الائتلاف الألماني الحاكم ماض ٍقدماً بتعديلاته على «قانون الجنسية»

في خطوة لتسريع الاندماج تستفز معارضة اليمين المحافظ والمتطرف

المستشار الاشتراكي أولاف شولتز ... يقود حملة التغييرات على قانون الجنسية (د.ب.أ)
المستشار الاشتراكي أولاف شولتز ... يقود حملة التغييرات على قانون الجنسية (د.ب.أ)
TT

الائتلاف الألماني الحاكم ماض ٍقدماً بتعديلاته على «قانون الجنسية»

المستشار الاشتراكي أولاف شولتز ... يقود حملة التغييرات على قانون الجنسية (د.ب.أ)
المستشار الاشتراكي أولاف شولتز ... يقود حملة التغييرات على قانون الجنسية (د.ب.أ)

تشهد ألمانيا منذ عقود تحولات كبيرة في ديموغرافيتها جعلتها اليوم «دولة مهاجرين» بحق، وذلك بعدما بات أكثر من 27 في المائة من سكانها ذوي خلفية مهاجرة، حسب إحصاءات رسمية في العام 2021. ولكن، مع هذا ما زالت القوانين الألمانية لا تعكس هذا الواقع؛ إذ إن تشدد شروط الجنسية وفرض التخلي عن الجنسية الأصلية، يعنيان أن أكثر من 10 ملايين شخص يعيشون في بلد الـ83 مليوناً من دون أن يحملوا جنسية البلاد أو يتمتّعوا بحقوق المواطنين الألمان أو يشاركوا في الحياة السياسية. ولعل الفئة الأكثر تأثراً بشروط الجنسية المشددة هم الأتراك الذين يقارب عددهم الـ4 ملايين في ألمانيا، نصفهم لا يحمل الجنسية الألمانية والسبب رفضهم التخلي عن جنسيتهم التركية. إلا أن هذا الوضع يقترب أخيراً من نهايته في أعقاب تحضير الحكومة الاتحادية في برلين لطرح قانون تجنيس جديد يسمح بازدواجية الجنسية كما يخفف شروط التقدّم للحصول على الجواز الألماني.

مسعود أوزل، نجم كرة القدم الألماني العالمي، المتحدة من أصول تركية (د ب أ)

الحكومة الألمانية الحالية، التي يقودها اشتراكيو الحزب الديمقراطي الاجتماعي بمشاركة حزبي «الخضر» والديمقراطيين الأحرار (الليبراليون)، اتفقت على تقصير المهلة الزمنية للسماح للأشخاص بالتقدم للحصول على جنسية، فباتت 5 سنوات من العيش في ألمانيا عوضاً عن 8 سنوات كما ينص القانون الحالي، وحتى إلى 3 سنوات في حال إثبات المتقدم تمتعه بمستوى لغة مرتفع. والعنصر الأهم تسهيل إجراءات التقدم للحصول على الجنسية الألمانية للأتراك الذين جاءوا عمالاً مهاجرين بعد الحرب العالمية الثانية وبقوا في ألمانيا من دون أن يحملوا جنسيتها. ومن ناحية أخرى، سيعفي القانون الجديد أولئك الذين هم فوق سن الـ67 منهم من شرط التقدم لامتحان اللغة المكتوب، ولن يفرض عليهم سوى اجتياز الامتحان الشفهي.

ثمة سؤال يُطرح الآن، هو... هل ستصبح ألمانيا بهذا القانون، الذي من المفترض أن يصوّت عليه البرلمان خلال الصيف أو الخريف المقبلين، دولة تحتضن حقاً إرثها العرقي المتنوع؟

«لا أكترث كثيراً بالتقدم للحصول على جنسية ألمانية، أنا سعيد بجوازي التركي»... يقول ليفانت بلغة ألمانية طليقة، وهو ينقل معدات للطلاء قبل أن يبدأ العمل داخل شقة في منطقة كرويتسبيرغ ببرلين. وبالفعل، يمضي ليفانت، عامل البناء الخمسيني الذي يعمل ويقيم في برلين، الكثير من الوقت في تركيا، حيث ما زال لديه أفراد من عائلته والكثير من الأصدقاء. أما أولاده الذين وُلدوا في ألمانيا فقد حصلوا على الجنسية الألمانية، وما زالوا يحتفظون بجنسيتهم التركية؛ لأن القانون الحالي لا يجبرهم على اختيار إحدى الجنسيتين إلا عندما بلوغ سن الـ23.

رشا نصر، النائبة الاشتراكية في "البوندستاغ"، وهي متحدرة من اصول سورية (موقع "البوندستاغ")

تعديل عام 1999

الواقع أن قانون الجنسية الألماني المعدّل عام 1999 أتاح لأولاد ليفانت الحصول على الجواز الألماني بعد 8 سنوات من إثبات سكن الوالدين في ألمانيا، وهذه المدة قلصت من 15 سنة قبل تعديل القانون آنذاك. وللعلم، حتى عقد التسعينات لم يكن أمام الأجانب المولودين في ألمانيا أي سبيل للحصول على الجنسية الألمانية. ولم يُعدَّل القانون إلا في العام 1993 للمرة الأولى من أجل السماح لأولاد المهاجرين الذين يثبتون أنهم يعيشون في ألمانيا منذ 15 سنة، بالتقدم للحصول على الجنسية. أما قبل ذلك فلم يكن ممكناً الحصول على الجواز الألماني إلا باثبات صلة الدم، أي من أحد الوالدين.

بعدها، عام 1999 عندما وصل الاشتراكيون إلى السلطة، وشكّلوا الحكومة الاتحادية مع حزب «الخضر»، أرادوا إدخال تعديلات إضافية على قانون الجنسية تشمل السماح بازدواجية الجنسية وتغييرات أخرى كانت ستمنح حق الجنسية للمولودين في ألمانيا لأهالٍ غير ألمان. غير أنهم عجزوا عن إدخال تعديلات جذرية بسبب المعارضة الكبيرة التي واجهوها من قوى اليمين بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، الذي كانت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، أمينته العامة آنذاك، ثم أصبحت زعيمته في العام التالي أي عام 2000. وفي حينه، قاد اليمين المحافظ حملة شرسة لوقف تغييرات الاشتراكيين، وبالأخص، السماح بازدواجية الجنسية، رافعاً شعار «نعم للاندماج، لا لازدواجية الجنسية»، وجمع 5 ملايين توقيع رافض لتلك التغييرات.

وفي نهاية الأمر، اضطر الاشتراكيون إلى التخلي عن الكثير من تغييراتهم، وجرى تمرير القانون بعد الاكتفاء ببعض التعديلات البسيطة منها السماح لأولاد المهاجرين الذين يولدون في ألمانيا بالحصول على الجنسية الألمانية بعد 8 سنوات عوضاً عن 15 سنة من إثبات سكن الوالدين. بل واقترن هذا الشرط بضرورة أن يختار الشخص المولود في ألمانيا عندما يبلغ سن الـ23 الجنسية التي يريد الاحتفاظ بها حصراً.

ولكن في العام 2014، أُدخل تعديل جديد حول هذه النقطة بإصرار من الاشتراكيين، الذين كانوا الشريك الأصغر في الائتلاف الحكومي بقيادة ميركل، ألغى شرط الاختيار بين الجنسيتين فقط للمولودين في ألمانيا.

ومن ثم، سمح القانون المعدل عام 1999 بوجود الجنسية المزدوجة فقط لمواطني دول الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي ما زال صالحاً حتى اليوم. ولكن، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، شهدت دوائر الهجرة في ألمانيا ارتفاعاً بخمسة أضعاف في أعداد المتقدمين البريطانيين للحصول على الجنسية الألمانية قبل انتهاء المهلة الانتقالية التي ستخرج فيها بلادهم رسمياً من الاتحاد؛ وذلك تفادياً لاضطرارهم إلى التخلي عن جنسيتهم البريطانية.

الوزيرة نانسي فايزر (آ ف ب)

خلافات حزبية مبدئية

كثيرون من الأتراك الذي يعيشون في ألمانيا يرفضون، مثل ليفنات، التخلي عن جوازهم التركي لصالح الجواز الألماني. وهنا نشير إلى أن معظم أفراد الجيل الأول من الأتراك - الذين جاءوا عمالاً بعد الحرب للمساعدة في جهود إعادة البناء وإطلاق عجلة الاقتصاد - لا يحملون الجنسية الألمانية لأنهم لم يتمكنوا من استيفاء شروط اللغة. ذلك أن مدارس تعليم اللغة لم تكن موجودة أو نادرة في الخمسينات، على الرغم من أن معظمهم يجيد التخاطب الشفهي ولكن ليس الكتابة.

وحقاً، لعقود خلت ظلت الجالية التركية عبر ممثليها في ألمانيا تطالب بتسهيل منح الجوازات للأتراك والسماح بازدواجية الجنسية، ولكن الديمقراطيين المسيحيين أصرّوا على موقفهم، رافضين إقرار أي تعديلات أو تغييرات، وواصلوا عرقلة المساعي التي تبذلها الأحزاب الأخرى لتلك الغاية. وما يستحق الذكر، أنه منذ محاولة الاشتراكيين الأخيرة عام 1999، حصلت محاولات على مستوى الولايات التي تضم جاليات تركية كبيرة، مثل برلين وهيسن (التي تضم مدينة فرانكفورت)، لتغيير القوانين، بيد أن المحاولات لم تؤدِ إلى إنجاز الكثير بسبب معارضة الديمقراطيين المسيحيين. ولذا؛ نجد أنه طوال فترة حكم ميركل - الزعيمة الديمقراطية المسيحية المحافظة - التي قادت 4 حكومات اتحادية متتالية بين العامين 2005 و2021، ظل حزبها يرفض إدخال أي تعديلات على قانون الجنسية.

إلا أن هذا الوضع تغيّر بعد تقاعد ميركل وخسارة حزبها في الانتخابات الأخيرة عام 2021، وعودة الاشتراكيين لقيادة الحكومة بعد غياب 22 سنة. إذ تعهدت الأحزاب الثلاثة التي شكلت الحكومة - أي الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) وحزب «الخضر» البيئي والحزب الديمقراطي الحر الليبرالي - على إدخال تعديلات على قانون الجنسية «يماشي العصر ويكون (متلائماً أكثر) مع المجتمع الألماني.

والآن بعد سنة ونصف السنة من تسلم الحكومة الحالية مهامها، توافقت الأحزاب الثلاثة على شكل هذا القانون الذي قدّمته وزيرة الداخلية الاشتراكية نانسي فايزر إلى أعضاء الحكومة في مارس (آذار) الماضي، وسيناقش في «البوندستاغ» (مجلس النواب الاتحادي - الفيدرالي) خلال الصيف. وعلى الرغم من ارتفاع الأصوات المعارضة من الديمقراطيين المسيحيين وقوى اليمين عموماً، من المتوقع أن يمرّ القانون هذه المرة ويغدو نافذ المفعول في الخريف المقبل بعد أن يُناقَش أيضاً في «البوندسرات» (أي مجلس الولايات، الذي يمثل الأحزاب المشاركة في الولايات الألمانية الـ16 الذي تحظى الأحزاب الثلاثة المشاركة في الحكومة الائتلافية الاتحادية، بغالبية الاصوات فيه (نصف زائد واحد).

في المقابل، لم يكف حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي عن توجيه الانتقادات لخطة الحكومة تلك، وحتى أن نواباً ومسؤولين في الحزب يتكلمون عن «بيع الجواز الألماني» عبر السماح بازدواجية الجنسية. ولا يرفض الحزب فقط هذه النقطة في التغييرات، بل يرفض أيضاً تقصير مهلة السماح للتقدم للحصول على الجنسية من 8 سنوات إلى 5 سنوات. ويرى الحزب اليميني أن «التجنيس يجب أن يأتي في نهاية عملية اندماج ناجحة وليس في بدايتها؛ لأن الاندماج الجيد يحتاج إلى وقت».

على هذا يرد مؤيدو بأن تقصير المهمة والسماح بازدواجية الجنسية من السياسات التي تقرب ألمانيا من سياسات دول غربية أخرى تعتمد المبدأ نفسه. وينتقد الاشتراكيون و«الخضر»، خصوصاً، خصومهم الديمقراطيين المسيحيين وزعيمهم فريدريش ميرتز - الذي يميل إلى الجناح المتطرف في حزبه - ويتهمونه باعتماد «سياسة إقصاء». وكان ميرتز قد تعرض بالفعل لانتقادات شديدة بعدما وصف الطلاب المسلمين في المدارس، من عرب وأتراك، بأنهم «باشاوات صغار». وكان ميرتز يومها يعلق على أحداث رأس السنة الأخيرة التي شهدت اعتداءات على الشرطة من قبل شبان من أصول مهاجرة، وأراد في تعليقه الإضاءة على ضعف اندماج العائلات المسلمة في المجتمع الألماني.

هذا، ويكرّر المستشار شولتس (زعيم الاشتراكيين) نفسه في معرض رده على منتقدي إصلاح قانون التجنيس، بأن في ألمانيا قرابة الـ10 ملايين شخص يعملون ويدفعون الضرائب من دون أن يحملوا الجواز الألماني. ويضيف أن «الديمقراطية تزدهر عندما تتوافر فرص لإسماع الصوت»، في إشارة إلى ضرورة السماح لهؤلاء بالمشاركة في حق الاقتراع والحياة السياسية.

غايات تسريع الاندماج

ولكن، مع أن القانون الجديد يذهب بعيداً في تلبية دعوات الاندماج والانفتاح والإصلاح، فإنه وجّه ببعض الانتقادات من ممثلي الجالية التركية نفسها. إذ رحّب أمين عام «الجالية التركية في ألمانيا» غوياك صوفو أوغلو بالتغييرات التي تريد الحكومة إدخالها على قانون الجنسية، قائلاً «... وأخيراً ستأتي!»، لكنه سرعان ما أضاف منتقداً «إبقاء الامتحان الشفهي للغة على من يعرفون جيل العمال المهاجرين لا داعي له. كانت ستكون إشارة جيدة لو اعتُمد تسهيل أكبر في عملية للحصول على الجنسية لأولئك الذين ساهموا بإعادة بناء ألمانيا». وانتقد صوفو أوغلو كذلك تشديد القانون بالنسبة للجرائم المتعلقة بمعاداة السامية، قائلاً: «وفق المسودة الحالية، فإن ارتكاب (أفعال) بدافع العنصرية ومعاداة السامية هي لوحدها معيار استبعاد... (أفعال) وليس (جرائم) (!)... وهذا يترك الباب مفتوحاً أمام ما إذا كانت مجرد المشاركة في تظاهرات ضمن إطار حقوق حرية التعبير ستغدو معياراً للإبعاد».

في أي حال، تسعى الحكومة الاتحادية الحالية عبر تغييراتها المقترحة، ليس فقط إلى منح صوت لملايين المواطنين الذين يعيشون في ألمانيا من دون التمتع بكامل الحقوق، بل أيضاً تريد جذب مزيد من الأيدي العاملة التي تحتاج إليها البلاد بصورة ماسة وبشكل عاجل، وخاصة في مجالات الطب والتعليم. وهي تأمل أن تجذب تغييرات قانون الجنسية أعداداً أكبر من هذه الفئات لسد ثغرات كبيرة في المهارات المطلوبة.

غير أن البعض يحذر من أن ألمانيا ستكون في حاجة إلى أكثر من مجرد تعديل القانون لجذب هذه المهارات. فقد كتبت صحيفة «نويه أوزنابروك» أن ألمانيا «تحتاج إلى أكثر من مجرد قانون هجرة جذاب... إنها في حاجة إلى ثقافة ترحيبية تنقصها حتى الآن». وأضافت الصحيفة أن النقاش حول التجنيس والاندماج نقاش حساس، «لكن القانون شيء وما يعيشه الأشخاص من ذوات الخلفية المهاجرة في حياتهم اليومية في ألمانيا هو شيء آخر».

وتابعت الصحيفة شارحة «أي شخص اسمه ليس ماير أو مولر، غالباً، ما يواجه تمييزاً ضده. فمثلاً أثناء البحث عن وظيفة أو السفر في القطار وفي العمل أو عند التبضع أو التعامل مع السلطات... ليس مهماً إذا كنت مولوداً هنا أم لا». واستطردت من ثم «ما تحتاج إليه ألمانيا إلى جانب تغيير القوانين... هو ثقافة الترحيب، وهذا لا يمكن تغييره بالقوانين، بل يعتمد على المقاربة الشخصية، وعلى ألا ننظر إلى الطبيب أو الممرضة وغيرهم على أنه متضرّع يتسوّل وظيفة، بل النظر إليه كمواطن يؤدي دوره لضمان دوران عجلة المجتمع».

آليس فايدل وتينو شروبالا، الزعيمان بالشراكة لحزب "البديل لألمانيا" اليميني المتطرف (أ ب)

مخاوف من استفادة «البديل لألمانيا» المتطرف وسط الجدل المحتدم حول الجنسية والاندماج

> وسط كل الجدل حول قانون الجنسية الألماني، والتغييرات المقترحة عليه، يخشى كثيرون من الألمان أن تستغل الأصوات اليمينية المتطرفة هذا القانون الجديد لكسب المزيد من الأصوات، كما حصل بعد موجة اللاجئين السوريين عام 2015. فالكل يتذكّر في تلك الفترة كيف نجح حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف بدخول «البوندستاغ» (مجلس النواب الاتحادي) للمرة الأولى في العام 2017.

في حينه، بات أول حزب ألماني يميني متطرف يعود إلى البرلمان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولقد بنى الحزب حملته آنذاك على مشاعر الكراهية والعداء للمهاجرين والمسلمين. وراهناً، تظهر استطلاعات الرأي في ألمانيا تقدم حزب «البديل لألمانيا» في الولايات الشرقية (ألمانيا الشرقية سابقاً) التي كانت تحت سيطرة السوفيات قبل الوحدة اللألمانية.

وهنا نشير إلى جميع الأحزاب الألمانية، حتى الآن، ترفض الدخول في أي ائتلاف حكومي مع حزب «البديل لألمانيا» سواءً على مستوى كل ولاية أو مستوى البلاد ككل. إلا أن هذا الوضع قد يتسبب بمشاكل معقدة قريباً، وبالذات، على الصعيد الولايات، في حال حافظ الحزب اليميني المتطرف على تقدمه في الاستطلاعات وترجمتها نتائج حقيقية في الانتخابات.

الاختبار الأول في الولايات الشرقية خلال العام المقبل سيكون مع الانتخابات المحلية المقرّرة في ولايات ثورينجيا وساكسونيا وبراندنبرغ. وحسب أحدث الاستطلاعات في هذه الولايات، فإن «البديل لألمانيا» يتبوأ الصدارة في كل منها ولكن من دون الحصول على الغالبية المطلقة التي تمكنه من الحكم منفرداً، ما يعني بأنه سيتوجب عليه تشكيل ائتلافات مع أحد الأحزاب الأخرى.

ولكن في حال ظلت الأحزاب الأخرى متمسكة برفضها التحالف، ولو مؤقتاً مع «البديل لألمانيا»، قد تواجه هذه الولايات مأزقاً شديداً وسط مخاوف من أنها قد تصبح «غير قابلة للحكم»، خاصةً، وأن الأحزاب الأخرى مجتمعة قد لا تكون لديها هي الأخرى غالبية كافية كذلك للحكم. ثم أن حزب «البديل لألمانيا» لا يستفيد فقط من النقاش الدائر حالياً حول المهاجرين، بل يستفيد من الحرب في أوكرانيا، إذ حيث تتزايد الدعوات في صفوف الحزب المتطرف لوقف «نشر العداء لروسيا» ووقف التورط في «حرب ليست حربنا».

بيد أنه، على الرغم من كل هذه المخاوف، تتجه ألمانيا لأن تصبح - على الأقل بحسب القانون - دولة «أكثر احتواءً لتنوّعها» وقبولها للمهاجرين الذين باتوا يشكلون جزءاً أساسياً من المجتمع، وهذا ينعكس كذلك في «البوندستاغ» حيث يوجد واحد من أصل 9 نواب من خلفية مهاجرة. ومعظم هؤلاء ينتمون إما إلى حزب «الخضر» أو إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي)، بينما يظل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي «الأقل تلوّناً» من بين الأحزاب الكبيرة الثلاثة.

حقائق

سمح القانون المعدل عام 1999 بوجود الجنسية المزدوجة فقط لمواطني دول الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي ما زال صالحاً حتى اليوم


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.