فتحت عملية اغتيال 3 فلسطينيين في مدينة جنين بشمال الضفة الغربية مساء أمس (الأربعاء)، باب التكهنات حول احتمالية اندلاع مواجهة بين الفلسطينيين وإسرائيل، يمكن أن تتحول إلى انتفاضة شاملة، على غرار أحداث انتفاضة الأقصى في عام 2002.
ورغم أن الأحداث على الأرض وتصاعدها تُهيئ لإمكانية تفجر انتفاضة جديدة، يرى مختصون في الشأن العسكري أن الأمر مرتبط أيضاً بعوامل مختلفة تؤثر على حالة الشارع الفلسطيني ومدى استعداده للانخراط في مواجهات شاملة مع إسرائيل.
وقال مسؤول حزبي فلسطيني فضّل عدم الكشف عن هويته لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إن غياب الوحدة والتنسيق بين الفصائل الفلسطينية يُضعف الوضع الفلسطيني الميداني ويجعل إسرائيل المتحكم الأبرز في عجلة الحدث العسكري.
وأضاف: «درجة التضامن والتنسيق بين الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية في فلسطين ضعيفة، وكل جهة تعمل بشكل منفرد. وكذلك هناك تراخٍ من كل جبهة تجاه الأخرى، فغزة تعمل وحدها والضفة كذلك. ولم نلحظ وحدة حقيقية تجمعهما في حدث واحد».
ونوّه المسؤول بأن الانقسام بين حركتي «فتح» و«حماس» أثّر بشكل كبير على المشهد الميداني وجعل الأمور تسير لصالح إسرائيل.
وعلى المستوى السياسي الفلسطيني، يرى المسؤول أن هناك سعياً لمنع انزلاق الأحداث باتجاه انتفاضة جديدة، وذلك من خلال الاتصالات مع الدول العربية والمجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لتجنب التصعيد.
لكنه قال: «على ما يبدو، إسرائيل غير آبهة بكل هذا، وتواصل عملها العسكري بشكل متصاعد في الضفة».
ورغم هذا، استبعد اندلاع انتفاضة جديدة، قائلاً إن هذا يتطلب جاهزية غير متاحة الآن.
مرحلة جديدة من المواجهات
كان 3 فلسطينيين قد لقوا حتفهم، أمس (الأربعاء)، بعدما استهدفت طائرة إسرائيلية سيارتهم بصاروخ في منطقة سهل مطار المقيبلة قرب بلدة الجلمة بمحافظة جنين. وتمكنت فرق الدفاع المدني الفلسطيني من الوصول للمنطقة وإطفاء النيران المشتعلة في السيارة التي أوردت وسائل الإعلام أنه كان بداخلها «3 جثث متفحمة».
وأعلنت كتيبة جنين التابعة لـ«سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد»، مقتل صهيب عدنان الغول (27 عاماً) قائد أحد تشكيلاتها، وأشرف مراد السعدي (17 عاماً) المنتمي للكتيبة، ومحمد بشار عويس (28 عاماً) أحد قادة كتائب شهداء الأقصى.
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إن مَن كانوا في السيارة مسلحون أطلقوا النار تجاه بلدات إسرائيلية.
ويعتقد المختص في الشأن العسكري محمد المصري أن الوضع الحالي في الأراضي الفلسطينية يشير إلى مرحلة جديدة من المواجهات مع إسرائيل.
وأشار، في حديث إلى «وكالة أنباء العالم العربي»، إلى أن إسرائيل عادت لاستخدام الطائرات أداة للقصف لأول مرة منذ أكثر من 17 عاماً، ويرى أن ذلك سيؤدي إلى زيادة التوتر والصعوبات، معتبراً أن الفصائل الفلسطينية ستدخل في مواجهة شاملة إذا تزايدت الخسائر البشرية وتسارعت وتيرة العنف ضد الفلسطينيين.
وكانت آخر عملية اغتيال من هذا النوع حين قصفت إسرائيل منزلاً في مخيم جنين بداخله اثنان من نشطاء الجهاد الإسلامي، هما محمد عتيق من سكان جنين وأمجد العجمي من بلدة عتيل في طولكرم، قبل 17 عاماً.
غير أن محمد المصري لا يتوقع أيضاً تصعيداً شاملاً في الوقت الحالي «نظراً لعدم توافق ذلك مع سياسة الولايات المتحدة والأحوال الحربية في أوكرانيا والتوترات الداخلية في إسرائيل».
ورأى المحلل والخبير العسكري واصف عريقات أن استخدام إسرائيل للطائرات يعيد الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى مشاهد الانتفاضة الثانية، وتوقع أن «يحدث رد فعل من قبل الفصائل الفلسطينية على ارتفاع عدد الضحايا واستخدام الطائرات المسيرة في الاعتداءات الإسرائيلية».
وشدد على أن وحدة الميدان «عنصر يخشاه الجيش الإسرائيلي ويحاول تجنبه قدر الإمكان»، وقال إنه إذا تصاعدت الخسائر الفلسطينية فمن المحتمل أن يدخل قطاع غزة في الصراع.
«حماس» و«الجهاد» تتوعدان
أكدت الفصائل الفلسطينية أن إقدام إسرائيل على استهداف عناصرها بالضفة الغربية باستخدام الطائرات الحربية يعد تصعيداً خطيراً لن يمر دون رد.
وفي تعقيبه على اغتيال الفلسطينيين الثلاثة في جنين أمس، قال الناطق باسم «حركة الجهاد» داود شهاب: «هذه الدماء لن تضيع هدراً، ومقاتلونا سيثأرون لإخوانهم ولن تجد إسرائيل منا سوى المزيد من القوة».
واعتبر ممثل «الجهاد» في سوريا إسماعيل السنداوي أن استخدام إسرائيل للطائرات الحربية «يعد دليلاً على تصاعد قدرات الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية»، منوّها بأن هذه المرة الأولى منذ أكثر من 17 عاماً التي تستخدم فيها إسرائيل هذا الخيار العسكري.
وأضاف في تصريحات لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «أصبحت المخيمات الفلسطينية صعبة على القوات الخاصة الإسرائيلية، ولم يعد اقتحامها مجرد نزهة».
واستطرد: «هذه الاغتيالات عملياً لن يكون لها أي تأثير على المقاومة الفلسطينية وسوف تتصاعد».
ولمّح السنداوي إلى إمكانية توسع المواجهة مع إسرائيل لتشمل قطاع غزة قائلاً: «عملياً، الأمر متروك للغرفة المشتركة في قطاع غزة، ومرهون أيضاً لظروف الوضع الميداني على الأرض».
بدوره، قال عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» صلاح البردويل إن الأسلوب الذي اتبعته إسرائيل بقصفها المستمر للضفة الغربية «هو نمط تمارسه قوى الإرهاب الصهيونية»، مشيراً إلى أن استخدام الطائرات الحربية في قصف الشعوب المحتلة يعد انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية.
وأضاف في تصريحاته لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «القمع والإجرام يوّلدان الثأر والانتقام».
وأكد أن هذه الاغتيالات «سيتبعها رد قوي كرد فعل طبيعي».
وتابع: «الصراع الذي نشهده ليس مقصوراً على غزة أو الضفة الغربية، فالثوار يخرجون من كل مكان وتندلع الانتفاضة في ساحات موحدة».
حازم قاسم، الناطق باسم حركة «حماس»، اعتبر أيضاً أن استخدام إسرائيل للطائرات في عمليات اغتيال بالضفة الغربية يشكل تصعيداً خطيراً.
وقال في تصريحات لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن الهجوم «يشكل عجزاً إسرائيلياً عن حسم المعركة في الميدان مع المقاتلين»، محذراً من أن تلك العملية «لن تمر دون رد من الفصائل الفلسطينية».

الجانب الإسرائيلي
تتولى حكومة من أقصى اليمين زمام الحكم في إسرائيل حالياً برئاسة بنيامين نتنياهو، الذي عقد ائتلافاً حكومياً مع الأحزاب الدينية المتشددة.
وأثنى وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت على العملية التي استهدفت السيارة الفلسطينية، وقال في بيان نشره عبر «تويتر»: «قام الجيش بعملية تصفية مستهدفة لخلية كانت تطلق النار باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وسبق لها أن نفذت عمليات إطلاق نار عدة».
وأكد غالانت أن إسرائيل ستتخذ «نهجاً هجومياً استباقياً»، وستستخدم جميع الوسائل المتاحة لملاحقة «المسلحين الفلسطينيين».
ودعا أكثر من مسؤول إسرائيلي، من بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، لتنفيذ عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية تشبه عملية (السور الواقي) التي نفذها الجيش الإسرائيلي في عام 2002، واجتاح خلالها مدن الضفة الغربية.
وقال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إنه «حان الوقت لشن عملية عسكرية واسعة في شمال الضفة، بمشاركة سلاح الجو والقوات البرية».
واستخدمت إسرائيل سلاح الجو أيضاً يوم الاثنين الماضي، عندما اقتحمت قوة إسرائيلية مدينة جنين بالضفة الغربية فجراً، واعتقلت فلسطينيين اثنين، وعند خروجها انفجرت عبوة ناسفة بآلية عسكرية فدخلت مروحية إسرائيلية الساحة وشرعت في إطلاق النيران.
ومع تسارع وتيرة الاقتحامات والمواجهات، تعود إلى الأذهان مشاهد الصراع العنيف الذي دار بين إسرائيل والمسلحين الفلسطينيين إبان الانتفاضة الثانية عام 2002.
