«الصحة العالمية» لـ«الشرق الأوسط»: احتياجات السودان ضخمة وعاجلة

المدير الإقليمي حذر من «تحالف الصراع مع تغير المناخ»

أحمد المنظري (منظمة الصحة العالمية)
أحمد المنظري (منظمة الصحة العالمية)
TT

«الصحة العالمية» لـ«الشرق الأوسط»: احتياجات السودان ضخمة وعاجلة

أحمد المنظري (منظمة الصحة العالمية)
أحمد المنظري (منظمة الصحة العالمية)

قال المدير الإقليمي لشرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية أحمد المنظري، إن «الاحتياجات الإنسانية في السودان ضخمة وعاجلة، ولا تحتمل انتظاراً وتتطلب مزيداً من الدعم والمساندة»، محذراً من «زيادة فاتورة الغذاء والصحة في السودان بسبب تحالف التغيرات المناخية مع الصراع» الدائر هناك حالياً.

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، على خلفية إرسال المنظمة قبل أيام أول شحنة جوية من المستلزمات الطبية إلى السودان، وإنهاء المنظمة حالة الطوارئ الصحية بشأن «كوفيد - 19»، بعد نحو 3 سنوات من إعلانها، قال المنظري إن «تنسيق إجراءات وصول تلك الشحنة من حيث الحصول على تصاريح هبوط الطائرات، وكذلك الانتهاء من التخليص الجمركي للشحنات، تم بالتعاون مع السلطات الاتحادية ووزارة الصحة في الخرطوم، لكن المرور الآمن للإمدادات ونقلها إلى الداخل لتوزيعها على المرافق الصحية، تطلب تعاوناً من طرفي النزاع واتفاقاً على تأمين عملية التوزيع».

ورغم التفاؤل بإمكانية التقدم في الملف الإنساني بعد إرسال تلك الشحنة، فإن المنظري استبعد إمكانية البناء على ذلك لتنفيذ المرحلة الثانية من حملة التطعيم ضد فيروس شلل الأطفال المتحور (cVDPV2)، والتي كان من المقرر بدايتها الاثنين (8 مايو/ أيار)، وقال: «تنفيذ حملات تطعيم موسعة يتطلب توقف أعمال العنف، ونأمل أن يحدث ذلك سريعاً أو أن يتم التوصل إلى هدنة يحترمها الطرفان، ليصبح بالإمكان تنظيم حملات تطعيم ضد شلل الأطفال وضد سائر الأمراض التي يمكن توقيها بالتطعيمات».

وتابع: «ما نراه على الأرض يجعل من المتعذر تنفيذ هذه الحملات في الوقت الراهن، وهذه إحدى العواقب الوخيمة على الصحة العامة للسكان، لا سيما الأطفال، التي تكون نتيجة لأي صراع في أي بلد».

وعن إمكانية تنفيذ حملات التطعيم في المناطق الحدودية بين السودان والدول المجاورة، التي يلجأ لها المواطنون الفارون من العنف، يقول: «فرق المنظمة لها وجود حالياً على المناطق الحدودية بين السودان وأكثر من بلد حدودي، حيث تقدم الدعم العاجل والرعاية الصحية للفارين من العنف، بما في ذلك الدعم النفسي، ونأمل أن نتوصل إلى صيغة تمكننا والبلدان المضيفة من توفير خدمة التطعيمات، إن لم يكن في المناطق الحدودية، فربما في إطار الخدمات الطبية المقدمة للمجتمعات المضيفة».

وأرسل المنظري رسائل طمأنة بشأن احتلال مقاتلين لـ«المعمل القومي للصحة العامة» في العاصمة الخرطوم، وقال: «أجرينا تقييماً متعمقاً للمخاطر في ضوء المعلومات الأكثر تفصيلاً التي أصبحت متاحة فيما بعد، واستناداً إلى هذه المعلومات، حددنا أن المخاطر الصحية العمومية لهذا الحدث متوسطة».

وأضاف: «الشاغل الرئيسي أن المختبر لا يستطيع أداء دوره الحيوي في تشخيص المرض بسبب نقص الموظفين واحتلال المرفق ونقص الكهرباء لتشغيل معداته، وللأسف ليست لنا ولاية تمكننا من تغيير الوضع، لكننا نحذر من تعامل الأيدي غير المدربة مع العينات الموجودة في المختبر».

وعن مدى التجاوب مع نداء الدعم المادي لاستجابة المنظمة في هذه الأزمة الإنسانية، الذي تم إطلاقه في مؤتمر صحافي قبل أيام، قال إن «الاحتياجات في السودان ضخمة وعاجلة، ولا تحتمل انتظاراً وتتطلب مزيداً من الدعم والمساندة».

وأضاف: «أطلقنا خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2023 قبل الأحداث، التي نسعى من خلالها للحصول على 1.7 مليار دولار لمساعدة 12.5 مليون شخص، لكن لم يتم تمويل إلا 14 في المائة فقط من الخطة».

وحذر المنظري من «زيادة فاتورة الغذاء والصحة في السودان بسبب تحالف التغيرات المناخية مع الصراع»، وقال إن «تغير المناخ هو أحد التحديات الكبرى الناجمة عن سوء السلوك البشري في التعامل مع الطبيعة والإهمال في الحفاظ عليها، وهو تحدٍ لا بد أن يؤخذ في الاعتبار في كل الحالات، بما في ذلك أثناء الصراعات وتصاعد العنف».

وتابع: «كما نعلم، يعد اضطراب النظم الغذائية وزيادة حالات الأمراض المنقولة بالغذاء وبالمياه والأمراض المنقولة بالنواقل من المشكلات الكبرى التي تنجم عن الظواهر الجوية المتطرفة، لكنها أيضاً تتفاقم خلال الصراعات وأعمال العنف، وتعد من الأسباب الرئيسية للوفاة والعجز في إقليمنا، فالصراع يعني توقف برامج الرعاية الصحية والتنموية وصعوبة توافر الموارد الأساسية من غذاء ومياه نظيفة ودواء، ولا بد من توقفه حتى يتمكن كل الشركاء من القيام بأدوارهم في توفير هذه الموارد الحيوية».

إدارة طويلة الأجل للجائحة

ومن الصراع في السودان، إلى قرار بدا مضيئاً خلال الأيام الماضية، وهو إلغاء منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ الصحية بشأن «كوفيد - 19»، بعد 3 سنوات من إعلانها، شدد المنظري على أن «نهاية الطارئة الصحية العامة التي سببت قلقاً دولياً، لا تعني أن (كوفيد - 19) انتهى بوصفه تهديداً صحياً عالمياً».

وقال: «القرار يعني انتهاء حالة الطوارئ، وهو أمر إيجابي ونبأ سار للغاية، لكنه لا يعني أن (كوفيد - 19) انتهى، فلا يزال ثمة تهديد صحي قائم للصحة العامة، وكلنا نرى ذلك يومياً ونلاحظه من حيث التطور المستمر لهذا الفيروس، وحضوره العالمي، ومواطن الضعف المستمرة في مجتمعاتنا، ونتوقع بشكل جازم استمرار انتقال هذا الفيروس لفترة طويلة جداً، الأمر الذي يُعبر عن تاريخ الجوائح».

وأضاف: «هذا يعني أن (كوفيد - 19)، صار الآن مشكلة صحية مستمرة قائمة، وأنه حان الوقت للانتقال إلى إدارة طويلة الأجل للجائحة، وتحتاج البلدان إلى إدماج أنشطة ترصُّده والتصدي له في البرامج الصحية الروتينية».

واستبعد المدير الإقليمي تأثير انهاء حالة الطوارئ على الدعم الذي تقدمه المنظمة للدول في اتجاه توفير أدوية ولقاحات «كوفيد - 19»، وقال: «على العكس، المنظمة وكل الشركاء حريصون على استمرار البلدان على النهج الذي بدأ منذ 3 سنوات في إطار الاستجابة للجائحة، وستوفر كل أنواع الدعم لضمان هذه الاستمرارية»، مشيراً إلى أن «المنظمة أصدرت خطة استراتيجية للمساعدة في الانتقال من وضع الطارئة الصحية للإدارة طويلة الأمد تستمر بين عامي 2023 و2025».

وأضاف: «لجنة الطوارئ نوهت في توصياتها التي تأسس عليها القرار الأخير بإلغاء حالة الطوارئ الصحية، بأنه من المهم جداً معالجة الثغرات التي جرى الوقوف عليها في أثناء الجائحة وتخصيص اهتمام وموارد مستمرين للتأهب لمواجهة التهديدات الناشئة والقدرة على تحملها».

ورفض المنظري اتهامات للمنظمة بالتدخل في شؤون الدول عبر معاهدة «مكافحة الأوبئة» التي يجري التفاوض بشأنها حالياً، والتي توصف موادها المقترحة بأنها تعالج سلبيات ظهرت أثناء التعامل مع جائحة «كوفيد - 19»، وقال: «هذه الاتفاقية يتم التفاوض عليها بين البلدان وبعضها، ودور المنظمة فيها تنسيقي في الأساس».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط» عشية «كوب 31»: تغير المناخ وأمن الطاقة مساران متكاملان

خاص وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سيمون ستيل (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط» عشية «كوب 31»: تغير المناخ وأمن الطاقة مساران متكاملان

قبيل انطلاق «كوب 31»، شددت الأمم المتحدة على تكامل العمل المناخي وأمن الطاقة، ودعت إلى تنفيذ التعهدات، مشيدة بجهود السعودية لمواجهة تغير المناخ.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد صهاريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في منشأة هامرفست بالنرويج (رويترز)

دول الاتحاد الأوروبي تؤيد تأجيل تطبيق قواعد غاز الميثان الجديدة لمدة عام

اتفقت دول الاتحاد الأوروبي على تأجيل تطبيق القواعد الجديدة المثيرة للجدل، والهادفة إلى الحد من انبعاثات غاز الميثان لمدة عام واحد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مدينة أنطاليا المطلة على البحر الأبيض المتوسط في تركيا (رويترز)

تركيا تحدد خططاً للتخلص التدريجي من الاعتماد على الفحم قبل قمة المناخ

حدد وزير الطاقة التركي خططاً لبلاده تهدف إلى التخلص تدريجياً من الاعتماد على الفحم وغيره من الوقود الأحفوري، بينما تستعد لاستضافة قمة مؤتمر الأمم المتحدة الـ31.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
العالم هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)

الدول المشاركة في «كوب17» تتعهد بإعادة جهود حماية الطبيعة إلى مسارها الصحيح

نحو 200 دولة ليل الجمعة السبت على نصين رئيسيين لحماية الطبيعة خلال «مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (كوب17)».

«الشرق الأوسط» (يريفان)
الاقتصاد ترمب يشير إلى ناقلة نفط ذكر أنها تحمل 500 ألف برميل من النفط الفنزويلي خلال تجمع انتخابي بميناء كوربوس كريستي بولاية تكساس 27 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يخفف القيود على انبعاثات الميثان لدعم منتجي النفط والغاز

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء واسع النطاق للقيود المفروضة على منتجي النفط والغاز للحد من انبعاثات غاز الميثان، وهو أحد الغازات الدفيئة الملوثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

أعادت مصر، السبت، فتح سفارتها في العاصمة الليبية طرابلس بعد إغلاقها في عام 2014 على وقع الانقسام السياسي وأعمال العنف المرتبطة به.

وافتتح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مقر السفارة، عقب وصوله إلى طرابلس في وقت سابق من اليوم حيث شارك أيضاً في دورة لتجمع دول الساحل والصحراء.

وقال عبد العاطي، في مؤتمر صحافي، إن إعادة فتح مقر السفارة «يعكس عمق العلاقة والترابط التاريخي والجغرافي الذي يجمع بين الشعبين الشقيقين».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي لدى إعادة افتتاح مقر سفارة بلاده في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وتسعى ليبيا إلى التعافي من الفوضى التي أعقبت إطاحة حكم معمر القذافي عام 2011.

وتتنافس حكومتان حالياً على السلطة، إحداها في طرابلس تحظى باعتراف الأمم المتحدة ويقودها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وحكومة منافسة لها في الشرق مدعومة من المشير خليفة حفتر.

ووفق بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أشار عبد العاطي خلال الاحتفال إلى ما تحمله إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية التاريخي في طرابلس من دلالة تاريخية ودبلوماسية، منوهاً بأن مواصلة استخدامه كمقر للسفارة المصرية يمنح تاريخه امتداداً حياً، يجمع بين أصالة المكان ومتطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل، وبشرى لاستئناف أداء رسالته كأحد جسور التعاون والتنسيق المتواصلين بين الدولتين الشقيقتين.

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وأضاف عبد العاطي أن هذا المبنى التاريخي يمثل جزءاً لا ينفصل عن ذاكرة مدينة طرابلس بما تتمتع به من عمق تاريخي ومكانة ثقافية، فهو شاهد على تاريخها السياسي والدبلوماسي، كما تلتقي قيمته التاريخية مع ما تحمله العلاقات المصرية - الليبية من أواصر إنسانية وثقافية راسخة. وأوضح أن المباني التاريخية لا تحفظ ملامح الماضي فحسب، بل تستحضر أيضاً ما شهدته من أحداث، وما احتضنته من لقاءات، فضلاً عما تمنحه للأجيال المتعاقبة من فرصة للتعرف على محطات من تاريخ بلادها، وعلاقاتها بالعالم.

تأتي إعادة فتح السفارة بعد أسابيع من مصادقة البرلمان الليبي في بنغازي بشرق البلاد، على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، وهو ما أثار غضب القاهرة التي اعتبرت أن الاتفاقية تنتهك منطقتها البحرية.

وأعرب وزير الخارجية المصري عن الشكر والتقدير للدعم الذي قدمته الدولة الليبية وأجهزتها لإتمام أعمال صيانة وتجديد المبنى، منوهاً بأن العلاقات بين مصر وليبيا علاقات تاريخية وأخوية، لطالما استندت إلى روابط الجوار المباشر، والتشابكات الاجتماعية والثقافية، ووشائج الأخوة والمصاهرة، والمصالح المشتركة.


مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
TT

مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)

جددت مصر تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم البحرية»، الموقعة بين ليبيا وتركيا، مؤكدةً ضرورة مراعاة شواغلها بشأن ترسيم الحدود البحرية، وفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحفظ مصالح البلدين.

وجاء الموقف المصري على لسان وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال لقائه رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، في طرابلس، السبت، على هامش مشاركته في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء.

وترفض مصر مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع ‌تركيا، وأكدت عبر مواقف وتصريحات متعددة أن ‌التصديق ⁠على الاتفاقية ​لا يترتب عليه «أي ⁠آثار قانونية بالنسبة لمصر».

وحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، شدد عبد العاطي على أهمية مراعاة الشواغل المصرية في مسألة ترسيم الحدود البحرية، انطلاقاً من «العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين الشقيقين، ووفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحقق مصالح البلدين الشقيقين، وهو ما تم التوافق عليه».

من جهته، أعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال في تصريحات لقناة «القاهرة الإخبارية»: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة».

وتأتي التصريحات في أعقاب موافقة مجلس النواب الليبي، خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على مذكرة التفاهم الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي الخطوة التي أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية، إلى جانب مواقف أوروبية منتقدة للاتفاق في مراحل سابقة.

وسبق أن أكد الدبيبة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حرص حكومته على مراعاة الشواغل المصرية بشأن المذكرة، وذلك بعد أيام من إعلان القاهرة رفضها تصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاق، بما يعكس استمرار حضور الملف في العلاقات بين البلدين.

وفي سياق متصل، تناولت مباحثات عبد العاطي والدبيبة تطورات الأزمة السياسية الليبية، إذ جدد الوزير المصري تمسك بلاده بالحل السياسي باعتباره المخرج الوحيد للأزمة، من خلال حوار شامل بملكية وقيادة ليبية، يستند إلى توافق وطني واسع.

وأكد عبد العاطي، حسب البيان، ضرورة الالتزام بمرجعيات الحل السياسي، في مقدمتها اتفاق الصخيرات، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، وصولاً إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة ليبيا وتصون مؤسسات الدولة وتدعم توحيدها، بما يضع حداً للانقسام القائم.

وتشهد ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة، ومقرها طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، التي تدير مناطق في شرق البلاد وأجزاء من جنوبها، ضمن نطاق نفوذ الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.


الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

وضعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا مسار الحوار السياسي المصغر أمام اختبار مهم، بعد التلويح بإمكانية توسيع دائرة المشاركين في العملية السياسية، إذا لم تحقق لجنة «4+4» تقدماً ملموساً في تنفيذ تفاهماتها، وسط استمرار الانقسام المؤسسي، وتعثر التوافق على الانتخابات.

ويعكس هذا التوجه تمسّك المبعوثة الأممية هانا تيتيه بالاتفاق، الذي توصلت إليه اللجنة المصغرة في 30 أغسطس (آب) الماضي، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن «استعداد البعثة للبحث عن بدائل سياسية، إذا أخفقت الأطراف المعنية في تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية».

وكانت اللجنة قد توصلت، بعد أشهر من المشاورات، إلى تفاهمات بشأن المسار الانتخابي، حظيت بدعم أطراف ليبية ودولية، غير أن تنفيذها لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بمواقف المؤسسات السياسية، واستمرار الخلافات بشأن القواعد المنظمة للانتخابات والحكومة الموحدة.

وفي ختام زيارة إلى بنغازي، قالت تيتيه، في تصريحات متلفزة، مساء الجمعة، إن البعثة تعمل مع الأطراف المعنية لاتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ الاتفاق، والتوصل إلى حكومة موحدة تمهد لإجراء الانتخابات، مؤكدة مواصلة متابعة مسار «4+4»، باعتباره المدخل الحالي للعملية السياسية.

وربطت المبعوثة الأممية الخطوات المقبلة بتقييم مدى التقدم المحرز في تنفيذ التفاهمات، محذرة من أن «عدم تحقيق النتائج المطلوبة قد يدفع البعثة إلى البحث عن مسارات أخرى، من بينها عقد اجتماع سياسي موسع، يضم أطرافاً تتجاوز المشاركين في الحوار المصغر».

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الأزمة السياسية في ليبيا (المجلس)

وحسب مراقبين «يحمل هذا التلويح رسالة إلى المؤسسات والقوى الليبية بأن استمرار الرهان الأممي على اللجنة المصغرة ليس مفتوحاً بلا سقف زمني أو سياسي»، وأن تعثر تنفيذ التفاهمات «قد يُعيد طرح فكرة توسيع قاعدة المشاركة في المفاوضات، بحثاً عن مخرج للأزمة».

وجاءت تصريحات تيتيه بعد قرار مجلس الأمن تمديد ولاية البعثة الأممية عاماً إضافياً، حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، في خطوة أكدت «استمرار الدعم الدولي للمسار السياسي، وشجعت البعثة على تعزيز حضورها واتصالاتها في شرق ليبيا وجنوبها، دعماً لتوحيد المؤسسات».

وفي هذا السياق، أجرت تيتيه سلسلة لقاءات مع قيادات سياسية وعسكرية في بنغازي، ركزت على فرص تنفيذ التفاهمات الأخيرة، وتوحيد مؤسسات الدولة، ودعم إجراء الانتخابات، في مسعى لتوسيع قاعدة التأييد السياسي والمؤسسي للاتفاق.

وناقشت المبعوثة الأممية مع الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، ما وصفته بالتقدم المحرز في إطار الحوار المصغر، والخطوات المطلوبة لتنفيذ اتفاق اللجنة المعروفة باسم «4+4»، وفق بيان صادر عن البعثة.

تيتيه خلال لقاء مع رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي الأسبوع الماضي (مجلس النواب)

كما التقت رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، في أول لقاء بينهما، وهنأته على انتخابه، مؤكدة استعداد الأمم المتحدة للعمل من كثب مع المجلس، ومختلف المؤسسات الليبية لدفع العملية السياسية وإجراء الانتخابات.

وكان رئيس مجلس النواب قد دعا الأمم المتحدة إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في التعامل مع الأطراف المعرقلة، مشيراً إلى أهمية توحيد المؤسسات السيادية والرقابية والقضائية، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية مستدامة.

وفي موازاة المسار السياسي، شملت لقاءات تيتيه اجتماعاً مع المدير العام لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر، تناول فرص التعاون في مجالات التنمية المستدامة، وإعادة بناء البنية التحتية، في ظل ارتباط مشروعات الإعمار باستقرار المؤسسات وتوحيد إدارتها.

كما زارت تيتيه جامعة بنغازي، واطلعت على جهود إعادة إعمار المؤسسة التعليمية، وبحثت فرص التعاون مع الأمم المتحدة والأوساط الأكاديمية الليبية. ووضعت إكليلاً من الزهور على ضريح عمر المختار، مشيدة بإرثه بوصفه رمزاً للوحدة الوطنية.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وتأتي تحركات تيتيه في بنغازي امتداداً لمشاورات أممية شملت لقاءات مع أطراف سياسية ومؤسسات ليبية، واجتماعات الحوار المصغر في لندن أخيراً، التي تناولت توسيع المشاورات بشأن توحيد المؤسسة القضائية، بما يعكس اتساع الملفات المطروحة أمام مسار التسوية السياسية.