مجلس حقوق الإنسان الأممي يصوّت لتعزيز مراقبة الانتهاكات

تنبيه إلى ازدياد الوفيات والانتهاكات في النزاع السوداني

أصبح سكان الخرطوم شبه محاصرين بسبب عمليات القتال المتواصلة منذ 4 أسابيع (أ.ف.ب)
أصبح سكان الخرطوم شبه محاصرين بسبب عمليات القتال المتواصلة منذ 4 أسابيع (أ.ف.ب)
TT

مجلس حقوق الإنسان الأممي يصوّت لتعزيز مراقبة الانتهاكات

أصبح سكان الخرطوم شبه محاصرين بسبب عمليات القتال المتواصلة منذ 4 أسابيع (أ.ف.ب)
أصبح سكان الخرطوم شبه محاصرين بسبب عمليات القتال المتواصلة منذ 4 أسابيع (أ.ف.ب)

صوّت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يوم الخميس، لصالح تعزيز مراقبة الانتهاكات التي يشهدها النزاع الجاري في السودان، رغم معارضة الخرطوم. ووافق المجلس، المؤلف من 47 دولة عضوا في الأمم المتحدة، على القرار بفارق ضئيل حيث صوتت 18 دولة لصالح القرار، وعارضته 15 دولة، بينما امتنعت 14 دولة أخرى عن التصويت على القرار الذي يهدف إلى مزيد من التدقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث في السودان منذ 15 أبريل (نيسان) الماضي.

وتبنى المجلس قراراً ينبه فيه إلى ازدياد وفيات المدنيين والانتهاكات الحقوقية في السودان منذ بدء الحرب الدامية بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان من جهة، و«قوات الدعم السريع» بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو الملقب «حميدتي» من جهة أخرى، في منتصف الشهر الماضي. وأدت أعمال العنف حتى الآن إلى مقتل أكثر من 600 شخص، بينهم مدنيون كثيرون، وتشريد مئات الآلاف. وامتد القتال إلى مناطق أخرى، ولا سيما إلى إقليم دارفور المضطرب أصلاً.

وظهرت الدول العربية والأفريقية، بما في ذلك السودان، بشكل كبير بين الدول الـ15 التي رفضت خطوة الأمم المتحدة، معتبرة أنها عائق محتمل أمام محادثات السلام الجارية. وقالت ممثلة الجزائر فوزية بوميزة مباركي إن القرار يمكن أن يوجه رسالة سلبية إلى «الأطراف المتعارضة» ويعرقل المحادثات الجارية بين ممثلي الجيش و«قوات الدعم السريع» في المملكة العربية السعودية. وبالمثل، قال السفير الصيني إن البلاد والأطراف المتحاربة يجب أن تكون «خالية من الضغوط الخارجية».

في المقابل، صوتت معظم الدول الغربية لصالح مشروع القرار، علما بأنها شاركت مع الولايات المتحدة في تقديم مشروع القرار. وخلال الكلمة الافتتاحية للجلسة، اتهم المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك القوتين بانتهاك القانون الإنساني الدولي. واتهم الجيش السوداني بشن هجمات في مناطق مكتظة بالسكان، و«قوات الدعم السريع» بالسيطرة على «العديد من المباني» في العاصمة الخرطوم لـ«استخدامها «قواعد عمليات، وطرد السكان وشن هجمات».

وعبرت الأمم المتحدة عن مخاوفها بشأن محنة المدنيين المحاصرين في مرمى النيران، ومخاوف بشأن الأمن الغذائي وتسليم المساعدات. وحضت على دعم الدول المجاورة التي تستضيف الأشخاص الفارين من العنف المستمر. وعبر تورك عن إدانة «العنف الوحشي» الذي تسبب في زيادة الجوع والحرمان والتشريد للشعب السوداني، متهماً الجانبين بأنهما «داسا القانون الإنساني الدولي، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب والحذر»، التي تفرق بين الأهداف المدنية والعسكرية وتراعي حماية المدنيين.

وأوضح أن مجلس حقوق الإنسان دعا إلى هذه الدورة الاستثنائية للإعراب عن اهتمامه العاجل بحقوق الشعب السوداني وحياته. وحض كل الدول ذات النفوذ في المنطقة على تشجيع حل هذه الأزمة بكل الوسائل الممكنة. وذكر بأن الشعب السوداني أوقد «منارة أمل» للملايين في كل أنحاء العالم من خلال الاحتجاجات الشعبية التي بدأت عام 2019 وأنهت «عقوداً من الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان، وأطاحت ديكتاتورية (الرئيس المعزول) عمر البشير التي امتدت لفترة طويلة».

وأشار إلى أن النساء والشباب تصدروا هذه الاحتجاجات مطالبين بالحكم الرشيد وبعقد اجتماعي جديد بين الدولة والشعب، يقوم على الديمقراطية والحرية والعدالة ونصيب عادل من التنمية. وقال إنه التقى خلال زيارته كلاً من البرهان وحميدتي، وحضهما مع جميع المشاركين في المحادثات، على التركيز على المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان السابقة، وعلى الصالح المشترك. ورددت السفيرة الأميركية لدى المجلس ميشال تايلور تصريحات تورك بإدانة استهداف المستشفيات ومقدمي الرعاية الصحية، لأنه في خضم القتال، تضررت العديد من المستشفيات في كل أنحاء الخرطوم وأجبرت على الإغلاق.

وبشكل منفصل، أصدر العشرات من الخبراء المستقلين الذين يعملون مع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بياناً مشتركاً الخميس، نقلاً عن تقارير تفيد بأن «المدنيين من جميع الأعمار يتعرضون لانتهاكات مختلفة لحقوق الإنسان» في السودان، بما في ذلك الاعتداء الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي والنهب ونقص الأسلحة والغذاء والماء والرعاية الصحية.

في غضون ذلك، قال مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن هناك أنباء عن تفشي الملاريا وحمى الضنك والحصبة في السودان. وحذر عبر «تويتر» من أن ملايين الأطفال والسيدات الحوامل يعانون سوء التغذية الحاد. وذكر أن إمدادات المياه والغذاء والأدوية والكهرباء تتراجع في ظل القصف المستمر. وأكد أن 70 في المائة من المنشآت الصحية في المناطقة المتأثرة بالقتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع» خرجت عن الخدمة.


مقالات ذات صلة

أزمة الكهرباء تفاقم معاناة السودانيين في صيف لاهب

شمال افريقيا وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم (وكالة السودان للأنباء)

أزمة الكهرباء تفاقم معاناة السودانيين في صيف لاهب

تشهد العديد من مناطق العاصمة السودانية الخرطوم ازدياداً في انقطاع التيار الكهربائي، وهو ما أرجعه وزير الطاقة إلى «السلوك الخاطئ لبعض المواطنين».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا السافنا متحدثاً في المؤتمر الصحافي عن أسباب انشقاقه (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

السافنا: «الدعم السريع» في حالة انهيار... والانشقاقات مستمرة

قال الضابط المنشق عن «قوات الدعم السريع»، العميد علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، إن القائد محمد حمدان دقلو «حميدتي»، أُصيب أمام قيادة الجيش في الخرطوم

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا العميد محمد رزق الله «السافنا» المنشق عن قوات «الدعم السريع» وصل الخرطوم (فيسبوك) p-circle 00:44

المنشق «السافنا» يصل إلى الخرطوم ويعمق أزمة «الدعم السريع»

وصل القائد الميداني السابق بقوات «الدعم السريع» علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، إلى العاصمة السودانية الخرطوم، بعد أيام من إعلانه الانسلاخ عن تلك القوات.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

خاص العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

تزداد حياة السودانيين تعقيداً في ظل الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، وبات الحصول على المياه معركة يومية لا تقل قسوة عن أصوات المدافع والقذائف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الفريق ياسر العطا خلال لقائه في وقت سابق حاكم إقليم النيل الأزرق (فيسبوك) p-circle

العطا يتفقد جبهة النيل الأزرق وسط تصاعد هجمات «الدعم السريع»

جدد عضو مجلس السيادة السوداني رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ياسر العطا، تعهده بمواصلة دعم العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

مصر تُجدد التزامها بدعم استقرار ليبيا وأمنها القومي  

بدوي وصالح في مقر البرلمان المصري (البرلمان)
بدوي وصالح في مقر البرلمان المصري (البرلمان)
TT

مصر تُجدد التزامها بدعم استقرار ليبيا وأمنها القومي  

بدوي وصالح في مقر البرلمان المصري (البرلمان)
بدوي وصالح في مقر البرلمان المصري (البرلمان)

أكد رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي أن استقرار ليبيا وأمنها القومي «ركن أصيل والتزام ثابت علينا»، مشيراً إلى أن «أي تهديد لوحدتها ينعكس سلباً على الأمن القومي المصري والأمن العربي بأكمله».

وأكد بدوي، خلال جلسة للمجلس، الاثنين، مع رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، أن «مصر تلتزم التزاماً ثابتاً بدعم الدولة الليبية ووحدتها، وصون مؤسساتها الوطنية والدستورية».

وأشار إلى أن الجهود المصرية «تهدف إلى دعم الحلول السياسية الليبية - الليبية دون تدخلات خارجية، مع الحفاظ على المسار الليبي الخالص».

وتأتي هذه الجلسة، «في إطار دعم أواصر التعاون المشترك، وتستهدف بحث آليات تعزيز التنسيق السياسي والبرلماني بين البلدين، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار ودعم جهود التنمية والتعاون المشترك»، على ما أُفيد رسمياً.

بدوره، أشاد صالح بـ«الدور التاريخي والراسخ» لمصر في دعم استقرار ليبيا، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين تمثل «نموذجاً للمصير الواحد، وتستند إلى روابط الأخوّة والجوار».

وشدد صالح على عمق العلاقات بين مصر وليبيا، التي قال إنها «تتجاوز المفهوم التقليدي وتتجاوز الجغرافيا والحدود»، لافتاً إلى أن «روابط اللغة والنسب والأخوّة تربط الشعبين منذ مئات السنين».

وأثنى صالح على «دور مصر التاريخي في مساندة ليبيا منذ أيام الاحتلال وحتى الآن»، وقال إنها «منذ بدء تأسيس الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، وقفت مصر وقيادتها وشعبها موقف الأخ الشقيق والجار، واصطفت إلى جانبنا في مواجهة الجماعات الإرهابية حتى تم اجتثاثها بالكامل».

بدر عبد العاطي ومسعد بولس في لقاء سابق (القاهرة الإخبارية)

وفي شأن آخر يتعلق بالملف الليبي أيضاً، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «موقف مصر الثابت والداعم لوحدة واستقرار ليبيا»، مشدداً على الأهمية البالغة لتوحيد المؤسسات الوطنية في البلاد.

ودعا عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي جرى الاثنين مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إلى «التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة الليبية عبر مسار ليبي - ليبي خالص، يمهد الطريق لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن في أقرب وقت ممكن، لإنهاء حالة الانقسام السياسي».

وكان بولس قد أعرب عن «ارتياحه الشديد» لاجتماع ممثلين عن شرق ليبيا وغربها مجدداً لاتخاذ خطوات عملية تسهم في تعزيز الوحدة والاستقرار في البلاد.

وقال، في تدوينة عبر منصة «إكس»، الأحد، إن الفريق الفني المشترك الليبي لتنسيق أمن الحدود، وبوساطة من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، اتفق على تدابير لتعزيز التعاون المشترك في أمن الحدود، وتفعيل مراكز أمن الحدود المشتركة في بنغازي وطرابلس.

وشارك في الاجتماع الأخير ضباط كبار من «الجيش الوطني» ووزارتي الدفاع والداخلية، بحضور قادة مكونات حرس الحدود من الجانبين.


وزير العدل الفرنسي في الجزائر لإنهاء الجمود وترميم الثقة... وملفات ثقيلة على الطاولة

الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)
الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)
TT

وزير العدل الفرنسي في الجزائر لإنهاء الجمود وترميم الثقة... وملفات ثقيلة على الطاولة

الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)
الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)

أفادت مصادر إعلامية وسياسية في الجزائر وباريس، بأن الملف المتفجَر المسمى «مافيا دي زاد»، يتصدر الملفات التي يبحثها وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان خلال زيارته إلى الجزائر التي بدأها، ليل الأحد - الاثنين، في خضم انفراج لافت تشهده العلاقات بين البلدين بعد أزمة غير مسبوقة استمرت زهاء عامين.

وكان في استقبال دارمانان بمطار العاصمة الجزائرية وزير العدل لطفي بوجمعة، واكتفت الوزارة ببيان قصير تضمن خبر الزيارة فقط، دون الاشارة إلى القضايا التي تتناولها.

من جهتها، ذكرت وزارة العدل الفرنسية في بيان، أن زيارة دارمانان «مهمة للغاية، سنحاول من خلالها تجديد أواصر الثقة مع الجزائر، فأمن فرنسا يمر عبر الجزائر، والعكس صحيح». وترى الوزارة أن الأولوية تكمن في إعادة تفعيل التعاون القضائي الذي «شهد تباطؤاً شديداً»، وتجاوز «نقص التعاون الذي أملته أسباب دبلوماسية».

من جلسة المحادثات الرسمية في وزارة العدل (الوزارة الجزائرية)

وانطلقت المباحثات بين الوزيرين رسمياً، الاثنين، وتضمن جدول الأعمال ملفات عدة على درجة عالية من الحساسية؛ فمن الجانب الجزائري، يبرز ملف تسليم المطلوبين قضائياً، لا سيما بعض المعارضين الذين أدانهم القضاء الجزائري بتهم «التخابر مع قوى أجنبية» و«المساس بالوحدة الوطنية». ويشمل شقٌّ آخر مدانين في قضايا «إرهاب» ينتمي أغلبهم لما يُعرف بـ«حركة تقرير مصير القبائل» المقيمين في فرنسا؛ إذ تتهم الجزائر حكومة باريس بـ«توفير ملاذ آمن لهم»، و«توظيفهم من قبل أجهزتها الأمنية ضد المصالح الجزائرية» خلال مدة الأزمة الحادة بين البلدين.

مقايضة سياسية

يهتم الجانب الجزائري أيضاً باسترجاع «الأموال المنهوبة»، التي تتعلق بالأصول غير المشروعة التي تم تحويلها إلى فرنسا، وتتبع لوجهاء من النظام في المرحلة السابقة. ويبرز في هذا الملف، بشكل خاص، مطلب تجميد الأرصدة البنكية لوزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب، علماً أن القضاء الفرنسي رفض تسليمه للجزائر، العام الماضي.

صورة حديثة لوزير الصناعة الجزائري السابق عبد السلام بوشوارب (ناشطون سياسيون)

ويرافق جيرالد دارمانان في هذه الجولة المدعي العام للنيابة المالية الوطنية الفرنسية، باسكال براش، في زيارة تعد الأولى من نوعها، ومن شأنها أن تسمح ببحث بعض المطالب الجزائرية المتعلقة بالأملاك والأصول العقارية التي تم الاستحواذ عليها خلال الحقبة الاستعمارية.

بالإضافة إلى هذه الملفات، تظهر الجزائر حرصاً شديداً على إنهاء سجن موظف قنصلي لديها بباريس، مسجون على ذمة التحقيق منذ 13 شهراً، حيث يتهمه الادعاء الفرنسي بخطف واحتجاز اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص، الذي يمثل صداعاً حاداً للسلطات الجزائرية، والذي رفض القضاء الفرنسي تسليمه.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص)

ونقلت قناة «فرانس 24» عن وزارة العدل الفرنسية أن الموظف القنصلي المسجون، الذي لم يعلن عن اسمه، تمكن من الاستفادة من «حقوق الزيارة» في إطار «الاحترام الصارم لاستقلالية القضاء». وفي المقابل، رخصت الجزائر لوفد قنصلي فرنسي بزيارة الصحافي كريستوف غليز، الذي ظهرت مؤشرات قوية على قرب استفادته من عفو رئاسي.

ويفيد مراقبون بأن اللقاءات القضائية والأمنية وحتى السياسية الجارية منذ أسابيع، بين الجزائر وباريس، تبدو أشبه بـ«لعبة شد وجذب» محكومة بمنطق المقايضة السياسية؛ حيث يرتبط أي تنازل فرنسي في ملف بمدى استجابة الجزائر في ملف آخر. بكلام آخر، بين رغبة باريس في استعادة مطلوبيها، ورغبة الجزائر في استرجاع أموالها المنهوبة، تبرز لغة المصالح لترسم معالم صفقة توازن قوى دقيقة.

وزيرا العدل الجزائري والفرنسي بالقاعة الشرفية للمطار (الوزارة الجزائرية)

وبالنسبة لباريس، تشكل هذه الزيارة فرصة لإعادة إطلاق، بل وتأسيس تعاون قضائي جديد تضرر بشدة جراء الأزمة الثنائية، وكذا إثارة قضية الصحافي كريستوف غليز، الذي يقضي عقوبة بالسجن 7 سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب» بعد توقيفه في أثناء إعداده استطلاعاً حول ما سُمي بـ«المنتخب الكروي القبائلي»، فضلاً عن مناقشة ملف تسليم عناصر من شبكة «دي زاد مافيا» (DZ Mafia) الذين يُعتقد أنهم لجأوا إلى الجزائر، وهو ملف متفجر ظل في السنوات الأخيرة ضمن التنسيق الاستخباراتي البحت، وأخذ مع زيارة دامانان بعداً سياسياً.

ويتعلق ملف بـ«دي زاد مافيا» بعناصر مصنفين كشبكة إجرامية، يعتقد الأمن الفرنسي أن عناصر منها لجأوا إلى الجزائر هروباً من الملاحقة في فرنسا.

المجموعة واحدة من أخطر وأكبر العصابات الإجرامية المنظمة في فرنسا، وتنشط بشكل مكثف في مدينة مرسيليا وجنوب فرنسا، وهي مسؤولة عن حروب شوارع دموية حصدت أرواح العشرات، على خلفية صراع نفوذ مرتبطة بالتهريب وتجارة السلاح والمخدرات أساساً.

ملصق لوثائقي تلفزيوني فرنسي حول شبكة «مافيا دي زاد» بمرسيليا

ورمز «DZ» مستوحى من النطاق الوطني للجزائر، وهو مرادف لكلمة «دزاير» أي الجزائر، لأن أغلب مؤسسي هذه العصابة وأفرادها يتحدرون من أصول جزائرية أو مغاربية من الجيلين الثاني والثالث للمهاجرين في فرنسا، لكنها ليست عصابة نشأت في الجزائر، بل هي عصابة فرنسية المنشأ والنشاط.

وكانت باريس قد وجهت عدة طلبات للمساعدة القضائية المتبادلة إلى السلطات الجزائرية بهدف تحقيق تقدم في التحقيقات الخاصة بهذه الشبكة.

وقبل وصول دارمانان، قطع البلدان خطوات حاسمة على مسار العودة إلى الوضع الطبيعي، وذلك منذ زيارة وزير الداخلية لوران نونيز إلى الجزائر منتصف فبراير (شباط) الماضي، والتي أعادت إطلاق التعاون الأمني وفي مجال الهجرة، بعد أشهر من الانسداد التام.


مناورات عسكرية منفصلة في شرق ليبيا وغربها

جندي بـ«الجيش الوطني» الليبي يقف بالقرب من دبابات مشاركة في مناورات «درع الكرامة 2» العسكرية (أ.ف.ب)
جندي بـ«الجيش الوطني» الليبي يقف بالقرب من دبابات مشاركة في مناورات «درع الكرامة 2» العسكرية (أ.ف.ب)
TT

مناورات عسكرية منفصلة في شرق ليبيا وغربها

جندي بـ«الجيش الوطني» الليبي يقف بالقرب من دبابات مشاركة في مناورات «درع الكرامة 2» العسكرية (أ.ف.ب)
جندي بـ«الجيش الوطني» الليبي يقف بالقرب من دبابات مشاركة في مناورات «درع الكرامة 2» العسكرية (أ.ف.ب)

يطلق المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» في ليبيا، إشارة البدء الثلاثاء بإجراء «مناورات درع الكرامة 2» العسكرية بشرق البلاد، تزامناً مع الاحتفالات التي تجريها «القيادة العامة» بذكرى «معركة الكرامة».

جندي بـ«الجيش الوطني» الليبي يسير بالقرب من دبابات مشاركة في مناورات «درع الكرامة 2» العسكرية (أ.ف.ب)

والمناورة التي يتم التحضير لها منذ السبت الماضي في منطقة تسمى «رأس العلبة»، وتُوصف بأنها «الأكبر في تاريخ (الجيش الوطني)»، تأتي عقب توترات أمنية، وتحركات عسكرية في غرب ليبيا تتمثل في تنفيذ «الكتيبة 313» مشروع الرماية الفنية بسلاح المدفعية، بإشراف آمر المنطقة العسكرية الوسطى.

والمؤسسة العسكرية الليبية منقسمة بين «الجيش الوطني» في الشرق، وقوات تابعة لحكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، لكن هناك جهوداً أميركية تُبذل لتوحيد هذه المؤسسة، ما يعيد طرح الأسئلة عما تخبئه هذه المناورات، أو ما تريد توصيله من رسائل.

قوات حكومة «الوحدة» تقول إن هذا المشروع يأتي في إطار «خطة رئاسة الأركان العامة التابعة لها، والرامية إلى رفع الكفاءة القتالية للوحدات العسكرية التابعة للمنطقة العسكرية الوسطى».

ومنطقة رأس العلبة التي احتشد بها قرابة 25 ألف جندي وضابط من قوات «الجيش الوطني»، تقع في شمال شرق ليبيا جنوب بلدة العزيات التابعة لبلدية درنة.

و«مناورات درع الكرامة 2»، التي سيحضرها بالإضافة إلى حفتر نجلاه الفريقان صدام نائب القائد العام، وخالد رئيس الأركان العامة، دُعي إليها دبلوماسيون معتمدون لدى ليبيا.

صدام حفتر مع آمري الألوية والوحدات خلال التحضير للمناورة العسكرية في 4 مايو (القيادة العامة)

و«معركة الكرامة» عملية عسكرية واسعة سبق أن شنّتها قوات «الجيش الوطني» في 16 مايو (أيار) عام 2014، في مواجهة جماعات إرهابية، من بينها تنظيم «داعش»، بسطت قبضتها على مدن ليبية، من بينها بنغازي ودرنة.

وقال اللواء عمر مراجع المقرحي القائد بـ«الجيش الوطني»، إن مناورة رأس العلبة «ليست مجرد استعراض قوة، بل رسالة واضحة بأن الجاهزية واقع، وأن الإرادة لا تُكسر، وأن من يحمل شرف المسؤولية لا يتراجع».

وعدّ المقرحي، في تصريح صحافي، هذه المناورة «تجسيداً لانضباط وقوة تُبنى بصمت وتثبت بالفعل، ورسالة لكل من يراهن على ضعف الدولة بأن الجيش حاضر وقادر، وستبقى رأس العلبة علامة فارقة في تاريخ الجيش الليبي الحديث».

وتُجرى المناورات وسط جهود أميركية يبذلها مسعد بولس مستشار الرئيس دونالد ترمب لشؤون أفريقيا، لتعزيز التقارب بين سلطات غرب ليبيا وشرقها، والبحث في احتمال إعادة هيكلة السلطة التنفيذية في البلاد.

ومن بين القيادات العسكرية التي تشرف على المناورة، اللواء عبد الله نور الدين، رئيس هيئة العمليات في الجيش، الذي نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية» قوله إن التدريبات «رسالة للكل، كيف بدأنا في 2014 وكيف أصبحنا الآن في 2026. يعني في الذكرى الثالثة عشرة لثورة الكرامة، (المناورات) رسالة للأصدقاء وللأعداء».

في مقابل ذلك، تعيش مناطق بغرب ليبيا حالة من التوتر، لا سيما في مدينة الزاوية، فضلاً عن تنفيذ قوات «الوحدة الوطنية» مشروعاً للرماية لمدة 10 أيام متواصلة، بهدف رفع الكفاءة القتالية للوحدات العسكرية التابعة للمنطقة العسكرية الوسطى «بما يسهم في تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار».

وشمل المشروع، بحسب رئاسة الأركان بغرب ليبيا، تدريبات عملية مكثفة على الرماية باستخدام سرايا المدفعية عيار 122 و130، بالإضافة إلى قاذفات الصواريخ، ضمن برنامج تدريبي يهدف إلى تطوير الجاهزية القتالية، ورفع مستوى الأداء الميداني للعناصر المشاركة.

خلال تنفيذ مشروع الرماية بغرب ليبيا (رئاسة أركان قوات «الوحدة»)

وشددت رئاسة الأركان على «مواصلة تنفيذ برامج تدريبية ومشروعات ميدانية في عدد من المناطق العسكرية، ضمن خطط تستهدف تطوير الأداء القتالي ورفع مستوى التأهيل الفني للعناصر العسكرية، بما يعزز جاهزية القوات وقدرتها على التعامل مع مختلف المهام الميدانية».

وفي ظل أحاديث عن تقارب بين قيادات عسكرية وأمنية من شرق ليبيا وغربها لجهة توحيد الجيش المنقسم، والتوافق بشأن «مبادرة بولس»، أبدى ناصر عمار آمر «قوة الإسناد» بعملية «بركان الغضب» تخوفه ورفضه لما يجري.

وتقوم المبادرة المنسوبة لبولس على تولي صدام حفتر رئاسة مجلس رئاسي جديد، بدلاً من محمد المنفي، والإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة» المرتقبة، وهو الأمر الذي يعوّل عليه لتوحيد الجيش المنقسم. غير أن عملية «بركان الغضب» قالت مساء الأحد إنها تتابع ما سمّته بـ«المساعي الخبيثة والمستمرة من بعض الأطراف المحلية والإقليمية لجر ليبيا إلى مربع الفوضى، أو القبول بفرض سياسة الأمر الواقع عبر إعادة تسويق المشاريع الديكتاتورية المرفوضة شعبياً ودستورياً».

قوات من «الكتيبة 313» بغرب ليبيا خلال تنفيذ مشروع رماية (رئاسة أركان قوات «الوحدة»)

و«بركان الغضب» عملية عسكرية أطلقتها قوات حكومة «الوفاق الوطني» السابقة لصد هجوم «الجيش الوطني» على طرابلس في الرابع من أبريل (نيسان) 2019.

وأضافت العملية العسكرية على لسان آمرها: «نعلنها صراحة وبلهجة شديدة الحسم لا تقبل التأويل أو التمييع: إن المنطقة الغربية جزءٌ أصيل لا يتجزأ من تراب ليبيا الواحدة، ولن تكون أبداً ساحة للمساومات المشبوهة أو الصفقات السياسية الضيقة التي تُحاك في الغرف المظلمة».

وأبدت العملية تأييداً لما سمّته بـ«الجهود الوطنية المخلصة» التي يبذلها وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» عبد السلام الزوبي لتوحيد المؤسسة العسكرية «على أسس مهنية ووطنية خالصة، دون تمييز أو تفرقة بين مدنها ومناطقها، سواء في الغرب أو الوسط أو الجنوب».

وانتهت «بركان الغضب» إلى توجيه رسالة إلى من سمّتهم بـ«الواهمين والمراهنين على انكسارهم»، وقالت: «بوصلتنا واضحة ولم ولن تتغير، فمن جاء بالسلام وبمشروع الوحدة الوطنية الحقيقية فنحن معه وسند له، أما من جاء بمشروع عسكرة الدولة وإعادة حكم الفرد والاستبداد فنحن ضده، ولن نتراجع خطوة واحدة إلى الوراء».