«الكاريكاتور»... فن يفتقد المواهب الجديدة في لبنان

الاهتمام به بلغ حدّ تصدّره الصفحات الأولى

«الكاريكاتور»... فن يفتقد المواهب الجديدة في لبنان
TT

«الكاريكاتور»... فن يفتقد المواهب الجديدة في لبنان

«الكاريكاتور»... فن يفتقد المواهب الجديدة في لبنان

عرفت رسوم الكاريكاتور دورها الإبداعي مع أول إصدار لصحيفة هزلية في لبنان في عام 1910 بعنوان «حمارة بلدنا» لنجيب جانا.

بعدها ظهرت في صحيفة «جراب الكردي» في عام 1914، كذلك صدرت جريدة «هبّت» في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، حاملة أول كاريكاتور في الصحافة اللبنانية، وكانت متخصصة بسباقات الخيل التي كانت رائجة في بيروت. ثم أصدر يوسف مكرزل في عام 1922 مجلته «الدبّور»، التي سرعان ما صارت رقماً صعباً في الصحافة اللبنانية نظراً لدورها الناقد، وجرى منع أعدادها من الصدور مرات عدة.

ولكن حالياً تطرح علامات استفهام كثيرة حول واقع هذا الفن ومستقبله. وهي بالذات، تتعلق بمواهبه الصاعدة الخجولة، وانعكاسات إلغائه من قبل صحف ومجلات، إما بسبب احتجابها وإما بسبب تقليص ميزانياتها تأثراً بالأزمة الاقتصادية القاسية التي تلم بلبنان.

أيضاً ثمة سؤال آخر، لعله غاية في الأهمية، وهو ما مدى اهتمام اللبنانيين بهذا الفن ... وهل ما زالوا يعنون بمتابعته كما في الماضي؟

وما يجدر ذكره هنا، أن بين ألمع رسامي الكاريكاتور في لبنان على مرّ الأجيال ديران عجميان في مجلة «الدبّور»، ومصطفى فرّوخ في مجلة «النديم»، كذلك اشتهر كلُّ من المبدعَين رضوان وعبد الله الشهّال، وكذلك الفنان الكبير محمود كحيل - في مجلة «الصياد»، ثم في جريدة «الشرق الأوسط» - والثلاثة من أبناء مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان. وتألق أيضاً الفنانان جان مشعلاني في «دار الصياد/الأنوار» وبيار صادق في «النهار». ولقد ترك كل من بيار صادق ومحمود كحيل، ومعهما زميلهما ستافرو جبرا، بعد رحيلهم إرثاً غنياً رائعاً في مجال هذا الفن، كما أثّروا في ذاكرة أجيال من اللبنانيين برسومهم السابقة لزمانها.

«انتفاضة 17 تشرين»

إبّان «انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019» بلغ الكاريكاتور أوجه بعدما شكّل أسلوب تعبير انتشر على حوائط الساحات والشوارع. ولاحقاً أعطته بعض الصحف قيمة إعلامية أكبر فنقلته مراراً من الصفحة الأخيرة إلى الصفحة الأولى، وهو ما يدلّ على الأهمية التي يحملها كـ«مانشيت» يختصر أحداثاً رئيسية. ومن ناحية ثانية، أسهم الفضاء الرقمي في الترويج للكاريكاتور، وتجلّى ذلك بتبادل رسومه في تعليقات ونكات عبر وسائل التواصل (السوشيال ميديا).

ومن خلال تنظيم مبادرات ومعارض فنية باسمه تجري إعادة تنشيط هذا الفن من جديد. وكان بين أحدثها تنظيم معرض لرسوم ستافرو جبرا من قبل بناته باميلا وأورنيلا وبريسيلا، وأيضاً تخصيص الصفحة الأولى من نشرة أخبار قناة الـ«إل بي سي آي» التلفزيونية لرسوم بيار صادق في ذكرى رحيله. ولا يفوتنا هناك ذكر الجائزة السنوية التي تمنح باسم محمود كحيل.

«الكاريكاتور» عدو الذكاء الاصطناعي

في أية حال، إذا ما قمنا بجولة سريعة على الصحف اللبنانية وجدنا أن بعضها لا يزال متمسكاً بهذا الفن، في حين ألغته صحف أخرى من أقسامها وتبويبها كلياً. ولكن مع انتشار أخبار الذكاء الاصطناعي وقدرته على تولي مهن مختلفة، سألت «الشرق الأوسط» أرمان حمصي، رسام الكاريكاتور في جريدة «النهار» عما إذا كان يخشى الاستعاضة عن رسام الكاريكاتور بتقنيات الذكاء الاصطناعي، فأجاب حمصي: «يصعب على هذه التقنية تولي مهمات إبداعية. ولقد أدركت شخصياً ذلك من أبحاث وقراءات اطلعت عليها؛ فالكاريكاتور فن ينضم إلى غيره من الفنون الإبداعية الخَلقية... وهو ما لا يجيده الذكاء الاصطناعي، لأنه مجرّد آلة مبرمجة تقوم بالتنفيذ على أكمل وجه، ولكن من دون قدرة على الإبداع والتحلّي برؤية مستقبلية».

كان لستافرو قدرة على التوقع

بما يخص ستافرو جبرا، حقق هذا الفنان إنجازات مختلفة في مشواره الفني، ونال جوائز عالمية. ويذكر أنه راسل مطبوعات عالمية مرموقة كالـ«نيويورك تايمز» و«لوموند»... وغيرهما. وكان الرسم الكاريكاتوري بالنسبة له هواية يجيدها ويستمتع بها.

ابنته باميلا تتكلم عن ستافرو المبدع فتقول: «كان شغوفاً إلى أقصى حد بمهنته. رسام وفنان بالفطرة، كان يرسم الكاريكاتور بكميات هائلة». وتذكر أنه كان يردد على مسمعها: «أنا ذاهب إلى المعمل»، أي إلى مكتبه حيث ينتج رسوماً لصحف محلية وأجنبية عدة في وقت واحد.

وتتابع باميلا: «كان يحب رسم الراحل رفيق الحريري. ويقول لي إن عينيه الجاحظتين وشعره المصفّف يفتحان شهيته على رسمه. كما كان يملك القدرة على التوقع من خلال رؤية مستقبلية يتميز بها، ولذا بقيت رسومه حتى الساعة تحاكي واقعنا اليوم».

لسعات «الدبّور» عمرها 100 سنة

أما مجلة «الدبّور» فتعرف عن نفسها بأن غايتها الدلالة على مَواطن النقص والتنبيه إلى مسالك الرشد. ويشغل الهزل بعض مقالاتها والجدّ في البعض الآخر، وهي ترمي بذلك إلى غاية حميدة هي النهوض بالوطن، ورأى فيها مؤسسها الفنان الكاريكاتوري يوسف مكرزل الطريقة الفضلى لحرية التعبير. ولا تزال «الدبّور» بعد مرور 100 سنة على تأسيسها تصدر رقمياً. اليوم، يقول أنطوان أبو جودة مدير تحريرها، إن نسبة كبيرة من اللبنانيين لا تزال تتابعها. ويضيف خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «فن الكاريكاتور لا يموت لأنه يتجدد بأحداث يومية. وثمة أشخاص كثر مشتركون بالمجلة ولا يفوّتون قراءتها، ثم إنني أرسل بعض الأعداد لأشخاص مسنين، يحبون أن يستهلوا يومهم بلسعات (الدبور) الساخرة التي اعتادوها في شبابهم».

فن ذو حدين

يعد كثيرون فن الكاريكاتور مساحة تعبير حرة لا «حدود حمراء» تكبلها، إلا أن في مسيرة فنانين تركوا بصماتهم على هذا الفن محطات تعرضوا فيها للخطر؛ فالرسام بيار صادق تعرّض لحملة عنيفة في عام 2012 إثر نشر صورة كاريكاتورية لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في جريدة «الجمهورية». أما ستافرو - الذي عرف بأنه لا ينتمي لأي حزب - فقد تلقى تهديدات كثيرة بالقتل. وتعلق ابنته باميلا على هذا قائلة: «لقد كان يخبرنا بها ويعترينا الخوف عليه، ونطالبه بألا يغادر البيت. لقد كان بعض السياسيين ينزعجون من ريشته الصريحة والساخرة، ويشنون حملات تجريح عليه».

هل أقفل الروّاد الأبواب خلفهم؟

من جانب لآخر، عندما يرغب بعض اللبنانيين بأن يسترجعوا فن الكاريكاتور فهم يستحضرون مباشرة أسماءً لامعة معينة حفظوها، فهم يحدثونك عن نبوغ محمود كحيل، الذي خرج بفنه المتميز إلى مساحات أوسع من لبنان، ومثله ستافرو جبرا. ويذكرون بالخير جان مشعلاني وملحم عماد، ولا ينسون عصر بيار صادق، الذي كان السبّاق في نقل هذا الفن إلى شاشة التلفزيون.

ولكن هل أقفل هؤلاء الروّاد الكبار الأبواب وراءهم فغابت عناصر الإبداع عن هذا الفن بعد رحيلهم؟

أرمان حمصي يرد: «لا شك أننا نشهد تراجعاً، ولكن علينا الانتظار لأن الوقت هو الذي سيقطع الشك باليقين. وقد تكون الأزمة التي ألمت بصحف لبنانية كثيرة أخرت ظهورهم». ومن ناحيته يشير أنطوان أبو جودة لـ«الشرق الأوسط» بأن المواهب «موجودة من دون شك، ولكن لا فرص جيدة تتوافر لهم... لقد أصبحوا قلة اليوم، ونفتقد لديهم سرعة البديهة وحس السخرية واللسعة الذكية».

أما باميلا جبرا، التي ورثت عن والدها الحس الفني المرهف وليس موهبة الرسم، فتروي «عندما نظمنا معرض (دولار) للراحل ستافرو تفاجأنا بتفاعل جيل كبير من الشباب مع الرسوم. هؤلاء لم يعرفوه من قبل... لكن ستافرو - في غيابه - استطاع أن يفتح أبواب الأمل أمامهم وليس العكس».

في النهاية يمكن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي أثرت سلباً في الكاريكاتور. وصار البعض يستسهل «سرقة» رسم لفنان معين، وينسبه لنفسه بعد تغيير الكلام الذي يرافقه. وهكذا اختلط الحابل بالنابل، وصارت الرسوم مكدّسة بالمئات على وسائل التواصل لكنها مجهولة المصدر... وبلا نكهة ولا طعم لها ولا جهد ولا تعب مبذولاً فيها. وهنا يقول حمصي موضحاً: «هذه المهنة تعتمد على الشغف، ولكل فنان بصمته عليها؛ ولذلك لن يفلح فيها، إلا من جاهد وبحث واطلع».


مقالات ذات صلة

«وزير الإعلام»... منصب يُربك التشكيلات الحكومية المصرية منذ 2011

شمال افريقيا ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام في التشكيل الحكومي الجديد خلال إحدى جلسات «الحوار الوطني» (صفحة الحوار الوطني - فيسبوك)

«وزير الإعلام»... منصب يُربك التشكيلات الحكومية المصرية منذ 2011

منذ أحداث «25 يناير» 2011 وسقوط نظام الرئيس الراحل حسني مبارك في مصر، ومنصب «وزير الإعلام» محل جدل دائم في تشكيل الحكومات المتعاقبة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
إعلام شعار "فيسبوك" (د ب أ)

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة.

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق «المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

«المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

اختتم «المنتدى السعودي للإعلام» أعمال نسخته الخامسة في الرياض، أمس، بعد عقد أكثر من 60 جلسة حوارية وورشة عمل، ناقش فيها 300 متحدث من مختلف دول العالم، محاور.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.