تداعيات خطيرة لتذبذب سعر صرف الدولار في العراق

عراقي يحمل دنانير ودولارات في بغداد (رويترز)
عراقي يحمل دنانير ودولارات في بغداد (رويترز)
TT

تداعيات خطيرة لتذبذب سعر صرف الدولار في العراق

عراقي يحمل دنانير ودولارات في بغداد (رويترز)
عراقي يحمل دنانير ودولارات في بغداد (رويترز)

يتحصل العراقي مراد عادل (37 عاما) على راتب شهري قدره 700 ألف دينار نظير عمله في إحدى الدوائر الحكومية العراقية؛ لكنه لا يعرف كم يعادل هذا المبلغ تحديدا بالدولار؛ حيث يشبّه سعر الصرف المتقلب بالرمال المتحرّكة «التي لا يمكنك أن تخمن موضع استقرارها».

«راتبي يعادل 530 دولارا بسعر الصرف الرسمي، وأقل من 500 دولار بسعر الصرف في السوق، وهو 145 ألف ريال لكل 100 دولار؛ هذا بحسابات اليوم في هذه الساعة وهذه الدقيقة، وقد يتغير حساب راتبي (بالدولار) بعد قليل»، يقول عادل، الذي أجرت وكالة أنباء العالم العربي مقابلة معه.

أوضح الشاب العراقي أن راتبه كان يعادل نحو 411 دولارا أميركيا في فبراير (شباط)، عندما تعدى سعر الصرف حاجز 1700 دينار مقابل الدولار؛ لكن عند مقارنة الراتب ذاته بسعر الصرف قبل تلك التقلبات، يكون عادل قد خسر نحو 250 ألف دينار من راتبه الشهري، وهو مبلغ يكفي نفقات أسرة محدودة الدخل مكونة من شخصين قبل ارتفاع سعر صرف الدولار، بحسب قوله.

وكل ارتفاع في سعر صرف العملات الأجنبية يقابله ارتفاع في أسعار السلع؛ لذلك، يعتبر عادل التذبذب الحاصل «حيلة استخدمتها الحكومة (السابقة)، إذ تبيع النفط بالدولار، وتُسلم الرواتب بالعملة المحلية التي تواجه سوقا لغتها الدولار».

جذور الأزمة

مع تشكيلها في مايو (أيار) عام 2020، سعت حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي إلى التغلب على أزمة مالية نتجت عن انخفاض عالمي في سعر النفط، الذي يعد عصب الاقتصاد العراقي؛ بلغت تلك الأزمة حد العجز عن تأمين رواتب الموظفين، ما جعل البوصلة تتجه نحو خفض قيمة العملة المحلية مقابل الدولار بنحو 20 في المائة من القيمة الحقيقية، لتتمكن الحكومة من سد فجوة التمويل.

نتج عن ذلك تضخم أثر سلبا على حياة المواطنين، وأدى إلى ركود اقتصادي غير مسبوق.

ومع وصول حكومة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، التي جرى التصويت عليها في البرلمان في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، تحسّنت الإيرادات المالية بفعل الارتفاع الكبير في أسعار النفط. لكن مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثاني، برزت أزمة ارتفاع أسعار الدولار، التي أثارت كل قطاعات المجتمع، وأدت إلى زيادة غير مسبوقة في أسعار السلع.

البداية كانت من هنا

كانت البداية، عندما قرر البنك المركزي إيقاف التعامل بالدولار لأربعة مصارف التزاما بضوابط أميركية، في الوقت الذي خضعت فيه المصارف العراقية الأخرى لضوابط صارمة بهدف منع تهريب الدولار.

كان الهدف من تلك الضوابط الحد من تهريب الدولار من العراق؛ لكنها أدت إلى انخفاض مبيعات البنك المركزي اليومية من العملة الأميركية من نحو 300 مليون دولار يوميا إلى نحو 50 مليونا فقط، ما أدى إلى شح في العملة الصعبة وارتفاع الطلب عليها، وبالتالي ارتفاع سعر صرف تلك العملات مقابل العملة المحلية في السوق العراقية.

ومع بداية الأزمة، بلغ السعر الرسمي للدولار 1450 دينارا، فيما وصل في السوق السوداء إلى 1700 دينار، قبل قرار تعديل السعر، وذلك بالتزامن مع إخضاع البنك المركزي العراقي لنظام سويفت العالمي.

ويعتبر البعض أن مزاد العملة الذي يبيع البنك المركزي الدولار من خلاله أحد أشهر أبواب تهريب الدولار؛ حيث يقولون إن فواتير استيراد شكلية يجري تقديمها مقابل سحب مبالغ طائلة دون أن تدخل أي بضائع البلاد نظير تلك المبالغ، فيما تذهب تلك المبالغ بالعملة الصعبة إلى دول الجوار، وأبرزها إيران وتركيا.

المواطن العراقي وتقلب سعر الصرف

وخلّف تقلب أسعار الصرف أثرا مباشرا على حياة العراقيين، خاصة من ذوي الدخل المتوسط والمحدود، إذ يؤدي أي ارتفاع في قيمة الدولار إلى زيادة أسعار المواد الاستهلاكية. فبحسب الباحث في الشأن الاقتصادي ملاذ الأمين، يستورد العراق أغلب احتياجاته من الخارج، بما في ذلك مكونات السلع المنتجة محليا.

وقال الأمين في مقابلة مع وكالة أنباء العالم العربي إن العراق «بلد مستهلك ومستورد؛ والإنتاج المحلي الموجود فيه لا يضاهي المستورد ولا يسدّ الحاجة المحلية، وهذا تنبيه للحكومة لتشجع القطاع العام والخاص لإنتاج السلع الاستهلاكية، لا سيما أن الصناعة المحلية لم تعد تحظى بأي تشجيع مع وجود عوامل تدميرية من قبل التجار».

وتسببت أزمة الدولار وتقلب سعر صرفه في ارتفاع كبير في أسعار السلع، شمل المواد الغذائية والإنشائية، ما دعا حكومة السوداني والبنك المركزي العراقي إلى إصدار قرار رسمي برفع قيمة الدينار مقابل الدولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1320 دينارا.

هذا السعر الرسمي الجديد، حتى وإن كان لم يطبق في جميع منافذ الصرف المالي، أسهم في الحد من الارتفاع المطرد في أسعار السلع وخفض بعضها.

ويقول الأمين «الموازنة ربما تساهم حال إقرارها في خفض وتيرة تقلبات الدولار؛ حينما تحدد أرقاما ما، سيتم صرفه، وستضبط ارتفاع الدولار وانخفاضه».

التجار يتضررون أيضا ويلامون

وضعت تلك التقلبات في أسعار الصرف التجار في مرمى سهام اللوم، إذ لم يسلموا من الاتهامات بالجشع.

ويقول علاء محيي (42 عاما)، وهو تاجر جملة متخصص في المواد الغذائية دفعته تلك الاتهامات إلى التفكير في تصفية أعماله من غير رجعة: «بائعو التجزئة الذين كانوا يزودون محالهم مني كانوا يلومونني بشكل يومي على رفع أسعار البضائع، وكأنني المسؤول عن هذا الإجراء».

ويردف قائلا: «رفع سعر صندوق المعكرونة مثلا بمعدل 1000 دينار (نحو 70 سنتا أميركيا)، لم يضف لي شيئا، لأن هامش الربح بقي هو نفسه، بل أصبح أقل؛ فسعر المادة ارتفع من مصدرها لأنني أشتريها بالدولار، وتجار التجزئة لا يستطيعون أن يضيفوا 250 دينارا (نحو 17 سنتا) على الكيس الصغير، لأن المواطن سيحجم عن شرائه... أنا متعاطف معهم، وهذا الموضوع جعلني أفكر جديا بترك هذه المهنة، لأن تقلبات سعر الصرف تتركنا في حرج كبير ونوصف بسببها بالجشع والطمع».

أما سلام الشكري (41 عاما)، وهو صاحب إحدى بسطات بيع الملابس، فقد كان ضحية لتلك التقلبات في سعر الصرف بشكل آخر.

يقول الشكري إنه اشترى بضاعة من تركيا بقيمة بلغت نحو 2500 دولار بسعر صرف يصل إلى 1520 دينارا لكل دولار؛ لكنه لم يستطع عرض تلك البضاعة الصيفية إلى الآن بعد بدء موسمها؛ حيث اشترى زملاء له بضاعة مماثلة بسعر صرف أقل نتيجة لتقلب سعر صرف الدولار، بحسب قوله.

وأضاف: «الآن أنا مضطر لبيعها بالسعر الذي يبيعون به؛ وهذا يعني قبولي بالخسارة التي تعود إلى السياسة المتخبطة التي تتبعها الحكومة في التعامل مع سعر الصرف».

مساع حكومية دون جدوى

وضمن مساعي الحكومة للحد من زيادة الطلب على الدولار، صدر قرار بمنع تداول تلك العملة واقتصار عمليات البيع والشراء على الدينار العراقي.

وتحركت وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني لمراقبة التجار والمضاربين في العملة، لكن دون جدوى؛ فاستمرت تقلبات سعر الدولار في السوق، حتى وصل سعره في نهاية الأسبوع الماضي إلى نحو 1470 دينارا، بفارق 150 دينارا عن السعر الرسمي.

ومن بين أبرز القرارات الحكومية منع التعامل بالدولار في السوق والشركات الرسمية، مثل الخطوط الجوية العراقية، فضلا عن منع التعامل به في العقارات والسيارات، وإيقاف سحب الدولار من أجهزة الصراف الآلي، بالإضافة إلى توقيع البنك المركزي اتفاقا مع مصرف (جيه بي مورغان) الأميركي ليكون وسيطا بين التجار العراقيين والصين، بعد أن كانت المصارف الوسيطة في بعض دول الجوار.

لكن علي النصيفي، مستشار رئيس غرفة تجارة بغداد، يرى أن تذبذب سعر الصرف أمر طبيعي، ويقول «تقدم أي دولة على تغيير سعر الصرف بحسب سياساتها الاقتصادية؛ وهذه الفترة الانتقالية تسبب تذبذبا من الممكن أن تحد الحكومة من آثاره بصورة شبه متكاملة بعد ستة أشهر من تاريخ تغيير سعر الصرف على الأقل».

وأضاف في حوار مع وكالة أنباء العالم العربي «الحزم التي تطلقها الحكومة للسيطرة على تهريب الدولار سنلاحظ آثارها بشكل جلي على واقع السوق العراقية وسوق الأعمال بحدود شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول)؛ وبالتالي، فإن مرحلة تذبذب الأسعار مرحلة طبيعية وانتقالية، وقطعا سوف تؤثر على التضخم وترفع من قيمة التضخم السلعي، خاصة أن أغلب متطلبات السوق، بنسبة تقارب 90 في المائة من السلع الأساسية لسلة المستهلك، مستوردة بالعملة الصعبة، ما يؤدي إلى تذبذب السعر».

ويرى النصيفي أن تثبيت سعر البنك المركزي للدولار، وهو 1320 دينارا عراقيا للدولار الواحد، «جيد أسوة ببقية الدول المجاورة للعراق، ومن ضمنها الدول الخليجية التي تعمل بسياسة تثبيت سعر الصرف».

وأضاف: «العراق مضى بعد عام 2003 على تثبيت سعر الصرف؛ لكن السياسة المغايرة لذلك أن قيمة الدينار أمام الدولار تكون مطروحة للعرض والطلب، ومتى أصبح هناك طلب كبير يرتفع سعر الدولار أمام الدينار والعكس بالعكس».

وتابع: «هذه السياسة يدفع ثمنها المواطن، لأن أغلب السلع مستوردة، ما سيولد ضغطا على طلب الدولار ويوّلد أيضا سوقا موازية».

الحوالات السود

أحد أسباب عدم استقرار سعر صرف الدولار في السوق العراقية ما يعرف باسم (الحوالات السود)، وهي طريقة يتبعها تجار تتمثل في سحب الدولار من السوق وعدم شرائه من البنك المركزي بعد الضوابط الصارمة التي فرضها.

تذهب تلك الأموال لتمويل تجارة هؤلاء التجار، وتخرج من العراق عبر الحقائب أو تُحوّل عبر مكاتب وشركات غير رسمية، ما تسبب في رفع قيمة الدولار في السوق وعدم استقراره.

لإقرار الموازنة أثر أيضا

خلال مايو (أيار) الماضي، بدأ سعر الدولار في السوق يقترب من الاستقرار عند 1450 دينارا لكل دولار؛ كما عادت مبيعات البنك المركزي في مزاد العملة إلى مستواها السابق عند 300 مليون دولار يوميا، قبل أن يرتفع سعر الصرف مرة أخرى.

ويقول أحد تجار العملات، الذي طلب عدم نشر اسمه، إن السبب هو عدم إقرار الموازنة حتى اللحظة، مضيفا أن إقرار الموازنة «سيتضمن تثبيتا رسميا لسعر الصرف، وبذلك نضمن سعرا ثابتا أو شبه ثابت؛ وكلما تصاعدت الخلافات السياسية، وقلت فرص إقرار الموازنة، ارتفعت الأسعار أكثر».

ويرى الباحث الاقتصادي جليل اللامي أيضا أن ما سمّاه شبح التذبذب في سعر الصرف «سيبقى مخيما على الاقتصاد العراقي حتى يتم إقرار الموازنة، لما للدولار من دور مؤثر على بنود ومراحل إعداد الموازنة العامة».

وأضاف في تصريحات لوكالة أنباء العالم العربي «الدينار العراقي يمر حاليا بحالة من التقلبات غير المنضبطة، وليس له نظام صرف محدد؛ فهو ثابت رسميا، لكنه متحرك بشكل غير رسمي؛ وعمليا، هو معوم تعويما نظيفا، أي أنه يخضع لقوى العرض والطلب العاملة بصورة حرة في سوق الصرف الأجنبي».


مقالات ذات صلة

طرابلس الليبية لمحاربة «السوق السوداء» للدولار بإغلاق شركات صرافة مخالفة

شمال افريقيا سوق المشير لبيع وشراء الدولار بالعاصمة الليبية طرابلس (جمال جوهر)

طرابلس الليبية لمحاربة «السوق السوداء» للدولار بإغلاق شركات صرافة مخالفة

صعّد مصرف ليبيا المركزي في مواجهة شركات الصرافة «المخالفة»، ودعا الأجهزة الأمنية إلى إغلاقها، لمنع المضاربة في العملات الأجنبية حفاظاً على الدينار المحلي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني (رويترز)

تذبذب العقود الآجلة للأسهم وارتفاع الدولار مع تعثر المحادثات بين أميركا وإيران

سجل الدولار صعوداً ملموساً في التداولات الآسيوية يوم الاثنين، تزامناً مع بوادر وصول المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران إلى طريق مسدود.

الاقتصاد يصطف الناس في طوابير لتعبئة مركباتهم بمحطة وقود في كراتشي بباكستان يوم 30 أبريل 2026... وسط أزمة وقود تضرب البلاد جراء حرب إيران (إ.ب.أ)

باكستان لإصدار أول سندات مقيّمة باليوان الصيني الأسبوع الحالي

من المتوقع أن تدخل باكستان أسواق رأس المال الصينية لأول مرة عبر إصدار سندات مقيّمة باليوان هذا الأسبوع...

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد أعمال إنشائية في عمارات بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

البنك الدولي يرفع حزمة مصر 300 مليون دولار لمواجهة آثار حرب إيران

قال المدير الإقليمي للبنك الدولي، إن مصر ستتلقى 300 مليون دولار إضافية، ضمن حزمة تمويل تنموي من البنك الدولي، لمساعدتها على مواجهة تداعيات حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر في ختام تداولات الأسبوع وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية

استقر الدولار الأميركي مقابل معظم العملات الرئيسية، يوم الجمعة، بعد تجدد الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)

رؤساء شركات أميركية يسعون لتحقيق مكاسب تجارية من «قمة ترمب - شي»

صورة تبرز أهم الشخصيات المرافقة لترمب في زيارته (أ.ب)
صورة تبرز أهم الشخصيات المرافقة لترمب في زيارته (أ.ب)
TT

رؤساء شركات أميركية يسعون لتحقيق مكاسب تجارية من «قمة ترمب - شي»

صورة تبرز أهم الشخصيات المرافقة لترمب في زيارته (أ.ب)
صورة تبرز أهم الشخصيات المرافقة لترمب في زيارته (أ.ب)

من شركة «ميتا» إلى «تسلا» و«بلاك روك»، يتألف وفد الأعمال الأميركي المرافق للرئيس دونالد ترمب، في قمته مع الزعيم الصيني، شي جينبينغ، هذا الأسبوع، بشكل أساسي، ومن شركات تسعى إلى حلحلة قضايا تجارية عالقة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وأفاد مسؤول في البيت الأبيض، يوم الاثنين، بأن أكثر من 10 رؤساء تنفيذيّين وكبار المسؤولين التنفيذيين من شركات، مثل «تسلا»، و«بلاك روك»، و«إلومينا»، و«ماستركارد»، و«فيزا»، سيرافقون ترمب في زيارته يومي 14 و15 مايو (أيار) الحالي.

وعلى عكس زيارة ترمب في عام 2017، التي اتسمت بالأبّهة والصفقات التجارية الضخمة، يضم الوفد المصغر هذه المرة شركات تسعى إلى الدفع بأولويات تجارية طويلة الأمد في الصين، وفقاً لشخصين مطلعين على التحضيرات طلبا عدم الكشف عن هويتيهما.

وقالت ريفا غوجون، الخبيرة الاستراتيجية الجيوسياسية في مجموعة «روديوم» للتحليلات: «باستثناء شركتي (بوينغ) و(كارغيل)، اللتين ترتبطان باتفاقيات شراء، فإن الآخرين موجودون هناك بشكل أساسي لتقديم مطالب بشأن توريد المدخلات الحرجة».

وأضافت: «قد يساعد هذا في تعزيز رسائل الإدارة الأميركية بأن الصين، لكي تُناقش حتى بوصفها وجهة للاستثمار، يجب أن تكون شريكاً استثمارياً موثوقاً، وألا تحول الإمدادات سلاحاً».

ويأمل وفد الأعمال الأميركي أن تولد القمة ما يكفي من نية سياسية طيبة لفتح الباب أمام الموافقات التنظيمية، والوصول إلى الأسواق، وفرص الاستثمار، حيث يواجهون تحديات تشغيلية واسعة في الصين تتجاوز مجرد عقد الصفقات التجارية.

وقالت شركة «إلومينا» الأميركية لتسلسل الجينات، في بيان، إن رئيسها التنفيذي، جاكوب ثايسن، «يتشرف بأن يكون جزءاً من وفد الأعمال الأميركي». وأضافت الشركة، دون خوض في التفاصيل: «هذه فرصة لتعزيز العلاقات وصياغة مستقبل الطلب الدقيق». ولم تستجب الشركات الأخرى لطلبات التعليق على أهدافها من القمة.

«مطالب ملموسة»

ذكر أحد المصادر أن الشرط الأساسي والضروري لانضمام الشركات إلى الرحلة هو وجود «طلب ملموس» يَعِدّ بنتيجة محددة، أو صفقة مبدئية، خلال القمة أو بعدها.

وحذر مصدر آخر بأن الشركات الأميركية تنظر إلى القمة ليس على أنها مكان للإعلانات الرسمية بقدر ما أن تكون انفتاحاً سياسياً قد يساعد في تسريع المناقشات التنظيمية الجارية بالفعل في الصين. على سبيل المثال، تحتاج شركة «ميتا» إلى معالجة أمر صدر الشهر الماضي من «مخطط الدولة» القوي في الصين بالتراجع عن استحواذها على شركة «مانوس» الناشئة للذكاء الاصطناعي، البالغة قيمته أكثر من ملياري دولار، في وقت تُشدد فيه بكين الرقابة على الاستثمارات الأميركية في الشركات المحلية الناشئة التي تطور تقنيات رائدة.

كما تدرس الصين فرض قيود على صادرات معدات تصنيع الطاقة الشمسية إلى الولايات المتحدة؛ مما قد يهدد خطط الشركات الأميركية، مثل «تسلا»، لبناء مصانع جديدة أو توسيع المصانع القائمة لتعزيز الإنتاج المحلي.

وفي مارس (آذار) الماضي، ذكرت وكالة «رويترز» أن «تسلا» كانت تتطلع إلى شراء معدات بقيمة 2.9 مليار دولار لصناعة الألواح الشمسية من مورّدين صينيين، مثل «سوجو ماكسويل تكنولوجيز (Suzhou Maxwell Technologies)»، التي كانت تسعى للحصول على موافقة تصدير من وزارة التجارة. وتسعى «تسلا» أيضاً إلى الحصول على تصريح تنظيمي صيني لتوسيع اعتماد نظام المساعدة في القيادة الذاتية الكاملة بأكبر سوق للسيارات في العالم.

واعترف الرئيس التنفيذي لـ«تسلا»، إيلون ماسك، سابقاً بالصعوبات الناجمة عن القيود التكنولوجية التي تفرضها السلطات الأميركية والصينية على حد سواء، لكنه أعرب عن تفاؤله بشأن الحصول على مثل هذه الموافقة في الصين هذا العام.

كما يصل لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، إلى بكين في وقت يواجه فيه كونسورتيوم تقوده شركة إدارة الأصول الأميركية تدقيقاً بشأن استحواذ مخطط له بقيمة 23 مليار دولار على موانئ، بما فيها ميناءان بالقرب من قناة بنما، من مجموعة «سي كيه هوتشيسون» التي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها. وقد انتقدت بكين هذه الصفقة وسط مساعي واشنطن لتقليص النفوذ الصيني على الممر المائي الاستراتيجي.

ومن بين شركات التكنولوجيا في الوفد، تحاول شركة «كوهيرنت» لصناعة المكونات البصرية التعامل مع ضوابط التصدير التي تفرضها بكين على «الإنديوم» والمواد ذات الصلة الضرورية لرقائق البصريات عالية الأداء.

وتأتي مشاركة «إلومينا» في وقت تسعى فيه الشركة إلى إعادة بناء عملياتها التجارية بعد أن رفعت بكين حظر التصدير الذي فُرض عليها العام الماضي. لكنها لا تزال مدرجة في قائمة «الكيانات غير الموثوقة» في الصين؛ مما يجبر الشركات الصينية على السعي إلى الحصول على موافقة الحكومة لشراء أدوات «إلومينا»، وسط توتر متصاعد بين الولايات المتحدة والصين بشأن «الأمن الحيوي» والاعتماد على سلاسل التوريد.

المؤسسات المالية

تأمل عملاقتا الدفع «ماستركارد» و«فيزا» استخدام القمة لتحسين مواقعهما في سوق المدفوعات الصينية الخاضعة لتنظيم صارم، وفقاً للمَصدرَين.

وقال مصدر مطلع إن «ماستركارد» تأمل أن تضغط الحكومة الأميركية من أجل الحصول على حصة أعلى في مشروعها المشترك بالصين. وفي عام 2023، أصبحت «ماستركارد» أول شبكة مدفوعات أجنبية تحصل على موافقة لتسوية معاملات بطاقات المصرف المحلية المقيّمة باليوان في الصين، من خلال مشروع مشترك مع الشريك المحلي «نيتسيونيون (NetsUnion)».

وقال مصدر آخر إن شركة «فيزا»، التي لم تحصل بعد على ترخيص أعمال تسوية بطاقات المصرف المحلية في الصين مثل منافستَيها «ماستركارد» و«أميكس»، تأمل اقتحام السوق المنشودة بحصة ملكية غير مسبوقة تبلغ 100 في المائة في رخصة مشروع مشترك مستقبلي.

كما تنضم الرئيسة التنفيذية لشركة «سيتي غروب»، جاين فريزر، والرئيس التنفيذي لشركة «غولدمان ساكس»، ديفيد سولومون، إلى الرحلة، في وقت تواصل فيه شركات «وول ستريت» جهودها لتعميق الوصول إلى أسواق رأس المال الصينية. ولا تزال «سيتي غروب» في انتظار الموافقة على رخصة وساطة أوراق مالية مملوكة بالكامل في الصين بعد خروجها من مشروع مشترك سابق. كما يواجه البنك نزاعاً مع شركة الوقود «هايوي إنرجي غروب (Haiyue Energy Group)»، ومقرها مقاطعة تشجيانغ الشرقية، التي رفعت دعوى قضائية ضد «سيتي بنك» بشأن تجميد دفعة بقيمة 27 مليون دولار مرتبطة بالعقوبات الأميركية.

وقد تتوصل الصين والولايات المتحدة إلى صفقة زراعية خلال القمة لتوسيع مشتريات بكين من الحبوب واللحوم، لكن مراقبي السوق لا يتوقعون مشتريات صويا جديدة كبرى تتجاوز تلك المتفق عليها في صفقة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.


«الشاغر سيدفع الثمن»… السعودية تعيد رسم معادلة السوق العقارية

مشروع «نساج تاون» أحد مشاريع برنامج سكني في المنطقة الشرقية (واس)
مشروع «نساج تاون» أحد مشاريع برنامج سكني في المنطقة الشرقية (واس)
TT

«الشاغر سيدفع الثمن»… السعودية تعيد رسم معادلة السوق العقارية

مشروع «نساج تاون» أحد مشاريع برنامج سكني في المنطقة الشرقية (واس)
مشروع «نساج تاون» أحد مشاريع برنامج سكني في المنطقة الشرقية (واس)

تترقب سوق العقارات في السعودية اعتماد اللائحة التنفيذية للرسوم السنوية على العقارات الشاغرة، وذلك بعد أن طرحت وزارة البلديات والإسكان مسودة اللائحة عبر منصة «استطلاع»، بهدف إبداء المرئيات قبل تنفيذها على أرض الواقع وتطبيق الرسوم التي لا تتجاوز 5 في المائة من قيمة العقار غير المستغل داخل النطاق العمراني لزيادة المعروض والحد من الاحتكار.

وتهدف اللائحة إلى تعزيز كفاءة الأصول العقارية وتحفيز ملَّاك العقارات على تشغيلها، مما يدعم التوازن بين العرض والطلب، وهو ما تسعى إليه الحكومة خلال الفترة الراهنة لاستقرار هذا القطاع، امتداداً لتوجيهات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، الهادفة إلى تنظيم السوق.

تشغيل الأصول

وأوضح الرئيس التنفيذي لـ«رعود العقارية» المهندس عبد الناصر العبد اللطيف لـ«الشرق الأوسط»، أن اعتماد اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة، يُعد خطوة تنظيمية مهمة في السوق العقارية، خصوصاً في ظل وجود وحدات سكنية وتجارية مغلقة لفترات طويلة رغم ارتفاع الطلب على الإيجارات.

وأبان المهندس العبد اللطيف، أن الهدف الأساسي من هذه الرسوم ليس الجانب المالي فقط، بل تحفيز ملَّاك العقارات على تشغيل الأصول غير المستغلة وإدخالها إلى السوق بدلاً بقائها شاغرة.

وتوقع أن تسهم اللائحة في زيادة حجم المعروض الإيجاري خلال الفترة المقبلة، كون استمرار إبقاء الوحدات مغلقة سيترتب عليه تكلفة مباشرة على المالك، مما يدفع كثيراً من المستثمرين إلى عرض عقاراتهم للتأجير أو البيع. وهذا قد يساعد تدريجياً على تخفيف الضغوط على أسعار الإيجارات، خصوصاً في المدن الكبرى التي تشهد طلباً مرتفعاً على السكن.

حصر الوحدات الشاغرة

وأضاف: «لكنَّ التأثير لن يكون فورياً، لأن السوق العقارية تتفاعل عادةً بشكل تدريجي مع الأنظمة الجديدة، كما أن حجم التأثير سيعتمد على آلية التطبيق ودقة حصر الوحدات الشاغرة ومدى التزام الملَّاك».

وأكمل المهندس عبد الناصر أن السوق العقارية في المملكة تتجه نحو مرحلة أكثر تنظيماً ونضجاً، مدعومةً بالتشريعات الجديدة وبرامج الإسكان والتحول العمراني. وخلال السنوات المقبلة ستشهد تركيزاً أكبر على كفاءة تشغيل العقار والاستفادة منه اقتصادياً، بدل الاحتفاظ به كأصل غير مستغل، وهذا سينعكس إيجاباً على زيادة المعروض وتحسين توازن السوق.

الضغط على الملَّاك

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، إن اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة ستضغط على الملّاك من أجل ضخ مزيد من الوحدات السكنية من أجل التأجير والتخلص من تلك الرسوم، وبالتالي ستكون الخطوة التنظيمية الجديدة وسيلة ضغط على الملَّاك، مما يؤدي إلى تراجع في الأسعار.

وبيَّن المبيض أن ملَّاك الوحدات التأجيرية في السابق كانت لديهم رغبة في الحصول على سعر أعلى وعدم التسرع في قرار التأجير، وجميع هذه العوامل كان لها دور في رفع أسعار العقارات وشح المعروض خلال الفترة الماضية، إلى جانب بعض الممارسات الاحتكارية.

واستطرد: «نحن الآن على أبواب عهد جديد نشهد فيه ضخ مزيد من المعروض في السوق المحلية مع ممارسات أفضل بين ملَّاك العقارات والمستأجرين»، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة انتعاش في حركة التأجير، تتزامن مع زيادة في الطلب؛ كون المملكة أصبحت من الأسواق الجاذبة للشركات الكبيرة التي تقرر انتقال مقراتها الإقليمية إلى الرياض».


اتفاقية بين «توتال» و«قطر للطاقة» و«كونوكو فيليبس» بشأن امتياز بحري في سوريا

ناقلة نفط في طريقها إلى ميناء طرطوس السوري (رويترز)
ناقلة نفط في طريقها إلى ميناء طرطوس السوري (رويترز)
TT

اتفاقية بين «توتال» و«قطر للطاقة» و«كونوكو فيليبس» بشأن امتياز بحري في سوريا

ناقلة نفط في طريقها إلى ميناء طرطوس السوري (رويترز)
ناقلة نفط في طريقها إلى ميناء طرطوس السوري (رويترز)

قالت شركة النفط الفرنسية «توتال إنرجيز»، الثلاثاء، إنها وقعت مع «قطر للطاقة» و«كونوكو فيليبس» اتفاقية مع «الشركة السورية للبترول» من أجل التنقيب في المنطقة البحرية (البلوك 3) بالقرب من مدينة اللاذقية السورية.

وذكرت «توتال إنرجيز» في بيان، أن مذكرة التفاهم تشمل مراجعة فنية ستجريها الشركات، وتضع إطاراً للمناقشات الفنية والتجارية المتعلقة بأنشطة التنقيب في هذه المنطقة.

وعلَّقت الشركة الفرنسية عملياتها في سوريا عام 2011، في أعقاب العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على حكومة الرئيس السابق بشار الأسد.

وقالت الشركة السورية للبترول، يوم الاثنين، إنها حددت موقعاً بحرياً لأول مشروع لها للتنقيب عن النفط والغاز في المياه العميقة، وذلك بالتعاون مع شركتَي «شيفرون» الأميركية و«يو سي سي» القابضة القطرية.