تساؤلات وتحديات بعد الفوز الكبير لأحزاب المعارضة التايلندية

تعايش صعب بين المؤسسة العسكرية والتقاليد ونبض الشارع

تساؤلات وتحديات بعد الفوز الكبير لأحزاب المعارضة التايلندية
TT

تساؤلات وتحديات بعد الفوز الكبير لأحزاب المعارضة التايلندية

تساؤلات وتحديات بعد الفوز الكبير لأحزاب المعارضة التايلندية

تشكّل نتائج الانتخابات الأخيرة في تايلند بداية حقبة جديدة، وقد جاءت بمثابة حكم صادم وقوي من جانب قرابة 40 مليون ناخب تايلندي ضد هيمنة العسكريين على المشهد السياسي بالبلاد. المؤسسة العسكرية سيطرت على حكم تايلند معظم الفترة منذ عام 1947، وإن تخللت هذه السنوات فترات قليلة تولت خلالها السلطة حكومات منتخبة ديمقراطياً. ولكن في السنوات الأخيرة، واجهت المملكة الواقعة في جنوب شرق آسيا اضطرابات سياسية ومشاكل اقتصادية، في حين تعرّض النظام لتحديات كبيرة، في الوقت الذي تراجعت شعبية رئيس الوزراء. يقدر عدد سكان تايلند بـ70 مليون نسمة، وعُرفت تاريخياً باسم «سيام»، وتعيش تحت نظام حكم ملكي دستوري، وتعدّ البلد الوحيد في جنوب شرق آسيا الذي نجا من الحكم الاستعماري. وجرى إعلان ماها فاجيرالونغكورن، الملك التايلندي العاشر من سلالة تشاكري، ملكاً على البلاد في ديسمبر (كانون الأول) 2016. وتولّى الملك الحالي العرش خلفاً لوالده الملك بوميبول أدولياديج، أطول ملوك العالم حكماً في ذلك الوقت، الذي توفي في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام.

على مدى عقود لجأ حكام تايلند العسكريون إلى الانقلابات والأحكام القضائية لإبقاء المعارضين المنتخبين بعيداً عن السلطة

ثمة احتمال لأن تصبح الانتخابات العامة التي شهدتها تايلند يوم 14 مايو (أيار) المنصرم الحدث السياسي الأبرز في تاريخها منذ منتصف السبعينات، حين أطاحت حركة مؤيدة للديمقراطية لأول مرة بالنظام العسكري الحاكم.

حصيلة الانتخابات الأخيرة كانت أشبه بزلزال سياسي؛ إذ اختار الناخبون التايلنديون بغالبية كاسحة اثنين من الأحزاب الديمقراطية، هما «التحرك نحو الأمام» و«بويا تاي». وحصد الحزبان معاً أكثر من ثلاثة أخماس مقاعد مجلس النواب، جامعين نحو 25 مليون صوت.

نجم حزب «التحرك نحو الأمام» لمع كأكبر كتلة سياسية في تايلند، باستحواذه على 152 مقعداً، تلاه «بويا تاي» بـ141 مقعداً، داخل البرلمان البالغ إجمالي مقاعده 500. ولم يقترب أي حزب آخر من الإنجاز المزدوج الذي حققه هذان الحزبان.

بيتا ليمجارونرات (42 سنة) الذي تلقى تعليمه بجامعتي هارفارد والـ«إم آي تي» الأميركيتين العريقتين، هو زعيم حزب «التحرك نحو الأمام»، الذي يتبع أفكاراً تقدمية، ولقد نجح في استغلال شعبيته في صفوف الناخبين الشباب الساخطين والراغبين في التغيير.

أما «بويا تاي»، فإنه حزب شعبوي تقوده بايتونغتارن شيناواترا (36 سنة)، وهي ابنة رئيس الوزراء السابق والملياردير الشعبوي ثاكسين شيناواترا. ويستقي هذا الحزب دعمه من الطبقة العاملة في الريف والحضر، خاصة بالمناطق الواقعة شمال وشمال شرق البلاد. وكانت شعبية هذين الزعيمين قد تصاعدت كثيراً في مواجهة المؤسسة العسكرية خلال العقدين الماضيين.

في المقابل، حصل الجنرال برايوت تشان أوتشا (69 سنة)، الذي أطاح عام 2014 الحكومة المدنية المنتخبة ديمقراطياً بقيادة زعيمة «بويا تاي»، ينغلوك شيناواترا (وهي أخت ثاكسين) على نسبة هزيلة بلغت 7 في المائة من الأصوات، فيما حصل الائتلاف الحاكم المؤلف من أحزاب عسكرية على 77 مقعداً فقط. وهو ما يشكل تراجعاً كبيراً عن الـ116 مقعداً التي كان فاز بها الائتلاف في انتخابات 2019. ويذكر أن ينغلوك شيناواترا كانت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، قبل الانقلاب العسكري الذي نفّذه الجنرال برايوت وبعده عين نفسه رئيساً للوزراء. وهنا نشير إلى أن برايوت حرص باستمرار على تأكيد دعمه للعائلة المالكة التايلندية، بينما اتخذت المؤسسة العسكرية إجراءات قمعية صارمة ضد أي تحرك ضد «حكومتها».

هل ستشكَّل حكومة؟ عادة ما تستغرق الإجراءات البرلمانية في تايلند أشهراً عدة قبل أن تتشكل الحكومة الجديدة وتتولى السلطة. وأمام لجنة الانتخابات في تايلند ما يصل إلى 60 يوماً للمصادقة رسمياً على نتائج الانتخابات العامة هذا العام. وبعد ذلك، يجتمع البرلمان بدوره للمصادقة على الحكومة الجديدة.

وينص الدستور على ضرورة انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب في غضون 15 يوماً بعد إعلان لجنة الانتخابات نتائج الانتخابات الرسمية؛ وذلك لانتخاب رئيس مجلس النواب الجديد، والذي سيكون أيضاً رئيساً للبرلمان التايلندي، ومن المعتقد أن يوافق ذلك 13 يوليو (تموز) المقبل. ويعني هذا أن جلسة مشتركة لمجلس النواب المكون من 500 مقعد، ومجلس الشيوخ المؤلف من 250 مقعداً، ستنعقد في يوليو (تموز) لاختيار رئيس الوزراء الجديد.

يضم مجلس النواب، الغرفة الأدنى من البرلمان، إجمالي 500 مقعد ـ 400 مقعد متاح أمام الدوائر الانتخابية و100 مقعد بنظام «القائمة الحزبية» (مقاعد تفوز بها الأحزاب على أساس نصيبها من الأصوات الوطنية). ولقد أعلن بيتا، زعيم حزب «التحرك نحو الأمام»، جاهزيته لتولي منصب رئيس الوزراء الثلاثين لتايلند، وتشكيل حكومة ائتلافية من 8 أحزاب حليفة داعمة للديمقراطية، هي: «بويا تاي» و«براشاشات» و«ثاي سانغ ثاي» و«سيري روام ثاي» (ثاي الليبرالي) و«فير» و«بلونغ سونغكوم ماي» (القوة الجديدة) و«بيو ثاي رومفلانغ».

داخل مجلس النواب، لدى هذا الائتلاف الآن 313 صوتاً من 500 صوت. ولقد وافق أعضاء الائتلاف «الثماني» رسمياً على العمل معاً من خلال توقيع مذكرة تفاهم، تتضمن سياسات مكوناته الجديدة، وأعربوا عن رغبتهم في قيادة الحكومة القادمة. كذلك أعربت أحزاب الائتلاف رفضها السلطة المطلقة في البلاد، ووعدت بإجراء إصلاحات حال وصولها للسلطة.

أثناء التوقيع على مذكرة التفاهم، قال بيتا «يتعلق اليوم بإقرار بداية جيدة، وعلينا أن نعمل معاً للمضي قدماً نحو إعلان سياساتنا بعد أن أتولى منصب رئيس الوزراء. لذا؛ فإن اليوم ليس سوى الخطوة الأولى». وأضاف أمام حشد من الصحافيين «هناك الكثير من الخطوات التالية الفورية التي تتبع ذلك، ومن المحتمل أن يفسر ذلك بشكل أفضل قليلاً كيفية إحداث التغيير».

ولكن رغم الدعم الساحق، يشير معلقون سياسيون إلى وجود مخاوف في صفوف مؤيدي الائتلاف، من إمكانية استغلال المعارضين المتحالفين مع الجيش مجلس الشيوخ، غير المنتخب لمنع أعضاء الائتلاف من تولي مناصب. ويذكر أنه بموجب دستور تايلند لعام 2017 الذي صيغ في ظل الحكم العسكري بعد انقلاب عام 2014، يتوجب على مجلسي البرلمان التصويت لاختيار رئيس وزراء جديد.

دستور 2017تبعاً للدستور الذي أقرّه المجلس العسكري عام 2017، يجب انتخاب رئيس الوزراء، إضافة إلى 250 من أعضاء مجلس الشيوخ المعينين من قِبل المجلس العسكري الملكي. ولتجاوز مجلس الشيوخ، سيحتاج بيتا إلى دعم 376 نائباً بالبرلمان. وهو أمر متعذّر من دون ضم حزب «بهومجايتاي» الصديق للمجلس العسكري وصاحب التوجهات المحافظة.

هذا يعني أنه لا يزال بإمكان المؤسسة العسكرية الاضطلاع بدور رئيسي في تحديد الحكومة، مع فشل الائتلاف بالفوز بالغالبية المطلوبة وهي 376 مقعداً. ومع أن الائتلاف «الثماني» الجديد يأمل أن تضغط المقاعد المشتركة في الحكومة على مجلس الشيوخ للتصويت لصالحه، يرى محللون أن بيتا، المرشح الأبرز لتولي رئاسة الوزراء إذا شكل الائتلاف الذي يقوده حزبه الحكومة، قد يصار إلى استهدافه، بل وإبعاده إذا قبلت «لجنة الانتخابات» شكوى بأنه لم يبع أسهماً يمتلكها في شركة إعلامية قبل إطلاق حملته الانتخابية؛ وهو ما يشكل خرقاً للقواعد - المصير ذاته الذي لقيه مؤسس حزبه عام 2019. ولقد قدّم بالفعل مرشح لحزب «فالانغ براشاراث»، المدعوم من المؤسسة العسكرية، شكوى إلى لجنة الانتخابات واللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، متهماً بيتا بأنه لم يدرج الأسهم التي يملكها في الشركة المذكورة في البيان الرسمي الذي قدمه بخصوص الأصول المملوكة له. لكن بيتا أنكر اقتراف أي مخالفة، وقال إن الاتهام الموجه له يقوم على نقطة فنية صغيرة.

من ناحية أخرى، رغم توجيه حزب «بويا تاي» الشعبوي دعوات قوية لتشكيل حكومة بقيادة حزب «التحرك نحو الأمام»، يرى محللون أن الحزب قد يتحالف مع حزب «بهومجايتاي»، الذي جاء في المركز الثالث، بجانب المؤسسة العسكرية والحزب الحاكم المدعوم من العائلة المالكة، «فالانغ براشاراث»، والذي بمقدوره بسهولة الحصول على دعم 270 من أعضاء مجلس الشيوخ.

ومع ذلك، يعتقد محللون أن الجيش لن يعجبه عودة العائلة السياسية لرئيس الوزراء السابق ثاكسين شيناواترا، عبر حزبها «بويا تاي»، بعدما تحولت لشبح يطارد المؤسسة العسكرية والنخب الموالية للملكية منذ عام 2001. وبالتالي، في غياب حل وسط، قد تعاني تايلند من مأزق غياب حكومة عاملة على امتداد أشهر، خاصة أن الدستور لا ينص على موعد نهائي لتشكيل الحكومة.

الاضطرابات والجيش والعرشعلى مدى عقود، لجأ حكام تايلند العسكريون إلى الانقلابات والأحكام القضائية لإبقاء المعارضين المنتخبين بعيداً عن السلطة. ورغم إقرار الحكم المدني رسمياً في تايلند عام 1992، فإن الجيش التايلندي ما زال مؤسسة مؤثرة وقادرة على تأجيل الإصلاح السياسي.

ما يستحق الإشارة أنه في العام 1932 انتهت المَلَكية المطلقة بعد الثورة السيامية. ولكن، مع ذلك احتفظ العرش التايلندي بمكانة مميزة في المجتمع، وبنفوذ هائل في الحكومة، ولطالما بقيت المؤسسة الملكية محصنة ضد النقد العام، من خلال نص القانون. ولكن، منذ ذلك الحين، دبّر الجيش التايلندي 22 انقلاباً، نجح 13 منها، وأجرى 20 تعديلاً دستورياً منذ قيام الدولة.

وعلى مدار سنوات، شكّلت المواجهة بين الجنرالات العسكريين والسياسيين والنشطاء المدنيين، السبب الجذري وراء غياب الاستقرار باستمرار عن البلاد.

أول حكومة منتخبةعام 2001، أصبح لدى تايلند أول حكومة منتخبة استكملت فترة ولاية مدتها أربع سنوات، تحت قيادة ثاكسين شيناواترا، رجل الشرطة الذي تحوّل رجل أعمال عملاقاً بمجال الاتصالات، والذي قاد موجة شعبوية للفوز مع حزبه «تاي راك تاي» (التايلنديون يحبون التايلنديين). ووعد حزبه بتحقيق استقرار في الاقتصاد، وتقديم رعاية صحية شاملة وتخفيف ديون المزارعين وتوفير تمويل لتحقيق تنمية بالقرى.

مع ذلك، أشعلت حرب ثاكسين المثيرة للجدل على المخدرات بجنوب البلاد ذي الغالبية المسلمة، جولة جديدة من أعمال التمرد. وعلى الرغم من اكتساح ثاكسين انتخابات عام 2005، سرعان ما هزّت حكومته فضيحة مالية واحتجاجات لاحقة، فاضطر إلى الدعوة إلى انتخابات جديدة. ومن ثم أطيح به بعد أشهر في انقلاب مرّ دون إراقة للدماء.

فترة ما بعد عام 2006 توصف عادةً بأنها «العقد الضائع» في تايلند. ومع وجود ثاكسين في المنفى الذاتي وعزل خلفائه من قبل المحاكم، شهدت تايلند عام 2010 أعنف حملة قمع ضد المتظاهرين، أطلق عليها حملة «القمصان الحمر»، بقيادة رئيس الوزراء الحالي - الذي كان جنرالاً حينها - برايوت تشان أوتشا. وسلّطت سنوات الاحتجاج الضوء على الانقسام الاجتماعي العميق بين فقراء الريف والطبقات الوسطى والعليا الأكثر ثراءً في العاصمة بانكوك.

بعدها، عام 2011، أصبحت ينغلوك، شقيقة ثاكسين الصغرى، أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تايلند، لكن حكومتها واجهت هي الأخرى احتجاجات في خضم مساعيها لاستصدار عفو عن أخيها المنفي يومذاك. وأدى ذلك إلى انقلاب عسكري آخر وإعلان الأحكام العرفية عام 2014 لحجة إحلال الاستقرار. وعام 2017، أقرّ الجيش دستوراً جديداً يسمح له بتعيين 250 عضواً في مجلس الشيوخ الذي سيلعب دوراً في اختيار رئيس الوزراء.

تجربة... وسخط انتخابات 14 مايو 2019 التي نُظر إليها في البداية كـ«تدريب على نقل السلطة» من المجلس العسكري إلى حكومة منتخبة، أسفرت عن احتفاظ برايوت بالسلطة بعد انتخابات متنازع عليها؛ ما جدد مشاعر السخط والاستياء. أما الانتخابات الأخيرة، فيصفها أنيل وادوا، السفير الهندي السابق لدى تايلند، بـ«الحدث السياسي الأكثر أهمية في البلاد منذ منتصف السبعينات، عندما نجحت للمرة الأولى حركة داعمة للديمقراطية في الإطاحة بنظام عسكري حاكم. ومع ذلك، شهدت هذه الانتخابات استخدام الجماهير التايلندية الوسائل المتاحة للتعبير عن رفضها... وهو رفض تحول حركاتٍ احتجاجية كبرى في السنوات الأخيرة. وأكدت نتيجة التصويت على رغبة الناخبين في تعزيز المؤسسات الديمقراطية، وفرض مزيد من المساءلة على الجيش والخدمة المدنية، إلى جانب المزيد من المساواة في الفرص الاقتصادية».

شيخوخة السكان...بين التحديات الكبرى

> تعد تايلند من أسرع الدول شيخوخة في العالم. ومن بين سكانها البالغ عددهم 70 مليون نسمة، هناك 12 مليون تايلندي من كبار السن، طبقاً لأحدث تقرير إحصائي وطني. ومنذ عام 2005، جرى تصنيف تايلند باعتبارها «مجتمعاً مُسنّاً»، حيث يمثل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق 10 في المائة من السكان. ومن المتوقع أن يرتفع عدد السكان المسنين في البلاد إلى 28 في المائة وأن تصبح تايلند «مجتمعاً مُسنّاً للغاية» بحلول العقد المقبل.

ومع التقدم في نظام الرعاية الصحية، يتضح أن أعداد ونسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق آخذ في الارتفاع في تايلند والعالم. وما يجدر ذكره أنه عام 2019، كان أكثر عن مليار من سكان العالم فوق سن الـ60. ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 1.4 مليار بحلول عام 2030 و2.1 مليار بحلول عام 2050.

في حين أن هذا التحول الديموغرافي يعكس أوجه التقدم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والصحة، فإنه - في المقابل - يطرح كذلك تحديات جديدة. وإدراكاً منهم لهذه التحولات والتحديات الديموغرافية، عمل صناع السياسات والجهات المعنية في جنوب شرق آسيا على مدار سنوات على إصلاح السياسات والمبادرات لمواجهة التحديات التي تواجه رفاه كبار السن.

تداعيات جيوسياسيةمحتملة لانتخابات 2023

> لا يستبعد مراقبون متابعون للشأن السياسي في تايلند أن تخلف نتائج الانتخابات الأخيرة تداعيات جيوسياسية مهمة للبلاد للإقليم المحيط بها. ذلك أن تايلند، التي كانت شريكاً سابقاً للولايات المتحدة طوال سنوات «الحرب الباردة»، هي الدولة الديمقراطية الوحيدة المتعددة الأحزاب في البر الرئيس لجنوب شرق آسيا، والتي تخضع في الوقت ذاته لنفوذ الصين.

من جهته، نفى حزب «التحرك نحو الأمام» بشدة تأييده السماح للولايات المتحدة بإنشاء قاعدة عسكرية في تايلند. ويأتي هذا الجدل في خضم تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، مع وجود مؤشرات على أن كمبوديا المجاورة لتايلند تعزز روابطها مع الجيش الصيني. ويتضمن هذا التعزيز، تبعاً لمسؤولين أميركيين، بناء قاعدة بحرية صينية في خليج تايلند.

في هذا الصدد، أعرب آنيل وادوا (السفير الهندي السابق لدى بانكوك) عن اعتقاده بأن «الولايات المتحدة لعبت دوراً في الانتخابات العامة في 14 مايو، والتي يجري النظر إليها باعتبارها زلزالاً هزّ أركان المشهد السياسي التايلندي؛ ما ترك حزب «التحرك نحو الأمام» في وضع يسمح له بتأسيس ائتلاف يمثل 62 في المائة من أعضاء البرلمان».

ويأتي نفي حزب «التحرك نحو الأمام» في وقت تراجعت فيه الفلبين في عهد رئيسها الحالي فرديناند ماركوس «الابن» عن سياسة استمرت عقوداً سمحت في إطارها للجيش الأميركي بإنشاء قواعد في البلاد؛ الأمر الذي لا بد من أن ينظر إليه في إطار تصاعد التوترات العسكرية بين الصين وأميركا ببحر الصين الجنوبي وسياقاته.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.