تجدد القتال في الخرطوم... وتزايد أعداد الفارين إلى مصر وتشاد

استمرار القصف يمنع وصول المساعدات الطبية من «الصحة العالمية» والكويت وقطر

TT

تجدد القتال في الخرطوم... وتزايد أعداد الفارين إلى مصر وتشاد

شاحنة تسير في أحد شوارع الخرطوم مع استمرار القتال (أ.ف.ب)
شاحنة تسير في أحد شوارع الخرطوم مع استمرار القتال (أ.ف.ب)

قال شهود عيان إن الجيش السوداني وجه (الخميس) ضربات جوية مكثفة إلى مناطق متفرقة في العاصمة (الخرطوم)، بالتزامن مع اشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمدفعية في أحياء شمال مدينة بحري.

وبحسب الشهود، شنّ الطيران الحربي للجيش غارات استهدفت معسكر «طيبة»، التابع لقوات «الدعم السريع»، جنوب الخرطوم، وفي منطقة مجاورة للمعسكر اشتبكت قوات «الدعم السريع» مع قوات الشرطة التابعة لفرقة «الاحتياطي المركزي» المجهزة قتالياً.

ووفقاً لمصادر محلية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، سُمع دوي انفجارات قوية بالقرب من جسر «الحلفايا» باتجاه شمال مدينة بحري، حيث توجد قوات «الدعم السريع»، بينما يفرض الجيش سيطرته على الجانب الآخر للجسر باتجاه مدينة أم درمان.

وقال الجيش السوداني، في بيان، إن قواته دخلت في اشتباك نهار الخميس مع «الدعم السريع» في شارع النيل، واستولت على أسلحة.

وتستمر المواجهات المسلحة في الأحياء المأهولة بالسكان على الرغم من توقيع الطرفين على اتفاق «إعلان مبادئ» تم توقيعه في مدينة جدة السعودية، التزما فيه بعدم القيام بهجمات عسكرية تشكل ضرراً للمدنيين.

اتساع المواجهات

تجدد القتال بشكل رئيسي في الخرطوم (الخميس) وكذلك في منطقة دارفور المضطربة (أ.ف.ب)

وتتسع دائرة المواجهات العسكرية بين الجيش و«الدعم السريع» في العاصمة الخرطوم، بينما تواصل الوساطة السعودية - الأميركية جهودها لدفع الطرفين إلى التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار، تعقبه مباحثات سياسية لحل الأزمة بمشاركة الأطراف المدنية.

ويعتمد الجيش بشكل أساسي على القوة الجوية والمدفعية الثقيلة في محاولة طرد قوات «الدعم السريع»، التي انتشرت في مناطق واسعة من الخرطوم ومدينتي بحري وأم درمان اللتين يفصلهما نهر النيل عن العاصمة، بعد اندلاع القتال في 15 أبريل (نيسان). وقال صلاح الدين عثمان (35 عاماً)، وهو من سكان الخرطوم، لوكالة «رويترز»، إن «القصف والاشتباكات لا يتوقفان، ولا مجال حتى للهرب من المنازل»، مضيفاً: «انتهى كل ما نملك من نقود ولم تُصرف المرتبات الشهرية... ونخاف، حتى لو تركنا منازلنا، أن تأتي عصابات لتنهب كل ما في البيت... نحن نعيش كابوسَي الخوف والفقر، ولا توجد كهرباء، ولا حكومة تهتم بنا».

وامتد العنف إلى إقليم دارفور في غرب السودان، وإلى ولاية شمال كردفان ومناطق أخرى من البلاد، لكن الصراع على السلطة يتركز في العاصمة. ويُعتقد بأن قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات «الدعم السريع» الفريق أول محمد حمدان دقلو الشهير أيضاً باسم (حميدتي)، بقيا في الخرطوم طوال القتال. ونشر الجيش، الأربعاء، مقطع فيديو يظهر البرهان وهو يرتدي ملابس عسكرية ويحيي القوات في مقر الجيش، على ما يبدو، في وسط الخرطوم.

تزايد أعداد الفارين

سودانيون يستعدون لركوب عبّارة على نهر النيل إلى أبو سمبل جنوب مصر الخميس (إ.ب.أ)

ووفقاً لأحدث التقديرات، نزح أكثر من 840 ألف شخص داخل السودان، وفرّ ما يربو على 220 ألفاً إلى دول الجوار: مصر وإثيوبيا وتشاد. وألحقت الحرب أضراراً كبيرة بالمرافق الخدمية الحيوية، وخرجت الغالبية العظمى من المستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه في العاصمة (الخرطوم) من الخدمة بنسبة كبيرة.

من جهتها، قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الخميس، إن أحدث الإحصاءات الواردة من وزارة الخارجية المصرية تظهر ارتفاع عدد القادمين إلى البلاد، فراراً من الصراع في السودان منذ 15 أبريل الماضي، إلى 113 ألفاً و190 شخصاً حتى يوم أمس. وذكر مكتب مفوضية اللاجئين في مصر، عبر حسابه الرسمي على «تويتر»، أن من بين هؤلاء 107 آلاف و286 سودانياً، بالإضافة إلى 5 آلاف و364 شخصاً من جنسيات أخرى. وكانت المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين قد تحدثت من قبل عن فرار 860 ألف شخص من السودان، بينهم 580 ألف سوداني، مشيرة إلى أن دولتي مصر وجنوب السودان ستشهدان أكبر تدفق للاجئين من البلد المجاور لهما.

واندلعت الاشتباكات في منتصف أبريل الماضي، عقب خلافات حادة بين الجيش وقوات «الدعم السريع» بشأن عملية الإصلاح الأمني والعسكري ودمج «الدعم السريع» بالجيش، في جيش مهني واحد.

وعطّل الاقتتال بين القوتين العسكريتين، في العاصمة (الخرطوم) وولايات أخرى، وصول العملية السياسية الجارية إلى اتفاق سياسي نهائي بين القوى المدنية والعسكرية لبدء مرحلة انتقالية جديدة في البلاد؛ لإنهاء الأزمة المستمرة منذ انقلاب الجيش في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

جنود سودانيون في منطقة تفتيش في الخرطوم الخميس (أ.ف.ب)

ارتفاع عدد قتلى دارفور

ورجحت «لجنة أطباء السودان» صحة تقدير صادر عن حاكم ولاية غرب دارفور، يشير إلى ارتفاع عدد القتلى في الولاية إلى 500 قتيل منذ اندلاع المعارك في السودان بين قوات «الدعم السريع» والجيش، الشهر الماضي. وقال الدكتور علاء الدين نقد، عضو «لجنة الأطباء المركزية» في السودان، الخميس، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إن «اللجنة أحصت 150 قتيلاً غرب دارفور، ولكن نظراً لانقطاع الاتصالات مع المصادر الصحية والأطباء على الأرض، وتدمير عدد من المستشفيات في غرب دارفور، فإن إحصاء سلطات الولاية، التي قدرت إجمالي عدد القتلى في غرب دارفور منذ اندلاع الحرب عند 500 شخص، هو الأقرب إلى الدقة».

وكانت «لجنة أطباء السودان المركزية» قد أعلنت، يوم الأحد الماضي، مقتل 150 مدنياً، وإصابة عشرات آخرين خلال تجدد الاشتباكات في مدينة الجنينة في غرب دارفور، منذ اندلاع المعارك في 15 أبريل الماضي.

تعطل توزيع المساعدات

وبخصوص المساعدات الطبية، أكد نقد أن «المساعدات الطبية التي تم توزيعها حتى الآن هي مساعدات الصليب الأحمر الدولي فقط، التي وصلت إلى ميناء بورتسودان في 30 أبريل الماضي». وقال إن المساعدات الطبية التي أرسلتها منظمة الصحة العالمية والكويت وقطر لم يتم توزيعها على المستشفيات، رغم أنها وصلت إلى مخازن وزارة الصحة الاتحادية، ومنظمة الصحة العالمية في ميناء بورتسودان، معللاً تباطؤ التوزيع «باستمرار القصف مما يشكل تهديداً لحركة النقل».

وقال برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، إنه يعكف على تكثيف عملياته في 6 ولايات على الأقل في السودان، لمساعدة 4.9 مليون شخص معرضين للخطر، فضلاً عن مساعدة أولئك الذين يفرون إلى تشاد ومصر وجنوب السودان.


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تعلن رفضها دعوة البرهان للحوار الوطني

شمال افريقيا قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)

قوى سودانية تعلن رفضها دعوة البرهان للحوار الوطني

أعلنت قوى سياسية ومدنية سودانية عن رفضها دعوة رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لحوار وطني، قائلة إن الخطوة تُكرّس لتقسيم السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسّيرة قادمة من إثيوبيا

أعلن الجيش السوداني، يوم الأحد، إسقاط طائرة مسيّرة في منطقة دندرو جنوب شرقي البلاد، قائلاً إنها الثانية التي يسقطها الجيش في تلك المنطقة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك مشاركاً في اجتماعات أديس أبابا (إعلام حزب الأمة القومي)

قوى سودانية تبحث في أديس أبابا دعوة البرهان لحوار وطني

بدأت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، السبت، اجتماعات القوى السياسية والمدنية المنضوية تحت إعلان نيروبي، لبحث دعوة «البرهان» لحوار داخل السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا قارب مهجور جنح على ضفاف النيل الأزرق وقاع النهر المكشوف في الخرطوم (أ.ف.ب)

العطش يضرب العاصمة السودانية... وسعر برميل المياه بلغ 4 آلاف جنيه

أفاد تقرير، السبت، بتفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية في العاصمة السودانية الخرطوم التي تشهد نقصاً حادّاً في إمدادات مياه الشرب.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

البرهان: الحرب لن تنتهي إلا بنهاية التمرد

قال رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الجمعة، إن الحرب لن تنتهي إلا بنهاية التمرد، ولم يستبعد فرض عقوبات على بلاده مستقبلاً.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

مصاريف الدراسة صداع في رأس أسر مصرية

جولات ميدانية لوزير التربية والتعليم في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)
جولات ميدانية لوزير التربية والتعليم في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)
TT

مصاريف الدراسة صداع في رأس أسر مصرية

جولات ميدانية لوزير التربية والتعليم في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)
جولات ميدانية لوزير التربية والتعليم في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

تختبر المصرية يسرا إبراهيم المصروفات الدراسية للمرة الأولى، مع استعداد ابنتها الكبرى للالتحاق بالدراسة سبتمبر (أيلول) المقبل.

وألحقت يسرا ابنتها بمدرسة خاصة لغات (أولى ابتدائي) تبلغ مصروفات أول عام فيها 22 ألف جنيه (الدولار يعادل نحو 50 جنيهاً)، مقسمة على عدة أقساط، وأول قسط قبل بداية العام بـ13 ألف جنيه.

وقبل هذه المرحلة بعام، اضطر زوج يسرا، وهي ثلاثينية تسكن في منطقة جسر السويس (شرق القاهرة)، إلى السفر للعمل بالخارج استعداداً لمصاريف التعليم التي «تتطلب كثيراً من المال، سواء في المدرسة، أو الدروس، أو النقل».

وتقول يسرا، وهي ربة منزل، إنها كانت تتمنى لو ألحقت ابنتها بمدرسة دولية، لكنهم لا يتحملون مصاريفها، لافتة إلى أنهم حرموا من الذهاب لزيارة زوجها في الدولة التي يعمل فيها بسبب «المصاريف الدراسية».

وكثير من الأسر المصرية ترهقها انطلاقة العام الدراسي، إذ تضطر إلى سداد آلاف الجنيهات، فتلجأ إلى القروض أو «الجمعيات» (وسيلة ادخار تشاركية مع بعض الأقارب، والأصدقاء، وزملاء العمل) لتدبير تكاليف الدراسة التي تتزايد سنوياً في ظل متطلبات معيشية متصاعدة بسبب الغلاء.

وتتنوع المدارس في مصر بين حكومية بمصروفات بسيطة تقصدها الأسر محدودة الدخل، وحكومية «تجريبية» تقدم تعليماً باللغة الإنجليزية، وترتفع فيها المصروفات مقارنة بالأولى، لكنها تظل منخفضة مقارنة بالمدارس الخاصة، ويبلغ متوسط المصروفات فيها 2000 جنيه للعام، وتقفز إلى متوسط 3500 جنيه في «التجريبية المميزة» ذات الأعداد الأقل.

أما المدارس الخاصة (ناشونال) فتتنوع بين مدارس تقدم تعليماً باللغة العربية، أو لغة أجنبية، وبمتوسط مصاريف 20 ألف جنيه سنوياً، وتقفز المدارس الدولية (الإنترناشونال) إلى أضعاف ذلك الرقم.وتوجد في مصر أكثر من 62 ألفاً و500 مدرسة، من بينها 10 آلاف مدرسة خاصة، وفق إحصائية رسمية العام الماضي.

ومنذ أيام حصلت العشرينية ندى أحمد على «جمعية» كانت قد شاركت فيها مع أقارب وجيران لتدبير قسط المدرسة لابنها في المرحلة التمهيدية، والتي تبلغ مصاريفها 20 ألف جنيه.

وتقول إن «المصروفات الدراسية كبيرة، ومرهقة بالنسبة لدخل أسرتي الذي لا يتجاوز الـ15 ألف جنيه شهرياً، خصوصاً أن لدي ابناً ثانياً سيلتحق خلال عامين بالتعليم».

وتضيف ندى، وهي ربة منزل، وتقيم في منطقة فيصل (جنوب القاهرة) أنها «تتكلف هذه المصروفات لضمان وجود نجلها في مدرسة ملائمة تستطيع الرجوع لإدارتها لو حدث له شيء، لكن مستوى التعليم يظل أقل من المتوقع، ويحتاج لدروس خصوصية».

وتحرم المصروفات الدراسية عائلة ندى من الانتظام في التمارين الرياضية لطفليها خلال العام الدراسي، وكذلك من الخروج في نزهة، وتوضح: «خلال الدراسة كل المصاريف موجهة للتعليم».

رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير التربية والتعليم داخل أحد الفصول الدراسية بمحافظة المنوفية العام الماضي (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

ويوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «التوسع في المدارس الخاصة بدأ من سبعينات القرن الماضي، ولم يعد مقتصراً حالياً على الفئات الأعلى دخلاً، فحتى الأسر المتواضعة مادياً أو متوسطة الحال تحاول الإنفاق على التعليم بكل قوتها، مهما أرهقها ذلك باعتباره رسالتها في الحياة، وواجبها تجاه أبنائها».

ولاحظت أدمن غروب «حوار مجتمعي»، فاتن أحمد، كثرة شكاوى أولياء الأمور مع اقتراب العام الدراسي من منظومة المصروفات، سواء بفرض بعض المدارس دفعها كاملة دون أقساط، أو رفع الأسعار بنسب تتجاوز الـ15 في المائة القانونية «ما يضع أعباء كبيرة على الأسر، خصوصاً التي لديها أكثر من طفل في التعليم».

ويبلغ الحد الأدنى للأجور في مصر 8 آلاف جنيه، وارتفع معدل التضخم في البلاد إلى قرابة 15 في المائة يوليو (تموز) الماضي مقارنة بـ14.30 في يونيو (حزيران) الماضي.

وأشارت فاتن لـ«الشرق الأوسط» إلى جزء آخر في أزمة المصروفات الدراسية يتمثل في القرار الصادر منذ العام الماضي بفرض شراء الكتب إجبارياً على الطلاب، وتبلغ عدة آلاف أخرى تضاف للمصاريف، ويفاجأ بها بعض الأهالي.

لذا ترى أننا بحاجة إلى «إعادة النظر في تقسيط المصروفات على دفعتين، أو ثلاث، حتى يستطيع ولي الأمر أن يدبر حاله في مواجهة ارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة».

وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف خلال لقاء عدد من أولياء الأمور في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

وبينما يعد تدبير مصاريف المدارس عبئاً على كثير من الأسر، يتضاعف العبء حد الإرهاق على ريم أحمد (اسم مستعار)، وهي أم تربي طفلين وحيدة بعد طلاقها من زوجها، وتقول إنها اضطرت العام الماضي لبيع مصوغات ذهبية لسداد مصروفات بنتها في مدرسة خاصة تقدم التعليم باللغة الفرنسية، وهذا العام اقترضت من والدها حتى تسجل ابنها الأصغر في مدرسة تجريبية حكومية.

وانتقد الخبير التربوي عاصم حجازي «إصرار بعض الأسر على إدخال أبنائها التعليم الخاص». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المدارس الخاصة تقدم خدمة لوجستية أفضل؛ لكنها لمن يتحمل تكلفتها، وحالياً أصبحت باباً للوجاهة الاجتماعية». واقترح أن يتم «تصنيف المدارس الخاصة لفئات، وربط كل فئة بمصاريف محددة، ما يزيد التنافسية بين المدارس، ويقضي على العشوائية في زيادة المصاريف».

ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الاثنين، الحكومة بـ«تكثيف إقامة المعارض الخاصة ببيع المستلزمات الدراسية بأسعار مناسبة قبل بدء العام الدراسي». وشدد على «تعزيز حوكمة المصروفات المدرسية بما يخفف الأعباء المالية عن الطلاب وأولياء الأمور». ويشهد العام الدراسي المقبل تغييرات أبرزها طول مدة العام، وتبكير موعد بدء الدراسة إلى 12 سبتمبر المقبل.


قوى سودانية ترفض «حوار البرهان»

قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)
قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)
TT

قوى سودانية ترفض «حوار البرهان»

قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)
قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)

بعد مداولات استمرت يومين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أعلنت قوى سياسية ومدنية سودانية عن رفضها دعوة رئيس «مجلس السيادة»، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لحوار داخل البلاد، معتبرة أن الخطوة تُكرّس لتقسيم السودان بحكم الأمر الواقع.

وشاركت في المداولات قوى «إعلان نيروبي»، التي تضم تحالف «صمود»، وحزب «البعث العربي الاشتراكي»، وحركة «تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، إضافة إلى حزب «الأمة» بقيادة مبارك الفاضل.

وقالت الجماعات المشاركة، في بيان أمس، إن أي عملية سياسية تُدار من داخل مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب، وتحت حمايته، تسعى إلى إضفاء شرعية سياسية على الحكم العسكري، وتمكين عناصر النظام المعزول.

وكان البرهان قد أعلن منتصف أغسطس (آب) الحالي عن موافقته رسمياً على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لإطلاق حوار سوداني خالص داخل البلاد، متعهداً توفير حصانات مؤقتة للأطراف المشاركة فيه.


مفوضية حوض النيل «عالقة» بين تحفظات مصرية - سودانية وإصرار إثيوبي

مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة على ضفاف نهر النيل (أ.ف.ب)
مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة على ضفاف نهر النيل (أ.ف.ب)
TT

مفوضية حوض النيل «عالقة» بين تحفظات مصرية - سودانية وإصرار إثيوبي

مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة على ضفاف نهر النيل (أ.ف.ب)
مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة على ضفاف نهر النيل (أ.ف.ب)

تصطدم محاولات إثيوبيا لتفعيل مفوضية حوض النيل بتحفظات مصرية وسودانية حول اتفاقية «عنتيبي» وآليات اتخاذ القرار داخل المفوضية ليظل مستقبلها مرهوناً بتجاوز خلافات سياسية وتنظيمية متراكمة.

موقف القاهرة دفع أديس أبابا لاتهامها بأنها السبب في تأخير تفعيل الاتفاقية، وسط مفاوضات جارية بوساطة عدة دول من «حوض النيل» لم تسفر عن تقدم بعد، وهو ما يراه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» نتيجة خلافات متراكمة بين البلدين وضمن حملات إثيوبية مناهضة لحقوق مصر، مشدداً على أن تلك «المفوضية» ستبقى عالقة طالما لم يصل الجانبان لتفاهمات قابلة للتنفيذ في ملف مياه النيل.

وتتشارك 11 دولة في نهر النيل، الذي يجري لمسافة نحو 6 آلاف و650 كيلومتراً، وهي بوروندي ورواندا والكونغو الديمقراطية وكينيا وأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان والسودان ومصر.

وقال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا، في تصريحات نقلتها «وكالة الأنباء الرسمية» لبلاده أخيراً إن «معارضة مصر والسودان تعمل على إبطاء إنشاء مفوضية دائمة لحوض نهر النيل، وإطالة أمد هذه العملية، رغم دخول اتفاقية الإطار التعاوني حيز التنفيذ في 2024».

وعام 1999، أُعلن عن اتفاقية إطارية لدول حوض النيل باسم «عنتيبي» نسبة لمدينة أوغندية، ثم في 2010 وقّعت عليها إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبورندي، وانضمت إليها جنوب السودان في يوليو (تموز) 2024 وسط رفض مصري وسوداني مستمر لها.

حصص المياه

وتعتبر القاهرة والخرطوم «عنتيبي» لا تراعي اتفاقيات 1902 و1929 و1959 التي حددت حصص مياه معينة (55 ملياراً و500 مليون متر مكعب لمصر، و18 ملياراً و500 مليون متر مكعب للسودان)، وحقوق نقض لمصر والسودان أي مشاريع تُقام على النيل، ويمكن أن تؤثر سلباً على كميات المياه أو تعدّل وقت وصولها، وهي نفس الأسباب التي ترتكز دولتا المصبّ بنهر النيل مصر والسودان عليها في رفض الاتفاقية الجديدة.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية دول حوض نهر النيل بمراجعة مواقفها من الاتفاقية والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أطلق المجلس الوزاري لمبادرة حوض النيل بأوغندا الجديدة عملية تشاورية لبحث شواغل الدول الأربع التي لم تنضم (أي تصدّق على الاتفاقية الإطارية).

العملية التشاورية

وتحدثت وسائل إعلام مصرية في فبراير (شباط) 2025 عن أن لجنة العملية التشاورية سباعية، وتضم الدول الأربع المعترضة والمتحفظة على الاتفاقية، وهي مصر والسودان وكينيا والكونغو الديمقراطية بجانب 3 دول موقعة على الاتفاقية، وهي أوغندا ورواندا وجنوب السودان كوسطاء.

الخبير في الشؤون الأفريقية رمضان قرني يرى أن الحديث الإثيوبي الأخير بشأن تأخير تفعيل مفوضية حوض النيل يندرج في المقام الأول ضمن حملة إعلامية إثيوبية موجهة ضد السياسة الخارجية المصرية في القارة الأفريقية، وبالأخص في منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي بشكل متكرر وعلى فترات متباينة.

ويعتبر أن هذه التحركات تهدف إلى صياغة واقع مائي جديد وسياسة مائية تمنح إثيوبيا اليد العليا على مجرى النيل وفرض رؤى أحادية سترفضها مصر بكل تأكيد.

ثلاثة مبادئ

كما يؤكد أن مصر واضحة في تحفظاتها وتتمسك بثلاثة مبادئ أساسية، تشمل مبدأ الإخطار المسبق بشأن تصريف المياه وفتح وغلق التوربينات والبوابات وآلية التصويت بالإجماع، وليس بالأغلبية، تجنباً لسيطرة أي تكتلات، وألا يتم توزيع الحصص المائية بالتساوي المطلق فحسب، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار المتغيرات والضرورات الحياتية، خاصة أن اعتماد مصر والسودان الرئيسي هو على مياه النيل، في حين أن بعض دول الحوض لا يتجاوز اعتمادها على مياه النهر نسبة واحد في المائة على أقصى تقدير.

ويوضح قرني أن الموقف المصري كان يعوّل في السابق بدرجة كبيرة على عدم انضمام دول مهمة للاتفاقية؛ إلا أن دخول دول مثل بوروندي وجنوب السودان قد ساهم في تغيير المعادلة داخل اتفاقية حوض النيل، ويشير إلى أنه بالرغم من ذلك لم يتصلب الموقف المصري في رفض الانضمام لمفوضية حوض النيل أو التشاور مع الشركاء الأفارقة، وهناك حرص على التوصل لتوافق؛ لكن إثيوبيا تتعنت.

منظر عام لمقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وفي ضوء ذلك، يرى هبتامو إيتيفا أن «مفوضية حوض نهر النيل ستأخذ وقتاً أطول مما كان متوقعاً لتصبح فعّالة وتباشر عملها»، متمسكاً بأن الاتفاقية تستند إلى مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، والإدارة المستدامة، وتبادل المعلومات، داعياً مصر والسودان إلى الانخراط في إطار الاتفاقية بدلاً من معارضتها.

وبحسب إيتيفا، دعمت إثيوبيا الجهود الرامية إلى منح الدول التي لم تنضم إلى اتفاقية الإطار التعاوني مزيداً من الوقت للمشاركة فيها؛ إلا أنه قال إن استمرار المعارضة لتفعيل المفوضية أصبح يشكل عائقاً أمام دفع التعاون على مستوى حوض النيل بأكمله.

وتسبب ملف «سد النهضة» في خلافات بين القاهرة وأديس أبابا، وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أنها لا تعتزم الإضرار بمصالح أي دولة أخرى، ما أدى إلى تجميد المفاوضات 3 سنوات قبل استئنافها في 2023 ثم تجميدها مجدداً منذ 2024.

ويتوقع الخبير في الشؤون الأفريقية احتمال استمرار ذلك الوضع العالق للمفوضية، في ظل الخلافات الحالية بين مصر وإثيوبيا، مع استمرار الحملات الإثيوبية ضد القاهرة، ما يجعل من الصعوبة بمكان التوصل لتفاهمات أو إطار جامع توافقي بشأن المفوضية مع استمرار الخلافات وتفاقمها بشكل كبير.

3 مسارات

ويؤكد أن مصر ستتعامل مع هذا الملف من خلال 3 مسارات متوازية؛ أولاً مسار رفض السياسات الإثيوبية، والثاني تعزيز التعاون المائي مع دول حوض النيل، كما رأينا في بناء سد «جوليوس نيريري» في تنزانيا، بخلاف استمرار انخراط مصر في المشاورات السياسية والفنية داخل مفوضية حوض النيل، سعياً للوصول إلى توافقات شاملة بين دول الحوض مجتمعة.