النيابة السويسرية تطلب السجن 3 سنوات لطارق رمضان بتهمة الاغتصاب

طارق رمضان (يمين) لدى وصوله إلى المحكمة بصحبة محاميه (إ.ب.أ)
طارق رمضان (يمين) لدى وصوله إلى المحكمة بصحبة محاميه (إ.ب.أ)
TT

النيابة السويسرية تطلب السجن 3 سنوات لطارق رمضان بتهمة الاغتصاب

طارق رمضان (يمين) لدى وصوله إلى المحكمة بصحبة محاميه (إ.ب.أ)
طارق رمضان (يمين) لدى وصوله إلى المحكمة بصحبة محاميه (إ.ب.أ)

طلب مدّع عام في جنيف الثلاثاء إنزال عقوبة الحبس لمدة ثلاث سنوات بينها 18 شهرا مع وقف التنفيذ بحق المفكر السويسري طارق رمضان، حفيد مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين»، بتهمة اغتصاب ينفي أن يكون ارتكبها، في قضية تعود لعام 2008.

وقال النائب العام الأول أدريان هولواي متوجّها إلى القضاة الثلاثة في المحكمة الجنائية في جنيف «يتعين تحديد العقوبة بالحبس لمدة 3 سنوات، 18 شهرا مع النفاذ و18 شهرا مع وقف التنفيذ»، وأضاف «تصرّف بدافع تلبية رغبته الجنسية مع امرأة استخدمها غرضا. لم يتردد في إطالة أمد هذا الكابوس ساعات عدة».

«خائفة من الموت»

وكانت «بريجيت» التي تتهم طارق رمضان باغتصابها، قد ذكرت اليوم، في ثاني أيام المحاكمة بجنيف، أنها كانت «خائفة من الموت» ضرباً.

بصوت هادئ وواثق للغاية، أعطت المدعية التي تستخدم اسم «بريجيت» المستعار لحماية نفسها من التهديدات، روايتها لما حدث ليلة 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2008 في أحد فنادق جنيف.

وأكدت في قاعة المحكمة أنها شعرت «بالخوف من الموت بعد أن تلقت ضربات على الرأس عدة مرات» بالإضافة إلى «الاختناق».

وتؤكد «بريجيت» التي اعتنقت الدين الإسلامي، أن رمضان أخضعها لأفعال جنسية وحشية ترافقت مع الضرب والشتائم. وتقدمت بشكوى في عام 2018. وهي تنتظر من هذه المحاكمة أن «يتم الاعتراف بها ضحية لطارق رمضان»، مضيفة وهي تبكي «لأنتهي من الأمر».

 

دعم من كوميديان

وجاء دعم غير منتظر من الكوميديان الفرنسي المثير للجدل ديودونيه الذي أدين مرات عدة بتهم شتائم عنصرية والتحريض على الكراهية، الذي تعاونت المدعية معه في السابق بصفتها مديرة أعمال فنية.

واستمعت المحكمة إلى شهادة ديودونيه بطلب من الدفاع، لأن اسمه ورد في رسالة مجهولة المصدر تلقاها القضاة قبل فترة قصيرة.

الكوميديان الفرنسي ديودونيه يتحدث لوسائل الإعلام عقب الإدلاء بشهادته أمام المحكمة في جنيف (إ.ب.أ)

وشرح أنه استمع بحضور أشخاص آخرين إلى كلام «بريجيت» بشأن علاقتها بطارق رمضان، مؤكدا أنها تحدثت عن «علاقة عابرة من ليلة واحدة أو شيء من هذا القبيل» من دون أن تأتي على ذكر حصول عنف.

وأكد الفكاهي «أنا على ثقة ببراءة» طارق رمضان.

قبل دخول ديودونيه إلى القاعة، أعطت المدعية روايتها لهذا اللقاء موضحة «سألني (ديودونيه) إن كانت القصة مع طارق رمضان صحيحة وأكدت له ذلك». مضيفة «لم أبح بأي شيء آخر».

«غائبة عن الوعي لفترات طويلة»

في قاعة المحكمة يفصل حاجز حاجب بين «بريجيت» ورمضان حتى لا تراه خلال المحاكمة التي تشكل «محنة وليس علاجا» لها بحسب محاميها فرنسوا زيمراي.

خلال التحقيق، قالت «بريجيت» إنها تعرفت على رمضان خلال جلسة توقيع لأحد كتبه قبل أشهر من ليلة 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2008، ثم خلال مؤتمر في سبتمبر (أيلول).

وتلت ذلك مراسلات ازدادت حميمية عبر وسائل للتواصل الاجتماعي.

ويواجه المفكر السويسري الذي يثير جدلا في الأوساط الإسلامية الأوروبية، احتمال الحكم عليه بالسجن سنتين إلى عشر سنوات في حال إدانته. ويصدر الحكم في 24 مايو (أيار) ويمكن لطارق رمضان أن يستأنفه.

وأكد رمضان البالغ ستين عاما اليوم أنه لم يقل للمدعية إنه موجود في جنيف ليلة الوقائع المفترضة، مشددا على أنها هي التي اقترحت احتساء فنجان قهوة وأتت إلى غرفته في الفندق من دون دعوة.

وأقر أنه قبّلها قبل أن يضع حدا للعلاقة. إلا أن لائحة الاتهام تشير إلى أنه ارتكب «ثلاث عمليات اغتصاب» خلال الليلة نفسها، فضلا عن «إكراه جنسي» كادت تختنق خلاله.

وأكدت المدعية أنها كانت «غائبة عن الوعي لفترات طويلة».

وقائع مماثلة

ويواجه رمضان محاكمة لوقائع مماثلة في فرنسا أيضا. ويشتبه في ارتكابه عمليات اغتصاب بين العامين 2009 و2016 استهدفت أربع نساء وهي قضية تسببت بسقوطه عام 2017.

وطلبت النيابة العامة الباريسية في يوليو (تموز) إحالته على محكمة الجنايات ويعود لقضاة التحقيق اتخاذ قرار محاكمته من عدمها.

وفي إطار الملف الفرنسي، حبس مؤقتا مدة تسعة أشهر في 2018 وأفرج عنه في نوفمبر (تشرين الثاني) من السنة نفسها. وهو لا يزال خاضعا لمراقبة قضائية منذ ذلك الحين.

ومن الشروط القضائية المفروضة عليه الإقامة في فرنسا بيد أنه يحصل على أذون استثنائية لمغادرة الأراضي الفرنسية للتوجه إلى سويسرا في إطار القضية الراهنة.

يحمل رمضان شهادة دكتوراه من جامعة جنيف، حيث كتب أطروحة حول مؤسس «جماعة الإخوان المسلمين» حسن البنا جده لوالدته. وكان أستاذا للدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة حتى نوفمبر 2017 وأستاذا زائرا في جامعات عدة في المغرب وماليزيا واليابان وقطر. وأكد، الاثنين، أنه يعاني من التصلب اللويحي والاكتئاب.


مقالات ذات صلة

مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

العالم العربي المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)

مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

جاءت وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري الأسبق، السبت، لتستعيد فصولاً من المواجهة التي خاضها الراحل مع جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة.

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي في زيارة سابقة إلى الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

السيسي يحذر من محاولات «إسقاط مصر» وينفي «عسكرة الدولة»

حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من محاولات مستمرة لإسقاط مصر، وذلك خلال حفل، شهده الخميس، لتخريج قضاة ضمن دورة تدريبية بالأكاديمية العسكرية المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)

اتفاق «لجنة الحوار» يفجر تباينات بين قوى إسلامية في ليبيا

أعاد اتفاق لجنة الحوار المصغرة «4+4» إلى الواجهة الانقسام المتنامي داخل القوى المحسوبة على التيار الإسلامي في ليبيا.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مصر أقامت منذ فترة «مراكز إصلاح وتأهيل» في مختلف المحافظات (وزارة الداخلية - أرشيفية)

تحذيرات مصرية من تصاعد استخدام «الإخوان» لـ«سلاح التشكيك»

حذَّر مصدر أمني مصري من «محاولات جماعة الإخوان المستمرة واليائسة التشكيك في السياسة العقابية الحديثة بالبلاد».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

مصر: معركة على الذاكرة لإعادة صياغة أحداث «فض رابعة»

دخل محسوبون على «تنظيم الإخوان»، الذي تصنّفه مصر إرهابياً، ومؤيدون للدولة، في تلاسن لم يتوقف خلال الأيام الماضية على منصات التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وزير الخارجية الألماني يتوجه إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع بشأن غرب البلقان

 وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
TT

وزير الخارجية الألماني يتوجه إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع بشأن غرب البلقان

 وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

يتوجّه وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم (الخميس)، إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع على مستوى وزراء الخارجية حول التوسع المزمع للاتحاد الأوروبي في منطقة غرب البلقان.

ويلتقي الساسة في العاصمة بودجوريتسا في إطار ما يعرف باسم «عملية برلين» التي انطلقت عام 2014. ويسعى المشاركون، من بين أمور أخرى، إلى تعزيز التعاون الإقليمي مع دول غرب البلقان الست. ومن المقرر أن يقدم فاديفول ونظيره المونتينيغري إرفين إبراهيموفيتش ومفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع مارتا كوس معلومات لاحقاً عن نتائج الاجتماع، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الألمانية.

وتشمل الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في غرب البلقان مونتينيغرو وألبانيا وصربيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية. أمّا كوسوفو فهي مرشح محتمل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتسعى الدول الست جميعاً إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها تمر بمراحل مختلفة في هذا المسار.

وتُجرى مفاوضات الانضمام بين الاتحاد الأوروبي ومونتينيغرو وصربيا منذ عامي 2012 و2014 على التوالي. وبدأت عملية التفاوض مع ألبانيا ومقدونيا الشمالية عام 2022. وتحمل البوسنة والهرسك صفة دولة مرشحة للانضمام، لكنها لم تبدأ بعد مفاوضات الانضمام.

ووفقاً لأحدث تحليل أجرته المفوضية الأوروبية، قطعت مونتينيغرو أكبر شوط في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وأكدت المفوضية مؤخراً أن البلاد يمكنها إتمام مفاوضات الانضمام بحلول نهاية عام 2026، إذا حافظت على وتيرة الإصلاحات الحالية.

ويعتزم فاديفول التوجه إلى إيطاليا في وقت لاحق اليوم للقاء نظيره الإيطالي أنطونيو تاجاني. ويعتزم الوزيران غرس شجرة بمناسبة مرور 75 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية الألمانية - الإيطالية. ومن المقرر بعد ذلك أن يشارك فاديفول وتاياني في العاصمة الإيطالية في احتفال بمناسبة يوم الوحدة الألمانية.


فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فالحكومة مطالبة بتهدئة مطالب تتعلق بالأجور والقوة الشرائية والخدمات العامة، لكنها في الوقت نفسه تستعد لميزانية تقشفية يفترض أن تخفض الإنفاق بمليارات اليورو، فيما تقترب البلاد من استحقاق رئاسي سيزيد حساسية أي قرار اقتصادي.

وليس من السهل العثور على مؤشرات إيجابية عند مراجعة أداء الاقتصاد الفرنسي هذا العام، إذ تعكس الأرقام الرسمية حجم الضغوط التي تواجهها البلاد. وعلى الأرض، بدأت في 29 سبتمبر (أيلول) موجة جديدة من المظاهرات والإضرابات، بمسيرات وتجمعات لعناصر الإطفاء الذين لعبوا دوراً حاسماً في مكافحة حرائق الصيف الماضي، قبل أن ينضم إليهم موظفو القطاع العام استجابة لدعوات نقابية، ثم طلاب التعليم الثانوي الرسمي المطالبون بتحسين ظروف الدراسة. ولا تبدو قائمة المطالب مرشحة للتوقف عند هذا الحد.

وتخطط النقابات لتصعيد تحركها في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، في احتجاجات تشمل غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب المطالبة بزيادة عامة في الأجور، ورفع موازنات المدارس والمستشفيات، وتوظيف مزيد من العاملين وتحسين ظروف العمل. وبالتوازي، يستعد ناشطون من حركة «السترات الصفراء» للعودة إلى الشوارع ومستديرات الطرق، احتجاجاً على ارتفاع أسعار مشتقات الطاقة، والمطالبة بتجميدها وفرض ضرائب أعلى على الشركات العاملة في القطاع.

هذا الحراك يعيد إلى الأذهان موجة الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في 2018 و2019 تحت راية «السترات الصفراء»، والتي تحولت في مراحل منها إلى مواجهات وأعمال عنف وحرائق وتخريب للممتلكات واشتباكات مع قوات الأمن. ولا تزال تلك المشاهد حاضرة في الذاكرة الفرنسية، ما يضفي على عودة الاحتجاجات الحالية حساسية إضافية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد.

رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لو كورنو سيواجه صعوبات كبرى في إقرار موازنة عام 2027 (رويترز)

حكومة عاجزة

إزاء اتساع المطالب الاجتماعية، تجد حكومة سيباستيان لو كورنو نفسها أمام هامش ضيق للاستجابة، فيما تخشى أن تتقاطع موجة الاحتجاجات مع الاستنفار السياسي الذي يسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027.

ويأتي ذلك في وقت يستعيد فيه التضخم زخمه، إذ أعلن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية ارتفاع معدل التضخم في فرنسا من 2.6 في المائة في أغسطس (آب) إلى 3.4 في المائة في سبتمبر (أيلول). ويزيد ارتفاع الأسعار من الضغوط على الأسر، ولا سيما الشرائح الأقل دخلاً، مع تآكل قدرتها الشرائية.

وفي مواجهة ارتفاع أسعار الوقود، لجأت الحكومة إلى تقديم مساعدة مالية للمتضررين من زيادة أسعار البنزين والديزل، بينما استمرت الضغوط الناجمة عن أسعار الغاز والكهرباء.

وفي المقابل، تستعد الحكومة لعرض مشروع موازنة 2027، يوم الخميس، في وقت يتجه فيه إلى التقشف وخفض الإنفاق، ما يجعل من الصعب أن تلبي الإجراءات المالية الجديدة معظم المطالب التي يرفعها المحتجون.

وتستهدف الحكومة تحقيق وفر قدره 54 مليار يورو من خلال خفض الإنفاق وملاحقة البنود التي تعتبرها غير ضرورية، فيما تشمل إجراءاتها المقترحة المعاشات التقاعدية.

وتكشف احتياجات التمويل عن حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة الفرنسية؛ إذ تستعد باريس لاقتراض نحو 340 مليار يورو في 2027، بينما تقترب ديونها من 3.6 تريليون يورو، وفق مصادر حكومية، بزيادة نحو 60 مليار يورو عن مستواها في نهاية مارس (آذار).

ويضع هذا الوضع الحكومة أمام معادلة صعبة: احتواء الضغوط الاجتماعية في وقت تتطلب فيه أوضاع المالية العامة خفض الإنفاق، بينما يزيد اقتراب الانتخابات من حساسية القرارات المتعلقة بالأجور والخدمات والإنفاق الاجتماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال جلسة محادثات ثنائية الأربعاء (إ.ب.أ)

تكلفة الدين تضيق الخناق

ويزيد ضعف النمو وتدهور المالية العامة من كلفة اقتراض فرنسا من الأسواق، إذ تصل بعض عوائد سنداتها إلى نحو 4.8 في المائة. ويأتي ذلك في وقت يتوقع فيه أن يقتصر نمو الاقتصاد الفرنسي خلال 2026 على نحو 0.05 في المائة، وهو من أضعف معدلات النمو في الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، بلغت المديونية نحو 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة بفارق كبير السقف المحدد في قواعد الاتحاد الأوروبي عند 60 في المائة. كما تتزايد كلفة خدمة الدين، مع توقع وصول مدفوعات الفوائد إلى نحو 79 مليار يورو بنهاية العام الحالي.

وتبرز حدة التحول عند مقارنة الوضع الحالي بما كانت عليه أسواق الدين الفرنسية بين 2019 و2021، عندما تراجعت عوائد بعض السندات الحكومية إلى مستويات سالبة. وكانت تلك البيئة تسمح لباريس بالاقتراض بتكلفة شديدة الانخفاض، فيما قبل المستثمرون في بعض الحالات عائداً سالباً مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية.

أما اليوم، فقد ارتفعت تكلفة الاقتراض الفرنسية إلى مستويات تتجاوز تلك المسجلة في عدد من الاقتصادات الأوروبية التي كانت تواجه تقليدياً ضغوطاً أكبر في أسواق الدين، بينها اليونان وإسبانيا وإيطاليا. كما اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى أكثر من 1.2 نقطة مئوية، في مؤشر على ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون لتمويل فرنسا.

ومع استمرار ارتفاع الدين وضعف النمو، تزداد حساسية المالية العامة الفرنسية تجاه أسعار الفائدة؛ فكلما ارتفعت كلفة الاقتراض، اتسع الجزء من الموازنة المخصص لخدمة الدين، ما يضيّق المجال أمام الإنفاق على الخدمات العامة والسياسات الاجتماعية والاستثمار.

صعوبات إقرار موازنة عام 2027

لا يمكن فصل الضغوط التي تواجه الموازنة الفرنسية عن أزمة الطاقة، التي رفعت كلفتها بنحو 9 مليارات يورو في 2026، في وقت لا تبدو فيه مؤشرات على انحسار هذه الضغوط في المستقبل القريب. ومن المرجح أن يواجه رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو مهمة شاقة في تمرير مشروع موازنة 2027 أمام البرلمان، ولا سيما «الجمعية الوطنية»، في ظل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية وما يرافقه من حسابات سياسية متزايدة.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، قد تجد الكتل السياسية نفسها أمام ضغوط متزايدة لمراعاة انعكاسات أي موازنة تقشفية على قواعدها الانتخابية، بما يفتح المجال أمام مفاوضات صعبة ومطالب برلمانية متعارضة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء تجربة العام الماضي، عندما سقطت حكومتان بعد إخفاقهما في تأمين الأغلبية اللازمة لتمرير موازنة 2026، ما دفع لو كورنو إلى تقديم تنازلات لنواب الحزب الاشتراكي سعياً إلى تأمين الدعم اللازم لإقرارها.

متظاهرون يشاركون في إضراب عام في باريس (إ.ب.أ)

اقتصاد كبير وثقل سياسي

ورغم الضغوط المالية، لا يزال الاقتصاد الفرنسي يحتفظ بثقل كبير على المستويين الأوروبي والعالمي. ووفق بيانات البنك الدولي لعام 2025، تحتل فرنسا المرتبة الثانية بين اقتصادات الاتحاد الأوروبي من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بعد ألمانيا، إذ بلغ ناتجها نحو 3.366 تريليون دولار، مقابل 5.051 تريليون دولار لألمانيا. وعلى المستوى الأوروبي الأوسع، تأتي فرنسا في المرتبة الثالثة بعد ألمانيا وبريطانيا، التي بلغ ناتجها نحو 4.003 تريليون دولار.

وعالمياً، تحتل فرنسا المرتبة السابعة من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، وفق البيانات نفسها، خلف الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان والهند وبريطانيا. ويمنحها ثقلها الاقتصادي، إلى جانب عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وقدراتها النووية، نفوذاً سياسياً يتجاوز الوزن الذي يعكسه حجم اقتصادها وحده.

لكن الضغوط المالية والاقتصادية الراهنة قد تزيد صعوبة الحفاظ على هذا الثقل داخل الاتحاد الأوروبي، حيث شكلت فرنسا وألمانيا لعقود محوراً رئيسياً في دفع عملية التكامل الأوروبي. ومع اقتراب نهاية الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون في ربيع 2027، تزداد أهمية الاستحقاق الرئاسي المقبل بالنسبة للسياسات الاقتصادية والمالية الفرنسية، في وقت يطرح فيه صعود اليمين القومي، وفي مقدمته حزب «التجمع الوطني»، احتمال حدوث تحولات في عدد من الملفات، بما فيها السياسة المالية والاقتصادية.


بكين ترفض تصنيف بريطانيا معهداً صينياً «واجهةً للتجسس»

المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)
المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)
TT

بكين ترفض تصنيف بريطانيا معهداً صينياً «واجهةً للتجسس»

المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)
المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)

نفى متحدث باسم السفارة الصينية لدى المملكة المتحدة اتهامات الحكومة البريطانية لمعهد صيني بأنه واجهة للتجسُّس. ووصف المتحدث الاتهامات بأنها «خيالية، ومفبركة تماماً».

وأضاف المتحدث، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»: «نعارض بقوة مثل هذه الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة، وقدَّمنا احتجاجاً للجانب البريطاني».

كانت الحكومة البريطانية قد طالبت، أمس (الأربعاء)، جامعات المملكة المتحدة بالتوقف عن العمل مع معهد أبحاث صيني يقول جهاز الأمن البريطاني إنه واجهة للتجسُّس.

وقال وزير الأمن، دان غارفيس، إنه يتعيَّن على الأكاديميِّين البريطانيِّين «إنهاء جميع الترتيبات» مع معهد الصين العام لأبحاث التكنولوجيا.

وقالت وكالة الاستخبارات الداخلية البريطانية (إم آي 5) إن أكثر من 100 أكاديمي مرتبط بالمملكة المتحدة عملوا في مشروعات تمولها الاستخبارات الصينية سراً من خلال معهد الأبحاث. وتضمَّنت المشروعات العمل في مجال الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاتصالات السرية، وإخفاء المعلومات.

وقالت «إم آي 5» إن المعهد لديه «علاقات قوية للغاية مع وزارة أمن الدولة الصينية»، ويسعى إلى تمويل الأبحاث التي تعمل على تحسين «القدرة الفنية على التجسُّس» للدولة الصينية.

وأوضح المتحدث باسم السفارة الصينية أن التعاون بين الجامعات البريطانية والصين يتم على أساس طوعي، ووفقاً للقوانين والقواعد.

وأضاف: «مثل هذا التبادل والتعاون يعود بالنفع على الطرفين». وتابع: «نطالب الاستخبارات البريطانية بالتوقف عن نشر هذه الأكاذيب وتقويض التبادل التعليمي والتعاون البحثي بين الصين والمملكة المتحدة».