روايات حرب السودان: لم أستطع حمل أي من أعمالي الفنية معي

الحركة التشكيلية السودانية... ضحية أخرى لـ«حرب الجنرالين»

داليا عبد الإله بعشر فنانة سودانية ترسم في منزلها الجديد في القاهرة (نيويورك تايمز)
داليا عبد الإله بعشر فنانة سودانية ترسم في منزلها الجديد في القاهرة (نيويورك تايمز)
TT

روايات حرب السودان: لم أستطع حمل أي من أعمالي الفنية معي

داليا عبد الإله بعشر فنانة سودانية ترسم في منزلها الجديد في القاهرة (نيويورك تايمز)
داليا عبد الإله بعشر فنانة سودانية ترسم في منزلها الجديد في القاهرة (نيويورك تايمز)

فرّ العشرات من الفنانين والمعنيين بالأعمال الفنية من السودان، تاركين وراءهم استوديوهاتهم ومعارضهم في العاصمة؛ الأمر الذي يعرّض آلاف الأعمال الفنية للخطر، ويهدد مشهداً فنياً لعب دوراً محورياً في ثورة 2019.

فصباح اليوم الذي اشتعل فيه القتال بين القوى العسكرية المتناحرة في السودان، كان ياسر القريع في الاستوديو الخاص به وسط العاصمة الخرطوم، يستعد ليوم آخر من العمل، تحيطه الألوان ولوحات قماشية.

كان ذلك في الـ15 من أبريل (نيسان) ـ وخلال الأيام الثلاثة التي تلت ذلك، ظل القريع محاصراً داخل مرسمه، يتضور جوعاً ويعاني العطش الشديد، في ظل احتدام المعارك في شوارع الخرطوم.

وعلى مدار ساعات كل يوم، ظل القريع مختبئاً في حالة من الرعب، بينما اخترق الرصاص نوافذ المبنى، واهتزت الجدران تحت وقع قذائف ضربت المبنى بالخطأ. وعندما سادت أخيراً فترة وجيزة من الهدوء تسمح بالفرار، حرص القريع على اقتناصها، لكن بقلب مثقل.

عن ذلك، قال القريع (29 عاماً)، الذي فرّ تاركاً خلفه غيتاره المفضل وأكثر عن 300 لوحة مختلفة الأحجام «لم أستطع حمل أيّ من أعمالي الفنية معي أو متعلقاتي الشخصية. لقد حرمنا هذا الصراع من فننا وسلامنا، وتركنا اليوم ونحن نحاول الاحتفاظ بتعقلنا في خضم التشرد والموت».

عمل فني جديد للفنانة السودانية داليا عبد الإله بعشر... وهي تركت وراءها أكثر من عشرين لوحة قماشية كبيرة في شقتها في الخرطوم (نيويورك تايمز)

المشهد الفني تحت الحصار

القريع واحد من بين عشرات الفنانين السودانيين الذين فرّوا من استوديوهاتهم ومعارضهم، في الوقت الذي يعيث الجنرالان المتحاربان فساداً ودماراً بواحدة من أكبر الدول الإفريقية، وأهمها من الناحية الجيوسياسية.

وتسبب الصراع المشتعل بين الجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» شبه العسكرية بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو، بمقتل المئات، وتشريد أكثر من مليون شخص، إضافة إلى حاجة أكثر من نصف سكان البلاد إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

وفي خضم هذا العنف المنفلت، يخشى كثيرون من أن تقضي الحرب على المشهد الفني المزدهر في العاصمة، والذي يقف خلفه بشكل أساسي فنانون شباب خرجوا من رحم ثورة عام 2019 الداعمة للديمقراطية، والذين كانوا قد بدأوا في جذب اهتمام إقليمي وعالمي.

وفي تصريحات لـ«نيويورك تايمز»، قال عشرات الفنانين والمعنيين بالفن من السودانيين، داخل السودان ومصر وكينيا، إنه ليست لديهم أدنى فكرة عن مصير منازلهم أو استوديوهاتهم أو معارضهم، والتي تضم في مجملها أعمالاً فنية تقدر قيمتها بمئات الآلاف من الدولارات.

في هذا الصدد، قالت عزة ساتي، وهي مخرجة سودانية تعمل كذلك في مجال تنظيم المعارض الفنية «سيتحطم النظام البيئي الفني الإبداعي لبعض الوقت». وأضافت أن الفنانين «عاينوا حاجة الناس إلى التعبير عن أنفسهم، والشعور بالحياة والشعور بالتقدير»، معربة عن اعتقادها بأن الحرب أسفرت تدريجياً عن «محو هذا الصوت، وهذه الهوية».

سطو على الثروات الفنية والأثرية

وفي سياق متصل، دارت بعض أشرس المعارك في العاصمة داخل أحياء مثل الخرطوم2، حيث توجد أحدث المعارض الفنية في المدينة، أو في أحياء صاخبة مثل سوق العربي، حيث يوجد الاستوديو الخاص للقريع. في هذه المناطق، تتفشى أعمال السطو والنهب، ويلقي السكان باللوم على القوات شبه العسكرية التي أحكمت قبضتها على العاصمة على نحو متزايد.

ومع تعرض المتاحف والمباني التاريخية للهجوم والتدمير، يساور القلق كثيرين كذلك إزاء نهب الثروات الفنية والمواقع الأثرية في البلاد.

من جهتها، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) في بيان لها، أن متحف التاريخ الطبيعي في السودان، ومحفوظات جامعة أم درمان الأهلية تعرّضا لأضرار جسيمة وأعمال نهب.

الطيب ضو البيت... فنان سوداني داخل الاستوديو الخاص به في منزله بنيروبي (نيويورك تايمز)

حرب على الفن أيضاً

في هذا الصدد، قال الطيب ضو البيت، وهو فنان سوداني مخضرم مقيم في نيروبي «داخل الحرب، الحرب الفعلية، ثمة حرب أخرى تدور حول الفن». جدير بالذكر أن ضو البيت يملك أعمالاً فنية عدّة معروضة في صالات عرض سودانية، وأعرب عن خوفه من أن تتعرض المؤسسات الفنية والثقافية في السودان للنهب، مثلما حدث في العراق قبل عقدين.

وشدد على أن «الأعمال الفنية في حاجة إلى الحماية».

يذكر أنه بعد استقلال البلاد عن المملكة المتحدة عام 1956، تميز السودان بمشهد فني صاخب أنجب أسماء مشهورة، منها أحمد شبرين، وإبراهيم الصلحي وكمالا إبراهيم إسحاق. إلا أنه خلال فترة حكم الديكتاتور عمر حسن البشير، الممتدة لثلاثة عقود، عمد النظام إلى استغلال الرقابة والمراسيم الدينية والسجن للحد من التعبير الإبداعي؛ ما أجبر الكثير من الفنانين والموسيقيين على الفرار من البلاد.

بدأ هذا الوضع في التحول خلال ثورة 2019، عندما تدفق الفنانون الشباب إلى الشوارع لرسم الجداريات على الجدران والطرق، والمطالبة بحكم ديمقراطي. وعندما أطيح بالبشير في نهاية المطاف، في أبريل من ذلك العام، احتفل الفنانون بحريتهم الجديدة، وشرعوا في الرسم والنحت لالتقاط صورة للحياة الجديدة في السودان بعد الثورة.

ومن بين هؤلاء داليا عبد الإله بعشر (32 عاماً)، وهي فنانة علّمت نفسها بنفسها، واستقالت من وظيفة مدرسة فنون بعد الثورة لتعمل بدوام كامل على فنها. وتهتم اللوحات التي أبدعتها بعشر بالقمع الذي تعانيه المرأة داخل المجتمع السوداني. وعلى مر السنوات، جذبت أعمالها انتباه المعنيين بالفن في السودان ومصر وكينيا والولايات المتحدة.

وقبل أيام من اندلاع حرب السودان في أبريل، توجهت هي وعائلتها إلى مصر، في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك وعطلة العيد التالية.

وحزمت بعشر لوحات عدة صغيرة معها في رحلتها، على أمل بيعها، لكنها تركت أكثر عن عشرين لوحة كبيرة في المنزل.

وقالت خلال مقابلة بالفيديو من القاهرة «لا يمكنني أن أصف بالكلمات أو على قماش الرسم شعوري حيال هذه الحرب». وأضافت أن شقتها والحي الذي تعيش به في الخرطوم أصبحا مهجورين، وأنها لا تعرف مصير أي من ممتلكاتها.

وقالت «لا نزال نشعر بالصدمة والهلع. لم نتخيل أبداً أن هذا قد يحدث، وأننا سنفقد الحركة الفنية التي كنا نبنيها».

رحيم شداد المؤسس المشارك لمعرض «داون تاون غاليري» بالخرطوم (نيويورك تايمز)

حملة دعم للفنانين

وشاركها ألمها رحيم شداد، الذي ساهم خلال الأيام التي أعقبت الثورة في تأسيس معرض في وسط الخرطوم.

ويعمل شداد (27 عاماً)، مع أكثر عن 60 فناناً من جميع أرجاء السودان، وكان يخطط لإقامة معرض منفرد في الخرطوم لوليد محمد، وهو رسام يبلغ من العمر 23 عاماً.

وكان شداد قد انتهى لتوه من تنسيق وشحن الأعمال الفنية لمعرض من المقرر أن يسافر إلى الخارج، بعنوان «اضطراب في النيل». وسيتجول المعرض، الذي يبدأ في أواخر يونيو (حزيران)، في لشبونة ومدريد وباريس، وسيضم فنانين سودانيين من مختلف الأجيال.

إلا أنه منذ اشتعال القتال، تركز اهتمام شداد، حصراً، على ضمان سلامة الفنانين وأعمالهم الفنية.

في الوقت ذاته، هناك المئات من اللوحات والأعمال الفنية عالقة في «داون تاون غاليري» في الخرطوم2. علاوة على ذلك، أسفر الصراع عن استنزاف مدخرات الكثير من الفنانين وحرمهم من دخل منتظم، كان يأتي في الجزء الأكبر منه من المبيعات للأجانب ومسؤولي السفارات الذين جرى إجلاؤهم الآن.

وسعياً لمعاونة الفنانين وعائلاتهم، أطلق شداد، مع سودانيين معنيين بالأعمال الفنية، مثل ساتي، حملة تمويل جماعي هذا الشهر. كما يفكرون في كيفية نقل أعمال الفنانين إلى مكان آمن بمجرد أن يعم هدوء نسبي الخرطوم. ورغم وقف إطلاق النار الذي استمر سبعة أيام، والذي من المقرر أن ينتهي الاثنين، قال شداد إنه تناهى إلى علمه وقوع أعمال سطو وتحرش بالمدنيين الذين يغامرون بالعودة إلى المنطقة القريبة من معرضه.

وأضاف باكياً، خلال مقابلة هاتفية معه من القاهرة «يتعرض قلب المشهد الفني في السودان لهجوم خطير. إنه لمن المؤلم للغاية التفكير في أن العمل الشاق الذي قمنا به سيضيع».

الشغف في مواجهة الموت

إضافة إلى ذلك، حرم الصراع كثيراً من الفنانين من الوصول إلى مصدر إلهامهم.

من جانبه، هرب خالد عبد الرحمن، الذي تصوّر أعماله مناظر طبيعية لأحياء الخرطوم والمقابر الصوفية، من الاستوديو الخاص به في الخرطوم3 من دون لوحاته، وقال إنه كان يفكر في كيفية تأثير الصراع على رؤيته وإبداعاته المستقبلية.

وأضاف «لا يمكنني معرفة ذلك الآن. أنا حزين حقاً بشأن ما يجري».

ومع ذلك، فإنه في قلب الموت والنزوح اللذين يعصفان بالسودان، يرى فنانون أن هذه فترة أخرى في تاريخ أمتهم سيتعين عليهم توثيقها بطريقة أو بأخرى.

عن ذلك، قال القريع الذي يقيم حالياً في قرية شرق الخرطوم «هذه حقبة يجب أن ندرسها بعناية كي نتمكن من نقلها إلى الأجيال القادمة، وتعريفهم بما حدث للبلاد». وأضاف مؤكداً، أن «الشغف لن يموت أبداً»

* خدمة «نيويورك تايمز»



حادث مروري يسلط الضوء على معاناة «عمال اليومية» في مصر

«الهلال الأحمر المصري» يقدم تدخلات إغاثية لمتضرري حادث «الطريق الأوسطي» (صفحة وزارة الصحة على فيسبوك)
«الهلال الأحمر المصري» يقدم تدخلات إغاثية لمتضرري حادث «الطريق الأوسطي» (صفحة وزارة الصحة على فيسبوك)
TT

حادث مروري يسلط الضوء على معاناة «عمال اليومية» في مصر

«الهلال الأحمر المصري» يقدم تدخلات إغاثية لمتضرري حادث «الطريق الأوسطي» (صفحة وزارة الصحة على فيسبوك)
«الهلال الأحمر المصري» يقدم تدخلات إغاثية لمتضرري حادث «الطريق الأوسطي» (صفحة وزارة الصحة على فيسبوك)

سلّط حادث «الطريق الأوسطي» بمحافظة الجيزة المصرية، السبت، الضوء على معاناة «عمال اليومية»، وأعاد التذكير بحادث «طريق السادات» بمحافظة المنوفية في أبريل (نيسان) الماضي، الذى أسفر عن مقتل 9 عمال زراعيين.

وأدى الحادث المروري بـ«الأوسطي»، السبت، إلى مقتل 9 أشخاص وإصابة 24 آخرين بجروح. وأشارت التقارير الأولية إلى أنه «وقع نتيجة تصادم مروع بين سيارة ميكروباص وأخرى نقل ثقيل». وبينت التحريات الأولية أن «من بين المتوفين والمصابين عمالاً باليومية».

وتابع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مع وزير الصحة خالد عبد الغفار الحالة الصحية للمصابين، والتأكد من تقديم جميع أوجه الرعاية الطبية والعلاجية اللازمة لهم، وتسخير الإمكانات الطبية المتاحة لضمان توفير أفضل مستويات الخدمة الصحية، مع المتابعة المستمرة لتطورات حالتهم الصحية.

كما تابع رئيس الوزراء مع وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي تقديم الوزارة و«الهلال الأحمر» الإغاثات والدعم المطلوب لأسر الضحايا والمصابين.

وزارة الصحة المصرية دفعت بـ20 سيارة إسعاف إلى موقع الحادث (صفحة وزارة الصحة على فيسبوك)

وكانت وزارة الصحة أعلنت الدفع بـ20 سيارة إسعاف إلى موقع الحادث فور تلقي البلاغ، إذ جرى نقل المصابين إلى «مستشفى أكتوبر المركزي» و«مستشفى زايد التخصصي»، مع رفع درجة الاستعداد بالمستشفيات الواقعة في نطاق الحادث والمناطق المحيطة، وتوفير الأدوية وفصائل الدم والمستلزمات الطبية اللازمة.

كما باشرت النيابة العامة بالجيزة التحقيقات في الحادث، وأصدرت قرارات شملت «انتداب لجنة هندسية وفنية من خبراء المرور لفحص المركبتين ومعاينة مسرح الحادث لمعرفة الأسباب الفنية للتصادم وبيان مدى صلاحية السيارات للسير»، كما كُلفت «المباحث الجنائية» بإجراء التحريات اللازمة حول ملابسات الواقعة والاستماع إلى أقوال المصابين وشهود العيان الذين تسمح حالتهم الصحية.

تدخلات عاجلة من «الهلال الأحمر المصري» لمصابي حادث «الطريق الأوسطي» (صفحة وزارة الصحة على فيسبوك)

وتتعدد الحوادث المروعة في مناطق متفرقة بالبلاد، في ظلِّ شكاوى من عدم الالتزام بالقواعد المرورية على الطرق السريعة، وكذلك تراجع جودة بعض الطرق الرابطة بين المراكز والقرى.

وأعلن رئيس مجلس الوزراء، الأسبوع الماضي، عن «إطلاق برنامج قومي لرفع كفاءة الطرق المحلية بالمحافظات بتكلفة تقديرية تصل إلى 42 مليار جنيه (الدولار يساوي 55.7 جنيه) على أن يتم الانتهاء من تنفيذه خلال ثلاث سنوات بما يسهم في تحسين حالة الطرق وتيسير حركة المواطنين والمركبات».

وبحسب «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، «ارتفع عدد الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق والقطارات في مصر بنسبة 10.8 في المائة خلال عام 2025 لتصل إلى 5829 حالة وفاة».

في سياق ذلك قدم «الهلال الأحمر المصري» تدخلات إغاثية لمتضرري الحادث تنفيذاً لتوجيهات وزيرة التضامن الاجتماعي بالوجود الميداني ومتابعة تداعيات الحادث، وتقديم جميع أوجه الدعم والتدخلات الإغاثية، بالإضافة إلى صرف المساعدات العاجلة للمستحقين، واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية ذات الصلة.

وزارة الصحة المصرية رفعت درجة الاستعداد بالمستشفيات الواقعة في نطاق الحادث (صفحة وزارة الصحة على فيسبوك)

وأعادت الواقعة للأذهان حوادث مشابهة كان ضحيتها عمالاً أيضاً، ففي فبراير (شباط) الماضي، لقي 18 شخصاً مصرعهم وأُصيب آخرون من جراء حادث تصادم مروّع في محافظة بورسعيد في أثناء ذهابهم إلى العمل في أول أيام شهر رمضان. وفي يوليو (تموز) من العام الماضي، وقع حادث آخر نتيجة تصادم سيارة نقل ثقيل وحافلة صغيرة (ميكروباص) كانت تقل فتيات عاملات باليومية بالطريق الإقليمي في محافظة المنوفية، ما أسفر عن مصرع 19 شخصاً وإصابة 3 آخرين.

وبحسب ما ذكرت بوابة «أخبار اليوم» الرسمية، فإن «الضحايا من أبناء محافظة الفيوم وكانوا في طريقهم للعمل بإحدى المزارع». ورأى مراقبون أن «الحادث يُسلط الضوء على معاناة العمال الذين يعملون باليومية في الأراضي الزراعية بالقرى المصرية». وطالبوا بـ«ضرورة وضع حد للسرعة الزائدة على الطرق السريعة، وتغليط العقوبات على السائقين المُخالفين».


إجراءات مصرية جديدة لمواجهة أزمة إمدادات الطاقة

وزير البترول المصري كريم بدوي خلال تفقده مركز التحكم القومي بالشبكة القومية للغاز الطبيعي السبت (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري كريم بدوي خلال تفقده مركز التحكم القومي بالشبكة القومية للغاز الطبيعي السبت (وزارة البترول المصرية)
TT

إجراءات مصرية جديدة لمواجهة أزمة إمدادات الطاقة

وزير البترول المصري كريم بدوي خلال تفقده مركز التحكم القومي بالشبكة القومية للغاز الطبيعي السبت (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري كريم بدوي خلال تفقده مركز التحكم القومي بالشبكة القومية للغاز الطبيعي السبت (وزارة البترول المصرية)

اتخذت الحكومة المصرية إجراءات جديدة لمواجهة أزمة إمدادات الطاقة عبر تدشين منظومة إلكترونية لرصد أنماط الاستهلاك؛ بهدف ضبط توزيع المنتجات البترولية، ومنع التهريب.

وبحسب وزارة البترول والثروة المعدنية، تعتمد المنظومة الإلكترونية على «قراءة وتجميع بيانات تموين الوقود من خلال الملصق الإلكتروني الصادر من وحدات المرور التابعة لوزارة الداخلية» لمتابعة «سلسلة إمداد المنتجات البترولية منذ مراحل تداولها وحتى وصولها إلى المستهلك النهائي».

ومن المقرر بدء التشغيل التجريبي للمنظومة بمحافظة بورسعيد (شمالي شرق) بدءاً من الأحد، على أن يستمر التشغيل التجريبي شهراً حتى يتمكن أصحاب السيارات التي لم يسبق قيام أصحابها بتركيب الملصق، بتوفيق أوضاعهم، كذا الانتهاء من تغطية جميع محطات تموين السيارات بالمحافظة، بحسب بيان «البترول» المصرية.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس أن التحرك الحكومي يهدف إلى إعادة ضبط منظومة توزيع الطاقة بالبلاد عبر شبكة رقمية تتضمن بيانات دقيقة لحصر الوارد الذي تم توزيعه، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الربط الإلكتروني سيحدد معدلات الاستهلاك في أي نطاق جغرافي لرفع كفاءة التوزيع، فعندما تزداد معدلات الاستهلاك في نطاق جغرافي ما، يتم ضخ كميات إضافية».

وأشار إلى أن «المنظومة سترسم خريطة إلكترونية لمعدلات التوزيع من كل أشكال الطاقة (البنزين والغاز والسولار والمازوت) بما يمنع التلاعب أو قيام بعض المحطات بتخزين البنزين».

وخلال تفقده «مركز التحكم القومي بالشبكة القومية للغاز الطبيعي»، السبت، أكد وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، في إفادة رسمية، أهمية «مواصلة التنسيق والتكامل بين مختلف جهات قطاع البترول»، و«تعزيز كفاءة إدارة منظومة الغاز الطبيعي، مع تكثيف العمل لتسريع إدخال آبار جديدة إلى خريطة الإنتاج المحلي، وزيادة معدلات الإنتاج»، بما يسهم في«تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، والحد من الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها من الطاقة، في ضوء المتغيرات الجيوسياسية وتطورات أسواق الطاقة العالمية».

مصر تتوسع في شحنات الغاز المسال لتلبية الاحتياجات المحلية (هيئة قناة السويس)

وفي رأي النحاس، فإن التحركات الحكومية لضبط منظومة توزيع الطاقة «تسعى إلى ترشيد الكميات المدعومة وضبط الأسواق، وإعادة تدوير كميات الوقود المتوفرة لتجنب الحاجة إلى استيراد كميات إضافية».

وأشار إلى أن«رسم خريطة متكاملة لتوزيع واستهلاك الطاقة بالبلاد، لمعرفة معدلات استهلاك الأفراد والمناطق والتجمعات الجغرافية، قد يتطور إلى عودة العمل ببطاقة الشحن المسبق للسيارات والمنشآت، لتقليل فاتورة دعم الوقود في ظل تداعيات الأزمة العالمية»، حسب رأيه.

وشددت وزارة البترول في بيانها، السبت، على أن «المنظومة تأتي في إطار توظيف الحلول التكنولوجية الحديثة في حوكمة إدارة وتداول المنتجات البترولية دون ارتباطها بتسعير تلك المنتجات أو الكميات المنصرفة».

وكانت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» قد قررت منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تثبيت أسعار الوقود دون تغيير، وذلك رغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

وأقرت الحكومة زيادة أسعار الوقود في مارس (آذار) الماضي بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة للبنزين وغاز السيارات وأسطوانات الغاز المنزلي والتجاري.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد كشف أن مصر «لم تتمكن من ملء مستودعاتها الاستراتيجية لتخزين البترول، رغم أن سعتها الإجمالية تبلغ 33 مليون برميل، بسبب عدم توفر التمويل اللازم»، المقدر بنحو 2.5 مليار دولار، (الدولار يساوي نحو 56 جنيهاً).

وأوضح خلال جلسة «مسيرة الطاقة المصرية... إنجازات وطنية وآفاق المستقبل»، ضمن فعاليات اليوم الرابع لـ«منتدى مصر 2026»، الأسبوع الماضي، أن «هذه السعة تكفي احتياجات البلاد من البترول لمدة تتراوح بين 6 و8 أشهر»، بحسب المتحدث باسم الرئاسة المصرية.


ليبيا تعزز انتشارها العسكري في مثلث حدودي مع الجزائر والنيجر

قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)
قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)
TT

ليبيا تعزز انتشارها العسكري في مثلث حدودي مع الجزائر والنيجر

قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)
قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)

تعكس التعزيزات العسكرية التي ينفذها «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، في مثلث «السلفادور» على الحدود مع الجزائر والنيجر توجهاً لتعزيز السيطرة على الحدود الجنوبية - الغربية، في مواجهة التهريب والجماعات المسلحة، وتداعيات الاضطرابات الأمنية بدول الساحل الأفريقي.

ويأتي هذا التحرك الذي بدأ الجمعة في وقت تتزايد فيه أهمية المثلث الحدودي، الذي تلتقي عنده الدول الثلاث، باعتباره نقطة اتصال بين المجال الصحراوي الليبي، وعمق منطقة الساحل.

ولم يصدر حتى الآن بيان رسمي يوضح حجم القوات المشاركة أو طبيعة انتشارها، لكن مصدراً عسكرياً في ليبيا اكتفى بالقول لـ«الشرق الأوسط» إن «التعزيزات تستهدف تأمين الشريط الحدودي، ومكافحة الجماعات الإرهابية، وشبكات الجريمة المنظمة والتهريب، في ظل صعوبة مراقبة المساحات الصحراوية، واتساع نطاق التحركات غير النظامية عبر الحدود».

وكانت وسائل إعلام محلية ليبية قد بثت مشاهد لقافلة عسكرية تابعة لقوات الجيش الوطني، مساء الجمعة، قالت إنها «تتجه إلى منطقة مثلث السلفادور، في إطار تعزيز الانتشار العسكري بالمنطقة، بما يعكس اهتمام القيادة العامة بتأمين هذا المحور الحدودي».

وتزامن التحرك الليبي مع وصول قافلة عسكرية جزائرية إلى النيجر، في أول انتشار لقوات جزائرية خارج البلاد منذ عام 1973، وذلك بعد موافقة البرلمان الجزائري في25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي على إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، في خطوة قالت الرئاسة الجزائرية إنها «تستهدف حماية المصالح الاقتصادية ومشروعات الطاقة». ولم تكشف السلطات عن حجم القوات أو الجدول الزمني لانتشارها.

قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة)

ورغم أن المعلومات الرسمية الجزائرية لم تحدد طبيعة الانتشار الميداني ومواقعه النهائية، فإن تقارير إعلامية رجحت «تمركز القوات في قاعدة ماداما العسكرية شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية». وتكتسي هذه القاعدة أهمية استراتيجية لوقوعها على مسارات صحراوية تربط شمال النيجر بجنوب ليبيا.

ويقع «مثلث السلفادور» عند نقطة التقاء الحدود الليبية والجزائرية والنيجرية في الصحراء الكبرى، حيث تتداخل مسارات العبور، التي تربط جنوب غربي ليبيا بشمال النيجر وجنوب شرقي الجزائر، وتمتد أهميته الأمنية إلى نطاق أوسع يشمل تشاد، بينما تؤثر تطورات مالي في معادلات الساحل والصحراء.

وتتصل المنطقة بمدن ومواقع ليبية مهمة، من بينها غات والعوينات والقطرون، ومرزق وسبها، فضلاً عن منفذ التوم الحدودي مع النيجر. وتمنح هذه المواقع الممرات الصحراوية أهمية تتجاوز طبيعتها الجغرافية، لارتباطها بحركة الأشخاص والبضائع، والموارد والأنشطة غير النظامية.

ويرى الباحث السياسي حسام فنيش أن أهمية المثلث «تنبع من موقعه عند تقاطع طرق العبور الصحراوية مع شبكات التجارة غير الرسمية والأنشطة العابرة للحدود»، ويشير إلى أن اتساع المساحات وصعوبة مراقبتها يجعلان المنطقة إحدى النقاط الحساسة في معادلة الأمن الإقليمي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن أبرز التحديات تتمثل في شبكات تهريب الوقود والأسلحة والمخدرات والذهب، إلى جانب تحركات الجماعات المسلحة والمجموعات المتمردة، وشبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، فضلاً عن تداخل اقتصاد التهريب مع مصالح بعض التشكيلات المسلحة والنفوذ المحلي.

ويشير فنيش إلى أن هذه المخاطر لا تنفصل عن التحولات الأمنية والسياسية في مالي والنيجر وتشاد، وما يصاحبها من تغيرات في التحالفات الإقليمية وأدوار القوى الدولية، وهذا يجعل الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية لليبيا جزءاً من معادلة أمنية تتجاوز نطاقها الوطني.

عناصر تابعة للجيش الوطني تعتقل مهربين في مناطق بجنوب البلاد (الجيش الوطني)

كما يوضح فنيش أن «أهمية الجنوب الليبي لا تقتصر على حماية الحدود، بل تمتد إلى موقعه بوصفه حلقة اتصال بين المجال المتوسطي والعمق الأفريقي، بما يجعل أي اضطراب في دول الجوار قابلاً للانعكاس على الداخل الليبي، خصوصاً في المناطق، التي يصعب إخضاعها لرقابة أمنية مستمرة».

وفي قراءة للأبعاد السياسية لهذه التحركات، ترى عضو «ملتقى فزان» رانيا الصيد أن «الجنوب الليبي لم يعد مجرد منطقة جغرافية بعيدة عن مراكز القرار، بل أصبح في قلب التنافس الإقليمي على الحدود والثروات، والممرات ومجال الحركة نحو العمق الأفريقي».

وبحسب الصيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي عن إقليم فزان (الجنوب الليبي)، فإن التحالفات والاصطفافات التي تتشكل في دول الجوار، من تشاد والنيجر إلى الجزائر والسودان «تعكس أهمية متزايدة للجنوب في حسابات القوى الإقليمية»، معتبرة أن «التعامل معه باعتباره مساحة عبور، أو منطقة صحراوية فارغة، يتجاهل أبعاده السياسية والاقتصادية والاستراتيجية».

وحذر ت الصيد في منشور عبر «فيسبوك» من أن إهمال فزان، وغياب حضور الدولة ومؤسساتها عن مناطق الجنوب، قد يضعف قدرة ليبيا على حماية مصالحها، في وقت تتزايد فيه التحركات العسكرية على تخومها، مشيرة إلى أن السيطرة على الجنوب ترتبط بدرجة كبيرة بمفاتيح الأمن والاستقرار في بقية أنحاء البلاد.

عير أن هناك من يرى أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن اختزالها في الانتشار العسكري أو الدوريات المؤقتة، بل تتطلب توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتطوير قدرات مراقبة الحدود، وتعزيز التعاون الاستخباراتي مع الجزائر والنيجر وتشاد، بالتوازي مع معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي اقتصاد التهريب، بحسب فنيش.