الحوثيون وصالح سرقوا آثار عدن واستخدموا مواقعها التاريخية كحصون

شباب المدينة تناوبوا على حراسة المكتبات.. وثقافة الحرب تطغى على السكان

موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)
موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون وصالح سرقوا آثار عدن واستخدموا مواقعها التاريخية كحصون

موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)
موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)

ما أقسى ما حدث لمدينة عدن القديمة (كريتر) جنوب اليمن، فالميليشيات الحوثية وقوات المخلوع، لم تغادر وتنسحب، إلا بعد أن عاثت بالمدينة عبثا وخرابا.
ودأبت على ابتكار طريقة مختلفة؛ لتنتقم من كل ما هو جميل وبديع وإنجاز ومقدس وتاريخي ونفيس.. اختارت أهدافها بعناية، كي تختفي وتحمي نفسها وجندها من غارات الطيران، فيما الحقيقة والغاية، كانت أهدافها حاقدة مرادها الخراب والدمار لكل منجز ومعلم وإرث. فالميليشيات فعلت كل ذلك، وفي كل مدن الجنوب؛ في فنادق وقصور وجامعات ومستشفيات ومؤسسات ومدارس وجوامع صلاة ومعالم تاريخية ومنشآت وجسور.. وغيرها من المكاسب الوطنية المكلفة جدا، والنادرة والمهمة؛ لكنها وحين تكون في عدن القديمة، فذاك يعني أن التكلفة تزيد، والفعل يكون هنا همجيا بربريا.
وقالت مؤسسة «عدن أجين» الثقافية، إن مدينة عدن عرفت بالحب والسلام، والثقافة والتحضر، وأضافت المؤسسة في تقرير لها تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، إن سكان المدينة لم يكونوا يوما من دعاة الحروب، وإنما دائما وعلى مدى التاريخ كانت المدينة عرضة للأطماع وللغزو والعدوان.
وتطرقت المؤسسة إلى أن أقسى ما لاقته مدينة عدن من خراب ودمار كان في الحرب القائمة، التي لم تفرق بين مدني وعسكري.. بين معلم تاريخي وصرح ثقافي، وبين مسكن ومشفى.
وأبرزت حجم الدمار الذي لم يبق أو يذر شيئا إلا وطاله في جبروت وحقد أعمى ضاعف من المأساة، التي كانت شاملة وماحقة.
وقد شمل الدمار كثيرا من المراكز الحيوية، والمنشآت المهمة؛ كالكهرباء والاتصالات وميناء الزيت والمطار والطرقات وغيرها، فضلا عن الدمار الذي لحق بأهم معالم المدينة الثقافية والتاريخية، خاصة في مدينة عدن القديمة «كريتر» التي ما من شارع فيها أو حي، إلا وفيه معلم وشاهد على تاريخ وحقبة وحضارة.
وذكرت المؤسسة، في تقريرها، أن أهم المعالم الثقافية التي تضررت بفعل الحرب الهمجية البربرية، المتحف الحربي في مدينة كريتر، فهذا المبنى البديع في بنائه، وموقعه في قلب المدينة، وعلى ضفتي شارع أخذ اسمه من اسم «المتحف»، معلم تاريخي مكون من طابقين عريضين، بواجهته البديعة ذي الأقواس، والحجر الشمساني، نسبة لجبل شمسان السامق، فيما أعواد الخشب الأحمر تضفي عليه لمحة عدنية مميزة. وأردف «مبنى المتحف الحربي يعد من أجمل المباني القديمة في مدينة عدن القديمة؛ إذ كان من أقدم المدارس في عدن، بل وفي شبه الجزيرة العربية، وسميت هذه المدرسة وقتها بمدرسة السيلة، ومع قيمته وأهميته، تم استهدافه في الحرب وبلا مبالاة، وعلى ثلاث مراحل؛ الأولى مطلع شهر أبريل (نيسان) الماضي، وتحديدا حين طاله قصف ميليشيات الحوثي وصالح، الذي تسبب بشق فتحة في أحد أقواس الدور الأرضي، وتاليا بعد اشتباكات انتهت باقتحام الميليشيات وقوات الرئيس المخلوع للمدينة في مستهل شهر مايو (أيار) الماضي، وتضرر على أثرها المتحف وبشكل أكبر؛ إذ أحدثت القذائف فتحات في جدرانه، وحطمت بوابته الكبيرة تماما، لتتخذه الميليشيات وقوات صالح، ثكنة عسكرية لها، مرتكبة بذلك انتهاكها الثاني.
وفي منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي، تعرض المتحف لقصف طيران، جراء اتخاذه من الميليشيات وقوات المخلوع ثكنة لجنودهما وعملياتهما وعتادهما ومؤنهما، وهو ما تسبب في الانتهاك الثالث لمبنى المتحف الحربي، فبسبب ضربة طيران هدمت جهته الغربية، ليصبح معرضا لسرقة محتوياته الثمينة.
وعن هذه المحتويات، قال التقرير إنها في المعظم ثمينة وهامة، وتم نهب بعضها على مرحلتين؛ الأولى، حين أقدمت ميليشيات الحوثي وصالح على سرقة بعض القطع الأثرية المهمة والنفيسة، وتحديدا عقب دخولهم المدينة واتخاذهم المتحف ثكنة عسكرية.
أما المرحلة التالية، فبعد إخراج الميليشيات؛ إذ قام بعض المهمشين بسرقة بعض السيوف والأسلحة القديمة، وتمت إعادة جزء كبير منها، والجزء المتبقي ما زال بحوزة من سرقوا.
وأكد أن المتحف بحاجة لإعادة ترميم، على يد خبراء؛ ترميم يحفظ للمبنى هويته وقيمته التاريخية، داعيا مسؤولي المتحف لسرعة جرد القطع الأثرية وحفظها في مكان آمن.
ومن معالم المدينة «مكتبة الفقيد باذيب الوطنية»، نسبة إلى المفكر والسياسي والإعلامي الفقيد عبد الله باذيب، فهذه المكتبة الوطنية، بنيت في مطلع الثمانينات في مدينة كريتر التاريخية، وتقع في شارع المتحف، وتحوي أرشيف عدن الثقافي، وعدة وثائق مهمة، وأرشيفا لنسخ قديمة من صحافة عدن في أوج عهد عدن الثقافي مطلع القرن الماضي.
وعرض التقرير كيف طالها العبث والتدمير، على أيدي ميليشيات الحوثي وصالح، عند اقتحامها للمدينة؛ إذ كانت المكتبة أول المعالم المتضررة مطلع أبريل الماضي، فقد تهشمت واجهتها الزجاجية بالكامل، وتسببت قذيفتين بإحداث فجوتين كبيرتين في مبنى المكتبة؛ واحدة في الدور الأرضي جهة قاعة الشاعر الراحل لطفي جعفر أمان، ابن المدينة، وأحد شعرائها العظام، والأخرى في غرفة مدير المكتبة.
وأضاف أن شباب المدينة تناوبوا على حراسة المكتبة، إلى أن تمكنت الميليشيات من دخول المدينة في شهر مايو الماضي، ومن وقتها والمكتبة عرضة لسرقات متعددة، فمنها ما طال معظم أجهزة الكومبيوتر، ومنها مكيفات التبريد، وأخرى للكتب الجديدة العهد.
بعد إخراج الميليشيات من كريتر، قامت مجموعة من الشباب المخلصين بدور تطوعي لحماية أرشيف عدن، وسهروا ليلا ونهارا وما زالوا يسهرون ويتعبون لحماية المكتبة التي أضحت مفتحة الأبواب والنوافذ والجدران، ومعرضة للسرقة من كل حدب وصوب، وللأسف لم تلتفت أي جهة لدور الشباب الشهم ولم تتم تغطية ولو مصاريفهم اليومية، كما لم تتحرك أي جهة لسد الثغرات والفتحات المحدثة في جدران مبنى المكتبة.
وانتقل التقرير إلى مسجد الحسيني المعروف بمسجد «خوجة»، الذي يعد من المساجد الأثرية ذات الطراز المميز في مدينة عدن، وكان قد بني بداية القرن العشرين، أي أن عمره يتجاوز المائة عام، ويتبع الطائفة الشيعية العدنية التي تعيش في عدن بسلام وانسجام منذ قرون. ثم اقتحمت ميليشيات الحوثي وصالح مدينة كريتر القديمة، واتخذت المسجد ثكنة وسكنا لها ومقر مواجهات، مما أدى إلى دماره، وسيحتاج المسجد لفريق هندسي آثري متخصص لإعادة بنائه بصورته القديمة.
وتطرق لكنيسة سانت جوزيف وباقي الكنائس، فما يميز عدن عن باقي المدن الجنوبية ومدن المنطقة، أنها المدينة الوحيدة التي تعايش فيها كثير من الأديان السماوية وغير السماوية، فما زال المسيحيون يقيمون شعائرهم في كنائس عدن، وكذلك الهندوس يتعبدون كل جمعة في معبد الخساف.
وتعرضت كنيسة سانت جوزيف في منطقة البادري بكريتر للعبث وتدمير محتوياتها من قبل ميليشيات الحوثي وصالح، وكتبوا شعاراتهم على جدرانها.
وأشار إلى أن فريق «عدن أجين» زار كنيسة البادري وحفظ ما تبقى بمكان آمن، لكن ذلك لا يكفي، فلا بد من دعم حكومي وتضافر لحماية معالم عدن الدينية وإبقائها بعيدا عن أيادي العابثين.
وعرج التقرير على رصيف ويلز، بمدينة التواهي، الشهير لدى العامة بـ«رصيف السياح»، الذي بني بالطراز نفسه لبوابة ميناء بومباي في الهند، سنة 1905م، ويعد أحد معالم ميناء المدينة، فطوال حقبة نافت على القرن والبوابة تقف بطرازها الفريد والجميل وسقفها القرميدي النادر، مما جعلها من أهم ما تتميز به مدينة التواهي.
هذا البنيان الأثري، سيطرت عليه الميليشيات، وتمركزت بداخله، معرضة إياه لضربة طيران دمرته بنسبة 90 في المائة، فلم يتبق منه غير الواجهة التي بقيت سليمة، فيما سقفه ومعظم أحجاره تحول إلى ركام.
كما كشف التقرير عما تعرض له معبد الهندوس، في أطراف منطقة الخساف الجبلية؛ فالمعبد بني في ثنايا الجبل قبل أكثر من مائة عام، معبد يؤدي فيه الهندوس طقوسهم وشعائرهم بكل هدوء وحرية. فمنذ عاود المعبد فتح بابه، عاد أتباع الطائفة الهندوسية يؤدون شعائرهم وصلواتهم فيه دونما اعتراض أو خوف من أحد. لكنه وبعيد إخراج الميليشيات وأتباع صالح من مدينة كريتر منتصف يوليو الماضي، جاء بعض الشبان المتشددين الذين يدعون التدين، وهدموا المعبد ومحتوياته وبشكل همجي لا يمت للدين الإسلامي بصلة، مستغلين الفراغ الأمني، وقلة الوعي الذي يهدد المعالم الدينية لعدن.
وذهب التقرير لسرد ما تعرضت له المدارس من خراب ودمار، فالمدارس كانت أكثر الأماكن استهدافا وتعرضا للخطر خلال فترة الحرب.. كثير من المدارس استخدمت ثكنات عسكرية من قبل ميليشيات الحوثي وصالح، وكثير منها استخدم من قبل المقاومة الجنوبية ثكنات أيضا. وبعض المدارس، ونتيجة لاستخدامها ثكنة للميليشيات، تعرضت للقصف الجوي والدمار.
ففي مدينة كريتر على سبيل المثال، أكثر من خمس مدارس استخدمت ثكنات عسكرية من قبل الحوثيين وصالح، ومدرسة واحدة استخدمت من قبل المقاومة، ومدرستين تعرضتا لقصف جوي.
وبينما حافظت المقاومة على المدارس التي استخدمتها لخدماتها خلال فترة الحرب، لم تكترث ميليشيات الحوثي وصالح بالمدارس، فلم تكتف الميليشيات بتحويل المدارس ثكنات عسكرية وسجونا بل وعيادات لجرحاها، بل قاموا بالعبث بكثير من المدارس وتكسير أبوابها وكتابة شعاراتهم على جدران المدارس.
وتتميز مدينة كريتر العتيقة العريقة العبقة برائحة التاريخ والقدم، بطراز قديم يميزها عن باقي مدن الجنوب والمنطقة، فالمبنى العدني القديم يتكون من عدة ملامح أهمها: الحجر الشمساني المنحوت باليد، والنوافذ الخشبية المصنوعة بحنكة وإتقان، والقمريات الخشبية المميزة بزجاجها الملون التي تختلف كليا عن القمريات الجصية، والشبك الخشبي الذي يغطي النوافذ والأبواب والمشربيات.
ولكن ومنذ سنوات والصناعات الحرفية لهذه النوافذ انقرضت، وهو ما أضحى يهدد الطراز المعماري القديم للمدينة القديمة ويشوه هويتها. معظم نوافذ المدينة القديمة ظلت بحالة جيدة وحافظ عليها قاطنوها، مع الحرب تكسرت عشرات بل ومئات النوافذ القديمة، وتهدمت بعض المنازل الشمسانية. ونظرا لقلة الاهتمام المسبق بهوية المدينة وطرازها القديم، فإن الخطر أصبح يحدق بمدينة كريتر القديمة وأيضا بمدينة التواهي.
وقالت المؤسسة إن إعادة إحياء حرفة صناعة النوافذ العدنية أضحت ضرورة ملحة، وإن على الجهات المسؤولة في المحافظة والمجالس المحلية الانتباه لذلك.
ولفتت إلى أنه وككل جوانب الحياة في عدن، تأثرت ثقافة المجتمع أيضا بفعل هذه الحرب، ومن أهم المظاهر التي أثرت على ثقافة المدينة تعطيل المسيرة التعليمية لمدة تقارب الخمسة أشهر منذ اندلاع الحرب، علاوة على انتشار ظاهرة حمل السلاح بين أفراد ليسوا من المقاومة، وهي الظاهرة التي كانت تحاربها ثقافة سكان عدن، وانتشار أناشيد وزوامل لم تعهدها ثقافة المدينة مسبقا، لكن وبفعل الحرب لقيت قبولا واسعا في صفوف الشباب وأصبحت كالموضة مع أنها أناشيد تتبع ثقافة متطرفة بعيدة عن ثقافة أهالي عدن. وكذلك انتشار أنواع من الملابس تتماشى مع فترة الحرب ولا تمت للزي الشعبي للسكان بصلة.
ودعت كل سكان عدن لرفع الوعي بضرورة الحفاظ على معالم عدن الثقافية والتاريخية والدينية، وضرورة الحفاظ على هوية المدينة، ونمطها المعماري القديم والفريد، والحفاظ على روح المدينة العتيقة، التي هي ميزتها وسر سحرها، والحفاظ على الثقافة المدنية الحضارية لسكان عدن، التي لطالما عُرف سكان المدينة بها.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.