الفكرة ولدت مع ميرا صيداوي من واقع تعيشه مع أولادها، فهي كانت تبحث لهم دائماً عن مكان يمضون فيه ساعات مفيدة ومسلية في آن. وبعد أن وجدت أن أماكن مماثلة غير متوافرة في بيروت اتخذت المبادرة. فقررت أن تستحدث هذا المحل في منزلها وتدعو أصدقاء أطفالها وأبناء الجيران إليه. ولكن زوجها اقترح عليها أن توسع فكرتها ليصبح المكان مركز تسلية يقصده من يرغب من الأولاد وأهاليهم.

وبالفعل افتتحت صيداوي «المسرح الصغير» (تياترينو) في منطقة بدارو، ليكون واحة ثقافية وترفيهية في آن، فينفصل فيه الأولاد وأهاليهم عن واقع التكنولوجيا والسوشيال ميديا و«الآيباد» وشاشة التلفزة. ويقدم المركز نشاطات مختلفة يمارسون خلالها الرسم والعزف والطبخ والرياضة وغيرها. كما توفر لهم هذه المساحة التعرف إلى حكواتي ومسرح الدمى. وكبرت الفكرة مع الوقت وتوسعت حتى صارت تشمل قراءات لأدباء وشعراء لبنانيين. ومرات تجاوزت جدران المركز لتخلق اتصالاً مباشراً بين الأولاد والطبيعة.
وتحول «المسرح الصغير» إلى عنوان يقصده لبنانيون وأجانب مع أولادهم. وتقول صيداوي لـ«الشرق الأوسط»: «رغبت في أن تكون مساحة حرية تترك للأولاد فرصة التعبير عن هواياتهم وأحلامهم. وهي في الوقت نفسه تقدم لهم مادة غنية تجمع بين الفنون والثقافات والتسلية».
تتمسك صيداوي بإعادة تقاليد وعادات تربت عليها أجيال سابقة إلى الحياة. وفي حلقات الأطفال التي تنظمها يحضر الراوي والحكواتي، فيخبران الحضور قصصاً تحمل رسائل إنسانية. «نقرأ مرات مقتطفات من كتب لأدباء كـ(القنديل الصغير) للروائي الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، ومرات أخرى نقرأ لميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران. وهذه القراءات تأخذ منحى بسيطاً كي يستطيع الأولاد استيعابها وفهمها. ولكننا في الوقت نفسه نقدم لهم محتوى روائياً وأدبياً يحثهم على البحث عن هذا النوع من القصص غير العادية. فمسرحنا لا يروج للفن التجاري بقدر ما يهمه إثراء الخلفية الثقافية عند الجيل الصغير».
هذا الجيل الصغير الذي تتحدث عنه يتضمن أعماراً متفاوتة تتراوح بين 4 و8 سنوات. وتنظم صيداوي لفئات عمر متشابهة نشاطات يتشاركون بها على أنغام الموسيقى أو في جلسة «يوغا» في حرش بيروت.
وحسب صيداوي، فإن الانفتاح الذي يعيشه الأولاد اليوم، لن يكتمل إلا إذا زودناه بعلاقة مع الجذور.
أخيراً، وبمناسبة عيد الفطر، استضاف «المسرح الصغير» عملاً مسرحياً بعنوان «صابر والعيد» مع فرقة السنابل، ولاقى نجاحاً كبيراً، سيما وأن الأولاد تفاعلوا مع شخصيات العمل الطريفة. فميرا صيداوي تعدّ العقل المدبر لكل هذه النشاطات، وتختارها بدقة على خلفية تقاليد وألعاب أصبح بعضها في مهب النسيان. وكذلك تعاونت مع مؤرخين وموسيقيين لبنانيين معروفين كأحمد قعبور. وبين الحين والآخر تحاول صيداوي تعريف الأولاد على شخصيات فنية تركت بصمتها على مسارح لبنان، فتقدم نبذاً وحكايات عن الراحلين «شوشو» ونبيه أبو الحسن وكذلك عن زياد الرحباني. ومن الشخصيات الغربية تتناول شارلي شابلن والموسيقي شوبان. وينظم «المسرح الصغير» مهرجانات ترفيهية وثقافية يجول بها في مناطق لبنانية كطرابلس وضبية وجونية وغيرها.
كل ما يخطر على بال الأهل من نشاطات كانت رائجة في الماضي، تستعيدها صيداوي في مركزها «تياترينو». «تخيلي أنني أفكر مرات بالعودة إلى المدرسة تحت السنديانة. فمع أنني لم أعشها فإنها تراودني كثيراً، لأنها ترتبط ارتباطاً مباشراً بالطبيعة التي يفتقدها أولادنا اليوم».
تكثر نشاطات «المسرح الصغير» في أيام نهايات الأسبوع لأن الأولاد يكونون منشغلين باقي الأيام في الدراسة. وفي فصل الصيف تتوسع هذه النشاطات لتشمل التخييم وجولات في حرش بيروت، وتخصيص صفوف تعليمية وتطبيقية عن الأطباق اللبنانية كخبز الصاج والمنقوشة بالزعتر وغيرهما. وتعرفهم أيضاً على طقوس كانوا يمارسها أهالينا في بيوتهم في الماضي القريب، كحرق البخور وصناعة ألعاب حرفية و«ترويب اللبن» (تحويل الحليب إلى زبادي) وغيرها.
ومن النشاطات الثابتة في «المسرح الصغير»، تقديم عرض مسرحي شهري وآخر موسيقي أسبوعي. وحالياً استحدثت ميرا صيداوي فقرة «التشافي»، وهي «كناية عن علاج بالدراما يجري بين الأم وولدها ليكتشفا معاً أسباب وقوع أي مشكلة بينهما. فالطرفان يصبحان ملمين بها من خلال إعادة تمثيلها».
كثيرة هي أحلام صيداوي التي تنوي ترجمتها مع الأولاد في لبنان. وهي تزور مرات مخيمات اللاجئين من فلسطينيين وسوريين. فتزودهم أيضاً بثقافات يحتاجون إليها وتحفزهم على الاطلاع والقراءة والتعاطي مع الفنون.
تحديات عدة تنتظر صاحبة «المسرح الصغير» لأن أفكارها تتوالد يومياً. وتطمح إلى توسيع مسرحها ليصبح مدرسة، ولا تتلقى دعماً رسمياً. ويقصدها الأولاد مع ذويهم كي يتعلموا أموراً كثيرة بأسلوب بعيد عن المدارس العادية.
وتختم لـ«الشرق الأوسط»: «السؤال الذي يراودني دائماً وأحب أن أطرحه على زواري هو من أين تأتي؟ فبمجرد أن يرد كل واحد منهم على السؤال، سيخبرنا قصته. وهذه القصص مجتمعة تقربنا من بعض إنسانياً، بعيداً عن الاستهلاك التجاري السائد اليوم. فنحن نفتقد هذا النوع من العلاقات الحقيقية. وعلينا أن ننميها عند أطفالنا كي لا تختفي يوماً».






