عمر الأنصاري: الرواية أنقذتني من جنون الصحوة... وأنا روائي الطوارق

يقول أنه قطع الصحراء الكبرى بحثاً عن ذاته

عمر الأنصاري
عمر الأنصاري
TT

عمر الأنصاري: الرواية أنقذتني من جنون الصحوة... وأنا روائي الطوارق

عمر الأنصاري
عمر الأنصاري

ينحدر الروائي والكاتب عمر الأنصاري من غرب أفريقيا. في رصيده الآن أربع روايات. يبدو مقلاً ولكنه عميق، يتأنى في الكتابة وكأنه ينسج حكايات جده الأعلى. إنه الكاتب المهاجر، الذي وجد ضالته المنشودة في السرد والذاكرة والأسطورة. ويقول إنه أمام كم هائل من الحكايات الشفاهية التي يحرص أن يحولها كتابة؛ لأن كل ما هو خارجها يذهب أدراج الرياح.

هنا حوار معه حول تجربته الروائية، وسر عشقه للصحراء والطوارق اللذين يشكّلان عالمه الروائي:

* أولاً، كيف تعرّف نفسك... صحفي أم روائي؟

- للأسف، ليس أي منهما هويتي الحقيقية، ولا مهنتي التي حلمت بها في خطواتي الأولى في الحياة... ففي سن الخامسة، كان جُل حلمي أن ألتحق بأبناء عمومتي الرعاة في سهوب تمبكتو الخضراء حينها... وأن أرافق غنمناً وأبقارناً في المراعي للتحرر من سطوة خيمتنا، وأن أستظل مع قربة مائي تحت سمرة وارفة الظل، وكنت بعد تحقيق ذلك الحلم أتطلع إلى ركوب صهوة جواد والدي، وأن أتعلم الغطس في نهر تينبكتو، لكن تلك الأحلام كلها وئدت، وتوارت من حياتي في لمح البصر، لأجد نفسي كمن عبر من ثقب أسود إلى حافة زمكان جديد. لقد انتقل بي الزمن سريعاً... فمن صمت مطبق في الصحراء الكبرى... وجدت نفسي واقفاً أمام بقايا آثار رصاص جهيمان الذي اخترق جدران وأعمدة الحرم المكي، وما لبثت بعدها حتى وجدت موجة ما عُرف بالصحوة قد حملتني وأقلعت بي دون أشعر، فحملتني إلى كل محطاتها وإلى أقصى حدودها الموجودة حينها، فتنقلت بين مراتبها، من مريد إلى فاعل... إلى تجليات بعيدة جداً كان من شأنها أن تجعلني وسط قادة المشهد في النهاية، لكني ترجلت عن تلك الموجة في الوقت المناسب بعد أن اكتشفت نفسي واكتشفت حقيقة أني مختطف.

روايات وكتب الأنصاري

* وكيف حدث هذا التحول؟

- كان رحلة البحث عن النفس، أو أسئلة الوعي التي داهمتني، سبباً رئيسياً، فصحوت من سبات عميق، ومثُلت أمامي كل الأسئلة الوجودية وأنا في سن الثامنة عشرة، يومها اكتشفت أني من تمبكتو، ويومها كان التحول الذي أطلقني في رحلة بحث عن خيمتي في تمبكتو.

* وهل وجدتها؟

- نعم، وجدت خيمتي، وكان الفضل في ذلك لأستاذنا القدير الفيلسوف والروائي إبراهيم الكوني، الذي ساعدني في البحث عن خيمتي وإيجادها، حين أخبرني أن الوطن ليس بالسكنى فيه، بل بسكناه فينا، وحين أخبرني ألا أبحث عن خيمة هي تسكنني في الأصل، وحين قال لي إن رحلة ميلاد الروح لا تكون دون خروج الإنسان من رحم الأم إلى غربة الوجود.

* كيف كان ذلك الوجود؟

- أنا من مواليد «الأزمنة المفقودة»، وليس هذا مجازاً بل هو حرفي، فقد أبصرت الحياة وسط الصحراء، وكان من الممكن أكون في العهد الروماني ويداهمنا جنرال روماني ثائر فيأسرنا ونكون عبيداً في روما، ويمكن أن يداهمنا عُقبة ابن نافع فيدخلنا في الإسلام، وممكن أن يجمعنها يوسف بن تاشفين فيفتح بنا الأندلس، كنت مهيأً في طفولتي لأي من ذلك؛ لأننا في عزلة من الزمن، وفي هامش التاريخ. وأتتني أول إجابة واضحة عن الزمن بعد رؤيتي أول سيارة في سن السابعة تقريباً، ثم لطائرة تمرّ من فوقنا، وهنا بدأت القصة تتغير وبدأت أستعد لمفاجآت الحياة التي لم تنتهِ حتى اليوم بسبب العزلة الكبيرة التي كنت فيها وأنا طفل كُتب عليه اكتشاف الحياة شيئاً فشيئاً.

* هل انتهت علاقتك بالصحراء منذ زمن جهيمان كما تسميه؟

- لم تنته، بل بدأت بعد ردتي عن آيديولوجية الصحوة، التي كانت سترسلني فاتحاً ومبشراً لها في الصحراء، لكن تلك الرحلة ورحلات أخرى هي التي ردتني إلى عقيدة الطفولة، وإلى فطرة الصحراء الخالية من الأدلجة، فقطعت الصحراء الكبرى طولاً وعرضاً وغصت في رمالها واستنشقت هواءها حتى شعرت بالتحرر الكامل وبميلاد جديد، الميلاد الذي أعادني إلى رشدي وألهمني كتابة قصة تلك الصحراء.

* تُعد من أقرب الناس للروائي إبراهيم الكوني...هل تقلد أستاذك، ما الفرق بينكما وهل تنسج أعمالك من هوامش عوالم الكوني؟

- نعم، الكوني أستاذي، وهو مَن دفع بي وشجعني إلى المضي في كتابة أدب الصحراء الذي لا يشبه أي أدب آخر، وقبل أن ألتقيه قبل سنوات كنت قد عقدت النية على كتابة روايتي «طبيب تينبكتو»، لكن حين اتضح لي أن أدب الصحراء يختلف عن أدب المدينة توقفت مدة 10 سنوات، وأنا أفكر في التفاصيل التي يمكن أن تجود بها خيمة أبي وأبقار أمي ومغامرات عمي، لأكتب قصة يمكن أن تسمى رواية. وقد اصطدمت فعلاً باختلاف الأدبين (المدينة والصحراء)، فبقدر سهولة ويسر كتابة تفاصيل المدينة الصاخبة، بقدر ما يواجه الكاتب الصعوبة في كتابة صمت الصحراء، فأدب الصحراء ليس نزهة، بقدر ما هو تأمل في الحياة والفلسفة والخلق وناموس الصحراء.

وكوني كتبت عن الطوارق الذين كتب عنهم أستاذنا الكوني، فأنت كمن ينتقد من يأتي ويكتب عن الحارة المصرية بعد نجيب محفوظ، أو عن الشميسي بعد تركي الحمد، فهذه مقارنات في غير محلها.

لكن ببساطة أستميح أستاذي الكوني في أن أنال أنا لقب روائي الطوارق؛ لأن الكوني لم يكن يوماً روائي الطوارق، بل فيلسوف الصحراء والوجودية وعوالمه أكبر من تحصر في الطوارق الذين ما زلت أحبو في فضائهم.

* ماذا يعني لك المكان؟

- لم يعد المكان يمثل لي أي معنى منذ خرجت من تمبكتو، فأمكنتي - كما قلت - أحملها معي وتعيش في داخلي، ولا يمكن أن أهاجر بعيداً عنها، وكل مكان يشبه تينبكتو وروحها هو مكاني، أولها حارات مكة التي شهدت ميلاد كل أحلامي، مروراً بالدرعية ودبي وأبوظبي، فأي مكان ألمح فيه جداراً من الطين فهو مكاني... لأن بين جدران الطين فقط وُلد الأنبياء والملهمون ووُلد إنسان الصحراء النبيل.

على البوصلة الأدبية في دول الخليج أن تعيد ضبط وجهتها نحو الصحراء الحُبلى بالأسرار والأساطير

* ما نظرتك للأدب في الخليج، وأنت ابن صحراء، وخليجي أيضاً بحكم النشأة والتكوين؟

- تجربة الخليج، أو البعث الأدبي ناقص ولن يكتمل أبداً ما لم يكن أدب الصحراء في قلب التجربة، بل ومدماكها، بمثل ما كانت المعلقات مدماكاً للأدب العربي، وسيندم أي جيل خليجي ينصرف عن هذا الأدب الذي أنجب روحه الخلاقة وصنع تاريخه وتحولاته... فعلى البوصلة الأدبية في دول الخليج أن تعيد ضبط وجهتها نحو الصحراء الحبلى بالأسرار والأساطير والقصص التي لا تنتهي، فشعب يضيّع أساطيره شعب يضيّع ويفرّط في تاريخه... وفي بلدنا العزيز المملكة العربية السعودية تحديداً انتهى زمن الأعذار والتردد، بفضل الانفتاح والتحول الكبيرين، فيمكن لأي كاتب اليوم الذهاب لكتابة ونسج رواية أسطورية تحت ظلال بوابات الحجر (مدائن صالح)، ويمكنه تناول الأساطير وشتى القصص التي كان مُحرماً تناولها في السابق أو حتى التفكير فيها.

وأتمنى من المهتمين بالثقافة وبالصحراء إنشاء معاهد عن الصحراء وأدب وثقافة الصحراء، تكون نبعاً صافياً ننهل منه معارف الصحراء وآدابها وأخلاقها، أو معاهد أدب مثل معهد غوركي للآداب في موسكو الذي يتخرج فيه أدباء كل عام، كان إبراهيم الكوني من بينهم، فالتطور الحاصل في المنطقة لا بد أن يكون مبنياً على روح الأصالة، وإذا لم نفعل ذلك، فسنجد شباننا يكتبون روايات أبطالها يمتطون سيارات فيراري وقصص الحب فيها تدور في مقاهي ستاربكس، بدل قصص قادمة من التراث بروح الصحراء، وهي القصص التي ستقدمنا للعالم لا قصص منسوجة من عوالم مستوردة لن يتقبلها التاجر الذي صدرها لنا... والذي ينتظر رواية يقرأ فيها روح أزمنتنا وطموحاتنا وما نعيشه من تحولات.

* ما آخر عمل لك بعد رواياتك الثلاث وكتاب «الرجال الزرق»؟

- انتهيت من كتابة عمل جديد بطلب من ناشر فرنسي، هو عبارة عن سيرة ذاتية أكثر منه رواية، سيصدر بالفرنسية أولاً، ولاحقاً سأصدر منه نسخة عربية، وهو يحكي قصة التحولات والسيرة الذاتية لجيلي الذي وُلد ونشأ في أزمنة الفقد.


مقالات ذات صلة

تركيا وأرمينيا ستتعاونان في ترميم جسر «آني» التاريخي على حدودهما

العالم كنيسة تيغران هونينتس في أطلال آني بالقرب من كارس في 28 فبراير (شباط) 2024... وقّعت تركيا وأرمينيا اتفاقية في 4 مايو 2026 لإعادة ترميم جسر آني الذي يعود للعصور الوسطى على الحدود بين البلدين بشكل مشترك (أ.ف.ب)

تركيا وأرمينيا ستتعاونان في ترميم جسر «آني» التاريخي على حدودهما

وقّعت تركيا وأرمينيا، الاثنين، اتفاقاً لترميم جسر آني العائد إلى العصور الوسطى على الحدود بين البلدين، في خطوة رمزية على طريق تطبيع العلاقات بين أنقرة ويريفان.

«الشرق الأوسط» (أنقرة - يريفان)
خاص الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)

خاص ندى أبو فرحات وإيلي كمال... شراكةٌ على مسرح الحياة

بين إيلي كمال وندى أبو فرحات شراكة مزدوجة. هما زوجان، والفنّ ثالثُهما. منذ اللقاء الأول في تصوير فيلم عام 2012 حتى مسرحيتهما الجديدة، يوازيان بين الحب والفن.

كريستين حبيب (بيروت)
إعلام وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته...

ميشال أبونجم (باريس)
خاص الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

خاص جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الفنان اللبناني جورج خبّاز عن تجربته الاستثنائية في فيلم «يونان» ونقاط التلاقي بينه وبين البطل «منير».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق 
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

«الشرق الأوسط» (دمشق)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».