المؤرخ نيال فيرغسون: أوروبا غير مرتاحة لوقوعها بين واشنطن وبكين في حرب باردة جديدة

يتساءل عمّا إذا كان لدى الولايات المتحدة استراتيجية للقيادة؟

بلينكن مع الرئيس الصيني (رويترز)
بلينكن مع الرئيس الصيني (رويترز)
TT

المؤرخ نيال فيرغسون: أوروبا غير مرتاحة لوقوعها بين واشنطن وبكين في حرب باردة جديدة

بلينكن مع الرئيس الصيني (رويترز)
بلينكن مع الرئيس الصيني (رويترز)

تشهد العواصم الأوروبية مناقشات كثيرة حول القيادة الأميركية للمعسكر الغربي بشكل خاص وللنظام العالمي بشكل عام، وهناك اعتراف واسع بين النخبة الأوروبية بأهمية القيادة الأميركية، وإن لم يكن كثيرون منهم قادرين على إعلان هذا الاعتراف. وقبل عامين نشر مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي تقريره «التوجهات العالمية حتى 2040» وتضمن 5 سيناريوهات للعالم بعد 17 عاماً من الآن.

وكان السيناريو المرغوب فيه هو «نهضة الديمقراطيات» وفيه تقود الولايات المتحدة عودة ما يُعرف بالعالم الحر.

بلينكن مع نظيره الصيني (أ.ب)

لكن ربما يستحق الأمر استعراض السيناريوهات الأربعة الأخرى، وهي سيناريوهات يجب تجنبها ومنها «عالم مضطرب»، حيث تكون الصين دولة قائدة لكنها ليست مسيطرة عالمياً، وكذلك سيناريو «التعايش التنافسي» وفيه تتنافس الولايات المتحدة والصين على القيادة في عالم منقسم.

أما سيناريو «الصوامع المنفصلة» فيقدم عالماً تنهار فيه العولمة وتظهر كتل اقتصادية وأمنية لحماية الدول من المخاطر المتزايدة. وأخيراً السيناريو الخامس وهو «المأساة والتعبئة» وهو قصة تغيير ثوري من القاع إلى القمة، في أعقاب مخاطر بيئية عالمية مدمرة.

ويقول المؤرخ الأسكوتلندي نيال فيرغسون في تحليل نشرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء، إنه بعد عامين من نشر تقرير مجلس الاستخبارات الوطني، يواجه العالم السيناريو الثالث، حيث يتصاعد التنافس الأميركي - الصيني على الأسواق والموارد والنفوذ السياسي والشعبي. في الوقت نفسه فإن تزايد الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول الكبيرة يقلل مخاطر دخولها في صراعات مسلحة مباشرة، وأغلبها منخرط في عمليات لتعزيز النفوذ العالمي والتجسس الاقتصادي والهجمات السيبرانية التي تسمح لها بتحقيق أهدافها دون المخاطرة بدخول حروب مدمرة.

ويتمثل التحدي الأمني المركزي في كيفية منع التنافس الجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة من تدمير التعاون الاقتصادي الذي يعتمد عليه ازدهار البلدين والاقتصاد العالمي ككل.

ويشعر الكثير من الأوروبيين بعدم الارتياح لوقوعهم بين قوتين عظميين في حرب باردة جديدة. وهم يعرفون أن الصين مسؤولة جزئياً عن هذا الموقف، لكنهم يرون أن الولايات المتحدة مسؤولة بنفس القدر.

بالطبع جاء تحرك التحالف الأميركي عبر الأطلسي رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا في العام الماضي، أفضل من التوقعات.

ولكن يمكن القول إن المشكلة هي ما تسمى «قانون القوة- النسخة الجيوسياسية»، وتعني أن توزيع مساهمات 38 دولة تدعم المجهود الحربي لأوكرانيا غير معتاد لكنه يخضع لقانون القوة، فهناك مساهم واحد كبير والكثير من المساهمين الصغار. بالطبع المساهم الأكبر هي الولايات المتحدة.

وحسب أحدث بيانات «مؤشر دعم أوكرانيا»، فإن المساعدات الأميركية المالية والإنسانية والعسكرية لأوكرانيا تعادل سبعة أمثال مساهمات الدولة التي تليها مباشرةً في القائمة وهي بريطانيا، كما أنها تزيد بنسبة 15 في المائة عن إجمالي المساعدات التي قدمتها دول ومؤسسات الاتحاد الأوروبي مجتمعةً. و تزيد بنسبة 45 في المائة عن إجمالي المساعدات التي قدمتها 39 دولة أخرى مجتمعة. بمعنى آخر، الولايات المتحدة لا تقود فقط حلف شمال الأطلسي (ناتو) وإنما التحالف غير الرسمي الأوسع نطاقاً للدول الداعمة لأوكرانيا.

هذا الموقف يعد مشكلة لأنه يجعل أي جهود تقودها الولايات المتحدة تعتمد بشدة على دعم الناخبين الأميركيين. ومواقف هؤلاء الناخبين متقلبة، وبخاصة عندما يشعرون بأنه يتم استنزاف العم سام من جانب مجموعة من «الركاب لا يدفعون ثمن الرحلة».

والآن وبعد 15 شهراً من الحرب في أوكرانيا ما زال الرأي العام الأميركي يؤيد دعم كييف. وحسب استطلاع رأي أخير أجراه مركز «هارفارد هاريس» فإن 20 في المائة فقط من الأميركيين يعتقدون أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تقوم بعمل «مفرط» لمواجهة روسيا في أوكرانيا. كما أن 15 في المائة من الأميركيين يعتقدون أن إدارة بايدن تتعامل مع السياسة الصينية بقوة مفرطة. لكن التاريخ يقول إن هذه النسب يمكن أن ترتفع بسرعة وبخاصة إذا تدهورت الأوضاع الاقتصادية للأميركيين مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية.

المستشار الألماني مع رئيس الوزراء الصيني (أ.ف.ب)

ويقول فيرغسون، المحاضر في جامعة «هارفارد»، إن هذه الحقيقة تفرض السؤال عن القيادة الأميركية الاقتصادية في العالم. فعندما يكون أداء الاقتصاد الأميركي أفضل من أداء الحلفاء والخصوم،

تستطيع واشنطن تحمل عبء القيادة كما يحدث في أوكرانيا. ومرة ثانية، الأمور تبدو جيدة من الناحية الظاهرية، على سبيل المثال تعتقد مجلة «إيكونوميست» الاقتصادية البريطانية المرموقة أن الولايات المتحدة «تقفز إلى أعلى» في حين تقترب الصين من ذروة صعودها الاقتصادي.

لكن مع نظرة أشد قرباً، تصبح الصورة أقل وردية، وذلك لسبب واحد هو أن أوضاع المالية العامة الأميركية غير مستدامة، كما أوضحه الخلاف بين الكونغرس والإدارة الأميركية بشأن سقف الدين العام مؤخراً. ومن المتوقع ارتفاع عجز الميزانية الأميركية لأكثر من 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي خلال السنوات العشر المقبلة، ليصل إلى 7.3 في المائة عام 2033.

ويتوقع محللون وخبراء أن تتجاوز نفقات خدمة الدين الأميركي، مخصصات الإنفاق العسكري في عام 2029، في حين يتوقع فيرغسون الوصول إلى هذه المرحلة في وقت أقرب من ذلك، مشيراً إلى أن تاريخ الإمبراطوريات السابقة التي كانت تنفق على خدمة الدين أكثر مما تنفق على الأمن القومي لا يدعو للتفاؤل.

بايدن يعقد اجتماعاً افتراضياً مع مودي لمناقشة حرب أوكرانيا في 11 أبريل 2022 (رويترز)

وما زال الأميركيون يدفعون ثمناً مرتفعاً بسبب الخطأ الفادح لمجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي) الأميركي عندما تجاهل ارتفاع معدل التضخم خلال 2021 وأوائل 2022، والآن يتراجع معدل التضخم في الولايات المتحدة، لكنه ما زال بعيداً للغاية عن المستوى المستهدف وهو 2 في المائة، وهو ما يضرب مصداقية هذا المعدل المستهدف.

ويسأل فيرغسون عمّا إذا كان لدى الولايات المتحدة استراتيجية للقيادة؟ مشيراً إلى الكلمة التي ألقاها مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان، في معهد «بروكينغز للدراسات» الشهر الماضي، وقال فيها إن استراتيجية التصنيع الأميركية الجديدة لا تمثل تهديداً لحلفاء الولايات المتحدة لأنها شجَّعتهم على أن يحذوا حذو الولايات المتحدة. كما ألمح إلى أن الأمر نفسه ينطبق على حصر التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة على الصين «في نطاق ضيق محميٍّ بسياج مرتفع».

ومن الناحية الرسمية فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتبنيان نفس النهج عندما يتعلق الأمر «بعدم المخاطرة» بالعلاقات الاقتصادية مع الصين. لكن في الجلسات المغلقة يتحدث الأوروبيون عن عدة هواجس تجاه الولايات المتحدة، وأولها قانون خفض التضخم الأميركي الذي أصدرته إدارة الرئيس جو بايدن العام الماضي ويعدّه الأوروبيون نسخة بايدن من استراتيجية «أميركا أولاً» للرئيس السابق دونالد ترمب. وثانيها إدراكهم أن حديث سوليفان عن السياج المرتفع لحماية التفوق التكنولوجي الأميركي على الصين يعني أيضاً إبقاء الأوروبيين خارج هذا السياج خصوصاً فيما يتعلق بسباق الذكاء الاصطناعي. أما الهاجس الثالث فيتعلق بالتداعيات غير المقصودة للسياسة الأميركية للاحتواء التكنولوجي للصين.

أخيراً يرى نيال فيرغسون أن القيادة الأميركية فكرة جيدة بالفعل، لكن رحلة واحدة إلى أوروبا ستبدد الإيمان بهذه الفكرة. بالطبع يمكن القول إن تآكل مصداقية الولايات المتحدة بوصفها «مدينة مشرقة على التل» كما كان يردد الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان، هو أمر مفهوم تماماً ونحن نجد أن رئيساً سابقاً هو دونالد ترمب يسعى للفوز بفترة رئاسة جديدة لكي يتجنب دخول السجن بسبب جرائم تورط فيها. فإذا كانت الولايات المتحدة هي القائد بلا منازع لأطراف الأرض في مواجهة قلب الأرض الذي تمثله منطقة أوراسيا، حسب نظرية عالم الجغرافيا السياسية الأميركي الشهير نيكولاس سبايكمان، فإن تماسك تحالف الأطراف الآن أصبح أضعف من أي وقت مضى وبدأت التشققات تظهر فيه بشكل مقلق.


مقالات ذات صلة

ستارمر: بريطانيا لن تجبَر على الاختيار بين أميركا والصين

آسيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يتصافحان في أثناء مغادرتهما بعد محادثاتهما في بوسان... كوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

ستارمر: بريطانيا لن تجبَر على الاختيار بين أميركا والصين

ستارمر: بريطانيا لن تجبَر على الاختيار بين أميركا والصين... زيارته لبكين تأتي الأولى لرئيس وزراء بريطاني منذ 8 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو - 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

البنتاغون يصدر «استراتيجية الدفاع الوطني»

استراتيجية البنتاغون الجديدة: «أميركا أولاً» بزيّ عسكري وإعادة تعريف الخصوم والحلفاء

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا جنود أميركيون من المارينز يشاركون في تدريب لحلف «الناتو» بالنرويج (رويترز) p-circle

أطماح ترمب توحّد الغرينلانديين وتنسيهم ولو مؤقتاً نزعة الاستقلال وجروح الاستعمار الدنماركي

أطماح ترمب توحد الغرينلانديين وتنسيهم ولو مؤقتاً نزعة الاستقلال عن الخصم الاستعماري الدنماركي

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

فريدريكسن تصل إلى غرينلاند بعد اتفاق مع «الناتو» على تعزيز أمن الدائرة القطبية الشمالية

وصلت فريدريكسن، الجمعة، إلى نوك، عاصمة الجزيرة القطبية، للقاء رئيس السلطة المحلية في غرينلاند، ذات الحكم الذاتي بعد أسبوع من التوتر والتقلبات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال» تشير إلى أن غرينلاند أرض أميركية منذ عام 2026 (حساب الرئيس الأميركي) p-circle

فرنسا تقترح مناورة لـ«الناتو» في غرينلاند حفاظاً على أمن القطب الشمالي

فرنسا تدعو إلى إجراء مناورة لـ«الناتو» في غرينلاند، والدنمارك تريد من التكتل «الأطلسي» الوجود بشكل دائم في الجزيرة مثلما عزز وجوده في بحر البلطيق.

«الشرق الأوسط» (لندن)

اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
TT

اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)

تعرّض ضابط عسكري روسي رفيع المستوى لإطلاق نار في مبنى سكني بموسكو، أمس (الجمعة)، نُقل على أثره إلى المستشفى، بينما اتَّهمت السلطات أوكرانيا بتدبير محاولة الاغتيال «لتقويض محادثات السلام» الجارية بين البلدين.

وقالَ محققون روس إنَّ فلاديمير أليكسييف، نائب رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية، تعرّض لإطلاق نار من «شخص مجهول»، مشيرين إلى أنَّ المشتبه به فرّ من المكان الحادث.

ويخضع أليكسييف لعقوبات غربية لدوره المفترض في هجمات إلكترونية واتّهامات له بتدبيره هجوماً بغاز الأعصاب ضد جاسوس روسي منشق في بريطانيا. كما يعدّ أليكسييف معاوناً لأحد أعضاء الوفد الروسي المفاوض في المحادثات الثلاثية مع أوكرانيا والولايات المتحدة، والتي اختُتمت جولتها الثانية الخميس في أبوظبي.

واتَّهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء «العمل الإرهابي»، متَّهماً كييف بمحاولة «إفشال مسار المفاوضات» الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.


الاتحاد الأوروبي يطلب من «تيك توك» تغيير تصميمه «المشجع على الإدمان»

شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يطلب من «تيك توك» تغيير تصميمه «المشجع على الإدمان»

شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

طلب الاتحاد الأوروبي، اليوم الجمعة، من تطبيق «تيك توك» تغيير تصميمه الذي يشجع على الإدمان، كما قال، وإلا فسيواجه غرامات باهظة، بموجب قواعد المحتوى الرقمي للاتحاد، الأمر الذي أثار رد فعل عنيفاً من المنصة المملوكة لشركة صينية.

وفي استنتاجات أولية لتحقيق بدأ قبل عامين، رأت المفوضية الأوروبية أن «تيك توك» لا يتخذ خطوات فعّالة لمعالجة الآثار السلبية للتطبيق، ولا سيما على القاصرين والبالغين المعرَّضين للخطر.

وقال المتحدث باسم المفوضية توماس رينييه إن «تصميم (تيك توك) المسبب للإدمان يخالف قانون الخدمات الرقمية»، مُشيراً إلى مخاوف تتعلق بميزات مثل استعراض المحتوى بلا توقّف والتشغيل التلقائي والإشعارات الفورية ونظام التوصيات وفق تفضيلات المستخدم، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف رينييه أن «هذه الميزات تؤدي إلى الاستخدام القهري للتطبيق، خاصةً لأطفالنا، وهذا يُشكّل مخاطر جسيمة على صحتهم النفسية ورفاهيتهم... والإجراءات التي اتخذها (تيك توك) غير كافية على الإطلاق».

ورفضت «تيك توك» خلاصات المفوضية الأوروبية، وعَدَّت أنها «تقدم صورة زائفة تماماً ولا أساس لها من الصحة لمنصتنا»، وفقاً لبيان للمتحدث باسمها.

وأضاف المتحدث: «سنتخذ جميع الخطوات اللازمة للطعن في هذه النتائج بكل الوسائل المتاحة».

وقانون الخدمات الرقمية جزء من مجموعة أدوات قانونية مُعززة اعتمدها الاتحاد الأوروبي، في السنوات الأخيرة، للحد من تجاوزات شركات التكنولوجيا الكبرى، وكان المسؤولون قد صرّحوا، حتى الآن، بأن «تيك توك» تتعاون مع الجهات التنظيمية الرقمية في الاتحاد.

سيُتاح لـ«تيك توك»، الآن، الاطلاع على نتائج الاتحاد الأوروبي للدفاع عن نفسها ضد هذه الادعاءات.

وقالت هينا فيركونين، مسؤولة التكنولوجيا بالاتحاد الأوروبي، للصحافيين: «يتعيّن على (تيك توك) اتخاذ إجراءات، وعليها تغيير تصميم خدمتها في أوروبا لحماية القاصرين وسلامتهم».

واقترحت اللجنة ما يمكن للمنصة تغييره، مثل خاصية استعراض المحتوى بلا توقف، وتطبيق نظام «فترات راحة فعّالة من استخدام الشاشة»، بما في ذلك أثناء الليل، وتطوير نظام تفضيلات المستخدم؛ أي الخوارزميات التي تستخدمها المنصات لتقديم محتوى وفق تفضيلات المستخدمين.

وتحقيق فبراير (شباط) 2024 هو الأول الموجَّه ضد «تيك توك»، بموجب قانون الخدمات الرقمية، وهو قانون قوي لإدارة المحتوى في الاتحاد الأوروبي أثار غضب الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب.


لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
TT

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)

اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف بالعمل على تقويض مسار المفاوضات، ووضع عراقيل أمام جهود التسوية السياسية. وجاء الاتهام بعد مرور ساعات على محاولة اغتيال جنرال روسي. وأثارت العملية التي هزت موسكو صباح الجمعة سجالات جديدة حول إخفاقات أمنية قادت إلى سلسلة واسعة من الهجمات على قادة عسكريين بارزين.

وأطلق مجهول النار صباح الجمعة على الجنرال فلاديمير أليكسييف، النائب الأول لرئيس الأركان الروسي.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو 6 فبراير 2026 (رويترز)

ووفقاً لمعطيات أجهزة التحقيق الروسية، فقد تم تنفيذ الهجوم في مدخل البناية التي يقطن فيها المسؤول العسكري من مسدس مزود بكاتم للصوت ولاذ المهاجم بالفرار. ونشرت موسكو مقاطع فيديو وثَّقت الحادثة نُقلت من كاميرات مراقبة في الجوار. وأعلنت الأجهزة الأمنية أنها تدرس المعطيات المتوافرة لديها. وأطلقت عملية لملاحقة المهاجم بعد فتح قضية جنائية.

ويعدّ الجنرال أليكسييف من أبرز القادة العسكريين في وزارة الدفاع، وقد حاز في عام 2017 لقب «بطل روسيا». ولعب كما يبدو أدواراً مهمة من خلال منصبه الحالي في توجيه وإدارة العمليات العسكرية الدائرة في أوكرانيا.

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وأعلن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف، أن الرئيس فلاديمير بوتين تلقى تقارير حول الوضع. وتمنى الكرملين الشفاء لأليكسييف. وبات معلوماً أن بوتين قد يتناول هذا الموضوع خلال اجتماع للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن القومي الروسي دعا إليه في النصف الثاني من يوم الجمعة، رغم أن الاجتماع دوري وليس مرتبطاً مباشرة بالحادثة.

ووجهت موسكو سريعاً أصابع الاتهام إلى الأجهزة الأوكرانية بالوقوف وراء الحادثة، خصوصاً أنها تشكل استمراراً لسجل حافل من عمليات الاغتيالات التي استهدفت قادة عسكريين خلال العامين الماضيين.

وقال وزير الخارجية سيرغي لافروف إن محاولة اغتيال المسؤول العسكري «تظهر رغبة أوكرانيا في تقويض جهود السلام». وزاد في مؤتمر صحافي أعقب لقاءه مع مسؤولين أوروبيين يزورون موسكو للمرة الأولى منذ سنوات: «لقد أكد هذا الهجوم الإرهابي مرة أخرى تركيز نظام (الرئيس فولوديمير) زيلينسكي على الاستفزازات المستمرة، التي تهدف بدورها إلى تعطيل عملية التفاوض، وهو مستعد لفعل كل شيء فقط لإقناع رعاته الغربيين والولايات المتحدة في محاولة لإبعادهم عن المسار لتحقيق تسوية عادلة».

رغم ذلك، شكك خبراء روس باحتمال أن يلقي الهجوم الجديد في قلب العاصمة الروسية بظلال مباشرة على جولات التفاوض الجارية حالياً بين موسكو وكييف برعاية أميركية في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وعملية السلام في أوكرانيا. قال الكرملين، الجمعة، إنّ المحادثات كانت «صعبة جداً»، لكن بنّاءة، مؤكداً أنّها ستستمر.

وأعلن كبير المفاوضين الأوكرانيين رستم عمروف، الخميس، أن جولة جديدة من المحادثات بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة ستُعقد «في الأسابيع المقبلة»، بعد مفاوضات «بنّاءة» في أبوظبي أسفرت عن تبادل أسرى. وقال عمروف عبر تطبيق «تلغرام»: «اتفقت الوفود على إبلاغ عواصمها ومواصلة المحادثات الثلاثية في الأسابيع المقبلة»، لافتاً إلى أن المفاوضات ركزت خصوصاً على «آليات تنفيذ وقف لإطلاق النار».

جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ)

وفتحت محاولة اغتيال المسؤول العسكري سجالات جديدة حول ما وصف بأنه إخفاقات أمنية متواصلة سهلت للأجهزة الأوكرانية تنفيذ هجمات موجعة داخل العمق الروسي. وبالإضافة إلى العشرات من الهجمات التفجيرية التي استهدفت مطارات ومخازن أسلحة ومستودعات للوقود ومنشآت عسكرية أخرى، فقد وقعت سلسلة اغتيالات صاخبة استهدفت شخصيات عسكرية بارزة، كان أشدها وقعاً على موسكو اغتيال قائد قوات الأسلحة الكيماوية والإشعاعية الجنرال إيغور كيريلوف في نهاية عام 2024، واغتيال الفريق فانيل سارفاروف الذي يشغل منصب رئيس قسم التدريب العملياتي في هيئة أركان القوات المسلحة الروسية قبل نحو شهر.

ورأى معلقون أن وصول الاستخبارات الأوكرانية إلى هؤلاء القادة في العاصمة الروسية يؤشر إلى وجود خلل وتقصير داخل المؤسسة الاستخباراتية الروسية في مجال توفير الأمن القادة المهمين الذين جرت عمليات اغتيالهم خارج إطار العمليات العسكرية الدائرة على جبهات القتال. خصوصاً أن الجزء الأكبر من الهجمات استُخدمت فيه عبوات ناسفة شديدة التدمير؛ ما أضاف أسئلة عن ثغرات أمنية سهَّلت نقل واستخدام مواد متفجرة على الأراضي الروسية وفي مناطق حساسة.

The Ukrainian delegation headed by Rustem Umarov

في موضوع متصل، أكد لافروف، أن القوات الروسية، سوف تواصل استهداف الأهداف العسكرية والأهداف ذات الاستخدام المزدوج داخل الأراضي الأوكرانية، مشدداً على أن بلاده «امتثالاً للقانون الدولي الإنساني، لا تهاجم مواقع مدنية في أوكرانيا وتركز فقط على الأهداف ذات الاستخدام المزدوج أو الأهداف العسكرية البحتة».

وجاء حديثه عقب محادثات أجراها مع رئيس مكتب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ورئيس الإدارة الفيدرالية للشؤون الخارجية في الاتحاد السويسري، إغنازيو كاسيس، والأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فريدون سينيرلي أوغلو. وزاد: «لقد حذرنا مراراً وتكراراً من أننا نتصرف بحذر ما التزم العدو بالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني. ونحن مستمرون في الالتزام بهذه القواعد، حيث لا نهاجم إلا الأهداف ذات الاستخدام المزدوج أو الأهداف العسكرية البحتة».

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وتعدّ هذه من الزيارات النادرة لمسؤولين أوروبيين إلى القيادة الروسية، وقد عكست تزايد اهتمام السياسيين الأوروبيين بفتح قنوات اتصال مع القيادة الروسية. وفي هذا الإطار، نقلت وسائل إعلام قبل أيام معطيات عن زيارة غير معلنة قام بها ممثل عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى موسكو. لكن الكرملين والإليزيه تجنبا نفي أو تأكيد تلك المعطيات.

وقال لافروف إن الرئيس الروسي مستعد لتلقي اتصال من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون لإجراء محادثات «جدية»، لكنه وصف تصريحات الرئيس الفرنسي بشأن معاودة الحوار مع موسكو بأنها «دبلوماسية سيئة جداً». وقال لافروف في مقابلة مع قناة «آر تي» الروسية: «إذا كنت ترغب في التحدث، والتحدث بجدية حول أي موضوع، فاتصل. بوتين سيرد على الهاتف دائماً. إنه يستمع إلى كل المقترحات». وأضاف: «قبل نحو أسبوعين، صرّح ماكرون مجدداً سأتصل ببوتين يوماً ما. هذا ليس جدياً، كما تعلمون، إنها دبلوماسية سيئة جداً».

وفي وقت لاحق، قال دميتري بوليانسكي، نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، إن أوروبا لا تزال تلعب دوراً تخريبياً في مفاوضات أوكرانيا. وأضاف بوليانسكي في منشور على «إكس»: «نحن لا نرى أدنى علامة على التحسن».

ماكرون وبوتين (أ.ف.ب)

في السياق، تحدثت تقارير متقاطعة عن أن شركة «ستارلينك» المملوكة من إيلون ماسك، بدأت هذا الأسبوع بحجب وصول القوات الروسية إلى خدمة الإنترنت عبر أقمارها داخل مسرح العمليات في أوكرانيا، بعد طلب أوكراني يهدف إلى وقف «الاستخدام غير المصرّح به» للمحطات التي وصلت إلى الروس عبر السوق الرمادية والتهريب. ووفق روايات مدونين عسكريين روس موالين للحرب، تسببت القيود بانقطاعات أربكت اتصالات الوحدات على الخطوط الأمامية، وأثّرت أيضاً على تشغيل بعض الطائرات المسيّرة التي كانت تعتمد على الشبكة.

جوهر الخطوة يقوم على نظام يسمى «القائمة البيضاء» داخل أوكرانيا، أي أن الخدمة لا تعمل إلا للمحطات التي جرى تسجيلها والتحقق منها لدى الجهات الأوكرانية؛ ما يعني عملياً أن المحطات غير المسجّلة، ومن ضمنها تلك التي يستخدمها الروس بشكل غير قانوني، تُستبعد من الشبكة.

كما تتحدث مصادر عدة عن إضافة قيدٍ آخر يتمثل في تحديد عمل المحطات عند سرعة تقارب 75 كلم/ساعة؛ بهدف تقليل فرص استخدامها على منصات متحركة أو على مسيّرات بعيدة المدى.

لماذا طلبت كييف ذلك الآن؟

على مدى سنوات، كانت كييف تمتلك وصولاً «رسمياً» إلى «ستارلينك» لتأمين الاتصال في بيئة حرب تتعرض فيها البنى التحتية للاتصالات والكهرباء للقصف. لكن القلق الأوكراني تصاعد، حسب ما نُشر، عندما رصدت أوكرانيا أن الاستخدام الروسي لم يعد محصوراً باتصالات الجنود، بل بدأ يمتد إلى تعزيز قدرات المسيّرات الروسية في التحكّم والاستهداف وجعلها أكثر مقاومة للتشويش، وهو ما عدَّته كييف تهديداً مباشراً لميزتها التكنولوجية في ساحة تتغير بسرعة.

ولهذا؛ أعلن وزير الدفاع الأوكراني الجديد ميخائيلو فيديروف أنه تواصل مع الشركة الشهر الماضي، واحتفى لاحقاً بتفعيل نظام التسجيل والتحقق بوصفه يحقق «نتائج ملموسة»، مع الإقرار بوجود تعطّل مؤقت أصاب بعض المستخدمين الأوكرانيين الذين لم يستكملوا إجراءات التسجيل بعد.

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس (أ.ف.ب)

تأثير الحجب

التقدير الدقيق لتأثير هذا الحجب لا يزال صعباً، لكن المؤشرات الأولى جاءت من «الشكاوى الروسية» ذاتها. فقد تحدث مدونون روس موالون للحرب على منصات مثل «تلغرام»، عن فجوات في الاتصال ومشكلات في تنسيق الوحدات على الجبهة، وعدَّ بعضهم أن الجيش سيضطر مؤقتاً إلى العودة إلى بدائل أقل كفاءة مثل الراديو والكوابل الأرضية وجسور «واي فاي».

من جهته، كتب إيلون ماسك على منصته «إكس» في أول فبراير (شباط)، إن الخطوات المتخذة لوقف الاستخدام غير المصرح به «يبدو أنها نجحت»، في إشارة إلى أن الشركة ترى الإجراء جزءاً من ضبط الامتثال وليس دخولاً رسمياً كطرف في الحرب.

بيد أن الخطوة، حتى لو قُدمت كإجراء ضد «الاستخدام غير المصرّح به»، تفتح باباً على مضاعفات، من بينها سباق للتحايل؛ إذ قد يلجأ الروس إلى محاولة إيجاد طرق التفاف تقنية/لوجيستية أو توسيع بدائل أرضية. كما قد تؤدي إلى تصعيد سياسي/تقني، حيث تُلوّح موسكو منذ مدة بالحاجة إلى استقلال الاتصالات العسكرية عن «الغرب». كما يمكن أن يؤثر على المفاوضات في أبوظبي كإحدى ساحات محادثات ومسارات سياسية مرتبطة بالحرب؛ ما يعني أن خطوة تقنية يمكن أن تُقرأ كأداة ضغط ميداني بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.