«المسرح العظيم للحضارات»... معرض يربط الماضي بالمستقبل

لقاء الموضة والفن بين «فندي» والفنان أرنالدو بومودورو

TT

«المسرح العظيم للحضارات»... معرض يربط الماضي بالمستقبل

منحوتة Movimento in piena aria e nel profondo تُجسِد منحنى مزدوج يشير إلى المساحات السماوية والأرضية الكبيرة (فندي)
منحوتة Movimento in piena aria e nel profondo تُجسِد منحنى مزدوج يشير إلى المساحات السماوية والأرضية الكبيرة (فندي)

منذ زمن، عاهدت دار «فندي» الإيطالية نفسها ومدينة روما أن تفتح أبواب مقرها الرئيسي «قصر بالازو ديلا سيفيلتا إيطاليانا» للفن والفنانين. وظلت وفية للعهد. استقبلت في عام 2017 أعمال الفنان جيسوبي بينوني، الذي ينتمي إلى حركة آرتي بوفيرا - «الفن الفقير» التي ظهرت في ستينات القرن الماضي، وفي عام 2020 وخلال الجائحة، نظمت حفلاً موسيقياً في الهواء الطلق بالتعاون مع «أكاديمية سانتا تشيشيليا الوطنية»، التي تأسست في 1585.

ومؤخرا حوَلت مقرها إلى متحف فني مفتوح للعامة تستعرض فيه أعمال الإيطالي المخضرم أرنالدو بومودورو. فنان تربطها به علاقة تعود إلى عام 2013 عندما حوّلت مساحة كان يشغلها الفنان لعرض أعماله في شارع سولاري Via Solari من 2005 إلى 2012 إلى مقرها الرئيسي في ميلانو.

كانت صفقة ودية وسلسة تم الاتفاق بموجبها أن يبقى واحد من أهم أعمال الفنان Ingresso nel Labirinto (مدخل المتاهة) مُتاحاً لكل من يرغب في الاستمتاع برؤيته. بل خصصت له «فندي» مدخلاً خاصاً.

يظهر «قصر بالازو ديلا سيفيلتا إيطاليانا» مهيباً بطوابقه الستة وارتفاعه عن مستوى الأرض، كذلك بنوافذه العالية وأقواسه المتعددة التي يحتضن بعضها تماثيل تجسد شخصيات أسطورية (فندي)

المعرض الذي تحتضنه هذه الأيام وإلى الأول من شهر أكتوبر المقبل، يحمل عنوان «المسرح العظيم للحضارات»، يُسلط الضوء على علاقة فنان اشتهر بقدرته الجريئة على دمج شتى أنواع الفنون المرئية والمسرحية واستعمال المواد الغريبة بأشكال ثلاثية الأبعاد ليُصبغ عليها مفهوماً حداثياً ومستقبلياً.

ونظراً لخصوبة بومودورو الإنتاجية، فقد ارتأى المعرض التركيز هنا على مسيرته من أواخر الخمسينات إلى اليوم، ليأتي على شكل سيرة ذاتية تحكيها 30 قطعة من منحوتاته البرونزية والطبشورية والوثائق والصور.

تجدر الإشارة إلى أن اختيار عنوان المعرض لم يكن اعتباطاً. فهو يشير إلى تلك العلاقة الحميمة التي تربط أعمال بومودورو بالمسرح كما بحضارات متنوعة، منها القديم ومنها الجديد الذي يصوغه غالباً من خياله الخصب أو يستعيره من التاريخ والأساطير اليونانية القديمة. وحتى يُضفي عليها رؤيته الخاصة يُدخل عليها التقنيات الحرفية الأفريقية والآسيوية التقليدية.

عمل أبدعه بومودورو في عام 1983 بعنوان Agamennone (تصوير: فاكلاف سيدي)

حتى رحلة اكتشاف المعرض تبدأ بحبكة مسرحية تتجلى عن بُعد، حيث يظهر «قصر بالازو ديلا سيفيلتا إيطاليانا» مهيباً بطوابقه الستة وارتفاعه عن مستوى الأرض، كذلك بواجهته اللافتة. فالنوافذ عالية والأقواس متعددة يحتضن بعضها تماثيل تجسد شخصيات أسطورية.

عندما تتسلق السلالم المتعددة وتصل إلى الساحة الخارجية، تتضح أحجام وتفاصيل لأربع منحوتات تتناقض بلونها البرونزي وأنماطها الهندسية والميكانيكية الحداثية مع لون المبنى الأبيض المائل إلى الرمادي الخفيف. رغم هذا التناقض تشعر بأن كل واحد منها اختيرت عن قصد لتتماهى مع المكان وتربط الماضي بالحاضر.

أحد الأعمال التي تستقبلك لدى وصولك إلى ساحة المبنى وتستحضر آلات ابتُكرت خصيصاً لسلسلة العروض المسرحية المستوحاة من أوريستيا لإيسخيلوس للفنان إيميليو إيسغرو (فندي)

يشرح أمين المعرض أندريا فيلياني: «من البداية أخذنا بعين الاعتبار المكان ومحيطه وتاريخه. انطلقنا من فكرة تصورنا فيها أن هذه القطع كانت جزءا من المبنى. ولأنه يحتوي أساسا على أعمال فنية وتماثيل، كان علينا أن نختار كل قطعة بدقة متناهية حتى تتناغم مع روح المكان».

عندما أسأل أندريا عما يجمع نحات وفنان مثل أرنالدو بومودورو ودار أزياء مثل «فندي»؟ يجيبني: «ثلاثة أشياء: الحرفية والمواد الطبيعية والحركة».

قد تختلف الأدوات بحيث يعتمد الفنان على الغرانيت والحجر الجيري وغيره من مواد النحت، بينما تعتمد «فندي» على الحرير والموسلين والفرو، «لكن النتيجة واحدة، وهي الحصول على قطع فنية مصنوعة بحرفية عالية وخفة تُخفي بداخلها وبين جوانبها تفاصيل دقيقة».

«روتاتيفا دي بابيلون» يتميز بشكل دائري يشير إلى فكرة الحركة الدورية والمستمرة التي تحدث في الزمان والمكان (فندي)

تلتقط كارلوتا مونتيبيلو المدير العام لمؤسسة أرنالدو بومودورو Fondazione Arnaldo Pomodoro طرف الحديث لتشير إلى أن الحركة يمكن أن تكون أكثر ما يربط أرنالدو وفندي في هذا الصدد. فـ«كل قطعة في المعرض تتميز بالحركة، مثل الزي الذي استعمل فيه بومودورو الرافيا بسخاء وابتكره لعرض مسرحي في عام 1983». وتستطرد أن أهمية هذا التعاون تكمن في أن «الموضة والفن يساهمان معا في تحديد الذوق وقراءة تطورات العصر وتسجيلها... كل بأدواته الخاصة. كما أنهما يتقاسمان تلك الرغبة في التجديد وخلق التوازن بين النسب، وطبعاً تحريك العاطفة وإحداث عنصر المفاجأة».

علاقة أرنالدو بومودورو بـ«فندي»، أو بالأحرى بالموضة عموماً ليست غريبة كما قد نتصور. فالمتتبع لتاريخ الفنان يكتشف علاقات وطيدة ربطته مع مصممي أزياء من أمثال كارلا فندي والراحل جياني فرساتشي وغيرهما. في عام 1989 مثلاً، وعندما طُلب منه تصميم أزياء مسرحية «كليوباترا» كان فرساتشي هو من ترجم رسماته من الورق إلى ملابس. يُعلق أندريا: «لا يمكن أن نتجاهل التداخل القوي بين الفن وتصميم الأزياء. كلما تمعنا فيهما وفهمنا عناصرهما يتضح لنا تداخلهما مع بعض والقواسم المشتركة بينهما. هناك دائماً عُمق سواء في استعمال الألوان أو الخامات والأشكال».

زي صممه الفنان لمسرحية «تراجيديا ديدو، ملكة قرطاج» في عام 1986 من الرافيا والبرونز ومواد أخرى (بيترو كاريري)

يتعزز هذا الإحساس بعد دخول البهو. هنا يتقابل على الجانبين عملين صممهما الفنان من الرافيا والنسيج ومواد نحت أخرى. واحد منهما كان جزءا من ملابس مسرحية «ديدو ملكة قرطاج» والثاني من أوبرا «أوديب الملك» لإيغور سترافينسكي. يُدخلك المنظر تلقائيا في حوار ممتع عن ماهية علاقة دار أزياء رومانية عريقة وفنان إيطالي مشهود له بوفرة الإنتاج والعطاء. فأرنالدو البالغ من العمر 96 هذا العام يوجد له حوالي 230 عمل فني في عواصم متناثرة من العالم بما في ذلك مدينة جدة بالسعودية.

وتشير كارلوتا مونتيبيلو أن هذه العلاقة أو بالأحرى الحوار الفني بين بومودورو و«فندي» بتجلى في كل عمل والمكان الذي وُضع فيه. فالقطع الأربع التي احتلت أركان الساحة الخارجية مثلا صاغها لمسرحية «أوريستيا - ثلاثية أسخيلوس» للمسرحي إيميليو إيسغرو في عام 1983. رغم حجمها الكبير تتميز بوزن خفيف لا يُعيق الحركة. وربما هذا ما يربطها بالموضة، ولو بخيوط رفيعة جداً.

إضافة إلى المنحوتات الأربع التي تستقبل الزائر ببهو المبنى، هناك العشرات من المنحوتات بالداخل، حوالي 30 في المجموع. كلها تستهدف تسليط الضوء على مسيرة غنية للفنان التسعيني. تُخبرني كارلوتا أنه إلى جانب تصميمه ملابس للمسرح صمم قطع مجوهرات. كما وضع بصماته على حقيبة «بيكابو» الأيقونية لدار «فندي». أخرجها من الوظيفي والعملي إلى الفني. فالمكان الأنسب لهذه القطعة بشكلها الفريد هو المتاحف.

الفنان أرنالدو بومودورو مع حقيبة Peekaboo التي ابتكرتها سيلفيا فنتوريني فندي عام 2008 وأضفى عليها هو تفاصيل أخرجتها من العملي إلى الفني (داريو وكارلوس تيتامانزي)

تخرج من المعرض وإحساس عميق بأنك قد شاهدت مسرحية متكاملة بطلها فنان تسعيني يتمتع بروح شابة ورؤية جريئة. أحداثها تقع في الحاضر حينا، وفي عوالم من الخيال تتأرجح بين الماضي والمستقبل أغلب الأحيان. لكن الجميل في كل هذا أن البطل له خيال خصب تجلى في أعمال تحولت إلى معالم ورموز ثقافية تُزين السفارات والفنادق وأيضا الساحات، وكأنه يريدنا أن نتنفَس الفن اينما توجهنا.


مقالات ذات صلة

أسرار لجوء نجوم كرة القدم إلى جراحات التجميل

الرياضة صورة من حساب نجم كرة القدم البرازيلي فينيسيوس جونيور (يسار) بعد التجميل على (فيسبوك)، بمعية الممثل والمذيع الأميركي تيري كروز (يمين)

أسرار لجوء نجوم كرة القدم إلى جراحات التجميل

من فينيسيوس إلى ريبيري... صراع الهوية والوسامة الرقمية تحت أضواء الملاعب الخضراء وعالم المستديرة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق صاحب الفكرة زكريا فحّام بين الفائزة السابقة باللقب (الجهة المنظمة)

بيروت تستضيف النسخة الثالثة من مسابقة «ملكة الجمال الطبيعي»

هذا الحدث الذي تشهده بيروت للعام الثالث على التوالي، يُعدّ الأول من نوعه عالمياً...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق هوَس السردين يجتاح وسائل التواصل ورفوف المتاجر (أ.ف.ب) p-circle 01:20

السردين والبشرة... علاقة حب ناجحة معترف بها علمياً

ترند السردين يجتاح وسائل التواصل، ورفوف السوبرماركت. فهل يختبئ سر نضارة البشرة حقاً في علبة السمك الصغيرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
عالم الاعمال «لوريال»: الذكاء الاصطناعي يقود مستقبل الجمال من الاختيار العشوائي إلى العناية الدقيقة

«لوريال»: الذكاء الاصطناعي يقود مستقبل الجمال من الاختيار العشوائي إلى العناية الدقيقة

أعلنت «لوريال» توظيف أكثر من 115 عاماً من الخبرة العلمية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم حلول تجميل مصممة وفق الاحتياجات الشخصية

لمسات الموضة ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)

قَصّة «البوب» بين أسلوبين: فرنسي وياباني

بين الحين والآخر، تتصدّر تسريحات شعر بعينها مشهد الموضة. تتحوّل من مجرد اختيارات فردية إلى صيحات عالمية تُشعل فتيلها دور الأزياء والمشاهير ومنصات التواصل…

«الشرق الأوسط» (لندن)

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة