الأمكنة والشخوص المهاجرة... ومصائرها

ميرال الطحاوي تمزج بين ما قبل الرحيل وبعد الهجرة في «أيام الشمس المشرقة»

الأمكنة والشخوص المهاجرة... ومصائرها
TT

الأمكنة والشخوص المهاجرة... ومصائرها

الأمكنة والشخوص المهاجرة... ومصائرها

عندما أنهيت قراءة الرواية الشائقة «أيام الشمس المشرقة» لميرال الطحاوي، وضعتها جانباً وقد تحققت لي الدرجة القصوى من لذة النص؛ تلك اللذة الصامتة التي تحدّث عنها رولان بارت في كتابه «لذة النص»، التي تنتج من «هسهسة اللغة»، وأضيفت إليها حرارة السرد والحكايات وصخب المعنى والدوال، والقيمة والقيمة النقيض.

ولذة النص، كما أوجزها بارت في جملة قصيرة، هي: «القيمة المنتقلة إلى قيمة الدال الفاخر». إنها تستحق وقفة نقدية عميقة مغايرة وفاحصة لطبقات المعاني والدوال وعلاقاتها المتشابكة بما تتضمنه من إشكالات الهوية والكينونة، وإشكالات الاغتراب الوجودي وانتماءات المصائر المجهولة وصدام الثقافات وصراعاتها والاندماج الطوعي الوجودي في المكان، كما انبنت عليها بنيتها السردية المركزية كلها.

وهي رغم انتمائها لما عرف بأدب المهجر المُغرَق في اغترابيته، وتشظي كينونته الزمكانية، ونوستالجيته، كونه يعدّ في سردياته ونصوصه الشعرية ظواهر إبداعية خاصة ولها سماتها التعبيرية، وجدتُ هذه الرواية في جذرها الفني والفكري، بمثابة وثيقة تاريخية ونفسية وسوسيولوجية ورصداً حيوياً وآيدولوجياً، كان إمّا بالمعايشة أو المشاهدة بقرب لواقع الغربة والمغتربين، كواقعٍ مسكون دوماً بالقلق الوجودي والمشاعر المتناقضة النائسة بين الحنين، وضياع الهوية، وبين الرفض للواقع الجديد ومآلاته ومصائره، وفي انتفاء القدرة على الاندماج والتماهي مع ثقافته ومواضعاته الاجتماعية.

إلا أن الفن السردي في هذه الرواية جاء متوهجاً بالصدق الفني ونابضاً بروح متوهجة وتفكير روائي مغاير كون الكاتبة عرفت عن قرب وعايشت وسمعت أو شاهدت عن بعد كل شخوصها الروائية، كما صرّحت هي في حوارٍ أدبي مع إحدى الصحف.

وكون العمل الأدبي في متنه ونسيجه اللغوي والجمالي يخلق واقعاً فنياً مركباً ومتمازجاً في مساراته، ومنعرجاته، وأحداثه ومآلات شخصياته المصيرية، ما يعدّ تمثيلاً جمالياً حقيقياً للمكان في بعديه الداخلي والخارجي. بل إن هذا الواقع السردي الفني كان له أيضاً منطقه الجمالي المتعدد والتأويلي المنفرد. فنجد الروائية هنا تمزج الواقعي بالمتخيّل المأساوي المغرق في واقعيته الحارة المعذّبة، بحيث يضفي الغرائبي والاستثنائي ظلالاً وغموضاً شفافاً أكثر على المكان، مكان ينوس بين الحقيقي والتخييلي، متعمدة الكاتبة بشكلٍ حاذق ومبدع إخفاء الإشارة الجغرافية التي تحدد مكان الأحداث بالاسم وتسميه بـ«الأيام المشرقة» في أفق تهكمي (Ironic)، تاركةً لذكاء المتلقي هامش التخييل والتوقعات، والاستنتاج، والتركيب واستشفاف الواقع الجديد المنتج الذي تضيق في تشظي الأمكنة (سُرّة الأرض) و(تلة سنام الجمل) و(الربع الخالي) و(عين الحياة) كل الأشواق الإنسانية وكل الأحلام المجهضة التائقة ليوتوبيا أرضية وكل الانكسارات والإحباطات في آن.

المزج بين الكلاسيكية والحداثة

كتبت ميرال الطحاوي سرديتها بحساسية جمالية عالية، «محافظة على قواعد اللعبة الروائية الكلاسيكية»، على حد قولها. ويمكن تصنيف روايتها، رأيي، تحت مستوى متقدم من مستويات إبداع الشتات (الدياسبورا)، أو الإبداع المهجري الجديد، كما ذكرت. لكنها لم تفتقر لشروط حداثة الكتابة الإبداعية، ولم تنغلق في دائرة مكان سابق، أو لاحق، فهي تتنقل بين واقعين اثنين، ما قبل الرحيل عن المكان الأول وما بعد الهجرة، حيث العيش والمعايشة في المكان الثاني الطارئ، بكل ما يكتنفه من معاناة وآلام ومرارات وخيبات ناتجة عن عذابات شخوص المكان الطارد الأول، بحثاً عن يوتوبيا متخيلة. تتداخل الأمكنة وتتنوع أحداث الرواية بطريقة استرجاعية (Flash Back) حيناً، وبطريقة انسيابية حيناً آخر، ومن ثمّ تتداخل المواقع والشخصيات ذوو المرجعيات الاجتماعية والجغرافية المتباينة لتشكل هذه اللوحة السردية البانورامية الغنية والمتناقضة... والمحتدمة.

ليس كل نص سردي اغترابي، أو ديستوبي، يحقق تلك المتعة الجمالية والتشويق والانجذاب له حتى النهاية، غير أن نص «أيام الشمس المشرقة»، كما كتبته ميرال الطحاوي، بطريقتها التعبيرية وتقنياتها، نجح في تحقيق هاتين الغايتين: «لذة النص» في نسيجه الجمالي ولغته، ولذة القراءة المنتجة التشاركية في فضاء ترتيب جزر السرد المتقطعة وإعادة إنتاجها وتشكيل لحمتها اللغوية في سدى اللوحة الحكائية البازغة في وعي القارئ الممكن والمحتمل في آن... ودائماً وحسب ما يقول فولفانغ كايزر، الناقد والفيزيائي الألماني في كتابه «العمل الأدبي اللغوي»: «إن الأدب الجميل موضوع حقيقي للقراءة النقدية»، وهو ما نؤكده هنا في كل حالات قراءة النص الجميل والماتع في لذته يخرج القارئ الناقد المتمرس من لحظته الماتعة للنص ليدخل شبكته وعلاقاته اللغوية في «عمليات خرق متتالية لنظامه ومعماره وقوانينه»، على حد قول الناقد سعيد بنكراد، إلى أفق الاكتشاف المعرفي والجمالي، بل الوصول بلذة مضاعفة إلى منظومة الدلالات والتأويلات المعرفية التي غالباً ما تكون غائبة - حاضرة عند كاتب النص نفسه حين كتابته للعمل الأدبي.. إن هذا العمل الروائي المتميّز في حقيقته لهو بمثابة سجل وجودي واقعي/ تخييلي جمالي لحالاتٍ إنسانية مغتربة في زمنية محددة بمكانٍ مجازي لم تسمه الكاتبة متعيناً في جغرافيته كما قلت، وإن صارت هي مهمة المتلقي ذاته. من هنا يصبح القارئ في حقيقة الأمر، كاتباً آخر صامتاً للنص على المستوى التخييلي الصامت ككتابة الصمت التي شرحها رولان بارت في كتابه «الكتابة عند درجة الصفر» بأنها الكتابة التي: «تخلق مجموعة من العوالم الممكنة داخل عالم النص، وتُشكل في حد ذاتها فضاء للتأويل بامتياز»، وحسب الشاعر والمسرحي الفرنسي بول كلوديل: «هذا النوع من الكتابة يفترض دائماً وجود الأبيض والأسود، الفراغ واللا فراغ. كل نص حيث اللغة منظمة بشكل بلاغي وجمالي تفترض وجود نوع من الفراغ يحيط بها».

العلاقات الروائية

وحين نجحت ميرال الطحاوي في تقديم نعم الخباز شخصية محورية في الرواية، فهي كانت تنتقل من شخصية لأخرى ومن مكان لآخر بطريقة استرجاعية، فإنما كانت تبني العلاقات الروائية في الموقع الروائي الذي أسست عليه محورية الكيان الفني الرئيس.. فنعم الخباز هي التمثيل الرمزي المحوري للمعمار الروائي الذي شيدته الكاتبة، ومنها تنطلق دينامية السرد. وينفجر النص الروائي إلى تشظياته اللاحقة دفعةً واحدةً منذ المشهد الأول الذي تواجهه نعم الخباز حين تصدم بانتحار ابنها جمال، فالانزياح من زمنية الفقد والخسارات الأولى إنما يؤسس في سياق السرد لزمنية متتالية لخسارات قادمة وفادحة عايشتها نعم بتلقائية متناهية. فالسياق الروائي الاسترجاعي لزمن سابق في موقعٍ جغرافي ونفسي سابق كأنه أسس لعلاقات روائية لن تقل فداحةً في خسائرها ومراراتها. إن حركية السرد في صعودها وهبوطها إنما تمضي في مساراتها وعلاقاتها الجسدية والمكانية من محورية شخصية نعم الخباز بمعنى أنها تبني منظومة السرد ونظامها وسياقاتها وفراغاتها، حتى وإن بدا لنا هذا التجزيء والتشطير ماثلاً في علاقات النص الروائية برمتها، وفي ظني كل تشطير أو تشظ في الحدث الروائي ليس إلا في النهاية التقاء في محورية الشخصية الرئيسية التي من خلالها يلتئم الحدث الرئيسي مع تفرعاته... وتنمو دلالاته ومساراته. فمنذ اللحظة الأولى للقول السردي تفتتح ميرال روايتها على فعل القتل وصدمته فتبدأ بمآلات اليوتوبيا الموهومة إلى ملمح واقعها الديستوبي الصغير الماثل على مستوى تطور الأحداث للشخوص الروائية واختراقها ليومياتها ومصائرها.

تبدأ الرواية هكذا: «دخلت، نعم الخبّاز إلى ممرات الشمس المشرقة بخطوات ثقيلة ومتعبة وحذرة، كان قلبها يدق بعنف، ولم تجد لذلك سبباً واضحاً... حين دخلت البيت وجدت بكرها جمال الذي جاوز التاسعة عشرة ممدداً على الأرض وجهه إلى الأسفل، والطلقة التي اخترقت دماغه خرجت من الخلف واستقرت في الحائط...». من نقطة وبؤرة هذا الحدث الفاجع تنبثق مضامين النص الروائي كله، وينفتح النص على حقائقه الآتية، وتتوالى أحداث ومصائر الشخصيات الروائية المحايثة... إن المهجر ليس حلماً جميلاً كله، وإن المكان له مواضعاته وقوانين العيش فيه مختلفة ومتناقضة. والحقيقة فمن خلال هذا المشهد المروع تتحدد ممكنات السرد وآفاقه ومساقاته اللاحقة، فما الأحداث القادمة في الرواية إلا دلالة وقيمة نقيضة سالبة على رعبٍ آتٍ في المكان والزمن الروائي، وظلام كثيف يظلل فضاء النص برمته. إنه واقع متخيّل ديستوبي آتٍ حثيثاً في متن النص كما يحس به ويستشرفه المتلقي. كأن الكاتبة تريد أن تفصح في متنها الروائي وفي سياقاته عن أحلام شخوصها في الهجرة إلى يوتوبيا فتقع في ديستوبيا العيش والمآل... فلم تجد مدنها الفاضلة ولم تتحقق أحلامها في العيش الهانئ، بل تجرعت كؤوس المرارات والتحفت بليل الخيبات. فالتمثيلات الرمزية في الواقع الديستوبي التي حفلت بها الرواية تحددت في سلسلة من الأحداث الفاجعة التي مرت بها نعم الخباز وصديقاتها ما يدل على أن حلم الهجرة إلى اليوتوبيا المزمعة تحطّم كلياً في واقعه الماثل الجديد.

(*) ناقد سعودي


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.