الفوضى في السودان: من يقاتل من أجل السلطة؟

تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)
تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)
TT

الفوضى في السودان: من يقاتل من أجل السلطة؟

تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)
تصاعد الدخان في أم درمان بالسودان مع اندلاع القتال (رويترز)

استهلك القتال بين فصيلين عسكريين في السودان، أسابيع. ويفر السودانيون والأجانب من تلك البلاد الاستراتيجية، الواقعة في شرق أفريقيا، بأعداد كبيرة، غير أن الكثير من الناس لا يزالون عالقين في الداخل.

عندما يُحوِّل الجنرالات المتناحرون مدينة يسكنها 5 ملايين نسمة إلى ساحة لحربهم الشخصية، كما فعل اثنان منهم في السودان، فإن المدنيين يدفعون ثمناً باهظاً.

وحوصر العديد من السكان داخل منازلهم، في العاصمة الخرطوم، منذ اندلاع أعمال العنف في 15 أبريل (نيسان)، حيث احتل المقاتلون بعض أحياء وسط المدينة، مطلقين النار من الأسطح وبين المباني على الطائرات الحربية. كما تعاني المدينة انقطاعاً مستمراً في الكهرباء ونقص الغذاء والمياه، فضلاً عن أعمال النهب والسلب.

يفر المواطنون السودانيون والرعايا الأجانب، على حد سواء، بأعداد كبيرة من مناطق القتال. ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نزح أكثر من 1.4 مليون شخص، منهم 360 ألف شخص عبروا الحدود إلى البلدان المجاورة، مثل مصر وإثيوبيا وجنوب السودان. وهرب آلاف السودانيين ومواطنون من دول أخرى إلى مدينة بورتسودان على البحر الأحمر، أملاً في الفرار على متن قوارب إلى السعودية.

ومع تنافس الجنرالين المتناحرين على السيطرة، فإن المصادمات بين مجموعة شبه عسكرية تُعرف باسم قوات «الدعم السريع» والجيش السوداني، أعادت ترتيب الأوضاع في البلاد بسرعة مذهلة.

كما تبددت الآمال في أن يتمكن السودان (ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، مع أكثر من 45 مليون نسمة) من بدء حكم مدني في أي وقت قريب.

واستمر القتال في البلاد إثر الانتهاك المنتظم للعديد من اتفاقيات وقف إطلاق النار التي أبرمها الجانبان من قبل. وأعلنت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، في الأول من يونيو (حزيران) أنهما قررتا تعليق المحادثات التي كانتا تُسهلان إجراءها بين الجانبين في جدة، في المملكة العربية السعودية، «نتيجة للانتهاكات الجسيمة المتكررة» لاتفاقات وقف إطلاق النار السابقة.

أين يجري القتال؟

يبدو أن معظم القتال يجري الآن في الخرطوم، وفي المنطقة الغربية من دارفور. ويسيطر الجيش، الذي يمتلك قدرات الطيران الحربي، على معظم أنحاء البلاد، بما في ذلك بورتسودان. لكن المحللين يقولون إن معظم مناطق وسط الخرطوم تخضع لسيطرة قوات «الدعم السريع».

وتجاوز عدد القتلى المدنيين جراء القتال 865 شخصاً، وأصيب أكثر من 5000 شخص آخرين، بحسب وزارة الصحة السودانية، رغم أن العدد الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك بكثير.

وفي الخرطوم، أسفر القتال عن انقطاع الكهرباء والماء عن العديد من الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل في منازلهم. ويقول الأطباء إنهم يكافحون من أجل التأقلم مع الأوضاع الراهنة. وقد أُبلغ عن اندلاع قتال بالقرب من القصر الرئاسي، ولم يتضح بعد من يسيطر على البلاد، إن كان هناك من يسيطر عليها فعلاً.

ووجد عمال الإغاثة والدبلوماسيون أنفسهم هذه المرة مستهدفين، بعدما كانوا قادرين من قبل، في كثير من الأحيان، على البقاء بعيداً عن الصراع في التوترات السابقة التي شهدها السودان.

من هما الجنرالان المتنافسان؟

الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

زعيم أحد الفصيلين الرئيسيين المتنافسين، هو الجنرال عبد الفتاح البرهان، وهو قائد عسكري قوي، ظل لسنوات زعيماً فعلياً للسودان، بحكم الأمر الواقع.

وكان الجنرال البرهان، الذي لم يكن معروفاً إلا قليلاً قبل عام 2019، على صلة وثيقة بالحاكم السوداني القديم، الرئيس عمر حسن البشير، وصعد إلى السلطة في أعقاب الاضطرابات الصاخبة التي أدت إلى الإطاحة بالزعيم المكروه على نطاق واسع.

قبل ذلك، كان اللواء البرهان قائداً للجيش الإقليمي في دارفور، عندما قتل 300 ألف شخص هناك وشُرد ملايين آخرون في القتال الذي دار في الفترة من 2003 إلى 2008، والذي أثار إدانة عالمية لانتهاكاته حقوقَ الإنسان ولتسببه بخسائر بشرية فادحة.

وبعد أن وقع المدنيون والجيش على اتفاق لتقاسم السلطة عام 2019، صار اللواء البرهان رئيساً لمجلس السيادة، وهو الهيئة التي أنشئت للإشراف على انتقال البلاد إلى الحكم الديمقراطي. لكن، مع اقتراب موعد تسليم السلطة إلى المدنيين أواخر عام 2021، ثبت أنه غير راغب في التخلي عن السلطة.

الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)

المنافس الرئيسي للجنرال البرهان هو الفريق محمد حمدان دقلو، الذي يقود قوات «الدعم السريع»، وهي مجموعة شبه عسكرية قوية.

وبرز الجنرال حمدان، الذي يتحدر من أصول متواضعة، والمعروف على نطاق واسع باسم «حميدتي»، بوصفه قائداً لميليشيات «الجنجويد» سيئة السمعة، التي كانت مسؤولة عن أسوأ فظائع الصراع في دارفور.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، تحالف اللواء البرهان والجنرال حمدان للاستيلاء على السلطة في انقلاب عسكري، ما جعلهما فعلياً الزعيم ونائب الزعيم في السودان. لكن، في الأشهر الأخيرة، وقعت مواجهات علنية، ونُشرت بهدوء قوات ومعدات إضافية في معسكرات الجيش في الخرطوم وعبر مختلف أنحاء البلاد.

لماذا تستثمر دول أخرى كثيرة في الصراع؟

يحتل السودان موقعاً محورياً في القارة الأفريقية، حيث إن له ساحلاً كبيراً على البحر الأحمر، وتحيط به سبع دول هي: جمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد، ومصر، وإريتريا، وإثيوبيا، وليبيا، وجنوب السودان.

وهناك مخاوف من أن تجتذب الفوضى الجديدة تلك البلدان المجاورة.

وقد انتشر العنف بالفعل في قلب دارفور، المنطقة المعذبة بدائرة صراعها الخاص منذ 20 عاماً. ودارفور هي موطن للعديد من الجماعات المتمردة التي يمكن أن تنغمس في القتال، وكانت قاعدة لمقاتلي شركة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة. وقد قدمت شركة «فاغنر» المشورة للحكومة السودانية، وحصلت على حق الوصول إلى عمليات التنقيب عن الذهب المربحة. كما سعت روسيا إلى السماح لسفنها الحربية بالرسو على ساحل البحر الأحمر في السودان.

وفي الوقت الذي بدا فيه أن السودان يتجاوز عقوداً مطولة من العزلة صوب الديمقراطية في السنوات الأخيرة، رفعت الولايات المتحدة تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب.

وفي الأشهر الأخيرة، حاولت مجموعة من المسؤولين الأجانب، من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الولايات المتحدة، التفاوض على اتفاق بين الجنرالين، والضغط عليهما للسماح بالانتقال إلى حكومة يقودها المدنيون.

لكن الجنرالين لم يتفقا على مدى سرعة استيعاب قوات «الدعم السريع» في الجيش السوداني. وبدلاً من ذلك، دفعا بقواتهما إلى أتون الحرب المستعرة بين الفريقين.

 

* خدمة «نيويورك تايمز»



السيسي يستقبل مدير «سي آي إيه» ويؤكد رفض مصر لأي اعتداء على الدول العربية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يستقبل مدير «سي آي إيه» ويؤكد رفض مصر لأي اعتداء على الدول العربية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية في القاهرة (الرئاسة المصرية)

استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الأحد)، جون راتكليف، مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية («سي آي إيه»)، بحضور حسن رشاد، رئيس المخابرات العامة المصرية؛ لبحث سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن، وتطورات عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية السفير محمد الشناوي، في بيان عبر صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك»، إن اللقاء تناول تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حيث أكد السيسي دعم مصر للجهود الرامية إلى التَّوصُّل إلى اتفاق شامل ينهي الأزمة الإيرانية، بما يسهم في استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة، وضمان حرية الملاحة الدولية.

وجدَّد الرئيس المصري التأكيد على موقف مصر الثابت في دعم أمن وسيادة الدول العربية، ورفض أي اعتداء عليها، مشدداً على أهمية تسوية الأزمات الإقليمية عبر المسارات السياسية والدبلوماسية، ومعالجة جذورها بصورة شاملة، بما يحفظ مؤسسات الدول الوطنية ويصون وحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية.

كما بحث الجانبان تطورات القضية الفلسطينية، حيث أكد السيسي أهمية التنفيذ الكامل للمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مشدداً على ضرورة حماية المدنيِّين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وتهيئة الظروف لاستئناف العملية السياسية وصولاً إلى تسوية شاملة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين.

https://www.facebook.com/Egy.Pres.Spokesman/posts/في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة82في المائةD8في المائةA8في المائةD9في المائة84-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةAF-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA6في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB3-في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةAF-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة81في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAD-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة88في المائةD9في المائة85-في المائةD8في المائةACفي المائةD9في المائة88في المائةD9في المائة86-في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة83في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة81-في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةAFفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB1-في المائةD9في المائة88في المائةD9في المائة83في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةAEفي المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAA-في المائةD8في المائةA7/1643850013770387/

وأشاد راتكليف، وفق المتحدث، بالدور المصري في التَّوصُّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والجهود التي تبذلها القاهرة لدعم مسار السلام والاستقرار في المنطقة.

وتناول اللقاء كذلك الأزمة السودانية، إذ جدَّد السيسي تأكيد موقف مصر الداعم لوحدة السودان واستقراره، والحفاظ على مؤسساته الوطنية وسيادته وسلامة أراضيه، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية ودفع مسار التسوية السياسية.

كما بحث الجانبان التطورات في منطقة القرن الأفريقي، حيث أكد السيسي دعم مصر لأمن واستقرار الصومال، ورفض أي مساس بسيادته ووحدة وسلامة أراضيه.

وأشار المتحدث الرسمي إلى أن المباحثات تناولت أيضاً التعاون الأمني والاستخباراتي بين البلدين، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود، إلى جانب أمن الملاحة الدولية، وتبادل الرؤى والمعلومات بشأن التطورات الإقليمية والدولية المؤثرة على أمن واستقرار المنطقة.


غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)
TT

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)

لم تلُح في الأفق حتى الآن ملامح على وجود توافق في المواقف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن تمرير اتفاق لممثلي طرفي الصراع في ليبيا، الذي يتضمن تعديلات تشريعية ودستورية تمهد لإجراء الانتخابات، ما يثير تساؤلات حول مصير الاتفاق مع اقتراب انتهاء المهلة الممنوحة للمجلسين، ومدى إمكانية اللجوء إلى مجلس الأمن لتجاوز التعثر.

مسعد بولس وخليفة حفتر خلال لقاء سابق في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

ويأتي ذلك مع انقضاء أكثر من ثلثي المهلة المحددة للمجلسين، والبالغة شهراً واحداً، لاعتماد الاتفاق الموقع في 30 أغسطس (آب) الماضي، وسط استمرار التحفظات داخل «الأعلى للدولة»، في مقابل إعلان مجلس النواب موافقته عليه، الأمر الذي يضع البعثة الأممية أمام اختبار بشأن الخطوة التالية إذا انتهت المهلة، من دون توافق بين المجلسين.

وفتح هذا التعثر الباب أمام تكهنات بشأن تفعيل البند الخامس من الاتفاق، الذي ينص على أنه في حال عدم تمكن مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» من الموافقة على الاتفاق، بصيغته الموقعة خلال شهر، يمكن اعتماده وطنياً عبر آلية واسعة التمثيل تكفي لإضفاء صفة الوثيقة الدستورية عليه، ودولياً من خلال مجلس الأمن.

وحسب خبراء فإن اللجوء إلى لجنة موسعة، على غرار الآلية التي أفضت إلى اتفاق جنيف قبل نحو خمسة أعوام، يظل أحد الخيارات المطروحة في حال استمرار الخلاف بين المجلسين. وفي هذا السياق يقول الباحث السياسي حسام الدين العبدلي إن هذا الخيار «وارد جداً» إذا استمر المجلس الأعلى للدولة في المماطلة، في ظل غياب توافق داخلي بشأن الاتفاق.

ويضيف العبدلي لـ«الشرق الأوسط» أن مجلس النواب أقر الاتفاق، رغم الخلافات التي أثيرت بشأن النصاب والإجراءات، وهو ما اعتبره مؤشراً يمكن للبعثة الأممية البناء عليه، خصوصاً مع وجود ترحيب دولي بالاتفاق، مشيراً إلى أن استمرار التعثر قد يدفع نحو البحث عن آلية بديلة لتجاوز الخلاف بين المجلسين.

ويرى العبدلي أن من بين الخيارات المطروحة تشكيل مجلس تأسيسي أو لجنة موسعة بموافقة مجلس الأمن، استناداً إلى مخرجات اللجنة الاستشارية، التي شكلتها الأمم المتحدة العام الماضي، وذلك بهدف توفير غطاء سياسي وقانوني لمسار الانتخابات، في حال تعذر الوصول إلى توافق بين المؤسسات القائمة.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتقود البعثة الأممية برئاسة هانا تيتيه، اتصالات مكثفة مع الأطراف الليبية في محاولة لإقناع «الأعلى للدولة» بالتعامل مع الاتفاق، في وقت كان فيه رئيس المجلس محمد تكالة قد أرسل رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تضمنت تحفظات على الاتفاق وآلية إقراره.

وكان أحدث تحركات تيتيه، الجمعة، مع الإعلان عن عقد لقاء مع أعضاء في «الأعلى للدولة»، مع تأكيد التزامها مواصلة العمل مع الأطراف الليبية المعنية بالعملية السياسية، والأخذ في الاعتبار توصيات «الحوار المهيكل»، والمشاورات الأخرى التي أجرتها البعثة بهدف تهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات وطنية.

محمد تكالة (إ.ب.أ)

ويقول مصدر مطلع على اتصالات البعثة الأممية مع الأطراف السياسية في العاصمة طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إن تيتيه تبذل جهوداً لتفادي اللجوء إلى مجلس الأمن، قبل استنفاد فرص التفاهم بين المجلسين، مشيراً إلى أن الانتقال إلى آلية دولية قد يفرض شروطاً أكثر تعقيداً بشأن تشكيل اللجنة الموسعة، التي يمكن أن تتولى اعتماد اتفاق «4+4».

في المقابل، يرى رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية، هاني شنيب، أن استمرار عجز الليبيين عن التوصل إلى توافق، في ظل ما وصفه بـ«غياب أدنى حد من الثقة»، قد يفتح الباب أمام تدخل أوسع من مجلس الأمن، وفرض ترتيبات أو إجراءات جديدة على الأطراف الليبية.

وتساءل شنيب في منشور عبر صفحته على «فيسبوك»، عما إذا كان كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، والبعثة الأممية سيتجهان بالملف الليبي إلى مجلس الأمن خلال الشهر المقبل «لحزم الأمور»، في إشارة إلى احتمال انتقال الملف إلى مستوى دولي أكثر مباشرة.

وسبق أن أشار بولس، خلال مشاركته في «منتدى الإعلام العربي» في دبي، الأسبوع الماضي، إلى أن قراراً من مجلس الأمن بشأن ليبيا من المنتظر صدوره خلال أسابيع، من دون أن يوضح طبيعة القرار، أو ما إذا كان مرتبطاً مباشرة باتفاق «4+4»، أو بالمسار السياسي الأوسع الذي تقوده الأمم المتحدة.

جلسة سابقة لمجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك (لقطة من تسجيل مصور)

وكان مجلس الأمن قد رحب في وقت سابق باتفاق «4+4»، واعتبره خطوة مهمة نحو إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة وشفافة وجامعة، وتعزيز توحيد المؤسسات الليبية بما يلبي تطلعات الشعب الليبي، في وقت دعا فيه الأطراف إلى دعم المسار السياسي، وتجاوز الخلافات التي تعرقل الانتخابات.

ويضع الاتفاق هدف إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، إلى جانب تعديلات تتعلق بقواعد الترشح، من بينها السماح للعسكريين بالترشح، وإلزام مزدوجي الجنسية بالتخلي عن جنسيتهم الأخرى في حال الفوز.

لكن الاتفاق يواجه تحديات على مستوى التنفيذ، في ظل استمرار تحفظات «الأعلى للدولة» على المسار، الذي قادت إليه البعثة الأممية.


قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)
مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)
TT

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)
مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع، وتضرر أراضٍ زراعية، ما يطرح تحديات هندسية وبيئية أمام خطط تطوير البنية التحتية والمساكن والمرافق العامة.

وتعاني مدن عدة من هذه الظاهرة منذ سنوات، خصوصاً أجدابيا (شرق) وزليتن (غرب)، وإن اختلفت طبيعة المشكلة وأسبابها من منطقة إلى أخرى. وتشير دراسات ليبية إلى ارتباط ارتفاع المنسوب في بعض المناطق بزيادة الإمدادات والاستهلاك، وتسربات شبكات المياه والصرف الصحي.

* خطر جيولوجي

في أجدابيا، تبدو المشكلة أكثر ارتباطاً بتأثيراتها المحتملة على التربة والمنشآت والبنية التحتية، في وقت تشهد فيه المدينة تنفيذ مشروعات تنمية وإعمار، كما تواجه مدن أخرى، بينها سلوق وسوكنة وبئر الغنم تحديات مرتبطة بظاهرة طفح المياه الجوفية.

هبوط أرضي في أحد شوارع أجدابيا شرق ليبيا (الصفحة الرسمية لبلدية المدينة)

ويحذر الدكتور صالح مهني، رئيس اللجنة الفنية لمتابعة ارتفاع منسوب المياه الجوفية في أجدابيا، من أن المشكلة تبدو أكثر خطورة في المدينة، واصفاً إياها بأنها «خطر جيولوجي يهدد التربة والمنشآت والبنية التحتية».

وأشار مهني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «زيادة المخاطر على المنشآت القائمة والمشروعات المستقبلية في المدينة، خصوصاً مشروعات الإعمار»، مشيراً إلى تأثيراتها السلبية المتوقعة من «ظهور تشققات، وهبوط في بعض المباني والطرق، وأضرار في شبكات المياه والصرف الصحي، إلى جانب انخفاض مناسيب بعض الطرق والساحات، وظهور فجوات أو هبوطات موضعية».

وتدعم دراسات هندسية سابقة هذا القلق؛ حيث خلصت دراسة لمهني والباحث حسن علي دواس إلى أن ارتفاع المياه الجوفية في بعض أحياء أجدابيا ومدن أخرى أدى إلى ظهور المياه في أقبية بعض المنازل، مع تأثيرات على الأساسات والهياكل الخرسانية.

وأوصت جهات ليبية بإجراء دراسات هيدروجيولوجية وجيوتقنية شاملة، وإعداد خرائط حديثة لاستخدامها في التخطيط العمراني.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية مع تنفيذ مشروعات تنمية وإعمار في أجدابيا، تشرف عليها جهات حكومية وصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يقوده بلقاسم حفتر، وتشمل تطوير الجسور والتقاطعات، وصيانة الإسكان العام، وتأهيل مرافق صحية، إلى جانب رصف الطرق وإنارتها.

ووفق دراسة أكاديمية لمهني منشورة في 2024، فإن ارتفاع استهلاك المياه في المناطق السكنية ذات الكثافة المرتفعة يمكن أن يزيد كميات التسرب إلى التربة، بينما تسهم شبكات المياه والصرف الصحي المتهالكة، وضعف الصيانة والتوصيلات غير النظامية في تغذية المشكلة بمزيد من المياه.

وترتبط هذه العوامل أيضاً بتراجع البنية الأساسية في ليبيا خلال العقود الأخيرة من عهد الرئيس السابق معمر القذافي، وسط ضعف الصيانة وتآكل شبكات المياه والصرف والطرق. وقد تفاقمت الأوضاع أكثر بعد أحداث فبراير (شباط) 2011، مع الانقسام السياسي والصراعات المسلحة؛ ما أضعف قدرة المؤسسات على تنفيذ مشروعات الصيانة والتطوير.

* شكاوى من غرق الشوارع

يأتي ارتفاع منسوب المياه الجوفية كأحدث فصول الأزمات المعيشية التي تواجه مدناً ليبية، مع استمرار شكاوى السكان من غرق الشوارع والمنازل وتضرر الأراضي الزراعية، في ظل صعوبة معالجة الظاهرة من دون تحديد أسبابها، ومصادر تغذية الخزانات الجوفية.

شارع في أجدابيا شهد ارتفاعاً في منسوب المياه بشرق ليبيا (صفحة صالح مهني)

وفي زليتن (غرب)، ظهرت المياه فوق سطح الأرض منذ نهاية 2023، بعد ارتفاع تدريجي في منسوب الخزان الجوفي خلال السنوات السابقة. وأدت الظاهرة إلى حدوث أضرار في الممتلكات، وتهجير سكان من بعض المناطق المتضررة، بينما تحولت أجزاء من المدينة إلى بؤر تتطلب أعمال نزح ومعالجة مستمرة.

وعملت السلطات في غرب ليبيا خلال المدة الماضية على حفر آبار ومراقبة منسوب المياه، وتنفيذ خط لنزح المياه، بالتوازي مع دراسات جيوتقنية وهيدروجيولوجية لتحديد أسباب الظاهرة ومناطق انتشارها، كما شملت الأعمال إعداد قاعدة بيانات للآبار، وإجراء قياسات للمناسيب وأخذ عينات من المياه، إلى جانب متابعة خط النزح.

ومع اقتراب موسم الأمطار، تتجه لجنة فنية لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية، بالتنسيق مع وزارة الحكم المحلي في طرابلس، إلى تنفيذ حل جزئي يخفف معاناة السكان، عبر مشروع لحفر وربط آبار سطحية في المناطق المتضررة.

لكن استمرار الظاهرة يطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل مشروعات الإعمار الجاري تنفيذها، وكذلك أي مخططات مستقبلية في المدن التي تعاني ارتفاع منسوب المياه الجوفية، خصوصاً إذا لم تسبق أعمال البناء دراسات تحدد طبيعة التربة، وحركة المياه ومصادر تغذيتها.

ويرى رئيس اللجنة الفنية لمتابعة ارتفاع منسوب المياه الجوفية في أجدابيا أن معالجة الظاهرة «ليست عقدة بلا حل»، لكنه يشير إلى أن «إقامة مشروعات للطرق والبنية التحتية، والمساكن في المناطق المتأثرة، تستلزم إجراءات هندسية احترازية مسبقة، تشمل عزل الأساسات، ونزح المياه، واتخاذ تدابير لحماية المباني والمنشآت من تأثيراتها».

وخلص المسؤول إلى أن التعامل مع «المشكلة على المدى الطويل يحتاج إلى دمج المعلومات الجيولوجية والهيدروجيولوجية والطبوغرافية في التخطيط العمراني»، مشيراً إلى أنه قدم مؤخراً مشروعاً للمدن الذكية خلال مؤتمر نظمته المبادرة العالمية التنافسية للتخطيط الحضري في بنغازي، هذا الشهر، يقوم على إنشاء نموذج رقمي، يساعد على إدماج هذه البيانات عند التخطيط للمشروعات.