«وثائق ترمب» بين الأسرار النووية والخطط الدفاعية

اتهامات جمهورية للديمقراطيين بتسييس الملف «لإبعاده» عن السباق الرئاسي

ترمب أول رئيس في التاريخ يواجه تهماً فيدرالية (أسوشييتد برس)
ترمب أول رئيس في التاريخ يواجه تهماً فيدرالية (أسوشييتد برس)
TT

«وثائق ترمب» بين الأسرار النووية والخطط الدفاعية

ترمب أول رئيس في التاريخ يواجه تهماً فيدرالية (أسوشييتد برس)
ترمب أول رئيس في التاريخ يواجه تهماً فيدرالية (أسوشييتد برس)

شهدت الولايات المتحدة أسبوعاً حافلاً تصدر عناوينه مجدداً الرئيس السابق دونالد ترمب. فترمب الذي سبق وأن حقق سوابق تاريخية من خلال عزله مرتين في مجلس النواب، وتوجيه اتهامات جنائية بحقه في ولاية نيويورك للمرة الأولى في التاريخ الأميركي كرئيس سابق، دخل التاريخ مجدداً بعد توجيه اتهامات فيدرالية بحقه في قضية الوثائق السرية.

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، تداعيات الاتهامات بحق ترمب، والسيناريوهات المتوقعة، كما يقارن بين قضية الرسائل الإلكترونية لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون وقضية وثائق ترمب التي تحتوي على أسرار نووية وخطط دفاعية.

قضية مسيسة أم مسألة أمن قومي؟

جمهوريون يلوحون بتسييس القضية رغم ارتباطها بالأمن القومي (أسوشييتد برس)

يقول جون فيري، المتحدّث السابق باسم رئيس مجلس النواب الجمهوري دنيس هاسترد والخبير الاستراتيجي في الحزب، إن قضية ترمب سياسية بامتياز، تهدف الى إبعاده عن السباق الرئاسي. ويضيف فيري: «أعتقد أن هناك دوافع سياسية وراء هذه المسألة وأنها نوع من الصراع بين رئيس سابق وإدارة تكرهه بشدّة وترغب باستبعاده. وقد رأينا حملة تهدف إلى كبح محاولته للترشح مجدداً، وهذا كله جزء من الصراع». ويشير الخبير الجمهوري إلى أن معظم الجمهوريين يوافقونه الرأي ويرون المسألة على أنها حملة مطاردة سياسية.

ويسعى الجمهوريون لمقارنة قضية ترمب بقضية وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون التي احتفظت برسائل إلكترونية، بعضها سري، على كومبيوتر خاص في منزلها، الأمر دفع مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى النظر رسمياً في المسألة من دون توجيه التهم ضدها. ويأتي ذلك إضافة إلى قضية العثور على وثائق سرية بحوزة كل من الرئيس الحالي جو بايدن ونائب ترمب السابق مايك بنس.

لكن المدعي العام الفيدرالي السابق مايكل زيلدن يرفض هذه المقاربة، ويعد أنه لا يمكن المقارنة من وجهة نظر قانونية بين هذه الاتهامات، وتلك التي وجهت إلى بايدن أو كلينتون أو بنس، ويفسر قائلاً: «في كل من هذه الحالات، كان هناك أخذ غير مقصود لوثائق كانوا يجهلون أنها سرية. وحين تم التأكد من أنها في حوزتهم، قاموا بإعادتها وبالتعاون مع السلطات المعنية. أما ترمب، فهو يواجه ادعاءات بأنه قام عمداً بأخذ وثائق كان يعلم بأنها محمية من قبل الأمن القومي، وحين طالبته السلطات بإعادتها، عرقل التحقيق وكذب بشأن ما كان يفعله».

يقارن الجمهوريون بين قضية ترمب وقضية هيلاري كلينتون (رويترز)

وتوافق جيس أوكونيل، مستشارة وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، على تقييم زيلدن. وتشير إلى أن القضية الأساسية هنا هي ليست أخذ الوثائق، لكنها العرقلة. وعدت أوكونيل، التي عملت كذلك في اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، أنه لو قام الرئيس السابق بأخذ وثائق لكنه أعادها بعد أن تم توجيه الطلب الرسمي له بذلك، لما كان تم توجيه أي تهم متعلقة بحقه في هذه القضية. وأضافت: «لقد عمل بشكل مقصود لعرقلة استرجاع معلومات حساسة كان يعلم بأنها سرية، لكنه كان يعتقد أنه فوق القانون. إلا أن ما تبين خلال الأسبوع الأخير هو أنه ليس هناك أحد فوق القانون في هذا البلد، حتى الرئيس السابق للولايات المتحدة».

ترمب «الضحية»

ترمب يصلي مع مناصريه بعد خروجه من المحكمة في فلوريدا يوم 13 يونيو 2023 (أسوشييتد برس)

يعد فيري أن التحقيقات والاتهامات التي يواجهها ترمب تعزز من حظوظه في السباق الانتخابي، مشيراً إلى أن الرئيس السابق ماهر في تصوير نفسه «ضحية سياسية». ويقول فيري الذي يدعم المرشح الجمهوري رون ديسانتس للرئاسة إن «الأمور تصب لمصلحة ترمب اليوم من الناحية السياسية، فهو يجمع مبالغ هائلة عبر استخدام صورة الضحية السياسية». ويضيف فيري بصراحة: «لا أرغب أن يفوز ترمب في الانتخابات، بل أود رؤية بعض التغيير. لكن أقول إنه سياسي. هذه المسألة ستساعده مع الناخبين التمهيديين لأنهم يعتقدون أنه ضحية سياسية، وهذا ما يزيد حماسة قاعدته الانتخابية». ولعلّ خير دليل على ذلك استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن أكثر من 60% من الناخبين الجمهوريين لم يغيروا رأيهم بترمب بعد توجيه الاتهامات الأخيرة بحقه. ويشير فيري إلى أن هذا أمر «مثير للإحباط» لأشخاص مثل رون ديسانتس وغيره من الذين يرغبون بالتغلب على ترمب في هذه الانتخابات. مضيفاً: «أفضّل أن تكون المواجهة على القضايا، وليس على هذه الاتهامات السخيفة في محاولة لاستبعاده».

إلا أن أوكونيل هاجمت موقف فيري بشكل مباشر، مشيرة إلى أن الديمقراطيين كانوا يفضلون كذلك التركيز على قضايا انتخابية بدلاً من تسليط الضوء على ترمب في هذه الاتهامات، لكنها عدت أن «اتهام رئيس سابق بسلوك إجرامي هو أمر في غاية الجدية. وكل من يؤمن بأن هذه الاتهامات تافهة غير صادق حيال ما يجري. فهذا أمر في غاية الأهمية يحدث في البلاد، وليس هناك من هو سعيد بهذا الوضع بمن فيهم الديمقراطيون».

وفسرت أوكونيل هذا الموقف قائلة: «نحن كأميركيين لا نرغب أبداً أن نجد أنفسها في هذا النوع من المواقف، هذه وثائق سرية تضم معلومات خاصة بالأمن القومي مهمة جداً لحماية الولايات المتحدة، والرئيس السابق أخذ هذه الوثائق إلى منزله في مارالاغو، ووضعها في مختلف أرجائه. لذا نحن لا نعلم من اطلع عليها، أو من شاركها. ينبغي أن يأخذ النظام مجراه».

النظام القضائي وهيئة المحلفين

ترمب خلال مثوله أمام المحكمة في فلوريدا -13 يونيو 2023- (أسوشييتد برس)

ويفسر زيلدن الذي عمل في وزارة العدل سابقاً كمدع عام، طبيعة النظام القضائي الأميركي، فيقول: «المدعي العام والرئيس لا يقرران توجيه التهم، بل القرار يقع بيد هيئة المحلفين الكبرى المؤلفة من مواطنين عاديين، تم اختيارهم بشكل عشوائي نوعاً ما، وهم يصوتون ما إذا كانت المخالفات خطيرة بشكل كاف لتوجيه التهم».

وهذا ما حصل في قضية ترمب، ولا ينتهي دور هيئة المحلفين لدى توجيه التهم، بل يتم اختيار مجموعة أخرى من المحلفين لدى بدء المحاكمة للنظر في إدانة الرئيس السابق وتحديد ذنبه أو براءته ويضيف زيلدن: «توجيه التهم وتحديد ما إذا كان مذنباً أم لا، في يد المحلفين الذين يختارهم المحامون، الرئيس ترمب وفريقه القانوني وجاك سميث (المحقق الخاص) وفريقه القانوني يشاركون في هذا القرار. إذن فهناك العديد من الخطوات الآمنة لمنع تسييس هذه المسألة من قبل السلطة التنفيذية الحالية. لهذا السبب، أرفض فكرة توصيف هذه القضية بقضية سياسية يقودها بايدن. فبايدن ليس له أي علاقة في القرار بتوجيه هذه التهم».

السيناريوهات المطروحة

تخوف من اندلاع أعمال عنف في حال إدانة ترمب (أسوشييتد برس)

يشير فيري إلى أن حظوظ ترمب بالفوز في قضية الوثائق كبيرة. فالمواجهة، بحسب وصفه، ستكون في ولاية فلوريدا وليس في نيويورك، وستضم مجموعة من المحلفين من الولاية التي لا «تكرهه» كولاية نيويورك، كما ستكون القاضية في فلوريدا منفتحة للاستماع إلى الطرفين بدلاً من «تجريم ترمب». ويضيف فيري: «بناء على هذه الأسس، أعتقد أن ترمب لديه فرصة جيدة للفوز».

لكن زيلدن يشير إلى احتمال مختلف، وهو احتمال «انقلاب» المتهم الآخر في القضية، مساعد ترمب والت نوتا، عليه. فيقول: «لو كنت أمثل والت نوتا، لكنت نصحته بمحاولة عقد صفقة، يحصل من خلالها على اتهام أقل خطورة مقابل التعاون». ويعرض زيلدن خياراً آخراً يتعلق بطبيعة الوثائق، فسريتها سوف تتطلب إصدار تصريح خاص للمحامين وهيئة المحلفين قبل الاطلاع عليها، الأمر الذي سيتطلب وقتاً طويلاً ويدفع بالمحاكمة إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية. حينها، إذا ما فاز ترمب في الانتخابات، يمكنه «إصدار عفو عن نفسه» في حال إدانته.

مناصرو ترمب لم يغيروا دعمهم له بعد الاتهامات (رويترز)

من السيناريوهات الأخرى المطروحة، احتمال إصدار الرئيس الحالي جو بايدن عفواً عن ترمب، لتجنب أي تشنجات سياسية، قد تؤدي إلى أعمال عنف يتخوف منها البعض، خاصة في ظل تلويح بعض مناصري الرئيس السابق كالمرشحة السابقة لمقعد مجلس الشيوخ كيري لايك، باستعمال السلاح في حال إدانته. لكن أوكونيل تستبعد هذا الاحتمال، فتقول: «أعتقد أن الرئيس بايدن سيترك النظام القضائي يتخذ مجراه الطبيعي، لهذا هو لا يتحدث عن هذا الموضوع أبداً، لأنه لا يرغب بالتورط في هذه القضية». وتختم أوكونور بالقول: «هناك الكثير على المحك هنا، ومن المهم أن تأخذ الأمور مجراها، لأن الأمر لا يتعلق فقط بدونالد ترمب أو بالانتخابات الرئاسية، بل بالديمقراطية في هذه البلاد وتطبيق القانون. وهذا ما يتم اختباره هنا».

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب) play-circle

ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

أعاد الرئيس دونالد ترمب نشر رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي تلمح إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد يصبح الرئيس المقبل لكوبا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)

ترمب يُصدر أمراً تنفيذياً لمعاقبة شركات السلاح «المتعثّرة»

في خطوة تحمل دلالات اقتصادية وعسكرية عميقة، وقّع الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً يمنح إدارته صلاحيات غير مسبوقة لمعاقبة شركات تصنيع الأسلحة «المتعثرة».

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) play-circle

ترمب يدعو كوبا لـ«التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان»

حثّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب كوبا، الأحد، على «التوصل إلى اتفاق»، أو مواجهة عواقب غير محددة، محذراً من أنّ تدفّق النفط الفنزويلي والمال إلى هافانا سيتوقف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهرون يسيرون في مسيرة نظَّمتها لجنة مينيسوتا للعمل من أجل حقوق المهاجرين في مينيابوليس (د.ب.أ) play-circle

مظاهرات حاشدة في منيابوليس الأميركية بعد مقتل امرأة

شارك عشرات الآلاف في مسيرة بمدينة منيابوليس الأميركية، أمس (السبت)؛ للتنديد بمقتل امرأة بالرصاص على يد عنصر بإدارة الهجرة والجمارك.

«الشرق الأوسط» (منيابوليس (الولايات المتحدة))
الولايات المتحدة​ زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو تلوّح لأنصارها خلال احتجاج دعت إليه المعارضة (أ.ف.ب) play-circle

معهد نوبل يرد على ماتشادو: لا يمكن نقل «جائزة السلام» أو مشاركتها مع ترمب

رفضت المنظمة المشرفة على جائزة نوبل للسلام الاقتراحات الأخيرة التي أشارت إلى إمكانية منح ماتشادو، جائزتها أو مشاركتها مع الرئيس ترمب.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)

ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعاد الرئيس دونالد ترمب نشر رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي، الأحد، تلمح إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المولود لأبوين مهاجرين كوبيين، قد يصبح الرئيس المقبل لكوبا.

وأعاد ترمب نشر رسالة من منصة «تروث سوشال» للمستخدم كليف سميث، نُشرت في 8 يناير (كانون الثاني) جاء فيها أن «ماركو روبيو سيصبح رئيساً لكوبا»، مصحوبة برمز تعبيري (إيموجي) ضاحك. وعلّق ترامب على المنشور قائلاً: «يبدو هذا جيداً بالنسبة إليّ!».

والمستخدم غير معروف على نطاق واسع، ويقول في نبذته التعريفية إنه «محافظ من كاليفورنيا»، علماً بأن لديه أقل من 500 متابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتأتي إعادة نشر ترمب للتعليق بعد أسبوع من عملية للقوات الأميركية في كاراكاس ألقت خلالها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقلته إلى الولايات المتحدة.

وكان الرئيس ​ترمب قد وجّه تحذيراً للقيادة في المكسيك وكوبا وكولومبيا، ولوّح بإمكانية أن تكون أي من الدول الثلاث هي التالية على قائمة الاستهداف في واشنطن.


ترمب يُصدر أمراً تنفيذياً لمعاقبة شركات السلاح «المتعثّرة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
TT

ترمب يُصدر أمراً تنفيذياً لمعاقبة شركات السلاح «المتعثّرة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)

في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية وعسكرية عميقة، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يمنح إدارته صلاحيات غير مسبوقة لمعاقبة شركات تصنيع الأسلحة التي تفشل في تسليم المعدات العسكرية بالسرعة المطلوبة.

يأتي القرار في سياق سعي ترمب لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة الأميركية والمجمع الصناعي العسكري، وفي ظلّ تصاعد التنافس العسكري العالمي، وما يمكن وصفه بسباق تسلح جديد مع قوى كبرى منافسة.

الأمر التنفيذي يستهدف ما وصفته الإدارة بـ«الشركات المتعثرة» في قطاع الدفاع، عبر حزمة إجراءات عقابية تشمل حظر عمليات إعادة شراء الأسهم، وتوزيع الأرباح على المساهمين، إذا لم تكن هذه الشركات قد استثمرت بما يكفي في توسيع طاقتها الإنتاجية أو تحديث منشآتها. كما يمنح القرار وزير الحرب بيت هيغسيث صلاحيات استثنائية لمراجعة حزم التعويضات الممنوحة لكبار التنفيذيين في شركات الدفاع، التي «تُفضّل مكافأة المساهمين على حساب الاستثمار والإنتاج».

ويُلزم الأمر التنفيذي وزير الحرب بإعداد قائمة خلال 30 يوماً بأسماء الشركات المخالفة، على أن تواجه هذه الشركات عواقب حقيقية، تشمل وضع سقوف لرواتب المديرين التنفيذيين، وحرمانها من دعم الإدارة الأميركية في صفقات بيع الأسلحة إلى الخارج. كما ينُصّ القرار على تضمين العقود العسكرية المستقبلية بنوداً تربط مكافآت المديرين التنفيذيين بحجم الإنتاج والالتزام بمواعيد التسليم.

الإحباط من التأخير والتكلفة

يعكس هذا التحرّك إحباطاً متراكماً في واشنطن من طريقة تصنيع وبيع الأسلحة؛ حيث تعاني برامج تسليح كبرى تأخيرات تمتد إلى سنوات وتجاوزات كبيرة في التكلفة.

وعبّر الرئيس ترمب صراحة عن هذا الاستياء خلال حديثه إلى مشرّعين جمهوريين الأسبوع الماضي، قائلاً: «لدينا أفضل الأسلحة في العالم، لكن الأمر يستغرق وقتاً طويلاً جداً للحصول عليها، بما في ذلك بالنسبة لحلفائنا». وأضاف في إشارة إلى صفقات مع دول صديقة: «عندما يريد الحلفاء شراء أسلحة، عليهم الانتظار 4 سنوات لطائرة، و5 سنوات لمروحية... لن نسمح باستمرار ذلك».

هذا الخطاب يعكس رؤية ترمب التي ترى أن بطء الإنتاج والتسليم لا يضُرّ فقط بالجيش الأميركي، بل يُقوّض أيضاً النفوذ الأميركي لدى الحلفاء الذين قد يتّجهون إلى مورّدين آخرين إذا طال الانتظار.

ويرغب ترمب في توسيع صلاحياته في هذا المجال لعدّة أسباب، أولاً، ينسجم القرار مع نهجه المعروف في استخدام السلطة التنفيذية لفرض تغييرات سريعة، حتى على حساب الأعراف التقليدية أو دور الكونغرس. ثانياً، يمنح هذا التوجه البيت الأبيض نفوذاً مباشراً على قرارات الشركات الكبرى التي تعتمد في جزء كبير من إيراداتها على العقود الحكومية.

كما أن القرار يعكس توجهاً اقتصادياً ينتقد ما تعدّه الإدارة إفراطاً في إعادة شراء الأسهم، ورفع أجور التنفيذيين على حساب الاستثمار طويل الأمد.

وكانت دراسة أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» لوزارة الدفاع عام 2023، قد أظهرت أن شركات الدفاع الأميركية الكبرى أنفقت بين عامي 2010 و2019 أموالاً أكبر على إعادة الأموال للمساهمين مقارنةً بعقود سابقة، في حين تراجع الإنفاق على البحث والتطوير وبناء المصانع.

السياسة الخارجية وسباق التسلّح

على صعيد السياسة الخارجية، يحمل القرار تداعيات واضحة، فربط دعم الإدارة الأميركية لصفقات السلاح الدولية بأداء الشركات قد يعجّل تسليم الأسلحة إلى حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً في مناطق تشهد توتراً متزايداً، مثل أوروبا الشرقية ومنطقة آسيا-المحيط الهادئ. هذا بدوره يُعزّز قدرة واشنطن على طمأنة حلفائها في مواجهة روسيا والصين، في ظلّ سباق تسلح متصاعد يتميز بالسرعة والتكنولوجيا المتقدمة. لكن الخطوة لا تخلو من أخطار.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن خبراء تحذيرهم من أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في سلوك الشركات، بل في عدم استقرار الطلب الحكومي نفسه، الأمر الذي يُولّد مستويات عالية من عدم اليقين. ويقترحون أن يكون الحل في عقود مُتعدّدة السنوات، مثل الاتفاق الذي أبرمته شركة «لوكهيد مارتن» لزيادة إنتاج صواريخ «باتريوت»، وليس في «إدارة دقيقة لرواتب التنفيذيين».

وأثار الأمر التنفيذي أيضاً جدلاً قانونياً، إذ إن قرارات الرواتب وإعادة شراء الأسهم تقع تقليدياً ضمن صلاحيات مجالس إدارات الشركات.

السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن انتقدت لجوء ترمب إلى التحرك الأحادي، داعية إلى تشريع واضح عبر الكونغرس، وقالت إن «الشعب الأميركي يستحق صناعة دفاع تضع الأمن القومي فوق أرباح (وول ستريت) ورواتب المديرين التنفيذيين»، حسب الصحيفة.

ويكشف قرار ترمب عن محاولة لإعادة ضبط ميزان القوة بين الدولة الأميركية وشركات السلاح، في لحظة دولية تتسم بتصاعد التوترات وسباق تسلح متجدد. وبينما قد يُحقق القرار تسريعاً في الإنتاج والتسليم، يبقى السؤال مفتوحاً حول تكلفته القانونية والسياسية، وتأثيره طويل الأمد على صناعة الدفاع الأميركية ودورها في النظام الدولي.


ترمب يدعو كوبا لـ«التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يدعو كوبا لـ«التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

حثّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب كوبا، الأحد، على «التوصل إلى اتفاق»، أو مواجهة عواقب غير محددة، محذراً من أنّ تدفّق النفط الفنزويلي والمال إلى هافانا سيتوقف.

وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشال»: «لن تتلقى كوبا مزيداً من النفط أو المال - لا شيء»، مضيفاً: «أقترح بشدّة التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان».

وأكد الرئيس الأميركي أن فنزويلا «ليست بحاجة لحماية من كوبا؛ إذ تحظى بحماية أكبر قوة عسكرية في العالم».

وبعد أيام قليلة من العملية العسكرية الأميركية الخاطفة التي أدت إلى القبض على الرئيس الفنزويلي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو في كاراكاس، وجلبه لمواجهة محاكمة في نيويورك، لمح ترمب إلى أن إدارته ستظل منخرطة مدة طويلة في فنزويلا، مصمماً مع بعض مساعديه الكبار ليس فقط على ضرورة تغيير الحكم في كوبا.

وكان الرئيس ​ترمب قد وجّه تحذيراً للقيادة في المكسيك وكوبا وكولومبيا، ولوح بإمكانية أن تكون أي من الدول الثلاث هي التالية على قائمة الاستهداف في واشنطن.

وتزايد القلق بعدما أعلن كل من ترمب وروبيو أن انهيار الحكومة الشيوعية في كوبا لم يكن مجرد نتيجة محتملة لعزل مادورو، بل كان هدفاً بحد ذاته. وقال ترمب: «لا أعتقد أننا بحاجة إلى اتخاذ أي إجراء»؛ لأن «كوبا تبدو كأنها على وشك السقوط».

وذهب روبيو إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لدعم الموقف. وقال عبر شبكة «إن بي سي»: «لن أتحدث إليكم عن خطواتنا المستقبلية». لكنه أضاف: «لو كنت أعيش في هافانا وأعمل في الحكومة، لكنت قلقت». لكن في غياب التدخل الأميركي المباشر، يشكك الخبراء فيما يمكن أن يحصل في هذا البلد الجزيرة.