أدب الجريمة يهيمن على عالم الرواية كماً ومبيعاً

كُتابه يرون أن هدفهم توسيع مساحة الوعي بالعدالة

نهى داود
نهى داود
TT

أدب الجريمة يهيمن على عالم الرواية كماً ومبيعاً

نهى داود
نهى داود

إذا كانت الرواية تلقى حالة من الرواج في الثقافة العربية منذ سنوات، حتى أن الناقد الراحل الدكتور جابر عصفور سمَّاها، كما هو معروف: «ديوان العرب»، فإنه يبدو أن «أدب الجريمة» تحديداً تظل له الهيمنة داخل عالم الرواية من ناحية الكم والمبيعات.

تُقبل الأجيال الجديدة على تلك النوعية من الإبداع بحثاً عن أجواء التشويق والإثارة النفسية المعتمدة على جريمة قتل غامضة، ثم عمليات البحث عن القاتل؛ لكن السؤال الذي يفرض نفسه، خصوصاً في ظل «إدمان» بعض المراهقين هذا النوع من الكتابة: هل يمكن أن يتحول القارئ إلى مجرم تأثراً بأجوائها؟ وما سر اكتساح هذا اللون من الإبداع مبيعات الأدب حول العالم، وليس عربياً فقط؟

في هذا التحقيق، استطلعت «الشرق الأوسط» آراء كتاب ونقاد وناشرين حول «أدب الجريمة» وما قد ينطوي عليه من مخاطر تؤثر نفسياً في قارئه.

ميرنا المهدي (كاتبة شابة، ومن مؤلفاتها سلسلة أعمال «تحقيقات نوح الألفي»، و«صديقي السيكوباتي»، و«دليل جدتي لقتل الأوغاد») تقول: «لطالما راودتني قصة أن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان تعرض لمحاولة اغتيال بسبب تأثر أحد مشاهدي فيلم Taxi Driver (سائق التاكسي) بمعاناة البطل، وقرر أن ينفِّذ محاولة اغتيال كبيرة مثله، حتى يصير بطلاً في عين المجتمع، وعين الفتاة المعجب بها. أيعني هذا أن أعمال الجريمة هي سبب رئيس في إلهام القارئ المختل بتنفيذها؟ لا أعتقد؛ فارتكاب جريمة يتطلب كثيراً من العوامل النفسية والاجتماعية حتى يُقبل عليها أي شخص مختل. ما من شخص سوي سيقرأ رواية أو يشاهد فيلماً ويقرر فجأة أن ينفذ الجريمة نفسها. قد يصير هذا العمل هو القشة التي قصمت ظهر البعير لا أكثر. إلا أن العكس صحيح، فقد تعرض رواية جريمة أو قضية تؤثر على عقلية القارئ بالإيجاب، أو يرى فيها موعظة ما تجعله يعيد التفكير قبل إيذاء أحد. هناك كثير من المسلسلات البوليسية والوثائقية ساهمت في فضح مخططات المجرمين والقتلة المتسلسلين، مما جعل المشاهدين أكثر تيقظاً وحذراً، وعليه تمكنوا من تجنب الوقوع في فخاخ المحتالين والسفاحين بفضل تلك الأعمال المفصلة، هذا إلى جانب فضل كثير من الأعمال التي ساهمت في رفع وعي المجتمع بالعوامل القادرة على خلق مجرم، مثال ذلك أعمال مثل (سايكو) و(صمت الحملان) التي حمَّست علماء النفس والجريمة لتوسيع أفق البحث وعرضها على المجتمع ليحمي أفراده».

نهى داود (متخصصة في أدب الجريمة)، تقول: «إن تأثير النص الروائي يتسع ويتمدد بمرونة كأي عملية إبداعية يشترك فيها الطرفان، الكاتب والقارئ، ليحققا أكبر قدر من التماهي، فليس كافياً أن يكون النص مكتوباً بشكل إبداعي ويحتوي على أفكار ورؤى قيِّمة وذات تأثير ممتد، إن لم يكن القارئ على قدر الإبداع الفكري والمرونة والانفتاح لتقبل النص والتفاعل معه والتماهي فيه. وفي رأيي: تأثير النص يتحقق من خلال طيف واسع يبدأ بتحقيق المتعة دون تقديم أية رسالة. فالمتعة في حد ذاتها رسالة كافية في كثير من الأحيان، والرواية هي فن ترفيهي في المقام الأول، إن انتفى عنه ركن المتعة تهاوى مهما كان علوه. ثم ترتقي مستويات التأثير لتتخطى المتعة، وتمتد إلى الفكرة والرسالة، وقد تصل إلى التحدي وقلب الموازين وبلبلة الأفكار، وهي تمارين عقلية فيها من المتعة والثقافة والتغيير ما يتوق له القراء ويبحثون عنه في طيات الروايات وشخوصها، من خلال التفاعل معهم والتماهي مع تحدياتهم وصراعاتهم مع أنفسهم ومع الآخر ومع المجتمع، فيجد القارئ مرآته، ويرى نقاط ضعفه وقوته، فيحاسب نفسه ويضع لها المحددات من أجل تجربة ثرية وغد أفضل».

وتضيف: «لا أعتقد أن أدب الجريمة يمكن أن يدفع القارئ لارتكابها. الأمر عكس ذلك تماماً. أدب الجريمة دوره هو نصرة العدالة وتعظيم الضحية والقصاص من المجرم مهما كانت دوافعه تبدو مقنعة أو مستحقة للتعاطف. هذا هو دورنا بوصفنا كتاب أدب جريمة، أن نقدمها في ثوب واقعي يدرأ عن المجتمع وقوعها من خلال تقديم المجرم للعدالة ومحاسبته. وإلا فكان أولى بصفحات الحوادث أن تكون هي الدافع للقراء لارتكاب الجرائم على اختلاف صنوفها ودوافعها وأدوات ارتكابها. ولكن الهدف من إيرادها يكون العظة والحكمة، وتعلُّم إدارة الغضب والتحكم فيه، لمنع النفس عن الوقوع في براثن الجريمة».

أدب الجريمة قد يؤثر إيجابياً

ميسرة الدندراوي (كاتب ومترجم) يقول: «للنص الروائي تأثير كبير على القارئ؛ حيث يمكن أن يؤثر في مختلف جوانب حياته وتفكيره عاطفياً، مما قد يولد لديه أحياناً ردود فعل غير محسوبة، أو أن يمنحه أفكاراً أكثر جموحاً وخيالاً مما قد يصل إليه عقله، لكنه نادراً ما تكون نتيجته أن يرتكب القارئ جريمته متأثراً بالنص الروائي. ولا أعتقد أن أدب الجريمة يمكن أن يؤثر بصورة سلبية على قارئ هذا النوع من الأدب، إلا إذا تهيأت له الظروف الشخصية والنفسية والاجتماعية التي قد تدفعه لارتكاب جريمة. على الجانب الآخر، أعتقد أن أدب الجريمة قد يؤثر إيجابياً على متلقيه، مثل زيادة الوعي المجتمعي بخطورة الجرائم، وتوسيع ثقافة القراء بالتحقيقات الجنائية، واستفزاز عقولهم في أغلب الأحيان للتفكير الخلاق؛ خصوصاً لو كان النص الروائي يحترم عقلية القارئ، ويراعي دائماً إنشاء حبكة متقنة ومشوقة بلغة سلسة، ويعطي كل تفصيل أهميته الشديدة، وأن تكون الشخصيات واقعية ومتعددة الأبعاد».

علاج نفسي

الدكتورة أسماء علاء الدين (استشارية العلاج النفسي، وكاتبة)، تقول: «إن سر الجاذبية الشديدة التي ينطوي عليها أدب الجريمة وتأثيره نفسياً على القراء، يعود إلى أنه يغوص في المناطق الداكنة من النفس البشرية في إطار أحداث ممكنة الحدوث وأقرب لواقعنا، فنفكر ونستنتج ونشك في شخصية المجرم، ونضع أكثر السيناريوهات درامية بأنفسنا، كل ذلك في إطار من التشويق و(كوكتيل) من المشاعر الصارخة، من المفاجأة والتوتر والرعب والفضول والتناقض والخوف والنشوة حين نصل للحل الصحيح، فنضمن بذلك إفراز المخ للدوبامين والسيروتونين والإندورفين، وبالتالي ننال الشعور بالسعادة دون إدمان ودون مخالفة لضمائرنا».

وتضيف: «من المشاعر التي نختبرها في أدب الجريمة أيضاً: تحقق الانتقام، وهو ما يرضي تلك الغريزة لدينا أحياناً، حينما نملك أعداء حقيقيين أو أشباحاً من الماضي نتمثلها في تلك الحالة، فيمن عانوا مرارة الانتقام! ويبقى استكشاف ومشاهدة أسوأ ما في النفس البشرية في قصص الجريمة دون أن نضطر لمواجهته على أرض الواقع، الدافع الأهم والأكثر تأثيراً في تفضيل القراء عبر العصور، وفي كافة أنحاء العالم لأدب الجريمة».

وعلى عكس الشائع من تأثر القارئ بالجريمة وتقليدها، تكشف عن مفاجأة تتمثل في استخدام هذا اللون من الأدب في علاج المرضى النفسيين. وتشير إلى بعض الأبحاث التي أجريت في جامعتي تورينو الإيطالية وجرونيجن الهولندية، بين عامي 2013 و2017، في إطار ما يسمى العلاج بالقراءة، أو «Bibliotherapy»؛ إذ أظهر المشاركون في 6 دراسات تحسناً كبيراً في درجات الاكتئاب، بعد خضوعهم على مدار 3 سنوات لدورات العلاج بالكتابة. ولعبت دراما الجريمة هنا دوراً لافتاً في تحسن حالة المرضى.

مسابقات لكُتاب الجريمة الشباب

محمود عبد النبي (مدير النشر بدار «إبييدي»)، يقول: «ربما لا يعلم كثيرون أن عالمنا العربي عرف رواية أدب الجريمة منذ حكايات (ألف ليلة وليلة)؛ حيث كانت حكاية (التفاحات الثلاث) من أوائل القصص في هذا السياق، عندما حكت شهرزاد أن هناك صندوقاً وجده صياد في نهر دجلة وبه فتاة مقتولة بداخله. وعندما علم هارون الرشيد بالأمر أمر وزيره أن يكشف ملابسات الحادث ويفض غموضه في غضون 3 أيام أو يُقطع رأسه. وكان يهدف بذلك إلى ممارسة أكبر قدر من الضغط عليه حتى لا يخفق في تنفيذ المهمة».

ويضيف: «رغم الانتقادات التي يتعرض لها أدب الجريمة عربياً، مثل التأثر بالنماذج الغربية، ونقل حبكات من أفلام عالمية، فإنه يظل في صدارة المبيعات، وهذا ما دعا دار (إبييدي) إلى تنظيم مسابقة بين الأدباء الشبان في هذا السياق، لاكتشاف المواهب وإتاحة الفرص للنشر. وهناك عدة معايير تضمن نجاح رواية الجريمة، ففضلاً عن الحبكة المشوقة والأسلوب المتماسك لا بد من أن تكون القصة بأكملها تتوافق والتقاليد العربية، وأن تكون أحداثها واقعية نابعة من البيئة العربية حتى تكتسب مصداقيتها».

قراؤه ليسوا شباباً ومراهقين فقط

شريف بكر (مدير عام النشر بدار «العربي»)، يقول: «لي تجربة خاصة مع أدب الجريمة، فقد شاركت في ورشة تدريب بالتعاون مع معهد (جوته) الألماني بالقاهرة عام 2009، ولاحظت ضعف تيار أدب الجريمة عربياً في ذلك التوقيت. ومن هنا جاءت فكرة إطلاق سلسلة لرواية الجريمة المترجمة عالمياً، تطرح لقارئ العربية أهم إصدارات هذا اللون في كل بلد على حدة؛ لا سيما في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. نجحت السلسلة وتنوعت كماً وكيفاً حتى أصبح في جعبة دار (العربي) منذ ذلك الحين عشرات الأعمال المتخصصة في هذا الأدب».

ويضيف: «من المفاهيم الخاطئة حول أدب الجريمة أن قراءه يقتصرون على الشباب والمراهقين، والحق أن فئات ونماذج عمرية أخرى تُقبل على هذا اللون بكثافة؛ لكنها لا تفصح عن ذلك خوفاً من الانطباع السائد المتعلق بأن هذا الأدب يفتقر للعمق ويتسم بالسذاجة ولا يناسب المثقفين، وهو بالطبع انطباع خاطئ، ولو صدق في بعض الأعمال لا يصدق في البعض الآخر بالضرورة».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».