في أوائل شهر مارس (آذار) الماضي، قال المحلل الرياضي بقناة «سكاي سبورتس»، غاري نيفيل، إن المركز الخامس في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه نيوكاسل تحت قيادة إيدي هاو هذا الموسم. وإذا كانت هذه التصريحات أثارت غضب جمهور نيوكاسل، فيتعين عليهم على الأقل أن يتذكروا أن نيفيل غيَّر موقفه كثيراً عما كان عليه في عام 2015، عندما تساءل الظهير الأيمن السابق لنادي مانشستر يونايتد والمنتخب الإنجليزي في عمود صحافي: «هل يرغب أي لاعب كبير الآن في الذهاب والعيش في نيوكاسل؟»، متوقعاً أن «يتم حذف شمال شرقي إنجلترا من خريطة كرة القدم وأن تتجه إلى أي شيء آخر ليس له علاقة باللعبة!».
وكان من الواضح تماماً أن نيفيل مقتنع بالحكمة السائدة بأن القوة الاقتصادية للعاصمة البريطانية لندن تعني أن مركز القوة في كرة القدم يتجه بقوة نحو الجنوب، باستثناء فريقين في مانشستر وميرسيسايد. وإذا كان نيفيل قد أصيب ببعض الحيرة والارتباك عندما قرر لاعب خط الوسط البرازيلي برونو غيماريش، في يناير (كانون الثاني) 2022، الانضمام إلى نيوكاسل بدلاً من آرسنال وأخبر الصحافيين: «إننا سنكون قوة كبيرة في كرة القدم العالمية»، فمن المؤكد أنه لم يكن يتخيل أن نيوكاسل بقيادة المدير الفني إيدي هاو سينجح في أن يكون بين أصحاب المراكز الأربعة الأولى في الدوري الإنجليزي الممتاز في بداية شهر مايو (أيار) 2023.
في الحقيقة، لم يكن أحد يتوقع حدوث هذا التغيير التصحيحي في نيوكاسل بهذه السرعة بعد الاستحواذ عليه من قبل صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية في عام 2021. وكان مايك آشلي، المالك السابق غير المحبوب للنادي، قد قضى أكثر من عقد من الزمان في محاولة بيع النادي، وهو ما جعل العديد من المحللين يستبعدون قدرة النادي على العودة إلى أندية النخبة مرة أخرى. ومن الجدير بالذكر أن السعوديين كانوا يعرفون كل شيء عن عام 2007 وقرار جيرانهم في الإمارات العربية المتحدة ببدء رحلة جوية يومية بين نيوكاسل ودبي. في ذلك الوقت، ادعى عدد لا يحصى من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات الطيران أن المدينة لا تستطيع الحفاظ على هذه الرحلة وستتسبب في خسائر فادحة.
وفضل المسؤولون التنفيذيون في الإمارات دراسة بيانات الركاب، مع توضيح أعداد المسافرين إلى الخليج وخارجه من نيوكاسل عبر لندن وأمستردام وباريس، قبل أن يقرروا أن نسبة الإقبال موجودة بالفعل. ولا تزال طائرة الإمارات «بوينغ 777» تهبط في نيوكاسل كل يوم، وتحمل حمولات بمليارات الجنيهات من وإلى المطار كل عام، ولا تزال كابينة درجة رجال الأعمال تمتلئ عن آخرها في كثير من الأحيان. وبعد تحليل مجموعة مختلفة من البيانات المتعلقة بمنطقة الشمال الشرقي، قرر صندوق الاستثمارات العامة أن مستشاري آشلي السابقين كانوا مخطئين عندما أكدوا أن المنطقة لم تكن غنية بما يكفي لنيوكاسل يونايتد لتطوير نوع من تدفقات الإيرادات التجارية المرتبطة عادة بأندية بهذا الحجم.
وعلاوة على ذلك، لا يمكن لأي شخص أن يشكك في حقيقة أن التسلسل الهرمي الجديد لنيوكاسل - بقيادة المديرة البريطانية والمالكة المشاركة أماندا ستافيلي – قد تم توظيفه بشكل جيد للغاية. وإذا كان الأداء الرائع لستافيلي كشف عن كراهية النساء الضمنية في كلمات أولئك الذين انتقدوها ووصفوها بأنها لا تصلح للعمل في هذا المنصب، فقد رد إيدي هاو بقوة على النقاد الذين أشاروا إلى أن أقصى ما سيحققه هو الابتعاد عن المراكز المؤدية للهبوط لدوري الدرجة الأولى، على غرار ما فعله من قبل مع نادٍ مثل بورنموث.

ومن بين الأسباب التي تجعل هاو أحد أبرز المرشحين للحصول على جائزة أفضل مدير فني في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم هو أن مبلغ الـ250 مليون جنيه إسترليني التي أنفقها النادي على التعاقد مع لاعبين جدد بعد الاستحواذ السعودي عليه تم استثماره بشكل أفضل بكثير من المبلغ المماثل الذي أنفقه نادٍ مثل توتنهام خلال فترة مماثلة. وإذا كان غيماريش (المنتقل لنيوكاسل مقابل 35 مليون جنيه إسترليني من ليون)، وسفين بوتمان (35 مليون جنيه إسترليني من ليل)، وألكسندر إيزاك (60 مليون جنيه إسترليني من ريال سوسيداد)، ونيك بوب (10 ملايين جنيه إسترليني من بيرنلي) ودان بيرن (13 مليون جنيه إسترليني من برايتون) أثبتوا أنهم صفقات ناجحة تماماً، فإن إنفاق 12.5 مليون جنيه إسترليني على التعاقد مع كيران تريبيير من أتلتيكو مدريد لم يساعد هاو على التعاقد مع ظهير أيمن ممتاز فحسب، لكنه منح الفريق قائداً من طراز رفيع أيضاً.
لقد نجح هاو، بإدارته الذكية للفريق وخططه التدريبية عالية المستوى، في تحويل نيوكاسل من فريق يصارع من أجل تجنب الهبوط إلى فريق يشارك في دوري أبطال أوروبا في غضون عام واحد فقط، كما حوَّل هذا الفريق الذي كان يعد أحد أبطأ فرق المسابقة إلى فريق يلعب بهوية واضحة، ويعتمد على الضغط العالي على المنافسين ويقدم كرة قدم ممتعة ومثيرة تلهب حماس المشجعين. وعلى طول الطريق، نجح هاو في تقوية خط دفاع نيوكاسل وجعله عصياً على كل المنافسين، كما جعل الفريق يعتمد على بعض الأساليب والحيل الذكية للتغلب على الأوقات الصعبة والخروج إلى بر الأمان في العديد من المباريات. ومن الواضح للجميع أن هاو استفاد كثيراً من الفترة التي قضاها – خلال توقفه عن العمل عقب تجربته مع بورنموث - في العمل مع المدير الفني لأتليتكو مدريد، دييغو سيميوني، ومع أندوني إيراولا في رايو فاليكانو، الذي يُقدس طريقة الضغط العالي على المنافسين.
فهل كان بإمكان أي مدير فني آخر أن يساعد جو ويلوك على التطور بهذا الشكل فيما يتعلق بعملية اتخاذ القرارات داخل الملعب للدرجة التي جعلت لاعب خط وسط آرسنال السابق قريب الآن من الانضمام لقائمة المنتخب الإنجليزي؟ وهل كان بإمكان مدير فني آخر أن يساعد لاعباً مثل البرازيلي جويلينتون على أن يتألق بهذا الشكل ويصبح أحد أبرز المنافسين على جائزة أفضل لاعب في الموسم؟
وهل كان أي مدير فني آخر سيتجاهل النظريات الشائعة التي تقول إن فابيان شير لا يمكنه اللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز إلا مع فريق يلعب بثلاثة مدافعين في الخط الخلفي، ويعيد اكتشاف اللاعب السويسري الدولي ليصبح لاعباً استثنائياً كقلب خط دفاع ناحية اليمين في خط دفاع مكون من أربعة لاعبين؟ وهل كان بإمكان أي مدير فني آخر أن يجعل ميغيل ألميرون يشكل تهديداً على مرمى المنافسين بهذا الشكل؟ لقد ساعدت الأموال السعودية بالفعل في تدعيم صفوف الفريق، لكن التأهل للمشاركة في دوري أبطال أوروبا في نهاية موسم لم يكن في الحسبان. كان المفترض أن يكون الهدف في الأصل هو احتلال مركز في منتصف جدول الترتيب، لكن المشاركة في دوري الأبطال يعود بشكل أساسي إلى إيدي هاو الذي رد بقوة على كل المشككين.
خدمة الغارديان*
