مازن كيوان لـ«الشرق الأوسط»: نفتقد الإصغاء وعمق الصلة بالطبيعة

مشروعه «كون» الفني يشكّل جسراً بين الصمت والصخب

يُقام المشروع حيث يجمع الطبيعة بالفن (الشرق الأوسط)
يُقام المشروع حيث يجمع الطبيعة بالفن (الشرق الأوسط)
TT

مازن كيوان لـ«الشرق الأوسط»: نفتقد الإصغاء وعمق الصلة بالطبيعة

يُقام المشروع حيث يجمع الطبيعة بالفن (الشرق الأوسط)
يُقام المشروع حيث يجمع الطبيعة بالفن (الشرق الأوسط)

يفتتح الكوريغراف اللبناني مازن كيوان، في 24 يونيو (حزيران) الحالي، المشروع الحلم. الفكرة قديمة، استمدّها من تجربة شخصية. انخرط في المدينة وظلّ بحاجة إلى سكينة الجبال. راح يتخبّط بين العيش في الصخب وإلحاح الإبداع المُستقى من الصمت. سمّى المشروع، الرابض في قلب طبيعة قضاء الشوف المذهلة، «كون». يقصد به «كُن النسخة الفضلى عن نفسك». فضَّل «كون» بالمحكية، على «كُن» بالفصحى لتفادي وَقْع فعل الأمر. يبدأ حواره مع «الشرق الأوسط» بتوضيح القصد: «أردنا هذه المساحة الفنية دعوة للجميع ليكونوا حقيقيين من الداخل».

لمازن كيوان خبرة في الرقص والمسرح تزيد على 30 عاماً. تخمّرت فيه سطوة الأماكن على المرء. من جهة، أكسبته بيروت إيقاعات الحياة، ومن أخرى افتقد أصله الإنساني خارج روح الطبيعة. يقول: «غرفتُ من المدينة صداها الإيجابي، نبضها الثقافي وإيقاعاتها، فرسمتُ مساري الفني. مع ذلك، ظللتُ في حاجة إلى سكون، وحدها الطبيعة تتيحه». على ارتفاع 1400 متر، حيث البحر البعيد يرسم لوحة خلابة لحظة غروب الشمس، راودته فكرة يحلو له وصفها بـ«الجسر»: «جسر بين المدينة ونبضها الثقافي، ونبض من نوع آخر، تغمر به الجبال ساكنيها».

مازن كيوان يتطلّع لمشروع يصبح ملتقى الفنانين (الشرق الأوسط)

العملية أشبه بالعبرة من الغطس. كأنْ يبدو البحر عاصفاً، عاليَ الموج، ومتى أبحر الإنسان إلى أعماقه، بلغ الصفاء الذهني. اختلاف الحياة بين المدن والجبال، جعل المشروع مُلحّاً: «أردتُ مكاناً يستمد من المدينة تدفّق الأفكار، ومن الجبل القدرة الفريدة على فلترتها. المكان عامل أساسي في عملية الإبداع».

كثُرت الصعوبات، فالمشروع لم يولد بالسهل. إنها «الأوضاع» وما تُرتّبه على الأحلام والطموح. يُضاف إليها «عدم الاهتمام بالبنى التحتية». ينوّه كيوان برئيس بلدية جباع - الشوف إيهاب حماد لـ«جهده الشخصي»، ورئيس محمية الشوف نزار الهاني للمساهمة في تعبيد الطريق إلى «كون». يتابع: «باقي المسائل من كهرباء وماء، تولّيتها بنفسي. لو طُرح المشروع في بلد أوروبي مثلاً، للاقى اهتماماً كبيراً، خصوصاً لكونه صديقاً للبيئة، يحمل تأثيرات فنية، ثقافية، اجتماعية، وأيضاً اقتصادية، من خلال توظيف عاملين من المنطقة».

منذ «الكوفيد»، والإنسان يجدد علاقته بالطبيعة ويلجأ إليها لتفادي الزحمة. هذه العودة إلى الأصل، تطبع مشروع مازن كيوان. من تجربته يقول: «تعلّمتُ من المدينة وانخرطتُ في فنونها. لكنّ كثراً من أبناء الجبال يعانون فرصاً أقل. أحد أهداف (كون) هو جعلهم على تماس مع الفن بأنواعه لبناء خبراتهم؛ مسرح ورقص وسينما وموسيقى ونشاطات رياضية روحية. كلها طرق مؤدّية إلى الداخل».

مشهد من الطبيعة الخلابة في منطقة الشوف اللبنانية (الشرق الأوسط)

يرى مصمّم الرقص أنّ المناهج التعليمية والقوانين الاجتماعية تؤطّر الإنسان وتساهم في محدوديته: «يصبح التحدي استعادة الذات. نحن جزء من الطبيعة، لا نستطيع فصل أنفسنا عنها. وسط الضجيج، افتقدنا متعة الإصغاء. يا لها من كلمة رائعة، الإصغاء! وهو لا يتحقق ما لم يحلّ الصمت. يستحيل الإصغاء في الصخب. (كون) مكان متكئ على جبل عالٍ ضمن السلسلة الغربية لجبال لبنان، يملك امتياز الانشراح على البحر بمدى أكثر من 180 درجة. في محيط مُشابه، يزيل الإنسان طبقات الغضب المتراكمة. تسقط ستارة (السترس) الغليظة لتحلّ قدرة عميقة على التواصل، بدل الندوب والجراح وما نحمله فيُثقل».

هل تصبح الحياة في بيروت مستحيلة بالنسبة إليه، ليحلّ الحيّز الموازي والفسحة البديلة؟ يجيب: «بيروت ملهمة جداً. وهي رائعة بتسليم وجوهها للبحر. مشهدها ليس واحداً، وأحياؤها مختلفة. حين دعوتُ أصدقاء أجانب إلى مهرجان التانغو، لفتهم نبضها الحيوي. قالوا لي إنها مليئة بالطاقة (It’s vibrating! Full of energy)، مع ذلك مُتعب الصخب طوال الوقت. لا بدّ من الهدوء لصفاء الرؤية».

تكاد الحياة أن تشبه كوباً من الماء يطفح بالترسبات؛ وحل ورمل وحجارة... الحركة الدائمة تُصعّب ركود هذه العناصر الشاقة، ولمجرّد أن تستريح، يتّسم المشهد بالوضوح. يتحدّث كيوان عن الامتلاء: «كأنْ لا يبقى مكان في الداخل بعدما يطفح الكيل. من خلال (كون) يتخذ العصف الذهني (Brainstorming) مسلكاً آخر. يصبح الذهن منشغلاً بالتجربة الفنية وتطويرها، بالتلاقي مع الغير، بالسؤال والجواب».

المشروع صيفيّ في مرحلته الأولى، ويطمح لملء أيام السنة بالنشاطات. «ينبغي تأمين الدعم، خصوصاً أنّ الثلوج تغمر المكان. نتطلّع لتصميم يتكيّف وتقلّبات الطبيعة، فيحضر كتّاب ومسرحيون وموسيقيون وسينمائيون، للتأمل والتأليف. حلم (كون) التحوّل إلى ملتقى لفنانين متمرّسين ومواهب تتطلّع للتقدّم».

يعطي لمحة عن البرنامج: «الفنانون من خارج البريق الخدّاع والشهرة الزائفة. أردتهم حقيقيين، يستمدّون التجدّد من الطبيعة، ويكترثون للحظات سامية من خلال الفن. الافتتاح في 24 من الشهر الحالي مع الفنان اللبناني خالد الهبر. إنه ملتزم بنصّه وموسيقاه، وفنان بإنسانيته. من الضيوف، التينور إيليا فرنسيس، والفنانة رانيا الحاج. وأيضاً بشار مارسيل خليفة البارع على البيانو». يكمل أنّ «كون» سيشهد لقاءات بين الجمهور وممثلين ومخرجين معروفين، إلى ورش عمل مع ندى أبو فرحات وزينة دكاش، وعروض أفلام، تليها جلسات نقاش. ذلك الوادي بين الفنان والناس، يشاء كيوان ردمه، فيلتقي الجميع على خشبة.


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)

مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

يُسلَّم الجمهور عند مغادرته منشوراً كتبه إدمون حدّاد يوضح فيه فلسفة المسرحية ورسالتها الشخصية حول أنتيغون والبحث عن متنفس قبل الموت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض استعاد مسيرة الفنان نجيب الريحاني (المركز القومي للمسرح المصري)

«صاحب السعادة نجيب الريحاني»... مسرحية تبرز مسيرة رائد الكوميديا المصرية

تحت عنوان «صاحب السعادة... نجيب الريحاني» استضاف مسرح الغد بالقاهرة عرضاً فنياً إحياء لذكرى رائد الكوميديا المصرية الراحل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

تضع مسرحية «ابن الأصول» أبطالها في لحظة اختيار فاصلة، لتكشف ماذا يفعل الإنسان الفقير حين تهبط عليه ثروة مفاجئة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق العرض المسرح «على كيفك ميل» بمسرح نهاد صليحة (أكاديمية الفنون)

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

في حالة تستدعي نوستالجيا فترة التسعينات في مصر، جاء العرض المسرحي «على كيفك ميل» ليقدم لنا حالة فنية تمزج بين الكوميديا وتراجيديا الحياة اليومية للأسر المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

احتيال تذاكر «اللوفر»... نهب 10 ملايين يورو وتوقيف 9 متهمين

سياح يقفون أمام اللوفر في باريس (أ.ف.ب)
سياح يقفون أمام اللوفر في باريس (أ.ف.ب)
TT

احتيال تذاكر «اللوفر»... نهب 10 ملايين يورو وتوقيف 9 متهمين

سياح يقفون أمام اللوفر في باريس (أ.ف.ب)
سياح يقفون أمام اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

ألقت الشرطة الفرنسية القبض على 9 أشخاص في إطار التحقيق في شبكة واسعة للاحتيال بتذاكر الدخول إلى متحف «اللوفر» في باريس. وتأتي هذه القضية لتضيف فضيحة جديدة إلى سلسلة السرقات والإضرابات وحوادث تسرّب المياه التي طالت مقتنيات المتحف، الذي يُوصف بأنه الأكبر والأشهر في العالم.

وحسب المعلومات الأولية، فإن الأموال التي ضُبطت حتى الآن تجاوزت 957 ألف يورو نقداً، إضافة إلى 476 ألف يورو في حسابات مصرفية. ومن بين الموقوفين اثنان من العاملين في «اللوفر» ودليل سياحي، إلى جانب شخص متهم بإدارة المجموعة.

واتبعت العصابة، التي تضم دليلين سياحيين صينيين، أسلوباً احتيالياً قائماً على إعادة استخدام تذكرة الدخول الواحدة إلى المتحف مرات عدة. وكانت الشبكة تستغل دخول أكثر من 20 مجموعة سياحية يومياً. ويُقدَّر مجموع ما جناه المحتالان وشركاؤهما خلال السنوات الماضية بنحو 10 ملايين يورو، قبل كشف الشبكة وتحديد أفرادها بفضل التنصت على الهواتف. وأظهرت التحقيقات أن جزءاً من تلك الأموال استُثمر في شراء عقارات في باريس ودبي.

ويواجه المتهمون تهماً تتعلق بالاحتيال المنظم، والتزوير، وتبييض الأموال، والفساد الإداري، واختلاس المال العام.


كيف يربي الآباء الأطفال المتميزين؟ 9 خطوات بسيطة لكنها فعّالة

طفل يقوم بممارسة هواية الرسم والتلوين (بيكسلز)
طفل يقوم بممارسة هواية الرسم والتلوين (بيكسلز)
TT

كيف يربي الآباء الأطفال المتميزين؟ 9 خطوات بسيطة لكنها فعّالة

طفل يقوم بممارسة هواية الرسم والتلوين (بيكسلز)
طفل يقوم بممارسة هواية الرسم والتلوين (بيكسلز)

عندما نفكر في الأطفال الناجحين، يتبادر إلى أذهان كثيرين طلاب متفوقون دراسياً، أو فائزون بجوائز رياضية، أو حاصلون على خطابات قبول جامعية مرموقة.

لكن بعد سنوات من دراسة أكثر من 200 علاقة بين الآباء والأبناء، تبيّن أن النجاح الحقيقي لا يتمثل فقط في الإنجاز الأكاديمي أو التفوق الظاهري، بل في تربية أطفال واثقين بأنفسهم، مستقرين عاطفياً، ومتصلين بعمق بذواتهم وبالعالم من حولهم، وذلك وفقاً لما أوردته شبكة «سي إن بي سي».

الآباء الذين أدركوا هذه الحقيقة تبنّوا، في كثير من الأحيان، استراتيجيات غير تقليدية، أعطت الأولوية للفضول، وحب التعلم، والذكاء العاطفي، بدلاً من الانشغال المفرط بالتوقعات المجتمعية.

وفي ما يلي تسعة أمور قام بها هؤلاء الآباء بشكل مختلف منذ البداية، وفقاً لريم روضة، مدرّبة التربية، وأم، ومبتكرة «باوند»، وهي مجلة للتواصل بين الوالدين والطفل تهدف إلى تنمية الذكاء العاطفي وتقدير الذات:

1. عملوا على تطوير أنفسهم

بدلاً من التركيز المفرط على كيفية استجابة أطفالهم للمواقف الصعبة، أدرك هؤلاء الآباء أن سلوكهم الشخصي هو العامل الأكثر تأثيراً في تنمية مرونة أطفالهم. فحرصوا على أن يكونوا قدوة في القوة الذهنية والعاطفية، من خلال إدارة ضغوطهم وانفعالاتهم أمام أطفالهم بطريقة صحية.

2. امتنعوا عن قول «أحسنت!» باستمرار

بدلاً من الاكتفاء بعبارة «أحسنت!»، شجّعوا أبناءهم على التأمل الذاتي بعبارات مثل: «يجب أن تفخر بنفسك» أو «لقد بذلت جهداً كبيراً في هذا العمل، كيف تشعر تجاه ما أنجزته؟».

ورغم أن عبارة «أحسنت!» تنطوي على نية طيبة، فإن تكرارها قد يعزز اعتماد الطفل على التقدير الخارجي. لذلك ركز هؤلاء الآباء على تنمية الدافع الداخلي لدى أبنائهم، ومساعدتهم على الاعتزاز بإنجازاتهم انطلاقاً من شعورهم الشخصي بالفخر.

3. ركزوا على علاقتهم بأطفالهم

من خلال قضاء وقت نوعي مع أبنائهم، وممارسة الاستماع الفعّال، ومشاركة التجارب اليومية معهم، جعلوا الأطفال يشعرون بالتقدير والأمان والتفهم. وقد أسهم ذلك في تعزيز ثقة الطفل بنفسه، ومنحه الجرأة لخوض التجارب وتحقيق النجاح.

4. لم يعاقبوا أطفالهم

تجنب هؤلاء الآباء أسلوب العقاب التقليدي، لإدراكهم أنه غالباً ما يولّد الاستياء ويؤدي إلى الانفصال العاطفي، بدلاً من تعليم المهارات.

وبدلاً من ذلك، سمحوا للعواقب الطبيعية بأن تؤدي دورها التربوي. فعلى سبيل المثال، إذا نسي الطفل أداء واجبه المدرسي، كان عليه أن يشرح الأمر لمعلمه، وهو موقف يتيح له تعلم المسؤولية ومهارات حل المشكلات. وقد ساعد هذا النهج في بناء حس المساءلة وتعزيز المرونة.

5. لم يكافئوا التفوق الأكاديمي

بدلاً من تقديم مكافآت مقابل الدرجات الجيدة، ركزوا على غرس حب التعلم في نفوس أطفالهم. سواء أكان الطفل متفوقاً أم يواجه صعوبات، ظل الاهتمام منصباً على نموه وتطوره، مع التأكيد له أن درجاته لا تحدد قيمته الشخصية.

6. فضّلوا الأسئلة على الإجابات

شجّعوا أبناءهم على طرح أسئلة «لماذا» و«كيف»، بدل الاكتفاء بالبحث عن الإجابة «الصحيحة» فقط. وقد عزز هذا النهج فضول الأطفال، ومنحهم الثقة في التفكير النقدي وتحدي الوضع القائم، وهي صفات أساسية في قادة المستقبل.

7. سمحوا لأطفالهم بأن يعلّموهم شيئاً ما

سواء أكان الأمر يتعلق بحل مسألة رياضية أم بشرح لعبة مفضلة، منحت هذه اللحظات الأطفال شعوراً بالأهمية والكفاءة.

ومن خلال التراجع قليلاً وإتاحة المجال لأبنائهم لتولي زمام المبادرة، أظهر هؤلاء الآباء احتراماً لقدرات أطفالهم، وعززوا ثقتهم بأنفسهم وإحساسهم بالقيمة.

8. جعلوا القراءة عادة يومية

لم تُقدَّم القراءة بوصفها واجباً ثقيلاً، بل كانت جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية. سواء أكانت كتباً مصورة تُقرأ قبل النوم، أم روايات يُستمتع بها في أوقات الهدوء، أصبحت القراءة نشاطاً مألوفاً ومحبباً، ما عزز الإبداع وحب التعلم مدى الحياة.

9. علّموا أطفالهم تقبّل مشاعرهم

تعامل هؤلاء الآباء مع المشاعر باعتبارها تجارب ذات قيمة، وليست أموراً ينبغي إصلاحها أو تجنبها.

فعندما كان الطفل يشعر بالحزن بعد خسارة لعبة، على سبيل المثال، قد يقول أحد الوالدين: «أرى كم أن هذا الأمر مهم بالنسبة لك. من الصعب أن تخسر شيئاً عزيزاً عليك». وقد ساعد هذا النوع من التعاطف والدعم البسيط الطفل على فهم مشاعره والتعامل معها، وبناء مرونته النفسية على المدى الطويل.


هولندا تمنح موظفيها يوماً إضافياً للحياة… فهل كانت النتيجة أفضل؟

موظفة تعمل في الأرشيف الجيولوجي للمتحف الملكي لأفريقيا الوسطى بالقرب من بروكسل (أ.ف.ب)
موظفة تعمل في الأرشيف الجيولوجي للمتحف الملكي لأفريقيا الوسطى بالقرب من بروكسل (أ.ف.ب)
TT

هولندا تمنح موظفيها يوماً إضافياً للحياة… فهل كانت النتيجة أفضل؟

موظفة تعمل في الأرشيف الجيولوجي للمتحف الملكي لأفريقيا الوسطى بالقرب من بروكسل (أ.ف.ب)
موظفة تعمل في الأرشيف الجيولوجي للمتحف الملكي لأفريقيا الوسطى بالقرب من بروكسل (أ.ف.ب)

تبنّى الهولنديون، بهدوء ومن دون ضجيج، نظام العمل لأربعة أيام فقط في الأسبوع. لكن تكثر التساؤلات حول أثر هذا النظام، وما إذا كان سيستمر على المدى الطويل.

يقول غافين آرم، الشريك المؤسس لشركة Positivity Branding الصغيرة في أمستردام: «أطفالك يكونون صغاراً مرة واحدة فقط».

ويضيف: «معظم الناس، عندما يديرون شركة، يكرّسون أنفسهم لها ويعملون بجد لتحقيق النجاح. وغالباً ما يفعلون ذلك من أجل أطفالهم. لكن عندما يكبر هؤلاء الأطفال، ينظر الآباء إلى الوراء ويقولون: لقد فاتني ذلك الجزء من حياتهم، وهذا أمر مؤسف. نحن لا نريد أن نكون مثلهم».

كان آرم يتحدث إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) من مكتب شركته المريح في العاصمة الهولندية، داخل حي يشتهر بأسواقه الصاخبة وتاريخه البوهيمي وتسارُع وتيرة تطوره العمراني.

وتقدّم الشركة، التي أسسها بالاشتراك مع زميله بيرت دي ويت، خدمات استشارية للشركات في ما يتعلق بهوية علاماتها التجارية وتصميم وتغليف منتجاتها.

قبل سبع سنوات، قرر آرم ودي ويت تحويل نظام العمل في شركتهما - لهما ولموظفيهما - إلى أربعة أيام في الأسبوع.

لم يُطلب من الموظفين قبول أي تخفيض في رواتبهم، كما لم يُطلب منهم العمل لساعات أطول خلال الأيام الأربعة. بل ظلّ إجمالي ساعات العمل ثابتاً عند 32 ساعة أسبوعياً، أي ثماني ساعات يومياً.

ويقول دي ويت، رافضاً فكرة أن موظفيه يعملون جهداً أقل مقابل الأجر ذاته: «كان تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية هو جوهر هذا النظام». ويضيف أن الفكرة تقوم على «العمل بذكاء، لا بجهد أكبر».

ويتابع: «في بلدان أخرى، قد يقضي الموظفون وقتاً طويلاً في أماكن العمل، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم يعملون بفاعلية طوال تلك الساعات. إن تغيير ثقافة العمل وطريقة التفكير هو التحدي الأكبر».

انتشار واسع وضغط نقابي

أصبح العمل أربعة أيام في الأسبوع شائعاً في هولندا منذ سنوات، حتى إن بعض الشركات الكبرى اعتمدته.

وفي الوقت نفسه، يواصل أكبر اتحاد نقابات عمالية في البلاد (FNV)، الضغط على الحكومة الهولندية لاعتماد هذا النظام كتوصية رسمية. ومع ذلك، يتمتع الموظفون الهولنديون بالفعل بحق قانوني في طلب تخفيض ساعات عملهم.

تقول ماريكي بيبرز، رئيسة قسم الموارد البشرية في شركة البرمجيات الهولندية Nmbrs: «نحب أن نمنح أنفسنا وقتاً للراحة. أفضل الأفكار تراودني عندما أتمشى مع كلبي».

وتحصل بيبرز على إجازة كل يوم جمعة. وتضيف: «لا أحد ينتظرني، فأجد الإلهام وأكون في حالة ذهنية أفضل».

وتؤكد أن الشركة، منذ اعتمادها نظام الأربعة أيام، «شهدت انخفاضاً في معدلات مرض الموظفين وارتفاعاً في نسبة الاحتفاظ بهم». لكنها تشير إلى أن تطبيق الفكرة لم يكن سهلاً في البداية.

وتوضح: «كان علينا إقناع المستثمرين. حتى موظفونا كانوا متشككين في البداية، ومن بين ردود أفعالهم: لا أستطيع إنجاز عملي في خمسة أيام، فكيف سأفعل ذلك في أربعة؟ شعر البعض بضغط كبير. لكن كان علينا أن نكون دقيقين جداً في تحديد أولوياتنا، فقلّلنا عدد الاجتماعات».

إنتاجية مرتفعة وساعات عمل أقل

حظي تبنّي هولندا الهادئ لأسبوع العمل ذي الأربعة أيام باهتمام دولي واسع. ويبلغ متوسط ساعات العمل الأسبوعية للموظفين الهولنديين 32.1 ساعة، وهو الأدنى في الاتحاد الأوروبي، وأقل بكثير من متوسط الاتحاد البالغ 36 ساعة.

في المقابل، يظل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في هولندا من بين الأعلى في أوروبا، ويقترب من صدارة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ذات الاقتصادات المتقدمة.

ويتحدى ذلك الافتراض السائد بأن الدول الغنية تحتاج إلى ساعات عمل طويلة للحفاظ على قدرتها التنافسية.

هل يُعدّ أسبوع العمل الهولندي القصير نجاحاً اقتصادياً؟

تقول دانييلا غلوكر، الخبيرة الاقتصادية في مكتب هولندا بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: «صحيح أن هولندا تتمتع بإنتاجية عالية وساعات عمل أقل، لكن ما لاحظناه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية هو أن الإنتاجية لم تشهد نمواً يُذكر. لذلك، إذا أراد الهولنديون الحفاظ على مستوى معيشتهم، فعليهم إما زيادة الإنتاجية أو زيادة المعروض من العمالة».

وتعني بذلك أنه ينبغي على العاملين الحاليين إنتاج مزيد من السلع والخدمات يومياً، أو أن تدخل أعداد أكبر من الأشخاص إلى سوق العمل، ربما عبر زيادة الهجرة.

تُعدّ هولندا الدولة ذات أعلى نسبة من العاملين بدوام جزئي بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إذ يعمل نحو نصف الموظفين بدوام أقل من الكامل.

وتؤدي الأجور المرتفعة، إلى جانب هيكل الضرائب الذي يفرض عبئاً أكبر على شريحة الدخل المتوسطة، إلى تقليل جاذبية العمل لساعات إضافية، ما يدفع كثيراً من الأسر إلى تفضيل الوقت على زيادة الدخل.

ويشير تحليل حكومي إلى أن ثلاثاً من كل أربع نساء، وواحداً من كل أربعة رجال، يعملون أقل من 35 ساعة أسبوعياً.

وتجادل النقابات بأن تقليص يوم عمل أسبوعياً يمكن أن يعزز الطاقة والإنتاجية ويُحسّن المجتمع عموماً، كما أن اعتماد نظام منتظم من أربعة أيام قد يحافظ على وظائف أشخاص قد ينسحبون من سوق العمل نهائياً.

غير أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحذّر من أن هذه الميزة ترافقها ضغوط متزايدة. فمثل غيرها من الدول، تواجه هولندا شيخوخة سكانية؛ ومع ارتفاع أعداد المتقاعدين، يتراجع عدد العاملين.

ويقول نيكولاس غون، الخبير الاقتصادي في المنظمة: «الهولنديون أغنياء ويعملون ساعات أقل، لكن السؤال هو: إلى أي مدى يمكن استدامة هذا الوضع؟ لا يمكن إنجاز الكثير بعدد محدود من العمال. ما نراه هو أن هولندا تواجه قيوداً من جميع الجهات، والحل الأمثل لتخفيف هذه القيود هو زيادة المعروض من العمالة».

من بين سبل زيادة المعروض من العمالة رفع نسبة النساء العاملات بدوام كامل. فعلى الرغم من ارتفاع معدلات توظيف النساء، فإن أكثر من نصفهن يعملن بدوام جزئي، وهي نسبة تقارب ثلاثة أضعاف متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ولا يزال توفير خدمات رعاية أطفال بأسعار معقولة يمثل عائقاً رئيسياً، كما أن ارتفاع ضرائب الدخل وتعقيد نظام المزايا الاجتماعية قد يثنيان بعض الأشخاص، خصوصاً المعيلين الثانيين في الأسرة، عن زيادة ساعات عملهم.

ويشير بيتر هاين فان موليجن، من مكتب الإحصاء الهولندي، إلى وجود «نزعة محافظة مؤسسية» متجذرة في المجتمع الهولندي، تُشكّل عائقاً أمام مشاركة المرأة بدوام كامل.

وأظهرت دراسة أُجريت عام 2024 أن واحداً من كل ثلاثة أشخاص في هولندا يرى أن الأمهات اللواتي لديهن أطفال صغار جداً (ثلاث سنوات أو أقل) ينبغي ألا يعملن أكثر من يوم واحد في الأسبوع، بينما يعتقد نحو 80 في المائة أن ثلاثة أيام أسبوعياً هي الحد الأقصى.

ترى إيفيت بيكر، من نقابة FNV، أن أسبوع العمل لأربعة أيام يمكن أن يساهم في تقليص الفجوة بين الجنسين، مضيفة: «تزداد الإنتاجية عندما تنخفض معدلات التغيب عن العمل».

وفي شركة Positivity Branding، يؤكد دي ويت أن هذا النظام يجعل فرص العمل «أكثر جاذبية»، خاصة في القطاعات التي تعاني نقصاً في الكوادر، مثل التعليم والرعاية الصحية. ويضيف: «قد يكون ذلك وسيلة لجعل هذه المهن أكثر جذباً واستعادة الإنتاجية».

أما شريكه آرم، فيختصر المسألة بقوله عن أسبوع العمل لأربعة أيام: «هل أنتم أكثر سعادة؟ هل تستمتعون بحياتكم أكثر؟ هذا هو جوهر الأمر».