5 ملايين دولار للتجديد. ويُطلق على أحد الطوابق الآن مسمى «جناح بلافاتنيك»، نسبة إلى رجل أعمال أوكراني المولد تبرع للمتحف بما يقرب من 13 مليون دولار. كما سُميت الفصول الدراسية الثلاثة الجديدة في الموقع، المصممة للزيارات المدرسية، باسم مختلف المتبرعين.

قال كولينان: «إن نموذج تمويل المتاحف البريطانية يتغير». وأضاف: «بالتأكيد، يتعين علينا أن نصبح أفضل بكثير في جمع التبرعات».

حتى وقت قريب، عندما كانت المتاحف البريطانية الرئيسية تخطط لمشروع كبير، كان أول منفذ تمويلي لها في الغالب هو الحكومة الوطنية أو المحلية. في عام 2007، على سبيل المثال، منحت وزارة الخزانة البريطانية 50 مليون جنيه إسترليني، أي حوالي 100 مليون دولار في ذلك الوقت، نحو توسيع نطاق مُتحف «تيت مودرن».

الآن، بات من الصعب للغاية تلبية مثل هذه العروض. ففي العام الماضي، خفضت الحكومة التمويلات الفنية للعديد من المؤسسات في لندن، ومع ارتفاع معدلات التضخم إلى عنان السماء، صارت المتاحف بمختلف أنحاء البلاد تعتمد بصفة متزايدة على التبرعات الخيرية لتغطية تكاليف التشغيل اليومية، ناهيكم عن المشروعات الكبرى. (منح صندوق التراث الوطني لليانصيب في بريطانيا - وهو هيئة عامة ممولة من عائدات اليانصيب - معرض البورتريه الوطني ما يقرب من 10 ملايين جنيه إسترليني لتجديده، لكن الحكومة لم تساهم بصورة مباشرة في هذه الجهود).

«ناشونال بورتريه غاليري» في لندن (توم جاميسون / نيويورك تايمز)

قالت ليزلي راموس، مؤلفة كتاب يصدر قريباً حول العطاء الفني، إن بريطانيا «لا تملك ثقافة العمل الخيري مثل الولايات المتحدة، لا سيما بالنسبة للفنون». وأضافت أن العديد من الرعاة الرئيسيين لقوا حتفهم مؤخراً، ولم يسد المتبرعون الأصغر سناً تلك الفجوة. وقالت إنهم يفضلون التبرع من أجل قضايا العدالة الاجتماعية، أو المنظمات الناشطة في مجال التغير المناخي.

قال بول رامسبوتوم، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «وولفسون»؛ واحدة من أكبر الجهات المانحة للفنون المؤسسية في بريطانيا، التي قدمت نحو 630 ألف دولار لتجديد معرض الصور الوطني، إن صناديق مثل مؤسسته تشهد «موجة متصاعدة» من الطلبات التي لا يمكنهم تلبيتها.

يأتي هذا الاعتماد المتزايد على المانحين مع بدء العديد من المتاحف البريطانية الرئيسية في إجراء إصلاحات متعددة السنوات. ومن المتوقع أن يعلن المتحف البريطاني قريباً عن عملية تجديد قالت صحيفة «فايننشال تايمز» إن تكلفتها سوف تبلغ مليار جنيه إسترليني، أي حوالي 1.3 مليار دولار. كما يحاول المعرض الوطني جمع 95 مليون جنيه للتجديد. وفي مايو، قالت آنه نغوين، مديرة التطوير في المتحف، أمام جمهور من المتبرعين والصحافيين، إن محاولة تأمين الأموال جعلتها تمر «بليالٍ بلا نوم» و«خفقان في القلب».

وقال كولينان، مدير معرض الصور الوطني، إن مفتاح جذب اهتمام المانحين هو وجود مشروع مثير للاهتمام. وقال إنه قبل التجديد كان معرض الصور الوطني - الذي تأسس عام 1856 وفكرة عرض صور لأبرز الشخصيات في بريطانيا - مؤسسة محبوبة للغاية، بيد أن هناك مجالاً واضحاً للتحسين. ويمكن للزوار أن يفوتوا بسهولة المدخل السابق، وهو مدخل صغير في شارع مزدحم. وأضاف أنه في الداخل، غالباً ما تشعرك ممرات المتحف بأنها أشبه بمتاهة من حجور الأرانب، وبعض معروضاته «لم تُمس منذ 30 عاماً».

قال كولينان إن معروضاته لم تكن تمثل بريطانيا المعاصرة: وإنما 3 بالمائة فقط من الصور على الجدران كانت لأشخاص من ذوي البشرة الملونة. (بعد التجديد، ارتفعت النسبة إلى 11 بالمائة).

قال كولينان إن فريق جمع التبرعات التابع للمتحف الذي يضم 13 عضواً أخبر الجهات المانحة أنهم يريدون تحقيق «تحول كامل» في بنائه ومجموعاته وبرامجه التعليمية.

برغم أن معرض الصور الوطني قد جمع في نهاية المطاف ما يكفي لأجل التجديد، إلا أنه واجه صعوبات في حملات أخرى لجمع التبرعات. وخلال العام الماضي، حاول تأمين 50 مليون جنيه أخرى لشراء لوحة «ماي (أوماي)» لجوشوا رينولدز. ويصور هذا العمل، الذي رُسم حوالي عام 1776، رجلاً بولينيزياً، يرتدي عباءات بيضاء متدفقة، وصار شخصية مجتمعية خلال زيارة إلى لندن. وتعد على نطاق واسع واحدة من أهم صور الأشخاص الملونين في تاريخ الفن البريطاني.

ذكرت سارة هيليام، مديرة التطوير في معرض الصور الوطني، أنها عرضت اللوحة على حوالي 40 متبرعاً محتملاً أثناء محاولة المتحف الحصول عليها، وقال لها العديد من الناس إن «هذا هو أسوأ وقت للقيام بمثل هذه الأعمال الفنية» منذ أن كان تجديد المتحف جارياً.

في النهاية، توصل المتحف إلى اتفاق غير عادي مع متحف «جيه بول غيتي» في لوس أنجليس للاشتراك في شراء اللوحة. وقالت هيليام إنه بموجب بنود الاتفاقية، سوف تقضى لوحة «ماي (أوماي)» ثلاث سنوات في لندن قبل التوجه إلى لوس أنجليس لفترة مماثلة. وأضافت هيليام أن التعاون عبر المحيط الأطلسي كانت تجربة رائدة مفعمة بالأمل للمتاحف الأخرى التي تكافح لشراء روائع الأعمال الفنية.

صورة «ماي (أوماي)» لجوشوا رينولدز، معروضة في «ناشونال بورتريه غاليري» بلندن الذي فتح أبوابه الخميس الماضي بعد عملية تجديد تكلفت 53 مليون دولار. (توم جاميسون / نيويورك تايمز)

لم يقل أي من المطلعين في المتحف الذين تقابلنا معهم لهذه المقالة أن هناك طرقاً واضحة لتسهيل جمع التبرعات في بريطانيا. وقالت نجوين من «ناشونال غاليري» إن الإعفاءات الضريبية الأكثر سخاءً للمتبرعين، مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة، سوف تساعد في ذلك. لكنها أضافت أن المزيد من الدعم المالي من الحكومة «سوف يكون موضع ترحيب» أيضاً.

قال رامسبوتوم، من مؤسسة «وولفسون»، إنه «سيكون من المفيد إجراء نقاش عام» حول مستويات العطاء، لا سيما أنه قال إن الدراسات أظهرت أن أكثر الناس ثراءً في بريطانيا لا يزيدون من تبرعاتهم بما يتماشى مع دخولهم المزدهرة. لكنه أضاف أن الكثيرين في بريطانيا يعتقدون ببساطة أن الحكومة يجب أن تدفع تكاليف الحياة الثقافية للبلاد.

وقال رامسبوتوم، إنه في الوقت الحالي صارت المتاحف عالقة في «عاصفة كاملة» من ارتفاع التكاليف وزيادة المنافسة على المانحين. وأضاف أن تجديد معرض الصور الوطني كان «كشفاً للعيان»، لكن الوضع الأوسع كان «مصدر قلق حقيقي للقطاع وللتراث في المملكة المتحدة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«خبيئة» المتحف المصري تبرز مقتنيات «ساحرة» للملوك والكهنة

يوميات الشرق توابيت نادرة في المتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير)

«خبيئة» المتحف المصري تبرز مقتنيات «ساحرة» للملوك والكهنة

كل حين يبرز المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) مقتنياته الثمينة من الآثار المصرية في عروض متحفية استثنائية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

مراهناً على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حي الزمالك الراقي بقلب القاهرة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق مخطوط نادر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفي بمقتنيات نادرة توثّق تطور أدوات الكتابة عبر العصور

تمتلك المتاحف المصرية مقتنيات متنوعة ونادرة تؤرخ لتطور الكتابة والتعليم عبر العصور المختلفة ضمن احتفال وزارة السياحة والآثار المصرية بـ«اليوم الدولي للتعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
TT

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل» الذي بدأ، الجمعة، ويستمر حتى الاثنين 9 فبراير (شباط) الحالي.

يعود العمل إلى الجمهور في صيغة تجمع بين عراقة النص الكلاسيكي، وروح المعالجة المعاصرة؛ فالعرض الذي تقدّمه فرقة «باليه أوبرا القاهرة» يستعيد أحد أشهر الأعمال التي رسّخت صورة جمالية عن عراقة الحضارة المصرية في الفكر الغربي، لكنه هذه المرة يعيد قراءتها من داخل الذاكرة الثقافية المصرية نفسها، حيث تدور أحداثه في إطار سردي يجمع بين الواقع والحلم.

ويشعر المشاهد منذ لحظاته الأولى بأنه يراهن على فخامة الأجواء، وهيبة الحضارة القديمة، والدهشة البصرية، وزخم المشاعر؛ إذ تبدأ الأحداث برجل إنجليزي، يصل إلى مصر في رحلة استكشافية، ويجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء داخل أحد الأهرامات؛ هرباً من عاصفة رملية مفاجئة. وهناك وفي أجواء غامضة تتداخل فيها الأسطورة مع الخيال، يتناول مادة مخدرة تجعله يغفو، لينتقل عبر الحلم إلى مصر القديمة.

أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة (الأوبرا المصرية)

في هذا العالم المتخيل، يتحول الرجل إلى شاب مصري نبيل، يعيش في بلاط الحاكم، وسرعان ما يلتقي ابنة الفرعون، التي تتجسد بوصفها رمزاً للجمال والقوة. وينشأ بين الاثنين حب عميق، لكنه حب محكوم بالمواجهة؛ إذ تصطدم مشاعرهما بقوانين السلطة والاختلاف والمصير.

فهل ينتصر الحب ويستمر مع محبوبته «أميرة النيل»، أم يعود من حلمه إلى الهرم، بعد أن يكون قد اكتسب تقديراً حقيقياً لسطوة الحب والقدر؟

وترى المديرة الفنية لفرقة «باليه أوبرا القاهرة»، الفنانة أرمينيا كامل، أن تقديم «أميرة النيل» يأتي في إطار رؤية فنية تؤمن بالاستلهام من الجذور الحضارية المصرية؛ وذلك بوصفها مادة حية ثرية على المستويات الإنسانية والجمالية، قابلة لإعادة التشكيل الراقي الملائم لفن الباليه. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحضارة المصرية القديمة، بما تحمله من ثراء بصري ودرامي، ومن مشاهد وصور وزخم سردي، تملك قدرة استثنائية على مخاطبة وجدان المتلقي المعاصر عبر الباليه».

يُذكر أن باليه «أميرة النيل» وُلد خلال فترة ازدهار ثقافي وفني ملحوظ في روسيا؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر بدأ الباليه الروسي في ترسيخ هويته الخاصة، المتميزة عن نظيراتها في أوروبا الغربية.

ويشير الناقد الفني محمد كمال إلى أن هذا الباليه استلهم من رواية «المومياء» لتيوفيل غوتييه، التي شكّلت نسيجاً غنياً من الثقافة والأساطير المصرية القديمة؛ ما أتاح للمبدعين فرصة استكشافها.

وكان للتعاون بين ماريوس بيتيبا، أستاذ الباليه الفرنسي الذي استقر في روسيا، وتشيزاري بوني، الملحن الإيطالي، دور محوري في إخراج هذا الباليه إلى النور.

باليه «أميرة النيل» (دار الأوبرا المصرية)

فقد أثمرت تصميمات بيتيبا الراقصة المبتكرة، إلى جانب موسيقى بوني المؤثرة، عرضاً مذهلاً من الناحيتَين البصرية والموسيقية، حسب كمال. اللافت أن الباليه لا يتعامل مع قصة الحب بوصفها حكاية رومانسية تقليدية، بل يقدمها بصفتها سلسلة من الاختبارات الجسدية والدرامية؛ حيث تتحول المشاعر إلى حركات، والصراع إلى إيقاع.

ففي الفصل الثاني على سبيل المثال تتصاعد التوترات مع ملاحقة الحراس للعاشقين، وتتحول الرحلة إلى سلسلة من المطاردات والمشاهد الجماعية التي تبرز قوة الرقص الكلاسيكي في التعبير عن الإحساس بالخطر والهروب والرغبة في النجاة.

ويتداخل البعد الأسطوري مع الدراما في العرض عبر مشاهد تتكامل فيها الموسيقى والحركة والضوء، وفي أثناء ذلك يترسخ لدى المشاهد الإحساس بتفرد النيل، بوصفه قوة حامية وملاذاً للإنسان، وليس مجرد نهر عظيم.

وفي الفصل الأخير يتصاعد الصراع، وتتداخل السلطة بالعاطفة، قبل أن ينكسر الحلم فجأة، ويستيقظ البطل في نهاية قد تعيد المتفرج إلى نقطة البداية، لكنها تأتي محمّلة بدلالة جديدة؛ إذ يكتشف أنه قد أصبح مثل هذا البطل من حيث تغيّر نظرته إلى الحب والقدر والحياة.

وتتميز معالجة الباليه بأنها لا تعتمد على السرد المباشر، بل تترك للرقص والموسيقى مهمة نقل التحولات النفسية والدرامية.

وهو ما يتجلّى في تصميمات الرقص المستندة إلى أعمال ماريوس بيتيبا؛ حيث تتوازن الحركات الدقيقة مع المشاهد الجماعية المهيبة، وتتحول الأجساد إلى عنصر سردي أساسي.

أما الموسيقى التي وضعها المؤلف الإيطالي تشيزاري بوني، فتشكّل العمود الفقري للعمل، بما تحمله من ألحان غنية وزخارف أوركسترالية تتكرر، وتتحول مع تطور الأحداث.

ويقود الأوركسترا المايسترو محمد سعد باشا، في أداء يبرز التباين بين المقاطع الاحتفالية، والمشاهد الوجدانية، سيما في ثيمات الحب والمواجهة. صمم ياسر شعلان الإضاءة بحيث تواكب التحولات الزمنية والنفسية، متنقلة بين أجواء الحلم والاحتفال والتهديد، في حين قدّم جيانلوكا سايتو أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة، جاءت غنية في تفاصيلها، من دون أن تقع في فخ الاستنساخ التاريخي.

ويعتمد العرض كذلك على مشروع وسائط متعددة من تصميم عبد المنعم المصري، يضيف بعداً بصرياً حديثاً، من خلال دمج الصور والخلفيات المتحركة مع المشاهد الراقصة، في انسجام يحافظ على إيقاع العرض، من دون أن يؤدي إلى تشتيت انتباه المتلقي.


9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
TT

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر حتى الثالث والعشرين منه.

المؤشرات تعِد بدورة أكثر نجاحاً من الدورات الثلاث السابقة، لكنّ هذا لن يتأكد قبل العروض السينمائية للمسابقة وما يجاورها من أقسام. هذا لأنه من السهل إتقان الشؤون الإدارية المختلفة، ومن الأسهل، نسبياً، إنجاز سوق سينمائية كبيرة تقبل عليها مؤسسات وشركات لتأكيد وجودها على خريطة الإنتاجات السينمائية حول العالم، لكن اختيار الأفلام المشتركة في برامج المهرجان المختلفة هو المحك الذي سيمكّن الإعلام ونقاد السينما من الحكم على درجة نجاح المهرجان الفعلي، وإذا ما وفى بوعده العودة إلى سابق تألّقه.

أرقام

شيء واحد مؤكد إلى الآن هو أن هناك تسعة أفلام من إخراج نسائي بين عروض المسابقة المؤلّفة من 22 فيلماً. مسألة لم نكن نعيرها اهتماماً حتى وقت ليس بالبعيد عندما كانت المهرجانات تختار ما تختاره من الأفلام من دون أن تفرِّق كثيراً إذا ما كان الفيلم من إخراج امرأة أو رجل!

الذي حدث أن القوّة الناعمة (أو هكذا عُرفت) رأت أن المرأة ليست ممثَّلة بما يكفي في المهرجانات، فنادت بحضور أعلى، وكان لها ما أرادت. في العام الماضي شهد مهرجان برلين 8 أفلام من إخراج نساء، أي بفارق فيلم واحد عن هذا العام. الفيلم الإضافي سيؤكد، حسب معلومات، أن مهرجان برلين يؤكد ريادته في رعاية المخرجات. هذا في حين تشير مجلة «سكرين إنترناشيونال» إلى أن عدد الأفلام نسائية الإخراج التي كانت قد عُرضت قبل عامين لم يزد على ستة أفلام. لكن هل بات حُكماً أن تراعي المهرجانات نسبة معيّنة لتبرهن على أنها مؤيدة للمرأة؟ ماذا عن اختيار الأفلام حسب أهميّتها الفنية أساساً؟

الأمور ليست على ما يرام في هذا الشأن خارج إطار المهرجانات. في عام 2024، حسب دراسة لجامعة ساذرن كاليفورنيا (USC)، ومن بين 111 مخرجاً حققوا أفلاماً، كان نصيب المرأة 9 أفلام فقط، (أي امرأة واحدة مقابل كل 11 مخرجاً ذكراً) من بينها فيلما أنيميشن هم «إليو» لمادلين شرفيان (أنيميشن) وKPop Demon HUnters (بمشاركة مخرج رجل هو كريس أبلهانز)، وثلاثة أفلام رعب هي: «أعلم ما فعلت في الصيف الماضي» لجنيفر روبنسن، و«خمسة أيام عند فرايداي 2» لإيما تامي، و«جمعة أكثر غرابة»، (Freakier Friday)، لنيشا غاناترا.

توجُّه المرأة إلى تحقيق أفلام رعب يستأهل تحقيقاً منفصلاً من حيث أسبابه ونتائجه.

الدراسة الجامعية المذكورة تكشف بين دفّتيها عن تقارير عن 1900 فيلم جرى إنتاجها ما بين 2007 و2025، وتلاحظ كيف انطلقت القوّة الناعمة جيداً في العقدين الأول والثاني من القرن، ثم بدأت التراجع مع استمرار تفضيل شركات هوليوود الرئيسية اختيار مخرجين رجال لمعظم إنتاجاتها.

«جوزيفين» (مهرجان برلين)

مخرجات برلين

هذا لا علاقة وثيقة له باختيار المهرجانات إلا من خلال ملاحظة القوس البياني لسعي المرأة إلى إثبات حضورها في المشهد السينمائي.

أفلام برلين النسائية مثيرة للاهتمام لأنها تشكل نوع من التعدد في الخيارات المتاحة. على ذلك، فإن الجامع الآخر بين أفلامهن يتمحور حول موضوعات مجتمعية تقود المرأة غالبيّتها.

من «في همسة» لليلى بوزيد (يونيتي)

من بين المشتركات في دورة برلين الجديدة المخرجة التونسية ليلى بوزيد التي توفّر الفيلم العربي الوحيد في المسابقة وعنوانه «في همسة» (كان عنواناً لفيلم إسباني أُنتج سنة 2019 لهايدي حسن). فيلم بوزيد دراما عائلية حول «ليلى» التي تعود إلى تونس من باريس لحضور جنازة عمّها. الزيارة تكشف عن اختلافات كثيرة بين طريقتي عيش تؤدي إلى أزمات.

هناك بحث آخر تقوم به بطلة الفيلم الأميركي «جوزيفين» للمخرجة بث. د. أرايو، حول الزوجين (غيما تشان وشانينغ تاتوم) في سعيهما لحماية ابنتهما التي شهدت جريمة اغتصاب. في مؤتمرها الصحافي أكدت المديرة الفنية للمهرجان أن ما يرد في هذا الفيلم هو «حكاية شخصية».

تبتعد المخرجة البريطانية أشلي وولترز عن الموضوع النسائي في فيلم سمّته «أنيمول» (Animol)، إذ يدور فيلمها عن مجموعة من الشبّان الذين يعيشون في إصلاحية وكيف استطاع بعضهم خلق بعد جديد لحياتهم من خلال صداقاتهم هناك.

موضوع رجالي آخر تطرحه السويدية دارا ڤان دوسن، في «صلاة للميّت»، (A Preyer for the Dead)، حول رئيس شرطة مدينة حائر بين إنقاذ عائلته وبين إنقاذ البلدة التي تطالبه بتطبيق القانون.

من «قصص بيتية» (أدريان كامبيون - تريمافيلم)

في «قصص بيتية»، (Home Stories)، (ألمانيا)، تختار المخرجة إيڤا تروبيش موضوع الهوية. بطلة الفيلم ذات المكانة الاجتماعية تتعرّض لسؤال حول حياتها. تخرج من المقابلة مدركةً أن عليها أن تبحث عن هويّتها الخاصّة.

الأفلام الأخرى للمخرجات المشتركات هي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» لتيزا كوڤي (ألمانيا)، و«زوجتي تبكي» لأنجيلا شانالك (ألمانيا)، و«نايتبورن» لهانا بيرغهولم (فنلندا)، و«نينا روزا» لجنڤييڤ دولودي-دي سيلس (كندا)، و«غبار» لأنكي بلوند (بلجيكا).

Your Premium trial has ended


علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».