انتهازية الحوثيين تخنق المشاريع الصغيرة وتدمر الاقتصاد اليمني

كبريات المجموعات التجارية تحاول التعايش مع ابتزاز الميليشيات

عنصر حوثي يغلق مقرا تابعا لشركة تجارية في العاصمة صنعاء بمبرر رفع الأسعار (إعلام حوثي)
عنصر حوثي يغلق مقرا تابعا لشركة تجارية في العاصمة صنعاء بمبرر رفع الأسعار (إعلام حوثي)
TT

انتهازية الحوثيين تخنق المشاريع الصغيرة وتدمر الاقتصاد اليمني

عنصر حوثي يغلق مقرا تابعا لشركة تجارية في العاصمة صنعاء بمبرر رفع الأسعار (إعلام حوثي)
عنصر حوثي يغلق مقرا تابعا لشركة تجارية في العاصمة صنعاء بمبرر رفع الأسعار (إعلام حوثي)

أجبرت ظروف الانقلاب الحوثي في اليمن، والإتاوات الباهظة التي تفرضها الميليشيات؛ الكثير من أصحاب الأموال والتجار على النزوح إلى المناطق المحررة، وضاعفت رغبات القيادات الحوثية في الاستثمار والإثراء السريع من تجريف الأنشطة الاقتصادية، والتسريع بإفلاس رجال الأعمال والمشاريع الصغيرة، في وقت تحاول فيه كبريات المجموعات التجارية التعايش مع الوضع الجديد وتجاوز مشاكله.

فعند عودته إلى العاصمة صنعاء؛ اتجه راشد جابر إلى معارفه من القيادات ورجال الأعمال الحوثيين لمساعدته في بدء استثمارات جديدة، وتعويض خسائر سابقة تعرض لها؛ إلا أنه تعرض للابتزاز من قبلهم كما فعلوا به سابقا، وطلبوا منه أن يعمل تحت مظلتهم، وأن يتقاسم معهم استثماراته، خصوصاً وأنه سيحظى بحمايتهم بحسب زعمهم.

كان راشد، وهو اسم مستعار، اضطر إلى العودة للعيش في منزله في العاصمة اليمنية صنعاء، بعد أن حاول خلال السنوات الماضية تصفية كامل أعماله فيها، والانتقال للاستثمار خارج البلاد؛ غير أنه لم يتمكن من نقل أرصدته المالية إلى الخارج بسبب القيود التي يفرضها الانقلابيون الحوثيون، ولجأ إلى طرق معقدة خسر فيها جزءاً كبيرا من أرصدته.

عقب استقرار راشد في إحدى دول الجوار والبدء في الاستثمار، واجهته العديد من المعوقات، كان أهمها عدم مقدرته نقل أرصدته البنكية بسبب القيود التي يفرضها الانقلابيون الحوثيون على البنوك، ما يجعل الطرق التي تمكن بها من نقل جزء من أرصدته غير مشروعة، في حين تشترط قوانين تلك الدولة أن تنقل أموال المستثمرين عبر التحويلات البنكية.

خلال مساعيه لتصفية أعماله واستثماراته في العاصمة صنعاء، تعرض راشد للابتزاز من القيادات ورجال الأعمال الحوثيين، واضطر لتسليمهم محلاته بأثمان بخسة مقابل أن يسمحوا له ويساعدوه في نقل أرصدته بسلاسة؛ إلا أن ما حدث هو العكس، ما ألحق به خسائر كبيرة، وكانت النتيجة تخليه عن استثمارته الداخلية وفشل استثماراته الخارجية.

سيطرة حوثية

يسيطر قادة ورجال أعمال حوثيون على العديد من المشاريع والقطاعات التجارية بهذه الطريقة التي تعرض لها رجل الأعمال راشد، فبمجرد أن يبدأ أصحاب الأموال، خصوصا المغتربين وأصحاب المدخرات، التفكير في استثمار أموالهم في مشاريع تدر عليهم الأرباح؛ تفاجأهم قيادات حوثية بعرض مقاسمتهم تلك الاستثمارات، مقابل الحماية والتسهيلات.

يوضح رجل الأعمال راشد لـ" الشرق الأوسط" أن تلك التسهيلات تشمل استخراج تراخيص مزاولة الأنشطة بدون كلفة مالية أو تعقيدات إجرائية، والإعفاء من الضرائب والجمارك ومختلف الرسوم المقررة، إلى جانب الإعفاء من الإتاوات والجبايات التي تفرضها الميليشيات الحوثية على جميع رجال الأعمال والتجار وأصحاب المحال ومختلف الأنشطة الاقتصادية والتجارية.

ولا يكون الرفض خياراً جيداً بالنسبة للمستثمرين الجدد؛ فبمجرد التفكير في الاستثمار والسعي للحصول على تراخيص مزاولة الأنشطة التجارية؛ يكون قد لفت الانتباه إليه، وأصبح مرصوداً من قبل النافذين الحوثيين، حيث يبدأ مسلسل ابتزازه منذ وصوله إلى مكاتب وزارة الصناعة والتجارة للحصول على التراخيص، ثم مكاتب الأشغال والبلدية والضرائب والزكاة، وغير ذلك، وجميعها مؤسسات تسيطر عليها وتديرها الميليشيات.

وحتى إن استجاب المستثمر لكل أنواع الابتزاز التي يتعرض لها، وحاول تجاوزها؛ فإنه لن ينجو من فرض إتاوات باهظة ومكلفة وبمختلف المسميات.

صداقات تأتي بالخسائر

يقول راشد إنه أحجم عن التفكير في الاستثمار مجدداً، فهو كان صاحب خبرة وتجربة سابقة مع الميليشيات الحوثية منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة، فقد فرضت عليه إتاوات كبيرة، ولم تفده محاولات بناء علاقات صداقة مع شخصيات حوثية نافذة لتجنب الابتزاز، بل إن تلك العلاقات تسببت له بمزيد من الخسائر.

ويوضح أكثر، أن الشخصيات النافذة التي سعى لبناء علاقات معها ليحصل من خلالها على إعفاءات من الإتاوات والجبايات التي لا تنتهي، كانت متطلبة بشكل كبير، واضطر لإرضائها بدفع مبالغ كبيرة وتقديم هدايا ثمينة، إلا أنها لم تفِ بوعودها في إعفائه من الإتاوات، ما جعل خسائره مضاعفة.

ولم تكتفِ تلك الشخصيات بالحصول على الأموال والهدايا، بل استغلت راشد في تقديم المشورات والخدمات اللوجستية لمساعدتها في استثماراتها التي أنشأتها من أموال حصلت عليها بالإثراء غير المشروع على حساب إيرادات مؤسسات الدولة، والاستيلاء على ممتلكات شخصيات سياسية واجتماعية نزحت إلى خارج مناطق سيطرة الميليشيات.

حملات إغلاق مستمرة

في السياق، تتواصل حملة الميليشيات الحوثية، لإغلاق كبريات الشركات والمحلات التجارية بمبرر مخالفة "القائمة السعرية"، وتعلن بشكل شبه يومي عن إغلاق عدد منها، وخلال الأسبوع الماضي أغلقت الميليشيات في صنعاء أحد مقرات مجموعة شركات هائل سعيد أنعم، وهي إحدى أكبر المجموعات التجارية في البلاد.

وبررت الميليشيات عملية الإغلاق بسبب رفع سعر الزبادي عن الأسعار الرسمية التي أعلنتها الميليشيات عبر مكاتب وزارة الصناعة والتجارة التي تسيطر عليها. وتعرضت مجموعة شركات هائل سعيد أنعم لعشرات عمليات الإغلاق خلال الأشهر الماضية، على خلفية رفضها دفع إتاوات ضخمة تطلبها الميليشيات.

يفيد مصدر في وزارة الصناعة والتجارة التي تسيطر عليها الميليشيات في العاصمة صنعاء، أن كبريات الشركات والمجموعات التجارية استجابت لابتزاز الميليشيات الحوثية طوال السنوات الماضية، وتعاطت معها بشكل مرن من أجل الحفاظ على أنشطتها في مناطق سيطرة الميليشيات.

ويوضح أسباب ذلك التعامل بأن هذه المجموعات التجارية تعمل منذ عقود طويلة في هذه المناطق التي تشمل مساحة جغرافية واسعة وما يقارب ثلثي سكان البلاد، ما يعني أن إيقاف أنشطتها والانتقال إلى المناطق المحررة سيكلفها الكثير من الخسائر التي لن تستطيع تعويضها بسهولة، وفي مدى زمني قصير.

ويضيف المصدر أن الميليشيات تدرك صعوبة اتخاذ هذه المجموعات مثل هذا القرار، ولذلك تعمل على مضاعفة الجبايات التي تفرضها عليها، والتصعيد في ابتزازها.

 


مقالات ذات صلة

الحوثيون يشدّدون قبضتهم الأمنية في إب

العالم العربي حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)

الحوثيون يشدّدون قبضتهم الأمنية في إب

شدَّد الحوثيون انتشارهم الأمني والعسكري في إب، ودفعوا بوحدات نخبة إلى خطوط التماس، بالتزامن مع استمرار اعتقال عشرات الكوادر ومنع أسرهم من الزيارة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي القيادي الموالي لجماعة الحوثيين سلطان السامعي (فيسبوك)

تصريحات السامعي تشعل خلافاً داخل الجماعة الحوثية

خلاف حوثي حول مصير القيادي سلطان السامعي بعد انتقاداته للمظالم والانتهاكات، وسط ضغوط من جناح صعدة لاعتقاله، وتحفُّظ قيادات صنعاء خشية تفاقم الانقسامات الداخلية.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
تحليل إخباري وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ) p-circle

تحليل إخباري خبراء لـ«الشرق الأوسط»: توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة

يعتقد خبراء عسكريون أنَّ توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهِّد لمعركة واسعة ضد الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج مساعد وزير الخارجية اليابانية والمتحدث باسم الوزارة توشيرو كيتامورا (الشرق الأوسط)

الرياض وطوكيو... شراكة تتوسع من أمن الملاحة إلى الاقتصاد والذكاء الاصطناعي

أكد مساعد وزير الخارجية اليابانية والمتحدث باسم الوزارة، توشيرو كيتامورا، سعي بلاده إلى تعزيز التعاون مع السعودية وعُمان لتهيئة بيئة للحوار والدبلوماسية.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
المشرق العربي الدكتور رشاد محمد العليمي يرأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني (سبأنت)

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

أعرب مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه اليوم برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن اعتزازه بأداء القوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ربع أطفال اليمن بلا لقاحات وسط تحريض حوثي

انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
TT

ربع أطفال اليمن بلا لقاحات وسط تحريض حوثي

انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)

لا تزال الجماعة الحوثية تواصل منع حملات التحصين الجماعية للأطفال في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد خطاب التحريض ضد اللقاحات، في وقت تكشف فيه بيانات دولية عن اتساع فجوة التحصين في اليمن، ووصولها إلى مستويات تنذر بعودة أمراض قاتلة يمكن الوقاية منها.

وتشير البيانات إلى أن نحو ربع الأطفال اليمنيين لم يحصلوا على جميع اللقاحات الموصَى بها، بينما يصنف 17 في المائة منهم ضمن الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة لقاح على الإطلاق، في واحدة من أكبر فجوات التحصين على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقال سكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن العاصمة المختطفة ومدناً أخرى خاضعة للحوثيين تعاني منذ نحو شهرين من انعدام اللقاحات في مراكز رعاية الأمومة والطفولة، موضحين أن بعض اللقاحات ظهرت لاحقاً في صيدليات خاصة بأسعار مرتفعة، رغم أنها تقدم مجاناً ضمن برامج التحصين المدعومة دولياً.

مليون طفل في اليمن لم تصلهم خدمات التحصين الروتينية (الأمم المتحدة)

وأضاف السكان -وبينهم عاملان في المجال الطبي- أن هذا الوضع أثار حالة من الذعر بين الأسر التي تخشى تعرُّض أطفالها للأمراض؛ خصوصاً مع اختفاء اللقاحات من المراكز الصحية الحكومية، بعد أن كانت متاحة بصورة منتظمة.

وكان الحوثيون قد منعوا في وقت سابق حملات التطعيم الجماعية التي كانت تنفَّذ من منزل إلى منزل بتمويل دولي، مبررين ذلك بخطاب تحريضي يصوِّر اللقاحات على أنها جزء من «مؤامرة غربية»، مع السماح في فترة محدودة بتوفيرها داخل مراكز رعاية الأمومة والطفولة في المدن الرئيسية.

تحذير من تفشي الأمراض

وحذَّرت لجنة الإنقاذ الدولية من التداعيات المتزايدة لتراجع خدمات التحصين في اليمن، مشيرة إلى أن أكثر من عقد من الصراع وضع النظام الصحي تحت ضغط شديد، وكانت خدمات التحصين الروتيني من بين أكثر الخدمات تضرراً.

وقالت المنظمة إنها بدأت منذ عام 2024، ومع تنامي الحملة العدائية ضد اللقاحات، تنفيذ استراتيجية للتغيير الاجتماعي والسلوكي تقوم على مسارين؛ أولهما تزويد أفراد المجتمع الموثوق بهم بالمعلومات اللازمة، وإشراك مقدمي الرعاية في أدوات عملية تعزز الثقة باللقاحات، والثاني مساعدة المانحين على الوصول إلى مزيد من الأطفال.

وأظهرت دراسة مسحية أجريت لمصلحة المنظمة في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية، أن الأطفال كانوا يكملون جدول التطعيم بدرجة أكبر عندما يثق مقدمو الرعاية باللقاحات، ويعتقدون أنها تحمي الأطفال، بما يؤكد أهمية الثقة في رفع معدلات التحصين.

وتراجعت تغطية لقاح الحصبة في اليمن إلى 41 في المائة عام 2025، مقارنة بـ63 في المائة عام 2012، وهو انخفاض انعكس بصورة مباشرة على تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

منع الحوثيين حملات التطعيم ساهم في عودة أمراض يمكن الوقاية منها (إعلام محلي)

وسجَّل اليمن خلال تفشي الحصبة عام 2024 نحو 27 ألفاً و517 إصابة، إضافة إلى 260 وفاة، وهي من بين أعلى حصائل الإصابات المسجلة عالمياً خلال ذلك العام. واستمرت معدلات الإصابة المرتفعة لاحقاً؛ إذ سجلت البلاد 11 ألفاً و354 حالة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ومارس (آذار) 2026، وهو ثاني أعلى عدد إصابات في أي بلد حول العالم خلال تلك الفترة.

مليون طفل بلا تحصين

ولم تقتصر التداعيات على الحصبة؛ إذ سجل اليمن منذ عام 2021 نحو 452 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال المتحور، وكان 98 في المائة من المصابين من الأطفال دون الخامسة.

وتقدر «يونيسف» أن 17.8 مليون شخص في اليمن، غالبيتهم من الأطفال، يفتقرون إلى الوصول الكافي إلى الرعاية الصحية، بينما تشير تقديرات بداية العام الحالي إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية لم تكن تعمل، أو كانت معرضة لخطر الإغلاق بسبب نقص التمويل، وتقليص الشركاء الإنسانيين عملياتهم.

وتشير البيانات إلى أن نحو مليون طفل في اليمن لم تصل إليهم خدمات التحصين الروتينية على الإطلاق، بينما يمثل اليمن، إلى جانب السودان وسوريا، نحو 87 في المائة من جميع الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة لقاح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تغطية لقاح الحصبة في اليمن تراجعت إلى 41 % عام 2025 (الأمم المتحدة)

وتضع هذه الأرقام اليمن باستمرار ضمن الدول التي تضم أعلى نسبة من الأطفال الذين لم يحصلوا على أي جرعة لقاح عالمياً، إلى جانب نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وترى «الإنقاذ الدولية» أن معالجة فجوة التحصين لا تتطلب مواجهة خطاب التشكيك باللقاحات فحسب، وإنما تحتاج أيضاً إلى استثمارات مباشرة في المراكز الصحية وسلاسل الإمداد والقوى العاملة الطبية، بما يضمن وصول اللقاحات إلى الأطفال بصورة منتظمة.

وتكشف نتائج الدراسة عن 4 أنماط رئيسية وراء التردد في التطعيم، تشمل المعتقدات الفردية وقرارات الأسرة وتأثير المجتمع، إضافة إلى المخاوف من الآثار الجانبية قصيرة المدى.

وأوضحت المنظمة أن بعض الأسر تركز على أعراض ظاهرة وفورية، مثل الحمى أو التورم أو صعوبة الحركة المؤقتة، بينما تبقى الفوائد بعيدة المدى للَّقاحات غير مرئية، ولا تظهر إلا مع مرور الوقت. كما يسهم تناقل قصص فردية عن أعراض جانبية في تضخيم المخاوف؛ خصوصاً عندما لا يحصل مقدمو الرعاية على إرشادات كافية بشأن التعامل مع تلك الأعراض.

وتحذِّر هذه المعطيات من أن استمرار تعطيل حملات التحصين وتراجع الخدمات الصحية قد يوسع دائرة الأمراض التي كان يمكن السيطرة عليها، ويضع ملايين الأطفال اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد أنهكته سنوات الحرب، وتراجع التمويل، وانهيار جزء كبير من بنيته الصحية.


«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)

أثار قرار تثبيت سعر الفائدة في مصر للشهر الرابع على التوالي تساؤلات حول التضخم الذي تشهده البلاد.

ويرى خبراء أن «إجراءات البنك المركزي المصري تستهدف محاصرة نسبة التضخم على المستوى القصير»، وتوقعوا «ارتفاع نسب التضخم في نهاية العام الحالي بسبب تأثير الاضطرابات الإقليمية على أسعار الطاقة».

وقررت لجنة السياسة النقدية بـ«البنك المركزي»، مساء الخميس، «الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير»، ووفق إفادة لـ«المركزي» يتم تثبيت سعري العائد، الإيداع والإقراض، لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية عند 19 في المائة و19.5 في المائة و20 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.5 في المائة».

وهذه المرة الرابعة التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة منذ أبريل (نيسان) الماضي، وتعقد لجنة السياسات النقدية بـ«البنك المركزي» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع (45 يوماً)، ويتبقى لها ثلاثة اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

وبحسب بيان «المركزي» جاء القرار «انعكاساً لتقييم لجنة السياسيات النقدية لآخر تطورات التضخم وتوقعاته».

وشهد المعدل السنوي للتضخم العام ارتفاعاً طفيفاً في يوليو (تموز) الماضي ليبلغ 14.9 في المائة مقابل 14.3 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، بينما سجل المعدل الأساسي للتضخم 14.7 في المائة في يوليو مقابل 14.3 في المائة عن الشهر السابق له، وفق «المركزي»، الذي أشار إلى أن «التطورات الشهرية للأسعار أظهرت استقراراً مع انخفاض أسعار بعض السلع والخدمات».

البنك المركزي المصري قرر تثبيت سعر الفائدة (رويترز)

ويقول عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع» وليد جاب الله: «كان من المتوقع أن يتخذ البنك المركزي قرار تثبيت أسعار الفائدة مرة أخرى». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الفارق بين سعر الفائدة ونسب التضخم يسمح للبنك المركزي باتخاذ قرار التثبيت، ذلك أن الزيادة في نسب التضخم جاءت طفيفة وليست بنسب عالية».

وعدّ قرار التثبيت «تشديداً نقدياً تتخذه الحكومة في ظل حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي».

ووفق بيان «البنك المركزي» فإن «النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي شهد تباطؤاً طفيفاً متأثراً بالتقلبات الجيوسياسية، وضعف الطلب، في حين لا يزال التضخم مرتفعاً بشكل عام، مع تفاوت الضغوط التضخمية عبر الاقتصادات، ما أدى لتباين قرارات السياسة النقدية للبنوك المركزية».

وأشار البيان إلى أن «آفاق الاقتصاد العالمي تتسم بعدم اليقين ولا تزال عرضة لمجموعة من المخاطر، من أهمها استمرار التوترات الإقليمية لفترة أطول، وتجدد اضطرابات سلاسل الإمداد».

ولا يعني استمرار تثبيت أسعار الفائدة، قدرة الاقتصاد المصري على الحد من نسب التضخم، وفق جاب الله، مضيفاً أنه «من الصعب انخفاض مستويات التضخم في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة».

ورجح «ارتفاع نسب التضخم مع نهاية العام الحالي إلى نسب أقل من 17 في المائة، في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية»، مشيراً إلى أن «البنك المركزي فضل التريث بتثبيت أسعار الفائدة لترقب التطورات والأوضاع العالمية خصوصاً على صعيد أسعار الطاقة».

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة يوضح أن «إجراءات البنك المركزي الحالية تستهدف محاصرة التضخم على المستوى القصير»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المتوقع زيادة معدلات التضخم مع بداية العام المقبل خصوصاً مع عدم انخفاض أسعار البترول بسبب الاضطرابات الإقليمية».

الحكومة المصرية تكثف الرقابة على الأسواق لضبط أسعار السلع (وزارة التموين المصرية)

و«تعرضت أسواق الطاقة مجدداً لضغوط تصاعدية وازدادت تقلباتها وسط تزايد حدة التوترات الإقليمية، كما اتجهت أسعار السلع الزراعية نحو الارتفاع نتيجة للمخاوف المتعلقة بالإمدادات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية»، وفق بيان «المركزي» المصري.

بدرة يلفت إلى أن «استمرار الأوضاع الإقليمية بالوضع الحالي سيترتب عليه ارتفاع في معدلات التضخم، وبالتالي سينعكس ذلك على ارتفاع سعر الفائدة مع نهاية العام الحالي».

كما يشير إلى أنه «حال حدوث أي توتر جديد بالمنطقة وارتفاع سعر برميل البترول عن (94 دولاراً) الحالية سيعني اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر تشدداً للتحوط مع الآثار الجديدة».

وتوقع البنك «المركزي» أن «يبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 5 في المائة في العام المالي (2025-2026)» إلى جانب «مواصلة النشاط الاقتصادي الحقيقي انخفاضه الطفيف في الربع الثاني من العام الحالي وذلك انعكاساً للتأثير السلبي للصراع الإقليمي».


الحوثيون يشدّدون قبضتهم الأمنية في إب

حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يشدّدون قبضتهم الأمنية في إب

حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)

شدَّدت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران قبضتها الأمنية في محافظة إب، بالتزامن مع تصاعد التوتر والمواجهات على خطوط التماس المحيطة بها، ودَفعت بوحدات من قوات النخبة التابعة لها إلى مناطق قريبة من جبهات القتال مع محافظات تعز والحديدة والضالع.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة كثَّفت انتشارها الأمني في مدينة إب والمناطق القريبة من خطوط التماس غرب المحافظة، وعزَّزت وجودها في الطرق المؤدية إلى الجبهات، مع فرض رقابة مشددة على حركة السكان واتصالاتهم.

وتكتسب إب أهمية عسكرية بحكم موقعها؛ إذ تقع على خطوط إمداد تربط مناطق سيطرة الحوثيين بجبهات القتال في الحديدة وتعز والضالع، وتبعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء.

وحسب المصادر، نقل الحوثيون مقر قيادة المنطقة العسكرية التي تضم محافظات إب والضالع وتعز إلى مدينة دمت، الواقعة شرق إب، كما دفعوا بوحدتين من قوات النخبة المعروفة باسم «ألوية الصماد» إلى مناطق قريبة من خطوط التماس.

الحوثيون كثَّفوا انتشارهم العسكري والأمني في مدن وبلدات إب (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أن الجماعة دفعت بمقاتلين من أبناء إب إلى خطوط المواجهة، في حين أبقت وحدتي «الصماد» في مؤخرة الجبهة لمراقبة القوات ومنع أي عناصر محلية من الفرار أو التراجع خلال المواجهات.

ووفق المصادر، يعكس هذا الانتشار حالة من عدم الثقة بالمقاتلين الذين جرى تجنيدهم من أبناء المحافظة، في وقت تعمل فيه الجماعة على تشديد الرقابة الأمنية داخل المدن والبلدات وعلى الطرق المؤدية إلى مناطق القتال.

مركز لإدارة العمليات

حوّل الحوثيون مناطق شرق إب مركزاً لإدارة العمليات العسكرية المرتبطة بالجبهات المحيطة بالمحافظة، بالتزامن مع إعادة توزيع وحداتهم وانتشارهم في المناطق القريبة من خطوط التماس.

وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوتر العسكري على جبهات عدة، وفي وقت تواصل فيه الجماعة إحكام قبضتها الأمنية داخل المحافظة التي تُعدّ من أبرز مناطق التجنيد والإمداد التابعة لها.

الحوثيون حولوا مناطق شرق إب مركزاً لإدارة العمليات العسكرية (إعلام محلي)

وتزامن ذلك مع مرور عام على حملة اعتقالات واسعة نفَّذتها الجماعة في إب، وطالت أكثر من 115 من الكوادر التربوية والأكاديمية والطبية والهندسية، وفق مصادر محلية.

وقالت المصادر إن الحملة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر، من أواخر مايو (أيار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وأُفرج عن 14 معتقلاً منهم على فترات متفاوتة، كان آخرهم قبل نحو أسبوع، في حين لا يزال البقية محتجزين.

وحسب مصادر محلية، لا يزال عدد من المطلوبين للحوثيين عاجزين عن مغادرة المحافظة باتجاه مناطق سيطرة الحكومة، في حين تمكنت نحو 260 أسرة من مغادرة مناطق سيطرة الجماعة والوصول إلى المناطق الحكومية.

وفي سياق متصل، كشفت سهام العباب، ابنة التربوي صديق العباب، عن تدهور الحالة الصحية لوالدها المحتجز لدى الحوثيين منذ أكثر من عام، وسط عجز أسرته عن زيارته أو الاطمئنان على وضعه الصحي.

طلبة جامعة صنعاء أخضعتهم الجماعة الحوثية للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)

وقالت إن والدها اتصل بالأسرة قبل أيام، وإن التعب كان واضحاً في صوته، مضيفة أن الأسرة لا تعرف طبيعة حالته الصحية ولا تستطيع رؤيته أو الاطمئنان عليه.

وأضافت أن المكالمة تركت أثراً نفسياً كبيراً عليها، مشيرة إلى أن صوت والدها ظل حاضراً في ذاكرتها بعد انتهاء الاتصال.

وكانت الابنة تحدثت في وقت سابق عن المعاناة التي تعيشها أسرتها جراء غياب والدها، وقالت إنه ترك وراءه عائلة صغيرة تحتاج إلى سند، في حين يقبع في السجن من دون أن تعرف الأسرة التهمة الموجهة إليه.

واختطف الحوثيون التربوي صديق العباب خلال حملة اعتقالات واسعة استهدفت مئات الأشخاص في محافظات إب وتعز والبيضاء، وطالت أطباء ومعلمين ومحامين وموظفين وشخصيات اجتماعية، وفق مصادر محلية.

احتجاز بلا مسار قانوني

من جهته، قال زكريا الجابري إن والده محتجز قسراً لدى جماعة الحوثيين منذ 12 يونيو (حزيران) 2025 في مقر الأمن السياسي بمدينة إب.

وأوضح أن الأسرة لم تتمكن من التواصل معه سوى ثلاث مرات، وأن الزيارة الوحيدة التي سُمح بها جرت بعد أكثر من 11 شهراً على احتجازه، قبل أن تمنع الأسرة لاحقاً من زيارته.

وأضاف أن الحوثيين اكتفوا بالسماح لوالده بإجراء اتصالات هاتفية محدودة، في حين لا تعرف الأسرة ظروف احتجازه أو وضعه الصحي والنفسي، رغم علم الجهة التي تحتجزه بأنه يعاني مشكلات صحية.

مسيّرة حوثية أُطلقت باتجاه ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وقال الجابري إن الأسرة حاولت خلال الفترة الماضية التواصل مع جهات وأشخاص عدة بحثاً عن إجابة أو مساعدة، إلا أن الرد كان في أحيان كثيرة أن المسؤولين عن القضية لا يعلمون شيئاً، وأن الجهة المسؤولة عنها موجودة في صنعاء.

وتساءل عن الجهة التي أصدرت أمر احتجاز والده، وعن أسباب عدم إحالته إلى النيابة، ولماذا لم تُبلغ الأسرة بالتهم الموجهة إليه أو بمساره القانوني.

وقال إن الأسرة لا تعرف «من يملك القرار ومن يستطيع إنهاء هذا الاحتجاز»، معتبراً أن استمرار احتجاز والده تسبب في آثار نفسية واجتماعية كبيرة على أفراد الأسرة.

كما عدّ أن قضيته تعكس، حسب وصفه، غياب جهة رسمية واضحة يمكن للأسرة اللجوء إليها، رغم محاولاتها المتكررة طلب المساعدة من الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ووجهاء وأعيان المنطقة.