قمة باريس: وعود كبيرة وإنجازات متواضعة

إصلاح المؤسسات المالية مشروع دونه عقبات جدية

 جانب من الجلسة الختامية لقمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» في باريس (رويترز)
جانب من الجلسة الختامية لقمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» في باريس (رويترز)
TT

قمة باريس: وعود كبيرة وإنجازات متواضعة

 جانب من الجلسة الختامية لقمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» في باريس (رويترز)
جانب من الجلسة الختامية لقمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» في باريس (رويترز)

انتهت بعيد ظهر الجمعة قمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» التي التأمت في باريس ليومين بمؤتمر صحافي ختامي ضم، إلى جانب الرئيس ماكرون، نظيره الكيني ووزيرة المالية الأميركية ومديرة صندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي، بعد اجتماع أخير أداره الرئيس الفرنسي، وكان غرضه عرض ما تحقق وما تم التوافق عليه في كافة الجلسات التي جرت في مقر القمة وخارجه، والاستماع مرة أخيرة لعدد من كبار المسؤولين.

وفي هذه الجلسة الحوارية، بدا واضحاً أن جميع المشاركين متفقون على أن الغرض من القمة أوسع من العنوان المقترح لها، وأن الهدف المنشود، كما ذكر بذلك الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني وغيرهما هو تمكين بلدان العالم، خصوصاً ذات الاقتصادات الهشة، من تجنب أن يفرض عليها الاختيار ما بين محاربة الفقر الذي تعاني منه ومحاربة التغيرات المناخية.

الهدف العملي للقمة يكمن في تعزيز تمويل الأزمات للدول منخفضة الدخل، وتخفيف أعباء ديونها، وإصلاح الأنظمة المالية بعد الحروب، وإتاحة أموال لمواجهة تغير المناخ من خلال تحقيق توافق في الآراء على أرفع المستويات. وكان الهدف من التئامها في يونيو (حزيران) استباق استحقاقات مقبلة، وأبرزها قمة دول العشرين في الهند وقمة المناخ «كوب 28» التي ستستضيفها دولة الإمارات. والغرض المساعدة على تعزيز عدد من المبادرات المتعثرة التي تتولاها مجموعة العشرين ومؤتمر الأمم المتحدة، فضلاً عن صندوق النقد والبنك الدوليين.

لذا، فإن أعمال القمة التي ضمت ما يزيد على أربعين رئيس دولة وحكومة وعشرات الوزراء والمسؤولين وممثلي نحو مائة دولة، إضافة لمسؤولي كبار المؤسسات المالية الدولية وممثلي المجتمع المدني والشباب، تركزت على ما يتعين القيام به من أجل تمكين الدول المعنية من تخطي الخيار الصعب، عن طريق تقديم المساعدة لها عبر مبادرات ومشاريع ملموسة علماً بأن قمة باريس ليست قمة رسمية، بل حصلت بمبادرة فرنسية.

الرئيس البرازيلي: تغيير مؤسسات 1945 المالية

تبين خريطة المشاركة أن دول الشمال والجنوب وما بينها كانت كلها ممثلة. وفيما تمثلت الولايات المتحدة الأميركية، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم بوزيرة ماليتها، فإن الصين أرسلت رئيس وزرائها. وكان الحضور الأفريقي طاغياً؛ إذ إن 20 رئيس حكومة ودولة جاؤوا منها إلى باريس؛ لرفع صوت القارة السوداء التي يرون أنها مهمشة، وإعادة التأكيد على مطالبهم، والإصرار على ضرورة تمثيلهم في المحافل الدولية كمجموعة العشرين، ومجموعة السبع، وأن يكون صوتهم مسموعاً. واغتنم رئيس دولة جزر القمر والرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي غزالي عثماني المناسبة ليطالب دول الشمال والأوروبيين بشكل عام بالتضامن مع أفريقيا ومساعدتها على مواجهة مشاكلها، محذراً إياها من تدفق موجات الهجرات على شواطئها. والتحذير نفسه أطلقه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي قال في الجلسة نفسها: «إذا لم يجد الناس في أفريقيا الأمل والفرصة للحياة، فسوف يتجهون إلى أوروبا»، مشدداً في الوقت عينه على «المسؤولية الأخلاقية والسياسية» المترتبة على البلدان الأوروبية، ومحملاً إياها مسؤولية «الريادة».

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا (رويترز)

بيد أن الصوت الأكثر هديراً كان مصدره الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي شارك في مهرجان ليل الخميس قريباً من برج إيفل. ومما قاله هناك: «إنه يتعين على الذين لوثوا الكوكب (الغربيين) طيلة 200 عام هم الذين قاموا بثورتهم الصناعية، ولذا عليهم أن يسددوا الدين التاريخي المتوجب عليهم لكوكب الأرض».

كذلك استغل الجلسة ختامية لتصفية حساباته مع المؤسسات المصرفية الدولية التي وصفها بأنها «تتصرف بشكل غير لائق»، مسدداً سهامه للبنك الدولي ولصندوق النقد الدولي اللذين «لا يتجاوبان مع آمال الدول والشعوب»، معتبرا أنه «لم يعد بالإمكان التعاطي مع مؤسسات تتصرف بهذا الشكل». وبرأيه، فإن استمرار النهج الحالي سيعني أن «الفقراء سيزدادون فقراً والأغنياء ثراء». ودليله إلى ذلك أن ما لا يقل عن 900 مليون إنسان اليوم «يعانون من الجوع»، وأن «أعدادهم تتكاثر يوما بعد يوم». وأورد لولا حجة سمعت عدة مرات خلال يومي القمة، وهي أن الظروف التي ولدت خلالها هذه المؤسسات بعد عام 1945 بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي قد تغيرت، وتساءل الرئيس البرازيلي: «لماذا يتعين علينا استخدام الدولار في المعاملات التجارية وليس عملاتنا الوطنية؟ ولماذا لا يتغير عمل الأمم المتحدة التي شهدت ولادة دولة إسرائيل في عام 1948 بينما هي عاجزة اليوم عن استيلاد دولة فلسطين؟».

رئيس الكونغو: أحياناً يشعرنا الغرب بأننا شحاذون

لم يتردد رئيس جمهورية الكونغو دينيس ساسو نغيسو من التصويب على الغرب مذكراً بجائحة «كوفيد - 19» حيث عمدت الدول الغربية مسبقاً إلى شراء كافة اللقاحات التي تنتجها المختبرات الغربية، «بينما أفريقيا لم تحصل إلا على الفتات، والشعور الذي تملكنا أننا أصبحنا شحاذين، وأن حياة الإنسان الأفريقي لا تساوي حياة الغربي أو لا وزن لها إزاء جشع شركات الأدوية لتحقيق أرباح طائلة».

رئيس جمهورية الكونغو دينيس ساسو نغيسو (أ.ف.ب)

ولأن التشكيك بجدية الوعود الغربية هو الشعور الغالب لدى الأفارقة، فقد تساءل رئيس الكونغو: «منذ عام 2015، وعدنا بمائة مليار لأفريقيا لمحاربة الفقر والتغيرات المناخية التي نعاني منها أكثر من غيرنا، فأين أصبحت هذه المليارات؟». وأضاف: «لنضع الأموال على الطاولة ولننطلق في تنفيذ برامج بنى تحتية مفيدة مثل توفير الكهرباء حيث مئات الملايين من الأفارقة لا يتمتعون بها أو لنبني طرقاً ومواصلات تمكن التواصل بين البلدان والمدن الأفريقية وإذا فعلنا ذلك تكون قمتنا مفيدة».

ما يطالب به قادة الجنوب يلقى أصداء إيجابية لدى قادة الشمال. فالمستشار الألماني أولاف شولتز يتبنى تماماً الدعوة للانتقال من الكلام والوعود ومباشرة التنفيذ من غير تأخير، كما أنه يتقبل دعوة إصلاح البنك الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف، والحاجة لتوفير مصادر تمويل إضافية لها حتى تساعد على محاربة التغيرات المناخية والآثار المترتبة عليها، مشدداً على أهمية التعاون بين الشمال وما يسمى «الجنوب الشامل». وتوقف شولتز عند نقطتين مهمتين: الأولى، ضرورة معالجة الثورات المعدنية في أماكن استخراجها حتى تستفيد منها البلدان المنتجة محلياً. والثانية، ضرورة إيجاد مصانع الأسمدة في دول الجنوب، وحيث الحاجة لها ولا يكون تصنيعها محصوراً باقتصادات الشمال. وفي القمة، وجدت الصين نفسها في موقف دفاعي، ورد رئيس وزرائها لي كيانغ على الاتهامات المساقة ضد بلاده، مؤكداً أنها قامت بـ«جهود جبارة لمحاربة التغيرات المناخية». وتعد الصين والولايات المتحدة والهند الدول الثلاث الأكثر إنتاجاً لثاني أكسيد الكربون. كذلك وعد المسؤول الصيني بأن بلاده سوف تنخرط بشكل أكبر من أجل المناخ ومحاربة الفقر وتخفيف ديون الدول الفقيرة. وركز لي كيانغ على مساعي الصين للتخفيف من الاعتماد على الفحم الحجري لإنتاج الكهرباء. إلا أن الصين لم تلتزم بتحديد تاريخ للتوصل إلى الاقتصاد الأخضر عديم الكربون.

إصلاح صندوق النقد والبنك الدولي

لم يتردد الرئيس الفرنسي، مع نهاية القمة، في تأكيد وجود «إجماع تام» على الحاجة «لإصلاح عميق» للنظام المالي العالمي، مشيراً بالدرجة الأولى إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. بيد أن الصعوبة تكمن في أن الحديث عن الإجماع بقي في حيز العموميات، بل إنه لم يأت على تعيين المواضع التي يفترض أن تعالج أولاً، والجهات التي ستكون معنية بهذا الإصلاح. صحيح أن وزيرة المالية الأميركية التي مثلت البلد الأكثر تأثيراً في عملية الإصلاح في حال إتمامها، لم تتردد في الحديث عن الحاجة لـ«إعادة تشكيل المالية العالمية»، ونوهت بـ«الدينامية» التي نضحت بها القمة، إلا أنها بالمقابل، لم تذهب بعيداً في شرحها، منوهة بأن البنك الدولي سيرصد 50 ملياراً إضافية للتنمية و200 مليار قروضاً لمحاربة التغيرات المناخية والفقر وتوفير الاحتياجات الإنسانية الأخرى. كذلك نوهت بصندوق النقد وبما تم التوصل إليه من إعادة جدولة بعض ديون زامبيا، ولم تتردد في توجيه الشكر للصين لمساهمتها في إيجاد حل لمشكلة ديون زامبيا.

الرئيس الكيني ويليام روتو ممازحاً رئيس البنك الدولي أجاي بانغا خلال الجلسة الختامية (أ.ب)

ورأت المديرة العامة للصندوق كريستينا جيورجيفا أن «أولوية الصندوق» العمل على تليين شروط المديونية للدول التي عانت من صدمات حادة اقتصادية خارجية، وأن زامبيا أول الغيث وستتبعها تشاد وسيريلانكا ودول عديدة أخرى. ووعدت المسؤولة الدولية بتعجيل للجدول، ومنح الدول المدينة مهلاً أطول لتسديد ديونها. والجديد أنها ربطت بين المديونية والتغيرات المناخية، وتحدثت عن برنامج لمساعدة الدول التي تتعرض لكوارث بيئية. والإعلان المادي الوحيد يتناول التمكن من جمع مائة مليار دولار من حقوق السحب الخاصة لأفريقيا، بفضل قبول عدد من الدول الصناعية على رأسها فرنسا بتحويل جزء من حقوقها الخاصة إلى أفريقيا التي لم تحصل بداية إلا على 34 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة. وعبر ماكرون عن «سعادته» بأن مبلغ المائة مليار قد توافر أخيراً.

أما رئيس البنك الدولي آيا بانغا، الذي كرر العديد من المرات، أنه لم يتسلم منصبه الجديد إلا منذ ثلاثة أسابيع، فقد بقي في التناول التقني لما يقوم به البنك متحدثاً عن «مجموعة آليات» لتوفير الليونة في تعامل البنك مع البلدان المدينة، ومنها تعليق استيفاء الديون «في الأوقات الصعبة»، والدفع باتجاه الطاقة المتجددة والتركيز على تمويل الأنشطة لمعالجة تبعات التغيرات المناخية.

ضريبة على النقل البحري

منذ ما قبل المؤتمر طرح الرئيس الفرنسي أفكاراً لتوفير مبالغ إضافية لغرض التصدي للتغيرات المناخية تتناول فرض ضرائب دولية على 3 قطاعات: النقل البحري والعمليات المالية وبطاقات السفر الجوية. والحال أنه في المحصلة، لم ترصد خلاصات القمة إلا قطاع النقل البحري؛ لأنه «الوحيد الذي لا تدفع عليه الضرائب»، وفق ما أكده الرئيس الفرنسي الذي استدرك قائلاً: «إذا لم تلحق بنا الولايات المتحدة والصين والدول الأوروبية الرئيسية، فإن الضريبة المذكورة ستكون بلا أثر». والحال أن لائحة الدول التي نشرها قصر الإليزيه لا تتضمن سوى 23 دولة، «من أصل مائة دولة كانت ممثلة في باريس»، وغابت عنها الولايات المتحدة والصين، ودول أوروبية كبرى مثل بريطانيا وألمانيا وإيطاليا... ما يعني أن العمل بها سيحتاج لمعركة طويلة فيما اختفت الفكرتان الأخريان اللتان اقترحهما ماكرون. ومن نجاحات القمة التزام دول غنية وعدت بتقديم 2.5 مليار دولار للسنغال، لمساعدتها على الحد من اعتمادها على الطاقات الأحفورية، فيما يعتزم صندوق النقد الدولي زيادة تمويله للدول الفقيرة بمقدار مائة مليار دولار، إضافة إلى ما حصلت عليه زامبيا.


مقالات ذات صلة

إنريكي يتطلع لأجواء خاصة في «كلاسيكو فرنسا»

رياضة عالمية الإسباني لويس إنريكي المدير الفني لباريس سان جيرمان (أ.ف.ب)

إنريكي يتطلع لأجواء خاصة في «كلاسيكو فرنسا»

يستمتع الإسباني لويس إنريكي، المدير الفني لباريس سان جيرمان، بأجواء كرة القدم الحقيقية في ملعب حديقة الأمراء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية عثمان ديمبيلي نجم باريس سان جيرمان (أ.ف.ب)

ديمبيلي ما زال يبحث عن المستوى الذي منحه الكرة الذهبية

بعد أشهر من المتاعب البدنية، كانت الظروف مهيأة مطلع هذا العام أمام عثمان ديمبيلي ليحقق انطلاقته.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)

بارو من بيروت: دعم الجيش مدخل لحصر السلاح

جدّد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، التزام بلاده الكامل باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
رياضة عالمية المدرب الإسباني لباريس سان جيرمان لويس إنريكي (أ.ف.ب)

«الدوري الفرنسي»: كلاسيكو ساخن لسان جيرمان أمام مرسيليا

يعوّل المدرب الإسباني لباريس سان جيرمان، لويس إنريكي، على اندفاع قوي لفريقه في الأشهر الأخيرة من الدوري الفرنسي لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته سوريا الخميس (أ.ف.ب)

باريس ترى أن الظروف ملائمة لسير لبنان بعملية حصر السلاح

يصل جان نويل بارو، وزير خارجية فرنسا، إلى بيروت، الجمعة، محطته الأخيرة في الجولة التي قادته قبلها إلى سوريا والعراق، حاملاً تحذيراً من انزلاق لبنان إلى حرب.

ميشال أبونجم (باريس)

استقالة كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني على خلفية «ملفات إبستين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
TT

استقالة كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني على خلفية «ملفات إبستين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)

أعلن مورغان ماكسويني، كبير موظفي مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، استقالته، الأحد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على ستارمر بسبب قراره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة.

ويواجه ستارمر أكبر أزمة خلال 18 شهراً من وجوده في السلطة، بعدما نشرت وزارة العدل الأميركية الأسبوع الماضي تفاصيل جديدة حول علاقة ماندلسون الوطيدة بجيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية. كما كشفت الأدلة الجديدة عن ⁠شبهة استعداد االسفير السابق لتسريب معلومات حكومية.

وقال ماكسويني، المستشار الأقرب لستارمر الذي يُعتبر على نطاق واسع أحد مهندسي نجاح الزعيم العمالي في انتخابات بريطانيا في يوليو (تموز) 2024، في بيان، إنه كان منخرطاً بشكل وثيق في قرار تعيين ماندلسون. وأضاف، وفق «رويترز»، أن «قرار تعيين بيتر ماندلسون كان خاطئاً. لقد ألحق ضرراً بحزبنا، وببلدنا، وبالثقة بالسياسة نفسها». وتابع: «عندما طُلب رأيي، نصحتُ رئيس الوزراء بإتمام هذا التعيين، وأتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك النصيحة».

تعويضات ماندلسون

إلى ذلك، أعلنت الحكومة البريطانية أنها فتحت تحقيقاً في دفع حزمة تعويضات نهاية خدمة لبيتر ماندلسون بعد إقالته في سبتمبر (أيلول) 2025 من منصبه. ويخضع بيتر ماندلسون لتحقيق أمني حالياً، للاشتباه في تسريبه معلومات إلى جيفري إبستين بشأن البورصة قد تكون مؤثرة، لا سيما عندما كان وزيراً في حكومة غوردن براون بين عامي 2008 و2010. وجرى تفتيش عنوانين مرتبطين بماندلسون، الجمعة.

بيتر ماندلسون خلال فعالية بلندن يوم 18 يونيو 2025 (أ.ب)

ووفقاً للصحافة البريطانية، حصل السفير السابق على تعويض نهاية خدمة يتراوح بين 38.750 و55.000 جنيه إسترليني بعد أن أقاله كير ستارمر. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية، الأحد، إن عقد ماندلسون أنهي «وفق المشورة القانونية وشروط عمله»، لكنه أضاف: «جرى فتح تحقيق في ضوء المعلومات الجديدة التي ظهرت والتحقيق الجاري للشرطة».

واقترح وزير العمل، بات ماكفادن، وهو من أبرز الوزراء، أن «يُعيد» السفير السابق الأموال أو «يتبرع بها لجمعية خيرية». كما أكد مجدداً دعمه لرئيس الوزراء الذي وجهت إليه دعوات من داخل حزبه للاستقالة.

من جهته، صرح متحدث باسم بيتر ماندلسون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الأخير «يشعر بالأسف، وسيظل يشعر بالأسف حتى آخر أنفاسه، لتصديقه أكاذيب إبستين بشأن أفعاله الإجرامية». وأضاف: «لم يكتشف الحقيقة بشأن إبستين إلا بعد وفاته في عام 2019. وهو يشعر بأسف عميق؛ لأن النساء والفتيات العاجزات والضعيفات لم يحصلن على الحماية التي كنّ يستحققنها».

ضغوط متصاعدة على ستارمر

وواجه وزير العمل بات ماكفادن أسئلة من وسائل إعلام، الأحد، حول مستقبل رئيس الوزراء، وأقر بوجود احتمال بعدم استمراره في منصبه.

وبدا أيضاً أن ديفيد لامي، نائب رئيس الحكومة، كان على خلاف مع ستارمر بشأن قراره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة. وأقر ماكفادن باحتمال عدم بقاء ‌ستارمر في منصبه. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «إذا بقي رئيس الوزراء في منصبه، فأعتقد أن ذلك لن يحدث فرقاً نهائياً». ونقلت صحيفة «تلغراف» عن مقربين للامي أنه حذّر ستارمر من ترشيح ماندلسون.

وكان لامي وزيراً للخارجية وقت ​تعيين السفير. ولدى سؤاله عما إذا كانت قيادة ستارمر تعاني مأزقاً كبيراً، أجاب ماكفادن قائلاً: ⁠إنه يتعين على حزب «العمال» دعم ستارمر، لأن تغيير رئيس الوزراء كل 18 شهراً أو عامين لن يعود بالنفع على البلاد. وأضاف: «أدرك أن هذا الأسبوع كان مليئاً بالأخبار السيئة».

ووفقاً لصحيفة «تايمز»، أخبرت النائبة السابقة لرئيس الوزراء أنجيلا رينر مقربين لها بأنها حذّرت ستارمر من تعيين ماندلسون في هذا المنصب.


استقالة مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني على خلفية الصلة بين ماندلسون وإبستين

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر - 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر - 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

استقالة مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني على خلفية الصلة بين ماندلسون وإبستين

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر - 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر - 1 ديسمبر 2025 (رويترز)

أعلن مورغان ماكسويني، مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الأحد)، استقالته من منصبه، كونه «نصح» رئيس الحكومة بتعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن، رغم صلاته بالمتمول الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية.

وقال ماكسويني، في تصريح مكتوب لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «بعد تفكير معمق، قررت أن أستقيل من الحكومة. تعيين بيتر ماندلسون كان خطأ (...) بعدما سُئلت عن رأيي، نصحت رئيس الوزراء بأن يبادر إلى هذا التعيين، وأتحمل كامل المسؤولية عن هذه النصيحة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.


زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
TT

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط، مستهدفةً منشآت الطاقة والبنية التحتية اللوجيستية في المدن والقرى بشكل شبه يومي.

وأضاف زيلينسكي في منشور على «إكس»: «يجب على العالم ألا يغض الطرف عن الهجمات الروسية. فعندما يغيب الرد الدولي، تصبح الضربات أكثر تكراراً وأشد وحشية. ويمكن وقف ذلك عبر تقديم دعم حقيقي لأوكرانيا ولدفاعاتنا».

وأكد زيلينسكي: «نحن بحاجة إلى صواريخ لأنظمة الدفاع الجوي، وإلى أسلحة لمقاتلينا الذين يصدون هذا العدوان يومياً. ولكي تنجح الدبلوماسية، لا بد من ممارسة ضغط مستمر على روسيا، بحيث تصبح تكلفة هذه الحرب باهظة، إلى حدٍّ يجعلها غير قابلة للاستمرار بالنسبة لروسيا».

عقوبات على موردي أجزاء الصواريخ

أعلن الرئيس الأوكراني أنه سيفرض عقوبات ​على عدد من الشركات الأجنبية المُصنِّعة لمكونات الطائرات المُسيّرة والصواريخ التي تستخدمها روسيا في هجماتها على بلاده. وكتب زيلينسكي على «إكس»: «إنتاج هذه الأسلحة سيكون مستحيلاً دون المكونات الأجنبية الضرورية التي يواصل الروس الحصول ‌عليها عبر التحايل ‌على العقوبات». وأضاف: «سنفرض ‌عقوبات ⁠جديدة، ​تحديداً ‌على الشركات الموردة للمكونات ومصنعي الصواريخ والطائرات المسيّرة... وقَّعتُ على القرارات ذات الصلة».

دمار خلفته ضربات جوية روسية في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (إ.ب.أ)

وبحسب مرسومَين أصدرتهما الرئاسة الأوكرانية، تستهدف العقوبات شركات صينية وشركات من الاتحاد السوفياتي السابق والإمارات وبنما. ورغم المفاوضات الرامية إلى ⁠إنهاء الحرب الدائرة منذ نحو 4 أعوام، فإن روسيا صعّدت ‌بشكل حاد من نطاق هجماتها بالصواريخ ‍والطائرات المسيّرة على أوكرانيا خلال الأشهر القليلة الماضية، وركّزت هجماتها على قطاعَي الطاقة والخدمات اللوجيستية.

وأدت الهجمات على محطات توليد الكهرباء والمحطات الفرعية إلى انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن مناطق بأكملها في كييف، واستمرَّت بعض انقطاعات التيار في العاصمة الأوكرانية لمدة وصلت إلى 20 ساعة. وقال زيلينسكي إنه فرض أيضاً عقوبات على القطاع المالي الروسي وهيئات تقدم الدعم ‌لسوق العملات المشفرة وعمليات التعدين الروسية.

محاولة اغتيال جنرال روسي

في سياق متصل، أعلن جهاز الأمن الروسي (إف إس بي)، الأحد، أن المشتبه بتنفيذه محاولة اغتيال مسؤول روسي رفيع في موسكو نُسبت إلى أوكرانيا، أوقف في دبي وسُلّم لروسيا عقب فراره إلى الإمارات العربية المتحدة. واستهدف الجنرال فلاديمير أليكسييف، الجمعة، بعيارات نارية عدة ونُقل إلى المستشفى، بعد سلسلة اغتيالات في روسيا والأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها موسكو، طالت مسؤولين في الجيش وسياسيين محليين وآخرين يؤيدون الغزو الروسي لأوكرانيا. وأعلنت كييف مسؤوليتها عن بعض هذه العمليات.

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

وفلاديمير أليكسييف، الذي نجا، هو المساعد الأول لرئيس الاستخبارات العسكرية الروسية إيغور كوستيوكوف، الذي يترأس أيضاً الوفد الروسي إلى مفاوضات السلام مع أوكرانيا. وقال جهاز الأمن الروسي إن مواطناً روسياً يُعتبر «المنفذ المباشر للجريمة»، «أوقف وسُلّم لروسيا» بعدما فرّ إلى دبي.

وذكر جهاز الأمن الاتحادي الروسي، في بيان، أن روسياً اسمه ليوبومير وكراب اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه للهجوم. وقال محققون روس إن كوربا، المولود في منطقة تيرنوبيل في أوكرانيا إبان العهد السوفياتي عام 1960، كلفته المخابرات الأوكرانية تنفيذ محاولة الاغتيال. واتهمت روسيا ⁠أوكرانيا بالوقوف وراء إطلاق النار، لكن كييف نفت ذلك. ورفض وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها، في تصريح لـ«رويترز»، اتهام بلاده بالتورط في إطلاق النار على ‌أليكسييف. وقال: «لا نعرف ماذا حدث لهذا الجنرال تحديداً، ربما كان ذلك نتيجة صراع داخلي بين الروس أنفسهم».

وأظهرت وسائل الإعلام الروسية رجال أمن مقنعين ‌من جهاز الأمن الاتحادي يقتادون رجلاً معصوب العينين من طائرة صغيرة في روسيا في الظلام. وقال جهاز الأمن الاتحادي إنه حدد هويتي شريكين آخرين، وهما رجل ‍وامرأة روسيان أيضاً. وقال المحققون إن أحدهما اسمه فيكتور فاسين، وإنه اعتقل في موسكو، بينما فرت المرأة، واسمها زينايدا سيريبريتسكايا، إلى أوكرانيا.

جنود أوكرانيون على خط الجبهة في زابوريجيا يوم 7 فبراير (أ.ب)

وتظهر محاولة الاغتيال التي حدثت على بعد 12 كيلومتراً شمالي الكرملين مدى هشاشة الحماية المتوفرة للجنرالات الروس المشاركين في التخطيط ⁠لحرب أوكرانيا. وتساءل البعض في روسيا عن كيفية تعقب أليكسييف في مثل هذا المكان وعدم توفير حماية أفضل له. ولقي ثلاثة مسؤولين آخرين من رتبة أليكسييف حتفهم في موسكو أو بالقرب منها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وسبق أن فرضت الدول الغربية عقوبات على أليكسييف (64 عاماً) للاشتباه بدوره في هجمات إلكترونية نُسبت إلى روسيا، فضلاً عن اتهامه بتدبير هجوم استخدم فيه غاز للأعصاب وطال المعارض الروسي سيرغي سكريبال عام 2018 في المملكة المتحدة. وورد في نبذته الشخصية الرسمية أنه تميز في عمليات استخباراتية في سوريا، حيث تدخلت موسكو عسكرياً عام 2015 دعماً لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف بالوقوف خلف محاولة اغتيال أليكسييف، والسعي عبر ذلك إلى إفشال المباحثات الجارية بوساطة أميركية للتوصل إلى حل للنزاع في أوكرانيا.