فرص ذهبية لتعلّم التقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي

أكاديمية كاوست تُقرّب التقنية إلى المجتمع في السعودية

تهدف أكاديمية «كاوست» إلى تدريب الأشخاص في مجال الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية.  (كاوست 2023؛ مشعل المبارك)
تهدف أكاديمية «كاوست» إلى تدريب الأشخاص في مجال الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية. (كاوست 2023؛ مشعل المبارك)
TT

فرص ذهبية لتعلّم التقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي

تهدف أكاديمية «كاوست» إلى تدريب الأشخاص في مجال الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية.  (كاوست 2023؛ مشعل المبارك)
تهدف أكاديمية «كاوست» إلى تدريب الأشخاص في مجال الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية. (كاوست 2023؛ مشعل المبارك)

* تشمل دورات الأكاديمية الأمن السيبراني والمعلوماتية الحيوية وعلوم المواد وتحليلات الأعمال والاستدامة وإنترنت الأشياء والروبوتات.

------------

تبذل أكاديمية جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) جهودا مضنية في سبيل تعزيز ونقل التقنية في المملكة العربية السعودية، إذ تقوم بتدريب الطلبة الجامعيين والرؤساء التنفيذيين لرفع مستوى المعرفة العلمية والتقنية، بهدف دفع عجلة التنمية الاقتصادية والتقنية للمملكة.

الذكاء الاصطناعي يغيّر العالم

تؤرخ فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي لميلاد الذكاء الاصطناعي (AI)، حيث ظهر كأنه مجال تخصصي لأول مرة في عام 1950. في تلك السنة اقترح عالم الرياضيات وعالم الكمبيوتر البريطاني آلان تورينغ فكرة «آلة عالمية» قادرة على تقليد سلوك أي آلة أخرى، والتي عرفت لاحقا باسم «آلة تورينغ». كان وضع هذا المفهوم هو الأساس لتطوير الذكاء الاصطناعي.

اليوم تضج وسائل الإعلام بكثير من النقاشات والجدل حول الذكاء الاصطناعي ومدى تأثيره على حياتنا، وكيف سيغير عالمنا بشكل كبير والتي ستطال عددا كبيرا من المجالات منها على سبيل المثال:

- في سوق الوظائف يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أتمتة المهام المتكررة مما سيتطلب تحولا في سوق العمل.

- أما في مجال الرعاية الصحية والطب فيمكن أن تساعد هذه التقنيات في تشخيص الأمراض بشكل أكثر دقة وسرعة، والمساعدة في تطوير العلاجات الشخصية، وتحليل كميات هائلة من البيانات الطبية لتحديد الأنماط وتحسين نتائج المرضى.

- وفي مجال النقل سوف نشهد تزايد عدد السيارات ذاتية القيادة وأيضا تحسين شبكات النقل والتنبؤ بأنماط الطلب وتمكين الخدمات اللوجيستية وإدارة سلسلة التوريد بكفاءة.

- وفي مجال التعليم يمكن للذكاء الاصطناعي تخصيص تجربة التعلم وتعزيزها من خلال تكييف المواد والأساليب التعليمية مع احتياجات وقدرات الطلاب الفردية.

- كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في جهود الاستدامة من خلال تحسين استهلاك الطاقة وتحسين إدارة الموارد والمساعدة في مراقبة البيئة والحفاظ عليها. ويمكنه تحليل مجموعات البيانات الكبيرة لتحديد الأنماط والتنبؤ بالتغيرات البيئية، والمساعدة في نمذجة المناخ وإدارة الكوارث الطبيعية.

- ومع تقدم التقنية، تزداد التهديدات التي يتعرض لها الأمن السيبراني، وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز الدفاعات عن طريق تحديد التهديدات المحتملة والتخفيف من حدتها بسرعة. كما يمكن لخوارزميات التعلم الآلي اكتشاف أنماط النشاط الضار وتحديد نقاط الضعف وتقوية أنظمة الأمان.

نقل التقنية

يعد الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي من الموضوعات ذات الأهمية بالنسبة للمملكة العربية السعودية لكونه يؤدي دوراً مركزياً في تحقيق «رؤية السعودية 2030» فيما يتعلق بإنشاء اقتصاد المعرفة وتطوير مجتمع قائم على المهارات.

لدعم هذا التوجه أطلقت «كاوست» أكاديميتها في مايو (أيار) 2022 والتي صممت للارتقاء المستمر بالمهارات التقنية في سوق العمل وإعداد قوى عاملة سعودية ماهرة في عالم متسارع تحركه التقنية، ولتكون عاملاً مساعداً للابتكارات من أجل التعلم.

يقول مدير الأكاديمية، الدكتور سلطان البركاتي: «تُعزز الأكاديمية حضور (كاوست) في المجتمع السعودي، وتيسر من وصول التعليم إلى المشاركين، وتساعدهم على اكتساب مهارات تقنية جديدة». ويضيف «نستهدف الإسهام في نمو اقتصاد البلاد - سريع التحوّل - ومساعدة القوى العاملة على تلبية متطلبات كل من: (رؤية السعودية 2030)، و(رؤية 2050) المقدمة من مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة».

ومنذ أن أطلقت الأكاديمية نشاطها، دربت على مدار عام أكثر من 2000 شخص؛ حيث شهدت برامج التدريب تنوعاً كبيراً، بداية من معسكرات تدريب قصيرة مدتها خمسة أيام، وصولاً إلى برامج دراسة ماجستير، مُصممة خصيصاً بدعم من كبار أعضاء هيئة التدريس، فضلاً عن شركاء من جهات حكومية ومجالات الصناعة والأعمال. وتُقام المعسكرات خلال العطلات الجامعية في جدة والرياض والظهران في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.

وانتهت الأكاديمية أخيراً من معسكر تدريب الذكاء الاصطناعي، المُصمم لـ 1000 طالب جامعي. توضح الدكتورة ألكسندرا غوميز، المحاضرة في قسم العلوم والهندسة الحاسوبية والكهربائية بالجامعة: «يمنح المعسكر التدريبي الفرصة للطلاب؛ لاكتساب المهارات الأساسية التي يحتاجون إليها، لتطبيق تقنيات التعلُّم الآلي، والتعلُّم العميق لحل المشكلات».

ماذا يقول المتدربون؟

عبر مزيج من الجلسات التدريبية النظرية والعملية، أنهى أحمد محمد، الطالب في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، المعسكرات التمهيدية والمتقدمة في برنامج الذكاء الاصطناعي، واصفاً التدريب بأنه «لا يقدر بثمن».

يقول محمد: «تأثرت للغاية بإجمالي الدورات التدريبية، إذ أمضينا ساعات معاً في التعلُّم النظري، ثم تنفيذ ما تعلمناه في ورش عمل عملية مع بقية الطلاب، مما سمح بتبادل المعارف فيما بيننا».

من جانبه، أعرب الطالب حسين الصيحة أيضاً من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عن تقديره لروح التعاون، إذ يقول: «قُدمت الدورة بطريقة ساعدتنا على فهم المادة، مع السماح لنا بالتواصل الاجتماعي وتوسيع علاقاتنا».

طلال الخراشي، وهو حديث العهد بملكية أحد منتجات الذكاء الاصطناعي، يقول: «كانت التجربة رائعة. في كل يوم كنت أشعر أنني تعلمت شيئاً جديداً، أو عززت معرفتي في المجالات التي أعرفها بالفعل. لقد ساعدني اكتساب هذا الفهم العميق لأساسيات الذكاء الاصطناعي في تشكيل المنتج الذي أبيعه وتحسينه بعدة طرق».

ومشيداً بنمط الدورة المكثف، يقول الخراشي: «لقد كان يوماً كاملاً من التعلُّم، والممارسة العملية الخالصة، تجربة جديدة بالنسبة لي، وساعدتني على فهم الدورة التدريبية والانغماس فيها».

ابتعاث خارجي

بعد انتهاء المعسكر التدريبي التمهيدي، يتم اختيار الطلاب المتفوقين لحضور دورة متقدمة في الذكاء الاصطناعي، بعد ذلك، يُعرض على حوالي 15 طالباً منهم، الحصول على مقعد في معسكر تدريبي صيفي في جامعة أكسفورد البريطانية، أو تدريب داخلي في «كاوست»، وذلك بفضل رعاية اثنين من شركاء الأكاديمية.

بموازاة ذلك، تُقدم الأكاديمية أيضاً درجة الماجستير المهنية في الذكاء الاصطناعي للعاملين في القوى العاملة، حيث تم قبول أول دفعة من موظفي وزارة الداخلية في وقت سابق من هذا الشهر. وفي الوقت نفسه، تجرب حالياً درجة الماجستير المهنية في علوم البيانات والتحليلات مع «أرامكو»، ومن المقرر أن تكمل المجموعة الأولى الدورة التدريبية التي تستغرق 18 شهراً في الرياض في يوليو (تموز)2023.

بإمكان الأكاديمية تصميم دورات بعينها للعملاء والمؤسسات، بناءً على احتياجاتهم، على سبيل المثال؛ في دورة الذكاء الاصطناعي للكيميائيين، التي صممت لشركة «أرامكو»، ركزت الدورة على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الكيمياء، وتضمنت أمثلة ومجموعات بيانات من تطبيقات الكيمياء الواقعية.

تنظم الأكاديمية حالياً دورات في الأمن السيبراني، والمعلوماتية الحيوية، وعلوم المواد، والرياضيات التطبيقية والحاسوبية وتحليلات الأعمال، إلى جانب دورتين إضافيتين من المقرر إطلاقهما في عام 2023. تغطي هاتان الدورتان الاستدامة، وإنترنت الأشياء (IoT) والروبوتات.

كما تتضمن قائمة شركاء أكاديمية «كاوست»: الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة الوطنية السعودية للأمن السيبراني (NCA)، وصندوق التنمية الصناعية السعودي (SIDF)، ومستشفى الملك فيصل التخصصي (KFSH)، والشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)، و«أرامكو»، فضلاً عن مشاركة بعض الوزارات السعودية.



لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.