المؤرخ نيال فيرغسون: أوروبا غير مرتاحة لوقوعها بين واشنطن وبكين في حرب باردة جديدة

يتساءل عمّا إذا كان لدى الولايات المتحدة استراتيجية للقيادة؟

بلينكن مع الرئيس الصيني (رويترز)
بلينكن مع الرئيس الصيني (رويترز)
TT

المؤرخ نيال فيرغسون: أوروبا غير مرتاحة لوقوعها بين واشنطن وبكين في حرب باردة جديدة

بلينكن مع الرئيس الصيني (رويترز)
بلينكن مع الرئيس الصيني (رويترز)

تشهد العواصم الأوروبية مناقشات كثيرة حول القيادة الأميركية للمعسكر الغربي بشكل خاص وللنظام العالمي بشكل عام، وهناك اعتراف واسع بين النخبة الأوروبية بأهمية القيادة الأميركية، وإن لم يكن كثيرون منهم قادرين على إعلان هذا الاعتراف. وقبل عامين نشر مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي تقريره «التوجهات العالمية حتى 2040» وتضمن 5 سيناريوهات للعالم بعد 17 عاماً من الآن.

وكان السيناريو المرغوب فيه هو «نهضة الديمقراطيات» وفيه تقود الولايات المتحدة عودة ما يُعرف بالعالم الحر.

بلينكن مع نظيره الصيني (أ.ب)

لكن ربما يستحق الأمر استعراض السيناريوهات الأربعة الأخرى، وهي سيناريوهات يجب تجنبها ومنها «عالم مضطرب»، حيث تكون الصين دولة قائدة لكنها ليست مسيطرة عالمياً، وكذلك سيناريو «التعايش التنافسي» وفيه تتنافس الولايات المتحدة والصين على القيادة في عالم منقسم.

أما سيناريو «الصوامع المنفصلة» فيقدم عالماً تنهار فيه العولمة وتظهر كتل اقتصادية وأمنية لحماية الدول من المخاطر المتزايدة. وأخيراً السيناريو الخامس وهو «المأساة والتعبئة» وهو قصة تغيير ثوري من القاع إلى القمة، في أعقاب مخاطر بيئية عالمية مدمرة.

ويقول المؤرخ الأسكوتلندي نيال فيرغسون في تحليل نشرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء، إنه بعد عامين من نشر تقرير مجلس الاستخبارات الوطني، يواجه العالم السيناريو الثالث، حيث يتصاعد التنافس الأميركي - الصيني على الأسواق والموارد والنفوذ السياسي والشعبي. في الوقت نفسه فإن تزايد الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول الكبيرة يقلل مخاطر دخولها في صراعات مسلحة مباشرة، وأغلبها منخرط في عمليات لتعزيز النفوذ العالمي والتجسس الاقتصادي والهجمات السيبرانية التي تسمح لها بتحقيق أهدافها دون المخاطرة بدخول حروب مدمرة.

ويتمثل التحدي الأمني المركزي في كيفية منع التنافس الجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة من تدمير التعاون الاقتصادي الذي يعتمد عليه ازدهار البلدين والاقتصاد العالمي ككل.

ويشعر الكثير من الأوروبيين بعدم الارتياح لوقوعهم بين قوتين عظميين في حرب باردة جديدة. وهم يعرفون أن الصين مسؤولة جزئياً عن هذا الموقف، لكنهم يرون أن الولايات المتحدة مسؤولة بنفس القدر.

بالطبع جاء تحرك التحالف الأميركي عبر الأطلسي رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا في العام الماضي، أفضل من التوقعات.

ولكن يمكن القول إن المشكلة هي ما تسمى «قانون القوة- النسخة الجيوسياسية»، وتعني أن توزيع مساهمات 38 دولة تدعم المجهود الحربي لأوكرانيا غير معتاد لكنه يخضع لقانون القوة، فهناك مساهم واحد كبير والكثير من المساهمين الصغار. بالطبع المساهم الأكبر هي الولايات المتحدة.

وحسب أحدث بيانات «مؤشر دعم أوكرانيا»، فإن المساعدات الأميركية المالية والإنسانية والعسكرية لأوكرانيا تعادل سبعة أمثال مساهمات الدولة التي تليها مباشرةً في القائمة وهي بريطانيا، كما أنها تزيد بنسبة 15 في المائة عن إجمالي المساعدات التي قدمتها دول ومؤسسات الاتحاد الأوروبي مجتمعةً. و تزيد بنسبة 45 في المائة عن إجمالي المساعدات التي قدمتها 39 دولة أخرى مجتمعة. بمعنى آخر، الولايات المتحدة لا تقود فقط حلف شمال الأطلسي (ناتو) وإنما التحالف غير الرسمي الأوسع نطاقاً للدول الداعمة لأوكرانيا.

هذا الموقف يعد مشكلة لأنه يجعل أي جهود تقودها الولايات المتحدة تعتمد بشدة على دعم الناخبين الأميركيين. ومواقف هؤلاء الناخبين متقلبة، وبخاصة عندما يشعرون بأنه يتم استنزاف العم سام من جانب مجموعة من «الركاب لا يدفعون ثمن الرحلة».

والآن وبعد 15 شهراً من الحرب في أوكرانيا ما زال الرأي العام الأميركي يؤيد دعم كييف. وحسب استطلاع رأي أخير أجراه مركز «هارفارد هاريس» فإن 20 في المائة فقط من الأميركيين يعتقدون أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تقوم بعمل «مفرط» لمواجهة روسيا في أوكرانيا. كما أن 15 في المائة من الأميركيين يعتقدون أن إدارة بايدن تتعامل مع السياسة الصينية بقوة مفرطة. لكن التاريخ يقول إن هذه النسب يمكن أن ترتفع بسرعة وبخاصة إذا تدهورت الأوضاع الاقتصادية للأميركيين مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية.

المستشار الألماني مع رئيس الوزراء الصيني (أ.ف.ب)

ويقول فيرغسون، المحاضر في جامعة «هارفارد»، إن هذه الحقيقة تفرض السؤال عن القيادة الأميركية الاقتصادية في العالم. فعندما يكون أداء الاقتصاد الأميركي أفضل من أداء الحلفاء والخصوم،

تستطيع واشنطن تحمل عبء القيادة كما يحدث في أوكرانيا. ومرة ثانية، الأمور تبدو جيدة من الناحية الظاهرية، على سبيل المثال تعتقد مجلة «إيكونوميست» الاقتصادية البريطانية المرموقة أن الولايات المتحدة «تقفز إلى أعلى» في حين تقترب الصين من ذروة صعودها الاقتصادي.

لكن مع نظرة أشد قرباً، تصبح الصورة أقل وردية، وذلك لسبب واحد هو أن أوضاع المالية العامة الأميركية غير مستدامة، كما أوضحه الخلاف بين الكونغرس والإدارة الأميركية بشأن سقف الدين العام مؤخراً. ومن المتوقع ارتفاع عجز الميزانية الأميركية لأكثر من 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي خلال السنوات العشر المقبلة، ليصل إلى 7.3 في المائة عام 2033.

ويتوقع محللون وخبراء أن تتجاوز نفقات خدمة الدين الأميركي، مخصصات الإنفاق العسكري في عام 2029، في حين يتوقع فيرغسون الوصول إلى هذه المرحلة في وقت أقرب من ذلك، مشيراً إلى أن تاريخ الإمبراطوريات السابقة التي كانت تنفق على خدمة الدين أكثر مما تنفق على الأمن القومي لا يدعو للتفاؤل.

بايدن يعقد اجتماعاً افتراضياً مع مودي لمناقشة حرب أوكرانيا في 11 أبريل 2022 (رويترز)

وما زال الأميركيون يدفعون ثمناً مرتفعاً بسبب الخطأ الفادح لمجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي) الأميركي عندما تجاهل ارتفاع معدل التضخم خلال 2021 وأوائل 2022، والآن يتراجع معدل التضخم في الولايات المتحدة، لكنه ما زال بعيداً للغاية عن المستوى المستهدف وهو 2 في المائة، وهو ما يضرب مصداقية هذا المعدل المستهدف.

ويسأل فيرغسون عمّا إذا كان لدى الولايات المتحدة استراتيجية للقيادة؟ مشيراً إلى الكلمة التي ألقاها مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان، في معهد «بروكينغز للدراسات» الشهر الماضي، وقال فيها إن استراتيجية التصنيع الأميركية الجديدة لا تمثل تهديداً لحلفاء الولايات المتحدة لأنها شجَّعتهم على أن يحذوا حذو الولايات المتحدة. كما ألمح إلى أن الأمر نفسه ينطبق على حصر التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة على الصين «في نطاق ضيق محميٍّ بسياج مرتفع».

ومن الناحية الرسمية فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتبنيان نفس النهج عندما يتعلق الأمر «بعدم المخاطرة» بالعلاقات الاقتصادية مع الصين. لكن في الجلسات المغلقة يتحدث الأوروبيون عن عدة هواجس تجاه الولايات المتحدة، وأولها قانون خفض التضخم الأميركي الذي أصدرته إدارة الرئيس جو بايدن العام الماضي ويعدّه الأوروبيون نسخة بايدن من استراتيجية «أميركا أولاً» للرئيس السابق دونالد ترمب. وثانيها إدراكهم أن حديث سوليفان عن السياج المرتفع لحماية التفوق التكنولوجي الأميركي على الصين يعني أيضاً إبقاء الأوروبيين خارج هذا السياج خصوصاً فيما يتعلق بسباق الذكاء الاصطناعي. أما الهاجس الثالث فيتعلق بالتداعيات غير المقصودة للسياسة الأميركية للاحتواء التكنولوجي للصين.

أخيراً يرى نيال فيرغسون أن القيادة الأميركية فكرة جيدة بالفعل، لكن رحلة واحدة إلى أوروبا ستبدد الإيمان بهذه الفكرة. بالطبع يمكن القول إن تآكل مصداقية الولايات المتحدة بوصفها «مدينة مشرقة على التل» كما كان يردد الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان، هو أمر مفهوم تماماً ونحن نجد أن رئيساً سابقاً هو دونالد ترمب يسعى للفوز بفترة رئاسة جديدة لكي يتجنب دخول السجن بسبب جرائم تورط فيها. فإذا كانت الولايات المتحدة هي القائد بلا منازع لأطراف الأرض في مواجهة قلب الأرض الذي تمثله منطقة أوراسيا، حسب نظرية عالم الجغرافيا السياسية الأميركي الشهير نيكولاس سبايكمان، فإن تماسك تحالف الأطراف الآن أصبح أضعف من أي وقت مضى وبدأت التشققات تظهر فيه بشكل مقلق.


مقالات ذات صلة

ستارمر: بريطانيا لن تجبَر على الاختيار بين أميركا والصين

آسيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يتصافحان في أثناء مغادرتهما بعد محادثاتهما في بوسان... كوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

ستارمر: بريطانيا لن تجبَر على الاختيار بين أميركا والصين

ستارمر: بريطانيا لن تجبَر على الاختيار بين أميركا والصين... زيارته لبكين تأتي الأولى لرئيس وزراء بريطاني منذ 8 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو - 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

البنتاغون يصدر «استراتيجية الدفاع الوطني»

استراتيجية البنتاغون الجديدة: «أميركا أولاً» بزيّ عسكري وإعادة تعريف الخصوم والحلفاء

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا جنود أميركيون من المارينز يشاركون في تدريب لحلف «الناتو» بالنرويج (رويترز) p-circle

أطماح ترمب توحّد الغرينلانديين وتنسيهم ولو مؤقتاً نزعة الاستقلال وجروح الاستعمار الدنماركي

أطماح ترمب توحد الغرينلانديين وتنسيهم ولو مؤقتاً نزعة الاستقلال عن الخصم الاستعماري الدنماركي

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

فريدريكسن تصل إلى غرينلاند بعد اتفاق مع «الناتو» على تعزيز أمن الدائرة القطبية الشمالية

وصلت فريدريكسن، الجمعة، إلى نوك، عاصمة الجزيرة القطبية، للقاء رئيس السلطة المحلية في غرينلاند، ذات الحكم الذاتي بعد أسبوع من التوتر والتقلبات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال» تشير إلى أن غرينلاند أرض أميركية منذ عام 2026 (حساب الرئيس الأميركي) p-circle

فرنسا تقترح مناورة لـ«الناتو» في غرينلاند حفاظاً على أمن القطب الشمالي

فرنسا تدعو إلى إجراء مناورة لـ«الناتو» في غرينلاند، والدنمارك تريد من التكتل «الأطلسي» الوجود بشكل دائم في الجزيرة مثلما عزز وجوده في بحر البلطيق.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الناتو» لإطلاق مهمة دفاعية في المنطقة القطبية الشمالية

الرئيس الأميركي وأمين عام «الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي في قمّة بلاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي وأمين عام «الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي في قمّة بلاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
TT

«الناتو» لإطلاق مهمة دفاعية في المنطقة القطبية الشمالية

الرئيس الأميركي وأمين عام «الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي في قمّة بلاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي وأمين عام «الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي في قمّة بلاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

أعلن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أمس، إطلاق مُهمّة جديدة لتعزيز الأمن في المنطقة القطبية الشمالية، في خطوة تهدف إلى تهدئة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي تراجع عن تهديداته بضمّ غرينلاند.

وأكد القائد الأعلى للقوات المتحالفة في أوروبا، الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، في بيان أن هذه المهمة التي أُطلق عليها اسم «أركتيك سنتري» Arctic Sentry («حارس القطب الشمالي»)، تؤكد التزام الحلف «حماية أعضائه، والحفاظ على الاستقرار في إحدى أهم المناطق الاستراتيجية»، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جهته، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن موسكو ستتخّذ «تدابير مضادة» بما فيها تدابير عسكرية، إن عزّز الغرب وجوده العسكري في غرينلاند. وقال لافروف في خطاب ألقاه أمام البرلمان الروسي: «في حال عسكرة غرينلاند وإنشاء قدرات عسكرية موجهة ضد روسيا، سنتخذ التدابير المضادة المناسبة، بما في ذلك الإجراءات العسكرية والتقنية».

ويبلغ عدد سكان غرينلاند 57 ألف نسمة.


بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الأربعاء، إن بريطانيا خصصت 150 مليون جنيه إسترليني (205 ملايين دولار) لمبادرة «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية» لتزويد كييف بأسلحة أميركية.

وتأسست المبادرة في الصيف الماضي لضمان تدفق الأسلحة الأميركية إلى أوكرانيا في وقت توقفت فيه المساعدات العسكرية الأميركية الجديدة.

وقال هيلي، في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني: «يسعدني أن أؤكد أن المملكة المتحدة تلتزم بتقديم 150 مليون جنيه إسترليني لمبادرة قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية».

وأضاف: «يجب أن نوفر معاً لأوكرانيا الدفاع الجوي الضروري الذي تحتاجه رداً على هجوم بوتين الوحشي»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتسمح المبادرة للحلفاء بتمويل شراء أنظمة الدفاع الجوي الأميركية وغيرها من المعدات الحيوية لكييف.

وقال السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ماثيو ويتاكر، الثلاثاء، إن الحلفاء قدّموا بالفعل أكثر من 4.5 مليار دولار من خلال البرنامج.


لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
TT

لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)

بعد ظهر يوم 19 يوليو (تموز) 2024 بقليل، وصلت هريستينا غاركافينكو، وهي ابنة قس تبلغ من العمر 19 عاماً، إلى كنيسة في مدينة بوكروفسك بشرق أوكرانيا. ورغم تدينها، فإنها لم تكن هناك من أجل الصلاة.

وبحكم معرفتها بالمبنى بحكم عمل والدها فيه، صعدت الشابة إلى الطابق الثاني ودخلت إحدى الغرف. هناك، وفي نافذة محجوبة بستائر، وضعت هاتفها المحمول ككاميرا للبث المباشر، موجهة إياه نحو طريق تستخدمه القوات والمركبات الأوكرانية المتجهة من وإلى خطوط المواجهة في الشرق. وأُرسل البث مباشرة إلى المخابرات الروسية، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

ولم تكن هذه هي المهمة الوحيدة التي نفذتها غاركافينكو لصالح الاستخبارات الروسية، وفقاً لما ذكره المدعون الأوكرانيون. فقد تواصلت طوال ذلك العام مع أحد العملاء الروس، ناقلة له معلومات حول مواقع الأفراد والمعدات العسكرية الأوكرانية في بوكروفسك، وهي مدينة استراتيجية مهمة.

واحدة من آلاف

وتُعدّ غاركافينكو، التي تقضي عقوبة بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة الخيانة، واحدة من آلاف الأوكرانيين الذين يُعتقد أن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) وأجهزة استخبارات روسية أخرى قد جندتهم للتجسس على بلادهم.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني (SBU)، فقد فتح المحققون أكثر من 3800 تحقيق بتهمة الخيانة منذ أن شنّت روسيا غزوها الشامل في فبراير (شباط) 2022، وأُدين أكثر من 1200 شخص بالخيانة وصدرت بحقهم أحكام.

وفي المتوسط، يواجه المدانون عقوبة السجن لمدة تتراوح بين 12 و13 عاماً، بينما يُحكم على بعضهم بالسجن المؤبد.

وقد تواصلت شبكة «سي إن إن» مع جهاز الأمن الفيدرالي الروسي الذي رفض التعليق.

وصرّح أندري ياكوفليف، المحامي الأوكراني والخبير في القانون الدولي الإنساني، لشبكة «سي إن إن» بأن كييف «تضمن تهيئة الظروف اللازمة لمحاكمة عادلة»، وأن محاكم البلاد، بشكل عام، تحترم الإجراءات القانونية الواجبة. وأضاف أن النيابة العامة لا تلجأ إلى المحكمة إلا إذا توفرت لديها أدلة كافية، ولا تلجأ إلى أي ذريعة للحصول على إدانة.

أكثر أنواع الخيانة شيوعاً

ووفق جهاز الأمن الأوكراني، يعد تسريب المعلومات إلى المخابرات الروسية هو «أكثر أنواع الخيانة شيوعاً في زمن الحرب».

وجاء في بيان لجهاز الأمن الأوكراني أنه «في مناطق خطوط القتال الأمامية، نعتقل في أغلب الأحيان عملاء يجمعون معلومات حول تحركات الجيش الأوكراني ومواقعه ويُسربونها. أما في غرب ووسط أوكرانيا، فيجمع العملاء معلومات حول المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية، ويُسربونها، كما يُحاولون القيام بأعمال تخريبية بالقرب من محطات توليد الطاقة ومباني الشرطة وخطوط السكك الحديدية».

لماذا يوافق الأوكرانيون على التجسس؟

وفق «سي إن إن»، تتنوع فئات الأوكرانيين الذين تجندهم روسيا. وبينما ينطلق بعضهم من دوافع آيديولوجية، فإن هذه الفئة آخذة في التضاؤل، وفقاً لمسؤولي الاستخبارات الأوكرانية. أما بالنسبة للأغلبية، فالمال هو الدافع الرئيسي.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني، فإن عملاء الاستخبارات الروسية يجندون في المقام الأول الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى المال، مثل العاطلين عن العمل، أو الأفراد الذين يعانون من إدمانات مختلفة، كالمخدرات أو الكحول أو القمار.

وقال ضابط مكافحة تجسس في جهاز الأمن الأوكراني لشبكة «سي إن إن» إن قنوات منصة «تلغرام» تُعدّ حالياً من أكثر أدوات التجنيد شيوعاً. وأوضح أن الروس «ينشرون إعلاناتٍ تُقدّم ربحاً سريعاً وسهلاً. ثم يُسنِدون المهام تدريجياً. في البداية، تكون هذه المهام بسيطة للغاية، كشراء القهوة، وتصوير إيصال في مقهى.

مقابل ذلك، تُحوّل الأموال إلى بطاقة مصرفية، وتبدأ عملية التجنيد تدريجياً. ولاحقاً، تظهر مهام أكثر حساسية، كتركيب كاميرات على طول خطوط السكك الحديدية، وتصوير المنشآت العسكرية، وما إلى ذلك».

وأشار الضابط الأوكراني إلى أنه إذا رفض الشخص التعاون في مرحلة معينة، يلجأ العملاء الروس إلى الابتزاز، مهددين بتسليم المراسلات السابقة إلى جهاز الأمن الأوكراني. وأكد: «عندها، لا سبيل للتراجع».