هارب من جحيم نيران الحرب في السودان... قصة نازح

تخللتها أيام مرعبة كادت أسرته تموت برصاصات مجهولة أثناءها

منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

هارب من جحيم نيران الحرب في السودان... قصة نازح

منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حين اندلع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كانت ابنة المواطن أحمد محمد، الطبيبة الشابة، تدير عيادة في إحدى المنشآت الطبية عند شارع النيل، حيث دارت المعارك الأولى. علقت الطبيبة والعاملون معها هناك، أما والدها وأشقاؤها فقد حاصرتهم الرصاصات المتقاطعة في مسكنهم بحي كوبر من نواحي الخرطوم بحري، بالقرب من أحد أكبر معسكرات قوات الدعم السريع، المعروف بـ«مقر هيئة العمليات»، وبسبب ضرب مطار الخرطوم وإغلاق السلطات العسكرية المجال الجوي السوداني، علقت الأم في المملكة العربية السعودية، التي ذهبت إليها لأداء شعيرة العمرة.

من أولى الرصاصات، اتضح أن مصير هذه الأسرة الصغيرة أن تتوزع بين منطقتين في السودان ودولة خارجية، وصار كل جزء منها عالقاً في مكان لا يستطيع مغادرته، خشية أن ينقطع اتصاله وتواصله مع بقية أفراد الأسرة. وفي الأثناء كانت المعارك تدور أمام منزل الأسرة وسكانه لا يستطيعون الخروج لتحسس ما يحدث في الخارج، ولا يستطيعون ترك المكان بانتظار عودة الابنة المحتجزة، فمغادرة المنزل إلى منطقة آمنة مخاطرة بأن تفقد أثرهم ويفقدوا أثرها.

سكان يغادرون منازلهم في جنوب العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

لا مفر

ظل الحال كما عليها، ودوي الرصاص والمقذوفات والطائرات المقاتلة والمدفعية يرج زجاج ونوافذ المنزل رجاً، لكن لا مفر أمام الأب أحمد محمد وأبنائه إلاّ انتظار عودة البنت العالقة في محل عملها. ويقول: «لم نكن نستطيع مغادرة المنزل، فأين ستذهب الدكتورة إذا انتقلنا لمكان آخر، مجبرون على البقاء تحت أسرتنا لحين عودتها».

وفي ليلة كان القصف عنيفاً جداً ارتجت له الحوائط والجدران، وسمعت صوت الرصاصات تصطدم بجدار المبنى الخارجي، لتكتشف الأسرة أن الرصاصات العمياء قد اخترقت الحائط الخارجي للمنزل، وكادت تقتل النائمين خلفه، لحظهم لم تخترقه، بيد أنهم ومنذ تلك اللحظة التي أخطأهم فيها الموت آثروا النوم أرضاً وفي أبعد مكان عن حوائط الشقة الصغيرة التي يقطنونها.

ولم تقف الرصاصات عند حدود تحويل الحائط إلى «غربال»، بل دمرت شبكتي الصرف الصحي ومياه الشرب في المبنى. ويقول محمد: «كدت آخذ أبنائي لنغادر، لكن أصغرهم صاح، إذا غادرنا، كيف ستجد شقيقتي مكاننا، ننتظر يا أبي حتى عودتها».

انعدام الماء والكهرباء

لم تقتصر معاناة تلك الأسرة على الرصاص والقذائف المتطايرة حولهم وتحاصرهم من كل الجوانب، بل إن خدمة الكهرباء والمياه تعطلت منذ اللحظات الأولى لاندلاع القتال، فزادتهم معاناة على معاناتهم، وصار جلب الماء من بئر تبعد نحو كيلومترين مخاطرة لا فرار منها. ويقول محمد: «كنا ننتظر هدوء تبادل إطلاق النار بين الطرفين لنتسلل إلى بئر في أحد مصانع الثلج، وننضم لصف طويل من أهل الحي الذين ينتظرون دورهم لملء مواعينهم بالماء، وطبعاً الحديث عن كهرباء ومراوح حلم بعيد المنال في حرارة الخرطوم التي زادتها المعارك التهاباً».

حاولت المؤسسة التي تشتغل عندها الطبيبة إخراج العاملين حين أُعلنت أول هدنة، لكن الرصاصات المتطايرة والأعين المحمرة التي تنظر شذراً لكل مارٍ أجبرتهم على العودة مجدداً. وفي الهدنة الثانية أفلحت المؤسسة في إخراجهم بعملية معقدة، وفي عربة خاصة تحمل شعار المؤسسة، واضطروا للالتفاف لمسافة تقارب 50 كيلومتراً، على الرغم من أن المسافة بين مكان عملها وبيتها لا تزيد عن 6 كيلومترات في الأوضاع العادية.

حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)

احتفال وسط القصف

فجأة، صرخ شقيق الطبيبة فرحاً حين دخلت أخته المنزل سالمة، وكان وصولها احتفالاً وسط القصف والدموع، ويقول محمد: «بدأنا نخطط للمغادرة، لكنا آثرنا أن ننتظر حلول عيد الفطر، كنّا نأكل من زاد رمضان، لكن بسبب انقطاع التيار الكهربائي تلف جله، فصرنا نأكل ما تيسر ونحن صيام». وتابع: «صبيحة العيد والناس يهللون ويكبرون للصلاة، جمعنا ما تيسر من حاجياتنا، ووضعناها في العربة، وسارعنا بالتسلل إلى خارج الخرطوم».

وأضاف محمد: «واجهنا معارضة قوية من زوجتي، الموجودة في المملكة، على السفر بسيارتنا، لأن أفراد قوات الدعم السريع وقتها بدأوا نهب السيارات، لكني حسمت الأمر قاطعاً بأننا سنسافر بالسيارة، وسأعطيهم مفتاحها وأفدي بها أبنائي إذا لزم الأمر، لا سيما وأنهم يمكن أن يأخذوها متوقفة أمام المنزل». وتابع: «ودعنا الجيران ووزعنا عليهم ما تبقى من زاد قابل للتلف، وأمناهم مفتاح المنزل، وتسللنا بداخل الأحياء متجهين نحو شرق ولاية الجزيرة، لنستقر عند أصدقاء في قرية بمنطقة البطانة قرب مدينة تمبول الشهيرة».

وواصل محمد حديثه: «عند قنطرة حلة (كوكو) في الخرطوم بحري، وهي جسر يعد المدخل الرئيس للعبور للخرطوم شرق، وجدنا قوة كبيرة من (الدعم السريع)، فلم توقفنا، فواصلنا السير شرقاً، لنتعثر في مجموعة أخرى من قوات الدعم السريع شرق سوق كوكو، تحققوا من هوياتنا وسمحوا لنا بالمغادرة. ثم تفتيش ثالث حتى وصلنا منطقة العيلفون أقصى جنوب شرقي الخرطوم، وبعدها لم تكن هناك أي سيطرة لأي من القوتين المتقاتلتين».

آثار ما بعد النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في سوق الجنينة غرب دارفور (أ.ف.ب)

الوجه القبيح للحرب

ووفقاً لمحمد، فإنه بعد أن كانوا قد سمعوا أصوات الحرب، فإن رحلتهم جعلتهم يرون وجهها القبيح قبل أن يغادروا الخرطوم، فعلى جانبي الطريق مدرعات محترقة، وعربات مسلحة مرمية على أطراف الطريق، وناقلات جنود لم تبق النيران منها شيئاً، فيما تناثرت الجثث على جانبي الطريق. كان ذلك عشية قدوم قوات تابعة للجيش قادمة من جهة الشرق تصدت لها قوات الدعم السريع التي كانت تسيطر على المنطقة.

وصل محمد وأولاده مقصدهم بولاية الجزيرة، فوجدوا الأصدقاء بانتظارهم، ذبحوا لهم الذبائح حامدين لهم سلامتهم، وحملوهم على أكف الراحة، يقول محمد: «بمجرد وصولنا كان همي الأول أن أنام فقد أنهكني السهر والهلع، فقلت لمضيفي الكرماء الذين جهزوا الطعام الشهي الذي حرمنا منه طويلاً، أنا أريد أن أنام، فنمت نومة حرمت منها طوال أيام الفزع ودوي القذائف، أما أيام النزوح ومحاولة السفر إلى مصر فتلك حكاية قد تصلح لقصة أخرى».

وماذا حدث بعد رحيل محمد وأسرته، فقد أبلغه الجيران من سكان المبنى أنهم غادروه جميعاً، وأن المبنى بمجرد خلوه تحول لثكنة عسكرية، سيطر عليه مقاتلو «الدعم السريع»، وحولوا طابقه الأرضي إلى مشفى مداني، وسكنوا طوابقه العليا، ونصبوا مضادات الطيران على سطوحه، ولا أحد يستطيع الاقتراب أو التصوير، ولا يعرف أحدهم مصير مقتنياته التي تركها على أمل العودة بعد عدة أيام، لكن الفترة طالت لتبلغ ثلاثة أشهر.


مقالات ذات صلة

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

الخليج عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

أعربت السعودية عن ادانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية وحافلة تقل نازحين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

اشتباكات بين الجيش السوداني و«ميليشيا» موالية له في الجزيرة

قالت «حركة تحرير الجزيرة» إن تبادلاً لإطلاق النار جرى بين الجيش السوداني ومسلحين تابعين له (غير نظاميين) في مدينة رفاعة بشرق ولاية الجزيرة في وسط البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا 
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تُقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

جاء الهجوم على حافلة النازحين في سياق هجمات مختلفة لـ«الدعم السريع» طالت أيضاً مستشفى الكويك العسكري وقافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال وجنوب إقليم كردفان. وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهجمات «قوات الدعم السريع»، وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، أمس، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفضها التدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحةً أن هذا التدخل يُطيل أمد الحرب.


ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».