«حقبات» تايلور سويفت... من جولة موسيقية إلى ظاهرة اقتصادية واجتماعية

الفنانة الأميركية تايلور سويفت خلال جولتها الأميركية تحت عنوان «The Eras Tour» (أ ف ب)
الفنانة الأميركية تايلور سويفت خلال جولتها الأميركية تحت عنوان «The Eras Tour» (أ ف ب)
TT

«حقبات» تايلور سويفت... من جولة موسيقية إلى ظاهرة اقتصادية واجتماعية

الفنانة الأميركية تايلور سويفت خلال جولتها الأميركية تحت عنوان «The Eras Tour» (أ ف ب)
الفنانة الأميركية تايلور سويفت خلال جولتها الأميركية تحت عنوان «The Eras Tour» (أ ف ب)

أكثر ما يحب عشّاق تايلور سويفت فيها، أنها مهما سرقت الأضواء، فإن الأضواء لا تسرقها منهم. تسمّيهم الفنانة الأميركية «سويفتيز» (Swifties)، وتردّد ممازحة أنها درّبتهم على حبّها والولاء لها. تَعلُّقُهم بها ليس افتراضياً ولا يقتصر فحسب على الـ450 مليون حساباً الذين يتابعونها على «إنستغرام» و«تويتر» و«فيسبوك» و«تيك توك». وما الإقبال غير المسبوق على جولتها الموسيقية الأميركية سوى تأكيدٍ على ذلك.

أطلقت المغنّية الثلاثينية على هذه الجولة عنوان «الحقبات» (The Eras Tour)، وأرادتها تحيةً لكل حقباتها الموسيقية منذ عام 2006، ولألبوماتها الـ10 بما فيها الألبوم الأحدث «Midnights». سرعان ما تحوّلت الجولة إلى اسمٍ على مسمّى وإلى حدثٍ فنّي تاريخي وإلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية، تجني بفعلِها سويفت عن كل عرضٍ من العروض 10 ملايين دولار، وفق تقرير لـ«بلومبرغ».

إيرادات سويفت في الليلة الواحدة تفوق الـ10 ملايين دولار (إنستغرام)

جولة سويفت بالأرقام

انطلقت جولة سويفت في مارس (آذار) من ولاية أريزونا، ومن المتوقّع أن تكون محطتها الأخيرة كاليفورنيا في أغسطس (آب) المقبل. تتنقّل الفنانة بين 20 ولاية أميركية، حيث تُحيي 52 حفلاً في أضخم جولة موسيقية لها خلال مسيرتها.

على مَرّ الحفلات المتواصلة منذ 3 أشهر، تلتزم سويفت بمدّة عرض هي 3 ساعات وربع الساعة، وبتقديم 44 أغنية موزّعة على 10 فقرات أمام جمهور مؤلف من 70 ألف شخص كل ليلة. ولكلٍ من تلك الإطلالات الـ10 التي ترمز إلى «حقبات» سويفت، ديكوراتها ومؤثراتها وأزياؤها الخاصة.

منذ أعلنت سويفت عن مشروعها الضخم هذا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أنبأَ تهافُت الجمهور على شراء التذاكر بأن الحدث سيكون استثنائياً. تعطّل الموقع الإلكتروني الخاص بالحجوزات بسبب الإقبال الهائل، مما أثار حفيظة الـ14 مليون شخص الذين حاولوا الحصول على بطاقات في اليوم الأول على عرضها للبيع. كما تسبّب الأمر بجلبة كبيرة في الولايات المتحدة، وصلت أصداؤها إلى قاعات المحاكم وحتى إلى «الكونغرس».

أما بعد معالجة العطل وتعبير سويفت عن غضبها العارم ممّا حصل، فجرى بيع مليونَي و400 ألف تذكرة خلال يوم واحد؛ وهو رقم قياسي جعل منها الفنانة الأولى عالمياً في مبيع البطاقات خلال اليوم الأول لفتح شبّاك التذاكر.

في المقابل، اشتكى الجمهور من الأسعار الخيالية للبطاقات وقد وصل بعضها إلى 1500 دولار، فيما تراوح سعرها الوسطي ما بين 300 و700 دولار أميركي. ربما يبرّر منظّمو العرض تلك الأرقام المرتفعة، بالقول إنّ مَن يقصد حفل تايلور سويفت سيشاهد أحد العروض الموسيقية الأعلى كلفةً في التاريخ. فوفق الأرقام المتداولة، فاقت ميزانية جولة سويفت الـ100 مليون دولار.

من المرتقب أن تحيي سويفت 52 حفلاً ضمن جولته الأميركية (إنستغرام)

إبهار غير مسبوق

ما إن رُفعت الستارة عن أول عرض، الذي حضرَه 146 ألف شخص في ليلتَيه، حتى نسي الناس فضيحة بيع التذاكر وأسعارها الباهظة. يحيط بجولة سويفت إجماعٌ من قِبل النقّاد والجمهور على تَميّز كلٍ من العَرض والفنانة. لا يأتي انبهار الصحافة والمتفرّجين من مجرّد أن سويفت تطلّ بعد غياب وبملء طاقتها وجاذبيّتها لتؤدّي أجمل أغانيها، بل من ضخامة الإنتاج المستوحى من عروض برودواي، الذي استغرق الإعداد له عاماً ونصف.

يمضي العمّال ما بين أسبوعين و3 أسابيع في تركيب المسرح المؤلّف من 3 مسارح منفصلة. هو مجهّز بأجزاء متحرّكة وبشاشات عملاقة لبثّ المحتوى الرقمي والمؤثرات الخاصة، وتكمّله الألعاب النارية وعروض الليزر وعشرات الراقصين.

لا شيء اعتيادياً ولا متوقعاً خلال العرض الموسيقي الذي وصفه النقّاد بالخياليّ؛ في لحظة من اللحظات مثلاً، ترمي سويفت بنفسها داخل فتحة على أرض المسرح، لتظهر بعد ذلك داخل حوض سباحة زجاجي، ولتطلّ من جديد وبسرعة البرق بملابس جافّة مؤدّيةً أغنية «Lavender Haze». أما في فقرة «Folklore»، فيحتلّ المسرح كوخٌ خشبي يكسوه العشب، وتظهر سويفت على سطحه لتغنّي «Invisible String».

تأتي أزياء تايلور سويفت لتكمّل الإبهار، وهي تبدّل ملابسها أكثر من 12 مرة خلال العرض الواحد. ومن أبرز المصمّمين الذين اختارت إطلالاتها من بين مجموعاتهم، فيرساتشي، أوسار دي لا رينتا، إيلي صعب، زهير مراد، روبيرتو كافاللي، وغيرهم.

غناء تحت المطر

كثيرةٌ هي الإطلالات التي تقطع الأنفاس ضمن عرض تايلور سويفت، غير أن اللحظات الإنسانية العفويّة التي ترافق الجولة تُوازيها استثنائيةً. لن تنسى النجمة تلك الليلة في مدينة ناشفيل في ولاية تينيسي، حيث أمضت أكثر من 3 ساعات وهي تغنّي تحت المطر. ورغم التأخير الذي تسببت به العاصفة وخطر الانزلاق على الخشبة، فهي لم تختصر مدّة العرض الذي استمرّ إلى ما بعد الواحدة والنصف فجراً.

في ناشفيل، غنّت سويفت 3 ساعات تحت المطر (إنستغرام)

في ناشفيل كذلك، خفقت القلوب لمشهد أحد رجال الأمن وهو يغنّي متحمّساً برفقة سويفت، رغم أنه كان يدير ظهره للمسرح. وقد اتّضح لاحقاً أن الشاب دايفيس بيريغو تعمّد الحصول على وظيفة حارس في عروض سويفت، حتى تتسنّى له فرصة مشاهدتها عن قُرب.

يواكب "السويفتيز" حفلاتِ محبوبتهم بارتدائهم ملابس مستوحاة من إطلالاتها، وبتجهيز المدرّجات بصور عملاقة لها. حتى إن بعضهم شوهدَ وهو يصرخ في منتصف الحفل عارضاً عليها الزواج!

لا يبقى هتاف عشّاق سويفت من دون صدى، فهي تبادلهم الاهتمام وتستشرسُ في الدفاع عنهم مثلما حصل في فيلادلفيا، حيث توقفت عن الغناء لتوبّخ حارساً وتنهيه عن مضايقة إحدى الحاضرات المتحمّسات. ولاحقاً قدّمت لتلك المتفرّجة بطاقات لحضور حفل الليلة التالية.

على بعد شهرين من انتهاء جولة تايلور سويفت، بدأ يشكو عدد كبير ممّن حضروا حفلاتها، من نسيان ما حصل خلال العرض. وقد شرح علماء النفس أن فائض العواطف وعامل الوقت قد يقفان خلف عوارض "فقدان الذاكرة ما بعد الحفل". أما تايلور فستذكر حتماً كل تفصيل من الجولة التي أكدت من جديد، أنها سيدة الأرقام ورقم صعب في عالم الموسيقى والاستعراض.


مقالات ذات صلة

«قصة كبيرة»... مجد معوّض يمنح الغيتار بُعداً أوركسترالياً جديداً

يوميات الشرق في ألبومه الجديد «قصة كبيرة» يُكرِّم آلة الغيتار (دكتور مجد معوّض)

«قصة كبيرة»... مجد معوّض يمنح الغيتار بُعداً أوركسترالياً جديداً

يرى معوّض أن الغيتار نادراً ما يُستخدم آلة أساسية في الموسيقى التصويرية، ويسعى إلى منحه هذا الدور في أعماله.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مهرجان الطبول يحتفي بالفنون الشعبية (وزارة الثقافة المصرية)

«مهرجان الطبول»... كرنفال عالمي للفنون الشعبية يُنعش شوارع القاهرة

عاد «مهرجان الطبول» ليُنعش شوارع القاهرة ومراكزها الثقافية ومسارحها في دورته رقم 12 التي بدأت في 19 يونيو (حزيران) الجاري وتستمر حتى 23 من الشهر نفسه.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق «باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)

«أوزيريس»... باليه يستعيد وهج الأسطورة المصرية القديمة

في عرض يستعيد وهج الأساطير المصرية القديمة، قدمت فرقة باليه أوبرا القاهرة، بالاشتراك مع أوركسترا أوبرا القاهرة «باليه أوزوريس» في أربع حفلات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الوتر السادس مي سليم: لم أُعبّر عن نفسي كوني مطربة بشكل كامل

مي سليم: لم أُعبّر عن نفسي كوني مطربة بشكل كامل

كشفت الفنانة الأردنية مي سليم عن ملامح خطتها الفنية الجديدة خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أنها تعمل حالياً على تقديم نسخة مختلفة ومتطورة من نفسها بصفتها مطربة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس يمان الحاج لـ«الشرق الأوسط»: الموسيقى ترافق تطوري في الحياة

يمان الحاج لـ«الشرق الأوسط»: الموسيقى ترافق تطوري في الحياة

في عام 1955، كتب الأخوان رحباني كلمات أغنية «مرفرف الدلال» وصاغاها بما يتناسب ولحن الأغنية الكوبية الشهيرة «كيزاس كيزاس كيزاس».

فيفيان حداد (بيروت)

مصر: رسوم لمشاهدة مباريات المونديال في الـ«فان زون» بعد واقعة تخريب

منطقة «الفان زون» شهدت إقبالاً كبيراً على المباريات (شركة العاصمة الجديدة)
منطقة «الفان زون» شهدت إقبالاً كبيراً على المباريات (شركة العاصمة الجديدة)
TT

مصر: رسوم لمشاهدة مباريات المونديال في الـ«فان زون» بعد واقعة تخريب

منطقة «الفان زون» شهدت إقبالاً كبيراً على المباريات (شركة العاصمة الجديدة)
منطقة «الفان زون» شهدت إقبالاً كبيراً على المباريات (شركة العاصمة الجديدة)

بعد انتقال الشغب الكروي من الملاعب إلى ساحات الفرجة العامة في مصر، يبدو أن هذه الساحات تتجه لضبط إيقاعها عبر الفرز الجماهيري، بعد الإعلان عن أسعار تذكرة دخول «الفان زون» بالعاصمة الجديدة (شرق القاهرة) بمقابل مادي تراوحت التعليقات حوله بين التأييد والتندر والرفض؛ إذ كان دخول المنطقة مجانياً خلال المرحلة الأولى من التصفيات قبل أحداث الشغب أخيراً.

ووفق ما نشرته وسائل إعلام محلية وعربية، طرحت شركة «تذكرتي» تذاكر حضور مباريات دور الـ32 لتصفيات كأس العالم بمنطقة المشجعين (فان زون) في العاصمة الإدارية الجديدة لتبدأ أسعارها من 300 جنيه للتذكرة (الدولار يساوي نحو 49 جنيهاً مصرياً)، وفق موقع «تذكرتي».

إلى ذلك، أعلنت الشركة تأجيل تشغيل «الفان زون» خلال مباراة مصر وإيران والاعتذار عن عدم استقبال الجماهير لمدة 48 ساعة بسبب إقامة المباراة في السادسة صباحاً بتوقيت القاهرة، مما يؤثر على كفاءة الرؤية.

من جهة أخرى، كشفت وزارة الداخلية المصرية ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضمّن قيام عدد من الأشخاص بإتلاف المقاعد المخصصة للمواطنين بالمنطقة الترفيهية بالعاصمة الجديدة بالقاهرة عقب الانتهاء من مشاهدة إحدى المباريات الرياضية.

القبض على متهمين بالتخريب في منطقة «الفان زون» بمصر (وزارة الداخلية)

ووفق بيان «الداخلية»، فقد «تم تحديد وضبط مرتكبي الواقعة (10 أشخاص مقيمين بنطاق محافظات القاهرة، والمنوفية، والغربية)، وبمواجهتهم اعترفوا بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه بتاريخ 22 الحالي خلال الاحتفال بفوز المنتخب المصري على نيوزيلندا، وجرى اتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم».

ووفق المادة 90 من قانون العقوبات المصري، فإنه «يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنين كل من خرّب عمداً مباني أو أملاكاً عامة أو مخصصة لمصالح حكومية أو للمرافق العامة أو للمؤسسات العامة أو الجمعيات المعتبرة قانوناً ذات نفع عام»، ويؤكد القانون أنه «يحكم على الجاني في جميع الأحوال بدفع قيمة الأشياء التي خرّبها».

ويصف الناقد الرياضي المصري سعد صديق ما حدث في «الفان زون» بأنه «تصرف غير مسؤول من قلة حضرت لمشاهدة مباراة منتخبنا الوطني في الجولة الثانية لكأس العالم أمام نيوزيلندا»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الدولة المصرية قادرة على محاسبة كل من تجاوز وخرّب في مشهد محزن، ولم أجد مبرراً لهذه التصرفات الهمجية، ولا بد من الضرب بيد من حديد ضد أي شخص تعمد إتلاف ممتلكات عامة».

وكانت شركة العاصمة الجديدة المسؤولة عن «الفان زون» أعلنت إغلاق المنطقة والاعتذار عن عدم استقبال الجمهور خلال مباراة المنتخب المصري مع نظيره الإيراني المقررة فجر السبت، بتوقيت القاهرة، مؤكدة في بيان أصدرته الأربعاء أن «القرار جاء استباقياً عقب مراجعة تقنية دقيقة أظهرت أن جودة العرض على الشاشة العملاقة لن تكون بالوضوح والكفاءة المطلوبة خلال توقيت المباراة».

وكانت منطقة «الفان زون» شهدت توافد حشود من الجماهير لمشاهدة مباريات كأس العالم على الشاشة العملاقة في المنطقة، بالإضافة للاستفادة من الخدمات الترفيهية بالمكان، وكان يُسمح بحجز تذاكر الدخول لمنطقة المشجعين مجاناً من خلال موقع «تذكرتي»، مع السماح باستخدام «المونوريل» للوصول مجاناً إلى المنطقة.

منطقة «الفان زون» بالعاصمة الجديدة (شركة العاصمة الجديدة)

ويرى الناقد الرياضي المصري محمد البرمي أن «ما حدث في العاصمة الإدارية محزن جداً أن تتحول منطقة لتجمعات عائلية ومشاهدة مباريات منتخب مصر إلى ساحة للتخريب والإفساد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة تحملت عبئاً كبيراً في دعوة الحضور وتشجيعهم وتوفير كل الإمكانات، لنفاجأ بمشهد لا نريد أن نراه لا في الملاعب ولا في أي مكان آخر».

وتابع: «أتمنى ألا تتراجع الدولة عن هذه النوعية من الاحتفالات، بل أتمنى أن نراها في كل ميادين مصر، وعلى القانون أن يسود ويفرض نفسه على الجميع، ومن يخطئ لا بد أن يعاقب».

وحول إعلان سعر التذكرة 300 جنيه بدلاً من الدخول المجاني، قال البرمي: «هذا الأمر يتعلق غالباً بضمان التزام الناس وتعويض التلفيات، وهو في النهاية نظام تحدده الجهات المسؤولة عن المنطقة».


مصريون يوثقون حفلات زفافهم باللوحات التشكيلية

لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف (الشرق الأوسط)
لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يوثقون حفلات زفافهم باللوحات التشكيلية

لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف (الشرق الأوسط)
لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف (الشرق الأوسط)

بعد الاعتماد على التصوير الفوتوغرافي والفيديو لسنوات طويلة في توثيق حفلات الزفاف، لجأ مصريون إلى الفن التشكيلي لتذكر تفاصيل أجمل ليالي العمر، في اتجاه جديد نما في مصر بالآونة الأخيرة، حيث اتجه عدد من التشكيليين الشباب إلى القيام برسم العروسين مباشرة ليلة الزفاف في أجواء مبهجة.

الفنانة رولا رضا واحدة من الفنانين المصريين الذين تبنوا هذا الاتجاه الجديد، وحققت انتشاراً واسعاً من خلاله، تخرجت رضا (27 عاماً) من كلية الفنون الجميلة في جامعة حلوان عام 2020، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «توثيق الزفاف باللوحات التشكيلية اتجاه جديد بدأ يتنامى في مصر بشكل ملحوظ، وحقق انتشاراً واسعاً»، وتتذكر أن «أول حفل زفاف رسمته مجاناً مجاملة لإحدى صديقاتها فتح أمامها فرصاً كثيرة».

حفلات الزفاف في الأماكن التراثية تفتح آفاقاً أوسع للإبداع (الشرق الأوسط)

وتتزايد حفلات الزفاف في مصر خلال فصل الصيف، مما يبقي رولا مشغولة أكثر من الشتاء: «الأسبوع الماضي قمت بالرسم في 3 أفراح مختلفة».

لدى رولا طقوس وإجراءات كثيرة قبل بدء الرسم: «أجهز كل أدواتي، وأذهب إلى حفل الزفاف مبكراً، حيث أختار مكاناً يجمع بين مواصفات عدة أضع فيه مرسمي، منها أن يكشف أكبر مساحة من مشهد مظاهر الحفل، ويمكنني من خلاله رؤية العريس والعروس من مسافة كافية، وأيضاً ألا يكون في مسار حركة عمال الخدمات بالحفل».

ومع ما يشهده الاتجاه الفني الجديد من انتشار لافت، تتنوع الفئات التي تقبل على الفكرة، منها الطبقة «فوق المتوسطة»، والمتوسطة، والأقل من المتوسطة بشكل أقل نسبياً، وهنا بحسب رولا: «يختلف رسم الحفل في قاعة راقية عن حفلات القاعات الشعبية»، وهو ما يظهر في تفاصيل الحفل، حيث «يكون الفرح الشعبي أكثر ضجيجاً، وألوان القاعة والخلفيات والورود قد تكون غير متناسقة، مما يضطرني إلى إضافة اللمسة الفنية على الألوان خلال الرسم لتصبح أكثر جمالاً، وهنا تبرز أهمية المزج الفني في اللوحة بين تصوير الواقع بمظاهر الفرح المختلفة ومساحة خيال الفنان».

وبحسب النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق في مصر الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (جهاز حكومي) في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025، بلغ عدد عقود الزواج 936.73 ألف عقد زواج عام 2024 في مقابل 961.2 عقد عام 2023 بنسبة انخفاض 2.5 في المائة.

لوحة تشكيلية لحفل زفاف بمحافظة أسيوط بصعيد مصر (الشرق الأوسط)

وقبيل موعد زفافها بعدة أشهر، ذهبت المهندسة المصرية الشابة نورهان الستاوي لحضور حفل زفاف إحدى صديقاتها، ووسط صخب الحفل تركز بصرها على فتاة شابة تجلس في هدوء أمام مرسمها وأدوات الرسم غير حافلة بما يدور حولها.

وتقول المهندسة نورهان الستاوي، 30 سنة، لـ«الشرق الأوسط»: «مشهد الفتاة وهي ترسم في الفرح الذي حضرته أبهرني جداً، فسألت العروس عنها، ووصلت إليها، ثم عرضت الفكرة على خطيبي فتحمس جداً، واتفقت مع الفنانة الشابة على رسم لوحة خلال حفل زفافي»، مؤكدة أنها قامت بوضع اللوحة في مكان بارز بمنزل الزوجية، «ونالت إعجاب أهل زوجي وأهلي، وحتى الآن كلما استقبلنا ضيوفاً يسألون عن اللوحة، ويبدون إعجابهم بها».

وتفتح إقامة مراسم الزواج وحفلات الزفاف في المعالم الأثرية والتراثية آفاقاً أوسع للإبداع، وتشرح رولا رضا تأثير هذه الأماكن على عملها: «رسمت لوحات زفاف في قلعة صلاح الدين، ومتحف قصر المنيل، ومسجد محمد علي، ويكون المكان ملهماً، وثرياً بالعناصر الإبداعية والزخرفية التي تنعكس على اللوحة».

لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف في قلعة صلاح الدين بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وتختلف العناصر الفنية للوحة التشكيلية إذا كان حفل الزفاف في صعيد مصر، حيث الطبيعة الخاصة بحكم الجغرافيا، والثقافة، يقول الفنان الشاب جورج عادل، (25 سنة) مُعيد بكلية الفنون الجميلة بجامعة أسيوط، لـ«الشرق الأوسط» إن «توثيق حفلات الزفاف باللوحات التشكيلية يلقى رواجاً بصعيد مصر لا يختلف عن القاهرة، سوى في مظاهر الاحتفال الذي تكون له خصوصية بالجنوب، وكذلك الألوان التي تفرضها الطبيعة».

وتحدث عادل عن المزج بين تصوير الواقع تشكيلياً ومساحة خيال الفنان، بقوله: «اللوحة يكون فيها نحو 80 في المائة تصويراً للواقع و20 في المائة من خيال الفنان، فالتكوين الفني للوحة يعبر عن رؤيتي، مع ضرورة إبراز عناصر ومظاهر الفرح بجانب العناصر الفنية التي أقوم بإضافتها، والتي تتشكل من خلالها هوية اللوحة، وتفرّدها».


«والأسماك تطير فوق رؤوسنا»... حين يصبح البحر ملاذاً للحياة والغياب

«قاسم» يسير بعكازه على شاطئ بيروت ينتظر الفرج (المخرجة ديما الحر)
«قاسم» يسير بعكازه على شاطئ بيروت ينتظر الفرج (المخرجة ديما الحر)
TT

«والأسماك تطير فوق رؤوسنا»... حين يصبح البحر ملاذاً للحياة والغياب

«قاسم» يسير بعكازه على شاطئ بيروت ينتظر الفرج (المخرجة ديما الحر)
«قاسم» يسير بعكازه على شاطئ بيروت ينتظر الفرج (المخرجة ديما الحر)

تأخذ المخرجة ديما الحر مشاهدي فيلمها الوثائقي «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» في رحلة، حيث تضع البحر في قلب السرد البصري والإنساني. تصوِّر بيروت؛ المدينة المشرفة على امتداد أزرق شاسع، وتربط هذا الفضاء المفتوح بـ«ثلاث شخصيات» هي: «رضا» و«قاسم» و«عادل»، فتقدم مقاربة عفوية تنفتح على تجارب لبنانيين كثر يجمعهم حسٌّ عميق بالانتماء إلى المكان.

يشكِّل البحر مركز اهتمام هؤلاء وملاذهم اليومي وقدَرهم؛ فيه يودعون همومهم وأحلامهم وأوجاعهم، كأنه مساحة تطهير وعودة إلى الذات. ومنذ اللحظة الأولى للفيلم، توجّه ديما كاميرتها نحو البحر، فتخلق نوستالجيا مشبعة بالتناقض بين الحزن والحرية، والثقل والاتساع.

مع أبطالها الثلاثة تطرح أسئلة وجودية وإنسانية تلامس هواجس الإنسان العميقة، من دون أن تقع في فخ التعقيد أو التنظير. فالبحر يتحوَّل مساحةً آمنةً وملاذاً بصرياً ومعنوياً، رغم ما يحمله في الذاكرة الجماعية من قصص فقدان وغرق، سواء أكان ذلك مصادفة أم عن قصد. ومع ذلك، فإن هذا الامتداد المتوسطي يبقى رابطاً حياً بين أهل المدينة وبحرهم، وفضاءً مفتوحاً على الحياة بقدر ما أنه مفتوح على الغياب. كما تطبعه بحبكة إخراجية مشحونة بالإثارة والتشويق، تبتعد فيها عن إيقاع الوثائقي التقليدي، لمصلحة سرد بصري أعلى حيوية وانسيابية، فتدفع المشاهد إلى متابعة التفاصيل بوصفها جزءاً من رحلة غير متوقعة، وتتنقّل بين اللحظة اليومية والبعد التأملي، وهي تستخرج من الواقع الانطباع الذي يخلقه في الذاكرة.

انطلقت عروض الفيلم في صالات سينما «متروبوليس» منذ 25 يونيو الحالي (المخرجة ديما الحر)

تقول المخرجة في حديث لـ«الشرق الأوسط» إنها سبق أن نفَّذت فيلماً قصيراً في المكان نفسه. وذلك على شاطئ بحر بيروت مقابل الجامعة الأميركية، حيث كان بطل العمل آنذاك «رضا»، الذي التقته صدفة هناك. وقد حمل الفيلم عنوان: «البحر الأزرق في عينيك». وتضيف أنها، بعد مرور 20 عاماً، عادت لتقف من جديد في الموقع نفسه، لتلمح «رضا»، الرجل صاحب الشعر الأحمر، من بعيد. وتقول: «لقد منحتني رؤيته شعوراً بالبهجة، فشعرت بالأمل والاستمرارية، وكأن الزمن لم يمر. عندها قرَّرت أن أصنع هذا الوثائقي لأحكي فيه عن البحر بوصفه مساحةً تجمع كل اللبنانيين».

وتتابع: «منطقة الكورنيش تعني لي الكثير، كما تعني لغيري، ومن هنا انطلقت فكرة الفيلم؛ من هذا الفضاء المفتوح الذي يحتضن الذاكرة والناس والحياة».

تشير المخرجة إلى أنها، قبل 20 عاماً، صوّرت أجساداً شابة مفتولة العضلات على الشاطئ نفسه، فيما تلاحظ اليوم أن تلك الأجساد تغيَّرت، وفقدت جزءاً من لياقتها، وأن التعب والإرهاق باتا أكبر حضوراً في الملامح.

ومن خلال «الشخصيات الثلاث»: «رضا» و«قاسم» و«عادل»، تبرز العلاقة العميقة التي تربط أهل المدينة بالبحر، بوصفه امتداداً لحياتهم اليومية وذاكرتهم الجماعية. وتقول: «فكرة الانتظار والوقوف أمام البحر ألهمتني للغوص في موضوعات متعددة. فهو أشبه بخشبة خلاص؛ يمتلك القدرة على احتواء كل ما يُثقل الناس من معاناة وانكسارات. كما يحتضن لحظاتهم الجميلة وأشواقهم». وتضيف: «مع البحر يعيشون حالة ترقُّب دائمة، كأنهم ينتظرون انفراجاً ما قد يأتي مع غروب أو شروق... لحظة تحمل لهم أملاً خافتاً يطلُّ من الأفق».

في سياق الفيلم نتعرَّف إلى أبطاله الثلاثة وحكاياتهم، والدوافع التي تقودهم إلى البحر يومياً. «رضا» يقصده سيراً على الأقدام من مكان إقامته في برج البراجنة، في حين يتوجه «قاسم» إليه مع طلوع الفجر؛ إذ يعيش مع شقيقه المتزوج ولا يرغب أن يُشكِّل عبئاً على العائلة. أما «عادل» فيراه المنفذ الوحيد له، خصوصاً في أيام الأحد والعطل. وهو عامل نظافة في أحد المستشفيات، يراه بقعة ضوء في حياته، ويلتقط معه صوراً متكررة كأنها محاولة دائمة لإثبات وجوده في الحياة.

أحد أبطال الفيلم «رضا» الذي يملك علاقة وثيقة بالبحر (المخرجة ديما الحر)

يُمضي المشاهد يوماً كاملاً إلى جانب هؤلاء الرجال... يسبحون ويتبادلون الأحاديث والفضفضة، يسترخون وينامون غير آبهين بطبقة الملح التي تجفُّ على أجسادهم وتزيدها قسوة. وبين لحظة وأخرى، يعبِّرون عن علاقتهم الخاصة بالبحر. بالنسبة إلى «رضا»، فهو الحبيب الوحيد الذي وجد معه انسجامه. ويقول: «لم أخض مغامرات عاطفية تُذكر، ربما لأنني خجول»، في اعتراف يطلُّ من قلب العلاقة مع الكاميرا.

لا تفصل ديما الحر بين هؤلاء الرجال الثلاثة، وباقي اللبنانيين، إذ تؤكد: «إنهم نماذج تُمثِّلنا جميعاً؛ يعيشون الوحدة كما يعيشون الحزن. وعندما نسجت قصة الفيلم أردتها أن تجمعنا تحت خيوط واحدة، كشبكة متصلة؛ لأننا جميعاً نحمل الأحلام ونتقاسم المعاناة نفسها، ونبحث عن مكان نُفرغ فيه همومنا وأوجاعنا».

حصد فيلم «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» جوائز سينمائية عدة، من بينها «جائزة الجمهور» في كندا، وجائزة «رؤية حقيقية» في مهرجان «زونتا»، إضافة إلى تنويهٍ فخريٍّ في كل من المكسيك والأردن، و«جائزة الطلاب» في مهرجان «جان روج» السينمائي بفرنسا.

وتشير ديما إلى أن الفيلم لا يزال يتنقل بين المهرجانات الدولية، على أن يحط قريباً في الأرجنتين ومدينة تولوز الفرنسية. أما عن معنى العنوان ورسالة العمل، فتقول: «لا أريد أن أشرح للمشاهد المعنى الحقيقي لهذه المشهدية، وأفضِّل أن يكتشفها بنفسه. وما عليه سوى أن يتخيّلها كي يخرج بالنتيجة التي يريدها».

يُذكَر أن الفيلم يُعرَض في صالات سينما «متروبوليس» منذ 25 يونيو (حزيران) الحالي ولفترة قصيرة.