كردستان العراق بين ناري الانتخابات والتجاذبات مع بغداد

«ملاذ آمن» لمختلف القوميات والطوائف في المنطقة

كردستان العراق بين ناري الانتخابات والتجاذبات مع بغداد
TT

كردستان العراق بين ناري الانتخابات والتجاذبات مع بغداد

كردستان العراق بين ناري الانتخابات والتجاذبات مع بغداد

يتميّز إقليم كردستان العراق من حيث التركيبة الجغرافية والسياسية والسكانية والقبلية عن باقي مناطق العراق الأخرى. ومن أبرز ميزاته التنوّع القومي والديني الكبير، بالمقارنة مع مناطق وسط العراق وغربه وجنوبه، ولقد أسهم هذا التنوّع في أن تكون هذه البقعة من العراق ملاذًا آمنًا لعدد هائل من القوميات والطوائف والأقليات التي هجرت مناطقها واستقرت فيها.
من ناحية أخرى، عاش الشعب الكردي في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 كثيرا من الحروب والويلات في عهود الحكومات المتعاقبة، التي شنّ عدد منها هجمات على الشعب الكردي لقمع انتفاضاته. وكان من نتائج هذه السياسة حرمان أبناء القومية الكردية طويلاً من استعمال لغتهم الأم، كما تعرّض كثيرون منهم للتهجير القسري إلى مناطق في وسط البلاد وجنوبها.
كانت أعنف الحملات التي يصفها أكراد العراق بـ«حملات الإبادة الجماعية» التي شنتها عليهم سلطات بغداد تلك التي شنها نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين (1979 - 2003), وتمثّلت في «حملات الأنفال».
إذ تٌتهم القوات العراقية بدفن أكثر من 182 ألف كرديًا وهم أحياء في صحارى الجنوب العراقي، وارتكاب مجزرة جماعية بحق 8000 كردي، وقصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية ما نتج عنه مقتل أكثر من خمسة آلاف شخص وإصابة أكثر من عشرة آلاف بجروح ما زالوا يعانون من آثارها حتى الآن، إضافة إلى فقدان الآلاف من الأطفال وتدمير أكثر من 4500 قرية.
بعد الغزو العراقي للكويت في أغسطس (آب) من 1990، شنت قوات التحالف الدولي هجومًا على القوات العراقية فأرغمت صدام حسين على الانسحاب من الكويت، وفرضت حصارًا اقتصاديًا على العراق. وفي ربيع عام 1991 انتفض أكراد العراق بوجه الحكومة، وتمكنت قوات البيشمركة الكردية من إخراج الجيش العراقي الأجهزة الأمنية التابعة للنظام من المدن الكردية، لكن الجيش سرعان ما عاد مرة أخرى إلى الإقليم، واستؤنفت الحرب، واضطر آلاف المدنيين الكرد إلى الهروب نحو المناطق الحدودية مع إيران وتركيا. وتوفي كثيرون منهم جراء ظروف النزوح الصعبة المتمثلة بقسوة الطرق والجوع والعطش والبرد الشديد وانتشار الأمراض، وكان الأطفال والنساء والشيوخ في مقدمة الضحايا.

* تطوّر الحكم الذاتي الكردي
غير أن المجتمع الدولي أجبر نظام صدام حسين في ما بعد على سحب قواته من كردستان العراق، وأعلن التحالف الدولي «منطقة حظر طيران» في المناطق الكردية المحرّرة من جيش النظام، بينما ظل في المناطق التي يصفها الأكراد بـ«المناطق المتنازع عليها» بين سلطات الإقليم والحكومة المركزية في بغداد. وفي عام 1992 أسست أول حكومة لإقليم كردستان العراق، كما أسس برلمان الإقليم بعد إجراء انتخابات شارك فيها المواطنون الكرد. ومع أن السنوات التي تلت عام 1992 كانت فترة عرفت بـ«سنوات الحرب الداخلية» بين الحزبين الرئيسين، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، استمرت حتى عام 1998، فإنها انتهت بـ«اتفاقية واشنطن للسلام». وحقًا استطاع الإقليم بعد تلك السنوات أن ينهض من جديد ويمحو آثار الحروب التي نكبته، ويباشر بناء مجتمع ديمقراطي مدني. ثم بعد إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين شارك القادة الأكراد في بناء العراق الجديد متطلعين لأن تكون حقوق الشعب الكردي محفوظة في العهد الجديد، لكنهم لا يبدون اليوم راضين عمّا تحقق، وهم يتهمون الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003، وحتى الآن، بأنها لم تفِ بأي التزام اتجاه الشعب الكردي، ويرون أن سلطات بغداد ما زالت تحاول «إثارة المشكلات لإقليم كردستان ومواطنيه».
من ناحية ثانية، استطاع رئيس الإقليم مسعود بارزاني عام 2005، بعد توليه منصبه، «توحيد البيت الكردي» بالتعاون مع الأطراف الكردية الأخرى، فشُكلت أول حكومة موحّدة بعد الحرب الأهلية في الإقليم بقيادة رئيس الحكومة الحالي نيجيرفان بارزاني في العام ذاته. ويمكن القول إنه خلال السنوات الـ24 الماضية استطاع الإقليم أن يؤسس لنموذج ناجح من الديمقراطية في المنطقة رغم المشكلات والضغوط الإقليمية.

* الطبيعة الجغرافية لكردستان العراق
تمتاز التركيبة الجغرافية لإقليم كردستان بتنوع غني. وعن هذا التنوع يقول البروفسور خليل إسماعيل، الخبير في الجغرافية السياسية وأستاذ قسم الجغرافية في جامعة صلاح الدين بمدينة أربيل، لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «تمثل مرتفعات حمرين وابتداءً من مناطق جنوب قصبة مندلي وبدرة وجسّان التي تمتد إلى حدود جنوب كركوك، وتحادد حدود محافظة كركوك، ثم تخترق منطقة الفتحة وتتجه إلى الشمال الغربي من مدينة الموصل، إلى أن تصل إلى مرتفعات سنجار، الحدود الطبيعية لإقليم كردستان العراق. وأهم ما يمكن أن نشير له بهذا الصدد هو التقرير الذي قدّمته لجنة عصبة الأمم عام 1924 إلى عصبة الأمم يوم ذاك في إطار مشكلة ولاية الموصل. هذا التقرير أكد على أن العراق يتميز بثلاثة أقاليم، هي: إقليم العراق وإقليم كردستان وإقليم الجزيرة، وأشار التقرير إلى أن إقليم كردستان ينفصل عن إقليم العراق من خلال مرتفعات حمرين ومكحول إلى مرتفعات سنجار. وبالتالي فهذه المنطقة تختلف تماما من الناحية الطبيعية عن المناطق الواقعة جنوب مرتفعات حمرين».
وعن تضاريس إقليم كردستان، أوضح إسماعيل: «ليس غريبا أن تأخذ هذه المنطقة اسم الإقليم، لأن الإقليم هو المنطقة المتميزة عن المناطق المجاورة، فإقليم كردستان يتميّز عن المناطق المجاورة الأخرى من حيث ارتفاع الأرض وانخفاضها. ذلك أن الأرض ترتفع من مرتفعات حمرين باتجاه الشمال والشمال الشرقي إلى الحدود العراقية الإيرانية والحدود العراقية التركية، في حين تتميز المناطق الواقعة جنوب حمرين بانبساطها ولذا سميت من القديم باسم إقليم السواد. وكذلك من حيث نسبة الأمطار، يختلف إقليم كردستان تماما عن مناطق وسط العراق وجنوبه، إذ إن المناطق الواقعة في شمال حمرين تتميز بكونها ذات أمطار نسبية أعلى بكثير من نسبة الأمطار في المناطق الواقعة جنوب حمرين، وبالتالي يتميز إقليم كردستان باكتفاء مائي لافت، بل إن إقليم كردستان العراق يمثل المصدر الرئيس لموارد المياه بالنسبة لوسط العراق وجنوبه. وأما من ناحية درجات الحرارة فإن إقليم كردستان يتميز باعتدال درجات الحرارة في الصيف، ولذا يعد كثير من مناطق الجبال مراكز سياحية ليس فقط للعراقيين بل لكثير من السياح من دول الجوار ودول الخليج العربي».

* التركيبة السكانية
وعن تفاصيل التركيبة السكانية للإقليم، قال إسماعيل: «يتميز التوزيع السكاني لإقليم كردستان بأنه منتشر جغرافيًا، بعكس حال مناطق وسط العراق وجنوبه، حيث تتركز الكثافة السكانية في حوضي نهري دجلة والفرات وفروعهما. كذلك من ناحية التركيب القومي أو الإثني، يتميّز إقليم كردستان بتنوع قومي/ إثني يختلف عن حال باقي مناطق العراق الأخرى، فهو يجمع بين قوميات متنوعة، فبالإضافة إلى الكرد الذين يمثلون الغالبية العظمى من سكانه، فهناك التركمان والعرب كذلك».
وعن التركيبة الدينية والطائفية – المذهبية في الإقليم، يشرح البروفسور قائلاً: «التركيبة الدينية هي الأخرى متنوعة في الإقليم، فإلى جانب المسلمين الذين يشكلون غالبية سكانه، هناك المسيحيون والإيزيديون والأرمن والصابئة والكاكائيون. ثم هناك تنوّع طائفي – مذهبي غني. هذا الوضع الذي يندر وجود مثيل له في أي منطقة أخرى من العالم، جعل سكان إقليم كردستان العراق، بصفة عامة، أكثر حرية وتسامحًا من كثرة من مواطني هذه المنطقة، ويعتبر الإقليم الملتقى لكثيرين من الأقليات والطوائف التي ظلمت واضطهدت خلال الفترات السابقة سواءً من المسيحيين أو العرب أو غيرهم. كل هؤلاء وجدوا في الإقليم الملاذ الآمن لحين الفرج والعودة إلى بلادهم». وتابع: «ثم إن موقع إقليم كردستان الذي تحده من الشرق إيران ومن الشمال تركيا ومن الغرب سوريا ومن الجنوب باقي مناطق العراق الأخرى، أتاح له أن يحتضن الآلاف من الأكراد الهاربين من إيران وتركيا وسوريا بسبب السياسات التي تنتهجها حكومات هذه الدول ضد مواطنيها الأكراد».

* الأحزاب الكردية
في ما يخص الحياة الحزبية في إقليم كردستان العراق، تنشط في الإقليم عشرات من الأحزاب والحركات السياسية التي مرت - بحسب المتخصصين السياسيين - بعدة مراحل من العمل السياسي، أبرزها مرحلة سبقت انتفاضة عام 1991 ومرحلة أخرى بدأت بعد الانتفاضة اتسمت بعد مرور عدة سنوات بولادة أحزاب المعارضة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور صباح صبحي، رئيس قسم العلوم السياسية في كلية القانون والسياسة بجامعة صلاح الدين، لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «من الناحية التاريخية مرّت الأحزاب السياسية في الإقليم بعدة مراحل: المرحلة الأولى منها تتمثل بالمرحلة التي سبقت انتفاضة عام 1991، فالتركيبة الحزبية في ذلك الوقت كانت مختلفة عما هي عليه الآن. ذلك أن مصالح الأحزاب الكردية آنذاك كانت الوصول إلى هدف واحد ألا وهو تحرير كردستان، وتشكيل تحالفات من أجل الوصول إلى حقوق الشعب الكردي في الإقليم. بعد تلك البداية جاءت مرحلة التنافس على السلطة، التي تمثل المرحلة الثانية من مراحل عمل هذه الأحزاب. وبالفعل فتشكلت أحزاب جديدة، وظهرت الأحزاب الإسلامية المعتدلة في الإقليم. واعتمد العمل الحزبي على المكاسب التي سبقت عام 1991، ولمن سيكون الأولوية للوصول إلى السلطة. واستمرت هذه المرحلة حتى عام 2009. عند هذا المفصل حدث تغيّر في الحالة الحزبية، فالحالة التي ظهرت منذ عام 2009 كانت تختلف تمامًا عما سبقها، وكان من أهم سماتها ظهور أحزاب المعارضة. هذه الأحزاب ظاهرة جديدة في المجتمع السياسي الكردي، ولقد بدأت أحزاب المعارضة استغلال سخط الفئات الشعبية غير الراضية عن أداء السلطة، والتعهد لها بتحقيق مطالبها وأمانيها. ومن ثم ساهمت الحالة الجديدة في إضفاء تغيير على مسار الائتلافات الحزبية ومسار سياسات الأحزاب، وبعدما كانت السياسات العامة الحزبية في السابق تعتمد على الاتفاقيات المبرمة بين الأحزاب السياسية، صار الوضع بعد 2009 يعتمد على أي الأحزاب هي الأكثر شعبية وقدرة بالوصول إلى الجمهور. وهكذا نما الجمهور المسيّس أكثر فأكثر، وأصبح الناس أكثر وعيًا بما يريدون ومن يحاسبون، وصاروا يولون اهتماما أكبر بالسياسة، ويقدرون أكثر أهمية أصواتهم في الإقليم. ولكن التركيبة الحزبية الحالية في الإقليم يجوز وصفها من الناحية العلمية بالتركيبة الضبابية، إذ إننا لا نستطيع الزعم بأن لدينا أحزابا يمينية ويسارية كالأوروبيين، بل لدينا فسيفساء واسعة على خريطة الأحزاب في الإقليم. لدينا أحزاب قومية وأحزاب دينية وأحزاب علمانية، كما أن الأحزاب الإسلامية على نوعين: إسلامية معتدلة وإسلامية تمثل الوسط بين المعتدل والمتطرف».
وأضاف صبحي: «الأحزاب السياسية الكردية لا تعتمد تقليديًا على السياسات، والسياسات لديها ليس مهمة بقدر أهمية التاريخ والمبادئ والبرامج، لكن الاهتمام بالسياسة بدأ أخيرًا يظهر شيئًا فشيئًا، لذا نرى إن الموقف السياسي لكل حزب أصبح ذا أهمية خاصة للوصول إلى الجمهور. ويجري حاليًا على الساحة السياسية في الإقليم تنافس قوي حول مسألة الرئاسة لعله أحسن دليل على هذا، فالأحزاب الكردية تعبّر عن مواقفها للوصول إلى الجمهور».
واستطرد الدكتور صبحي: «يبلغ عدد الأحزاب السياسية المجازة رسميًا في إقليم كردستان العراق حاليًا 36 حزبًا، وبحسب قانون ميزانية الأحزاب، الصادر عام 2015 الحالي، فإن ميزانية الأحزاب تعتمد على عدد مقاعدها في البرلمان وعدد أصواتها في الانتخابات وتاريخ هذه الأحزاب. وعليه، يمكننا أن نصنف أحزاب الإقليم إلى أحزاب صغيرة وأحزاب متوسطة وأحزاب كبيرة،، وتتحرك الأحزاب الصغيرة حول الأحزاب المتوسطة والكبيرة، بينما تبحث الأحزاب المتوسطة عن أقطاب خاصة بها لتؤثر على الشارع والسياسة في الإقليم. وعمومًا، تتجه الأحزاب الصغيرة نحو الزوال، بحكم قانون ميزانية الأحزاب إذا جرى تطبيقه بشكل فعلي، وكذلك ففشل هذه الأحزاب بدخول البرلمان سيساهم في انكماشها أكثر فأكثر، وبناءً عليه أرى أن مجتمعنا السياسي لا يتجه نحو التعددية المتطرفة، بل نحن نتجه إلى عدد معين الأحزاب الرئيسية التي تتنافس في ما بينها». واستطرد لافتًا: «التشكيلة الثامنة لحكومة إقليم كردستان تشكلت في يونيو (حزيران) من عام 2014 الماضي، وهي المعروفة بـ(حكومة القاعدة الواسعة) لأنها تضم أحزاب المعارضة وأحزاب السلطة معا. إنها تتكوّن من خمسة أحزاب رئيسة في إقليم كردستان متمثلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني (حزب الأغلبية الذي يتزعمه رئيس الإقليم مسعود بارزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (الذي يتزعمه الرئيس العراقي السابق جلال طالباني) اللذين كانا يقودان حكومة الإقليم قبل تشكيل هذه الحكومة. أما الأحزاب الثلاثة الأخرى الرئيسة المشاركة في الحكومة، فهي عبارة عن أحزاب المعارضة المتمثلة بـ(حركة التغيير) التي انشقت عن الاتحاد الوطني الكردستاني وأعلنت عن نفسها رسميًا عام 2009 والاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية الكردستانية».
وأوضح صبحي أن «الأحزاب المعارضة الآن تمتلك حقائب وزارية في الحكومة، وفي الوقت ذاته تلعب دور المعارضة في البرلمان وفي الشارع. وهي الآن تحمل صفة السلطة والمعارضة معًا، وهذه صفة سياسية غير صحية، لأن المفترض بأحزاب المعارضة أن تبقى خارج السلطة التي يشكلها حزب الأغلبية مع الأحزاب المتآلفة معه، وتقوم بتعيين نواقص الحكومة للعمل عليها بعد أربع سنوات من أجل الحصول على مكاسب، وتشكل شخصية سياسية خاصة بهما لكي يستطيع الناخب الذي يصوت للمعارضة التعرّف على سياساتها».

* التركيبة القبلية
القسم الآخر المهم من تركيبة إقليم كردستان هي التركيبة القبلية، فالإقليم يضم المئات من القبائل الكردية التي تمتد جذورها في أعماق التاريخ. ولمعرفة تفاصيل هذه التركيبة المتنوعة من القبائل، التقت «الشرق الأوسط» الصحافي هيمن صالح، الباحث الاجتماعي مدير تحرير جريدة «باس» الأسبوعية الكردية الذي شرح قائلاً: «التركيبة الاجتماعية لإقليم كردستان تتكوّن من مجموعة من القبائل، التي تتوزّع على المناطق التي كان آبائها وأجدادها يسكنونها في الماضي. ومن ثم توزعت هذه القبائل على مدن الإقليم حسب قربها من القرى والمناطق التي كان أبناؤها يعيشون فيها»، وأردف: «هناك عدد كبير من القبائل في الإقليم، من أبرزها البارزانيون والجاف والزيباريون والسورجيون والخيلانيون والكوران والكلهر والدلو والزنكنة والسندي والسليفاني والشمديناني والشمزيناني والشيروان والمزوري والهركي والكردي والأركوازي ولسورميري ولجمور وقبائل أخرى كثيرة. ولقد استطاع الشعب الكردي المحافظة على نفسه من خلال هذه القبائل عبر مراحل التاريخ المختلفة. وكانت القبائل الكردية في الماضي ضرورة للحفاظ على الهوية الكردية للمواطن في الإقليم، لكن بمرور الوقت وتطور العالم لم تبقَ هذه القبائل في مناطقها الأصلية، بل نزحت باتجاه المدن. مع هذا، لحد الآن نلاحظ أن الطابع القبلي ما زال سمة من السمات البارزة في إقليم كردستان، فلو سألت أي شخص في الإقليم فسيعرف نفسه عن طريق قبيلته».

* الوضع الاقتصادي في الإقليم
أخيرًا، من الناحية الاقتصادية، يشهد إقليم كردستان العراق الآن مرحلة الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي عن السلطة المركزية العراقية في بغداد. ووفق المصادر الكردية فإن هذا الاستقلال الاقتصادي بات ضروريًا بعدما مارست سياسة حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وحكومة بغداد الحالية برئاسة حيدر العبادي تهميش الكرد العودة لمعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية.
وتتهم المصادر الكردية حكومتي المالكي والعبادي بـ«شن حرب اقتصادية» على الإقليم أثرت على مجمل مجالات الحياة فيه، «إذ مضى أكثر من سنة ونصف السنة على قطع موازنة الإقليم من قبل حكومة بغداد، الأمر الذي دفع بالإقليم – وفق المصادر – إلى إيجاد حل للخروج من الأزمة الاقتصادية، عبر تصدير نفطه بشكل مستقل عبر تركيا إلى دول العالم، والاستفادة من واردته في صرف رواتب موظفيه ودفع الديون المترتبة عليه. ومن ثم إعادة بناء البنى التحتية التي توقفت غالبية مشاريعها بسبب الأزمة المالية، وبالتالي الحصول على نقطة قوة رئيسية يعتمد عليها الإقليم مستقبلاً».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.