​أسرار صبري الشريف الشريك الثالث لـ«الأخوين رحباني» الذي بقي في الظل

من أجله صدحت فيروز «غنيّت مكّة» وهو الذي شكّل صورتها على المسرح

عاصي الرحباني وصبري الشريف في لقائهما الأول
عاصي الرحباني وصبري الشريف في لقائهما الأول
TT

​أسرار صبري الشريف الشريك الثالث لـ«الأخوين رحباني» الذي بقي في الظل

عاصي الرحباني وصبري الشريف في لقائهما الأول
عاصي الرحباني وصبري الشريف في لقائهما الأول

يؤكد الذين عرفوا صبري الشريف (1922 - 1999) أن دوره محوري، وفضله لا يمكن نكرانه على صعود نجم «الأخوين رحباني»، ثم تطورهما الفني، ومجمل مسارهما الإبداعي. الرجل الذي أخرج غالبية أعمالهما، وشريكهما في الإنتاج، وأدار لهما أعمالهما فنياً حتى عام 1973. بقي اسمه في الظل.

«التعاون بدأ وثيقاً عام 1949. لكن من سنة 1959 ولغاية 1973 أصبحت جميع أعمال (الأخوين رحباني) من مسرحيات وأغنيات وأعمال إذاعية، ملك منصور وعاصي الرحباني وصبري الشريف. أسسوا معاً (الفرقة الشعبية اللبنانية) ولكل واحد منهم حصة الثلث، حتى الإعلانات التي كان يقوم بها صبري، كان يتقاسم مدخولها معهما». أما بقية الفنانين في الفرقة، يكمل منجد صبري الشريف: «كانوا يتقاضون أتعابهم عن كل عمل، وليسوا شركاء، بمن فيهم فيروز». ويؤكد منجد أن والده هو الذي كان يوقع كل الشيكات والعقود، ولم يوقع الأخوان رحباني، إلا حين كان يطلب هو إليهم ذلك. منجد يتحدث بصفة عائلية وكشاهد، عمل مع والده على المسرح الرحباني، منذ كان عمره 14 عاماً، في ضبط الصوت والإضاءة، وأصبح اليوم مخرجاً سينمائياً ومسرحياً محترفاً.

 

عاصي وفيروز وصبري

ما هو دوره الفعلي

«الأخوان رحباني» يكتبان العمل ويلحنان، وصبري الشريف يتكفل بكلّ الباقي. كانوا يسمونه: «القائد». لأنه هو الذي يرسم كيف يتحرك الممثلون؟ كيف تكون الإضاءة والصوت؟ كيف يجب أن تعزف الموسيقى؟ هو الذي يعمل كل التسجيلات الموسيقية شخصياً. يأتي بعازفين يصل عددهم إلى ثلاثين أحياناً، من بين موسيقي كباريهات منطقة الزيتونة العامرة في تلك الأيام، وبينهم موهوبون جداً. يشكّل الأوركسترا، يطلب عزف المقطوعة الواحدة عشرين مرة أحياناً، ويسجلها، ويبقى يطلب الإعادة، ليختار من بينها واحدة. يدير ميزانية الأعمال، ويؤمّن التمويل، وينظّم المصروفات. رجل شديد الدقة مفتنون بالإتقان، قارئ نهم، وله رهافة استثنائية في السماع الموسيقي ووله عارم بالفولكلور. ألف وكتب مسلسلين للإذاعة الأردنية أحدهما «شجرة الدر».

حين نسأل منجد عن دور والده في إدارة الممثلين، خصوصاً فيروز، يقول: «صبري الشريف هو الذي رسم لفيروز شخصيتها على المسرح، أراد لها ألا تتحرك كثيراً، أن تبدو غير مألوفة، وهذا عن دراسة. هو (كاراكتير) ميزها عن بقية المطربين، ولا يزال. أحب أن تكون مختلفة عن الأخريات في الصورة التي يقدمها بها. جعلها تتحرك أكثر في مسرحية (ناطورة المفاتيح)، لكن بشكل عام اختار لها هذا الحضور الخاص». صبري الشريف نفسه يقول في مقابلة له: «عاصي لم يكن يتدخل على المسرح، كان يعتبر أن المسرح لي. أنا المخرج والمسؤول عن كل حركة».

حملت فيروز في قلبها كل الامتنان للرجل الذي سخّر لها إمكانيات كبيرة، ولم يدّخر جهداً في إدارة أغنياتها الدينية المسيحية. يعترف منصور في مقابلة تلفزيونية «أن ما سخّر لفيروز من تدريبات وإمكانيات، لم يوفر لأي مطربة في زمنها». لذلك طلبت من سعيد عقل أن يرد له الجميل، بأن يؤلّف قصيدة تغني ديانته. أجابها سعيد عقل، سأقول مباشرة: «غنيت مكة». وبعد شهرين كان قد جهّز قصيدته الشهيرة، إكراماً لهذا المسلم الكبير، كما قال عنه. وعقل لم يحب فلسطينيا كما صبري الشريف، يبدأ نهاره بزيارته عند التاسعة صباحاً ويجالسه حتى الظهر، في ما يشبه الدوام اليومي.

لكن صبري الشريف قرر بعد انتهاء عمله بمسرحية «ناطورة المفاتيح» عام 1973، أن ينفصل عن الأخوين رحباني، وبقي يعمل مؤسساً ومديراً في التلفزيون الأردني، ولم تنقطع علاقته بالرحابنة، بل بقي يكلفهم في برامج للتلفزيون حيث يعمل.

الانفصال الأليم عن الأخوين

يقول منجد: «عندما أصيب عمي عاصي في انفجار بالدماغ، كان الأخوان رحباني يعكفان على كتابة مسرحية (المحطة). بعد الحادثة، أكمل منصور الكتابة وشارك إلياس الرحباني في الألحان. جاءوا عندنا على المكتب في بدارو، وجلسنا جميعنا، وأخذوا يقرأون المسرحية ونحن نستمع. بعدها قال منصور لأبي: متى تخرجها وتحضّرها. أجابه: لا أرى نفسي من دون عاصي، أعتذر. لم يحاول منصور إثناءه عن موقفه، بل سأله من يقترح بدلاً منه؟ فأجاب أنه لا يرى أحداً، لكن يمكنهم الاستعانة ببرج فازليان، الذي كان يعمل معه مساعد مخرج. مؤسف أن فازليان ادّعى بعد ذلك، أنه هو من أخرج كل المسرحيات التي سبقت».

قد يكون صبري الشريف مسؤولاً، عن تغييب اسمه، رغم أنه كان شريكاً ومحركاً للأعمال الرحبانية. كان قليل الكلام نادره. لا يحب الظهور ويرفض المقابلات الصحافية. «كان يظن أن كلمة واحدة تكفي ليقول كل ما يريد. لم يكن من النوع الذي يطلب أن يضاف اسمه، أو يبرز دوره». أدار الأعمال المسرحية الرحبانية، بهدوء استثنائي، لا صراخ ولا غضب، يوجه ملاحظاته بما يشبه الهمس. هيبته فرضها برصانته، وجديته، وتقطيب الجبين. يجمع الذين عرفوه على شخصية صلبة، وموهبة لا تضاهى: «هو الوحيد الذي استوعب علم الآلات الموسيقية والأصوات البشرية في المنطقة حينها. هو الوحيد الذي ملك الجرأة ليقول لأي ملحن، مهما كبر مقامه: روح اظبط توزيعك وتعالى ثاني»، يشرح مهندس الصوت الذي عمل معه فريد أبو الخير. «نعم» يقول منجد الشريف: «كان يقول هذا لمنصور وقاله لمحمد عبد الوهاب».

حين انفصل عن الأخوين رحباني، سأله منجد: كيف لك أن تترك كل هذا التعب بهذه السهولة؟ أجاب «عندما أفاقت الأنا، ضعت أنا».

 

ابن يافا صاحب الفضل على الفن اللبناني

لكن من هو صبري الشريف؟ وكيف لعب هذا الدور مع الأخوين رحباني والعديد من نجوم الغناء اللبنانيين. تقول نضال الأشقر، التي عملت معه: «إن لمسته موجودة على الموسيقى اللبنانية وعلى كل مسرح غنائي لبناني».

ولد صبري الشريف في يافا عام 1922. التي كانت عاصمة ثقافية لفلسطين، وللفنانين العرب. تخصص في الفن المسرحي والإذاعي في لندن، شغل منصب رئيس القسم الموسيقي في إذاعة الشرق الأدنى، في القاهرة، التابعة لوزارة الخارجية البريطانية. اجتمعت له ثقافة فنية رفيعة.

عام 1948 قالوا لصبري الشريف في الإذاعة، إن ثمة من يدعون الأخوين رحباني، أطلوا عبر إذاعة دمشق. طلب من رشاد البيبي مدير إذاعة الشرق الأدنى في بيروت أن يحدد له موعداً معهم. جاء إلى الموعد عاصي وحده. سريعاً سرى تيار بين الرجلين. في اليوم التالي جاء عاصي ومنصور وإلياس الرحباني، وأختاهما إلهام وسلوى (الكبرى) زوجة عبد الله الخوري ابن الأخطل الصغير. كل منهم يحمل آلة موسيقية، أسمعوا صبري معزوفات وأغنيات، ليتعرف إليهم، وبدأ المشوار.

التقى المشروعان. صبري همّه جمع فولكلور المنطقة وتظهيره، وعاصي عنده حلم الفولكلور والإحساس والإبداع، لكنه لا يعرف كيف يترجم كل هذا.

«إذاعة الشرق الأدنى» كانت قد رصدت ميزانية طائلة تساوي مرة ونصف ميزانية الدولة اللبنانية، لتطوير الفن في المنطقة، ولإقامة حفلات لمطربين كبار في يافا مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وفايزة أحمد. «اقتنع والدي إلى حدّ أنه سخّر 70 في المائة من الميزانية التي بين يديه للأخوين رحباني. كان مقتنعاً بأنه معهما سيحقق الحلم الذي يراوده». يستطرد منجد: «كان مؤمناً، أنه لا وطن من دون فولكلور، ولا دولة تقوم دون فولكلور، واعتبر مشروعه حضارياً تأسيسياً».

 

صبري ومنصور وعاصي وفيروز وأم عاصي وأم فيروز في اللقلوق عام 1955

قصة «زهرة المدائن»

الأغنيات التي قدمتها فيروز لفلسطين كان وراءها ابن يافا صبري الشريف. في البدء كانت رائعتها «راجعون». وبعد سقوط القدس عام 67 طلب منه وزير الإعلام الأردني صلاح أبو زيد أغنية للمناسبة بشكل سريع، تكون بمستوى «راجعون». «تحدث والدي مع منصور وعاصي، كتبا الأغنية ولحناها وسجلت، في ظرف ثلاثة أيام فقط، وأرسلت مع سائق إلى الأردن وأذيعت في اليوم نفسه».

بعد العدوان الثلاثي على مصر، كانت إذاعة «الشرق الأدنى» قد انتقلت إلى قبرص، ومن ثم إلى بيروت. ارتأى غالبية الموظفين الاستقالة، احتجاجاً على العدوان وبينهم الشريف. جاء شخص ميسور هو بديع بولس، وطلب إليه أن يستمر في العمل الذي كان بدأه، وإنما بتمويله هذه المرة، وتأسست «الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية»، التي هو رئيسها وتعمل بإدارة صبري الشريف، التحق بها كل الفنانين الذين كان يعمل معهم الشريف في «الشرق الأدنى» وبينهم فيروز وعاصي ومنصور.

تدشين مهرجانات بعلبك

عام 1957 قرر رئيس الجمهورية كميل شمعون عمل نشاط يبرز وجه لبنان الحضاري، فكانت «مهرجانات بعلبك» ورئيستها زوجته زلفا. «اجتمع شمعون بصبري الشريف وعرض عليه الفكرة ووافق. واكتشف أبي أن شمعون كان فناناً يحب الموسيقى، خاصة الكلاسيكية، وزوجته زلفا لديها ذوق رفيع جداً. كانت تنزل معه إلى سوق الطويلة ليختارا أقمشة ويخيطونها للفرقة». الفرقة تشكلت من طلاب الجامعة الأميركية الذين دربوا على الرقص على يد مروان ووديعة جرار. أُرسل الاثنان إلى روسيا كي يتعرفا أكثر على الرقص والكوريغرافيا، ويعودان بخبرة أوفى. كان مع صبري الشريف شهران ليثبت جدارته. قال له شمعون «يا بنشّنك يا بنيشنك»، أي إما أعطيك وساماً أو أطلق عليك الرصاص. كل هذا الجهد لحفلة واحدة من 40 دقيقة قدمت باسم «الفن الشعبي اللبناني» شاركت فيها فيروز والأخوان رحباني ووديع الصافي، ونصري شمس الدين، وفيلمون وهبي، وتوفيق الباشا وزكي ناصيف وساعد صبري الشريف نزار ميقاتي ومحمد شامل. في مسرحية «أيام الحصاد» التي أبهرت اللبنانيين، قرر صبري الشريف أن يجعل فيروز تصعد على صخرة، في معبد جوبيتر، وتصدح بصوتها العذب، وكأنها تطير في الهواء «لبنان يا أخضر حلو». بعد هذا الحفل علّق شمعون للشريف النيشان، ومنحه الجنسية اللبنانية.

صبري الشريف في كواليس المسرح خلال إحدى الحفلات الرحبانية في دمشق

حقوق صبري الشريف هدرت

يشرح لنا منجد، أنه لم يكن يريد أن يثير موضوع الحقوق، رغم أن والده شريك «الأخوين رحباني» وفق العقد الموقع بينهم، ولا يحب أن يكون جزءاً من تدمير هذا الكيان الجميل. لكن «رأيت الجميع ينهش ولا يسأل، فقررت أن أقول الحقيقة».

بعد «مهرجان بعلبك» الأول بدأ التفكير في إنشاء فرقة فولكلورية، انقسم الفنانون إلى فرقتين. «فرقة الأنوار» مع سعيد فريحة وفيها صباح ووديع الصافي وآخرون، وبقي الشريف مع عاصي ومنصور وأسسوا «الفرقة الشعبية اللبنانية» وأصبحوا شركاء في كل شيء.

الحقيقة في كاسيتات

عام 1973 انتهت الشراكة. تنازل أبي عن حصته، وقدّم الليالي اللبنانية في مهرجانات بعلبك في السنة التي تلتها من دون الرحبانيين، وكان معه توفيق الباشا وفيلمون وهبي، وزكي ناصيف وإيلي شويري وملحم بركات.

لكن منجد عاتب لأن والده لم يعطَ حقه، «لم يصروا على بقائه حين قرر الرحيل. كبرت الأنا وتضخمت، وانقسم الشركاء».

يرى منجد أن ما فعله والده كبير وحاسم، وأن أحداً لا يذكر اليوم هذا الدور، علماً بأن حصة ورثة صبري هي تماماً كما ورثة عاصي ومنصور في كل الأعمال التي أنتجت باسم «الفرقة الشعبية اللبنانية»، «بدليل أن منصور أعطى أمي مبلغاً بسيطاً، وهو بالتأكيد أقل من حقها حين قدم مع فيروز توليفة من ثلاث مسرحيات في بعلبك عام 1998».

قبيل وفاته حرص صبري الشريف على تسجيل أشرطة روى فيها كل ما عنده، والمضمون سيصدر قريباً في كتاب. فقد أصبح «القائد» طريح الفراش في السنوات الثمانية الأخيرة من حياته. كان حزيناً، لأنه قضى 30 سنة مع بيت الرحباني، «ولم يزره عمي منصور طوال فترة مرضه سوى مرة واحدة، والثانية كانت للتعزية به». حياة جميلة وحزينة في وقت واحد. «سألت والدي في آخر أيامه، ماذا يعني له عاصي الرحباني، أجاب: عمري، وكل حياتي».



مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.