مزارعون لبنانيون يختبرون القنب الهندي بديلاً عن الحشيشة

يستخدم في صناعة الأدوية وعائداته تصل إلى 3 مليارات دولار سنوياً

مزارعون لبنانيون يختبرون القنب الهندي بديلاً عن الحشيشة
TT

مزارعون لبنانيون يختبرون القنب الهندي بديلاً عن الحشيشة

مزارعون لبنانيون يختبرون القنب الهندي بديلاً عن الحشيشة

التف مزارعو القنب الهندي في منطقة البقاع في شرق لبنان على العوائق الرسمية والقانونية التي حالت دون إصدار المراسيم التنفيذية لقانون أصدره البرلمان، وشرع زراعة القنب الهندي لأغراض طبية، قبل 3 سنوات، وذلك باختبار الأراضي وتقنيات زراعة هذا الصنف، عبر استيراده وزراعته في 3 حقول تجريبية.

والقنب من النباتات التي تُستخدم في صناعات الأدوية وفي الصناعات المختلفة، وتم تشريع زراعته بديلاً عن زراعات أخرى، منها الحشيشة والأفيون الممنوعان قانونياً، والزعفران والكستناء، وهما من البدائل المقترحة، بعد فشل جميع الخطط والدراسات بشأنها، وكان آخرها تعثر «برنامج الأمم المتحدة للتنمية الريفية للزراعات البديلة»، في عام 1991، الذي انتهى إلى دراسات ومشاريع على الورق لم تُترجم على الأرض؛ ما دفع المزارع للتفلُّت من رقابة الدولة والابتعاد نحو الجرد والأماكن غير المكشوفة ليُزرع فيها الممنوعات من الحشيشة والماريوانا مع غياب شبه كلي لنبتة الخشخاش (الأفيون)، التي انتهت بقرار دولي قضى بمحاربتها وإتلافها بحملات أمنية وعسكرية بدءاً من عام 1991. وغالباً ما كان يتخلل عمليات الإتلاف إطلاق نار بين القوة المولجة الموكلة إليها عمليات الإتلاف والمزارعين.

وبعد 3 سنوات على إصدار قانون تشريع زراعة القنب الهندي في لبنان، لا يزال تنفيذه يصطدم بعوائق متمثلة في عدم تعيين الهيئة الناظمة؛ ما أدى بالمزارعين إلى اللجوء لزراعة الممنوعات. وإثر هذا التأخير، برزت خطوة جديدة تمثلت بمشروع تجريبي في عدد من مناطق البقاع لزراعة «القنب» قد يؤسس لمستقبل هذه الزراعة في لبنان.

ولم ينتظر المزارعون الخطوات القانونية لزراعة «القنب»، ولجأوا وإن متأخراً، بعد مرور فترة على بدء الموسم، إلى زراعته في مساحات محدودة من أراضيهم تبلغ 3 هكتارات (30 ألف متر مربع) موزعة في 3 مناطق بوادي البقاع.

وتدعم «إدارة حصر التبغ والتنباك»، في لبنان، هذه الاختبارات العلمية، وبينما تحدثت معلومات عن أن «الجامعة اللبنانية الأميركية» تقدم مساعدة تقنية وعلمية للمزارعين، وأنها استوردت البذور من كندا وأميركا ودول أوروبية لتتناسب مع استخدام القنب للصناعات الطبية، نفت الجامعة هذه المعلومات بالكامل، وقال الدكتور محمد مروة المسؤول عن هذا الملف في الجامعة لـ«الشرق الأوسط» إن الجامعة «تناقش تعاوناً علمياً مع إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية (الريجي)»، من غير تقديم أي تفصيل إضافي.

وعمد المزارعون إلى زراعة البذور في مشاتل زراعية حرارية بوصفها خطوة أولى قبل نقل شتولها إلى 3 حقول تجارب توزعت على مناطق متباعدة، بمساحة هكتار (10 آلاف متر مربع) لكل حقل. ومن المفترض أن تشكل هذه الخطوة تجربة بالنسبة إليهم، وتؤسس للمواسم في المستقبل، وذلك مع حصادها بين شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المقبلين لتحديد الصنف الأفضل والأكثر جودة الذي يتناسب وطبيعة المناخ والتربة.

ورغم مكافحتها أمنياً وعسكرياً، فإن زراعة الممنوعات (كالحشيشة والأفيون) لم تغب كلياً عن سهول البقاع، وعن الأماكن البعيدة عن رقابة الدولة في الجرد، لا سيما في قرى شرق وغرب بعلبك، وبعض مناطق الهرمل، لتعود القوى الأمنية والعسكرية وتعمل على مكافحتها من جديد في عمليات كر وفر بين المزارعين ومكتب مكافحة المخدرات.

وقال وزير الزراعة السابق، عباس مرتضى، الذي أنجزت وزارته القانون في عام 2020، إن قانون تشريع زراعة القنب الهندي الذي صدر خلال توليه الوزارة أُقر في الشهر الرابع من عام 2020، لكن تطبيقه يحتاج إلى تعيين هيئة إدارية عليها إصدار المراسيم التطبيقية بشأنه، وهو الأمر الذي لم يحصل حتى الآن.

وأكد مرتضى لـ«الشرق الأوسط»، أهمية القانون وفوائده المثبتة في أبحاث علمية وهي تُستخدم للأغراض الطبية، إضافة إلى جدواه الاقتصادية الكبيرة، مشيراً إلى أنه، وفقاً للدراسات التي قامت بها وزارته بالتعاون مع منظمات دولية، فإنه يمكن أن تصل الأرباح من زراعة القنب لمدة 5 سنوات إلى نحو مليار دولار، إذا تمت هذه العملية وفق خطة ممنهجة وسليمة.

وأشار إلى اهتمام من قبل شركات كبرى معنية بصناعة الأدوية بهذه الزراعة في لبنان، مشيراً في الوقت عينه إلى أن الأرباح تكون أعلى إذا تم تصنيع الأدوية في لبنان، لا سيما أنه يملك يداً عاملة ماهرة بكلفة مقبولة أقل من تكلفة نقل المواد إلى الخارج، وبذلك سيكون المردود للبنان 3 مليارات دولار.

وتحدث كذلك عن أرباح للمزارع الذي قد يحصل على نحو 5 آلاف دولار عن زراعة مساحة ألف متر مربع، إذا اعتمد الطرق التقنية الصحيحة بالزراعة وفق معايير سليمة ومدروسة، مشيراً كذلك إلى المردود الذي يصل لخزينة الدولة من الضرائب التي يدفعها المزارع والمصنع، من هنا أكد أن «القنب الهندي» يُعتبر «نفط البقاع»، بحيث إن هذه المنطقة تُعد من أفضل المناطق لزراعتها من ناحية الطبيعة والمناخ والتربة.

من هنا، يشدد مرتضى على ضرورة الإسراع بتعيين الهيئة الإدارية التي يُفترض أن تضم ممثلين عن وزارتي الصحة والزراعة، تليها المراسيم التطبيقية من أجل أن تشكل هذه الزراعة انطلاقة جديدة، وفق ما يُعرف بـ«خطة ماكينزي».

من جهته، يحمِّل أمين العلاقات العامة لاتحاد النقابات الزراعية في لبنان، علي شومان، الدولة اللبنانية مسؤولة انتشار زراعة الممنوعات في سهل البقاع نتيجة عدم تعيين الهيئة الإدارية والهيئة الناظمة لزراعة القنب.

واستغرب شومان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» كيف أن الحكومة تجتمع لرفع الرواتب وتسمح لـ«المصرف المركزي» بطباعة الليرة اللبنانية، ولا تقوم بتعيين الهيئة الإدارية التي تسمح بصدور المراسيم التطبيقية لزراعة القنب التي تدر على لبنان أكثر من مليار دولار، تعود بمعظمها لصندوق الخزينة، بينما تلاحق المتورطين في زراعة الممنوعات الذين خرجوا قهراً عن القانون، وعرضوا أنفسهم للمخاطر عندما زرعوا الممنوعات، لتعود القوى الأمنية وتلاحقهم وتتلف محاصيلهم وتوقف المزارعين.


مقالات ذات صلة

الجيش الأميركي يعلن قتل شخصين في ضربة استهدفت «زورق مخدرات»

الولايات المتحدة​ صورة وزعتها البحرية الأميركية لزورق في شرق المحيط الهادئ استهدفته سابقاً (رويترز)

الجيش الأميركي يعلن قتل شخصين في ضربة استهدفت «زورق مخدرات»

أعلنت القوات الأميركية أنها قتلت رجلين، الأربعاء، في شرق المحيط الهادئ، في إطار مواصلة استهداف زوارق يُشتبه في تهريبها المخدرات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي موظف في «إدارة مكافحة المخدرات» في سوريا يفحص صناديق تهريب شحنة الكبتاغون (الداخلية السورية)

إحباط تهريب لـ25 مليون حبة كبتاغون من سوريا وتوقيف 7 متورطين

تمكنت إدارة مكافحة المخدرات في سوريا من ضبط كمية من المواد المخدرة المُعدة للتهريب تقدر بـ25 مليون حبة كبتاغون معبأة بطريقة احترافية داخل أوانٍ فخارية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ شعار وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» (رويترز)

دور «سي آي إيه» ضد عصابات المخدرات المكسيكية يثير تساؤلات

أثار دور وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» عاصفة بسبب تسريبات عن مشاركة عملائها في تنفيذ عملية ضد أحد الناشطين في عصابات المخدرات داخل المكسيك.

علي بردى (واشنطن)
آسيا أحد عناصر الشرطة الصينية (أرشيفية - رويترز)

الصين وأميركا تعتقلان 5 بقضية تهريب مخدرات قبل زيارة ترمب لبكين

 السلطات الصينية والأميركية ألقت القبض على خمسة مشتبه بهم وصادرت كمية من المخدرات بإطار تحقيق مشترك في قضية تهريب وتجارة مخدرات

«الشرق الأوسط» (بكين)
رياضة عالمية تحذيرات من المخدرات لزوار أميركا في كأس العالم (رويترز)

الوكالة الأميركية لمكافحة المخدرات تحذِّر من «الأفيونات الاصطناعية» قبل المونديال

حذَّر مسؤول في الوكالة الأميركية لمكافحة المخدرات (دي إي إيه) مشجعي كرة القدم المتوجهين إلى الولايات المتحدة لحضور كأس العالم من المخدرات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمناقشة التطورات في لبنان

عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب)
TT

اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمناقشة التطورات في لبنان

عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب)

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً بعد ظهر الاثنين بناءً على طلب فرنسا، وذلك لمناقشة تطورات الحرب في لبنان في أعقاب استيلاء الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف التاريخية الواقعة في جنوب البلاد، حسب ما أفادت مصادر دبلوماسية لوكالة الصحافة الفرنسية، اليوم الأحد.

وقالت المصادر إنّ هذا الاجتماع سيُعقد مباشرة بعد اجتماع طارئ آخر طلبته رومانيا على خلفية ارتطام مسيّرة بمبنى في غالاتي، مضيفة أنّه من المقرر عقده في الساعة 15:00 (19:00 بتوقيت غرينتش).

من جانبه، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه «لا شيء يبرر التصعيد الكبير الجاري حالياً في جنوب لبنان».

وشهد جنوب لبنان، الأحد، واحداً من أكثر أيام التصعيد الإسرائيلي كثافة منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أبريل (نيسان) الماضي، مع إعلان إسرائيل سيطرتها على قلعة الشقيف الاستراتيجية، وتوسيع عملياتها البرية شمال نهر الليطاني، بالتزامن مع إصدار إنذارات إخلاء واسعة شملت مناطق جنوب نهر الزهراني، وقرى ساحلية وداخلية عدة.

وترافق ذلك مع موجة غارات وقصف مدفعي عنيف مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى واستهداف منازل مدنية ومحيط مرافق صحية وسيارات إسعاف، فيما بدت التطورات الميدانية مؤشراً إلى مرحلة تصعيد جديدة من العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب في محاولة لفرض شروطها عشية مفاوضات مباشرة جديدة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وبعد اجتماع عسكري جمع الطرفين في البنتاغون، حيث رفضت تل أبيب خلاله الموافقة على وقف النار.


القوات الإسرائيلية تقتل فلسطينياً حاول دخول القدس عبر الجدار الفاصل

جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
TT

القوات الإسرائيلية تقتل فلسطينياً حاول دخول القدس عبر الجدار الفاصل

جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

قتلت القوات الإسرائيلية، الأحد، فلسطينياً أثناء محاولته دخول القدس عن طريق تسلق الجدار المقام في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، في بيان، أن عماد هارون محمود أشتية البالغ (26 عاماً) وفقاً لها، و(28 عاماً) وفق أحد أقاربه، قُتل برصاص القوات الإسرائيلية.

وأفاد المكتب الإعلامي للسلطة الفلسطينية بأن إسرائيل قتلت الفلسطيني الذي كان يبحث عن عمل أثناء تسلقه الجدار الفاصل.

وقال قريبه عمر، الذي فضّل عدم كشف عن اسم عائلته لأسباب أمنية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الشاب كان يحاول تسلق الجدار في الرام شمال القدس، لينتقل بعد ذلك مع آخرين إلى تل أبيب بحثاً عن عمل.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وأضاف: «لكنه أصيب بالرصاص أثناء محاولته التسلق»، مشيراً إلى أن الشاب يتحدر من قرية سالم في شمال الضفة الغربية المحتلة. وشاهد مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» جثة مكفنة بالعلم الفلسطيني في مجمع فلسطين الطبي في رام الله.

تواصلت «وكالة الصحافة الفرنسية» مع الجيش الإسرائيلي والشرطة لكنهما لم يدليا بأي تصريح على الفور.

تفرض إسرائيل قيوداً على حركة ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية التي تحتلها منذ عام 1967.

وتقول إنها شيّدت ما تسميه «الجدار الأمني» لحماية أراضيها من الهجمات التي ينطلق منفذوها من الضفة الغربية، ويجب على الفلسطينيين الحصول على تصاريح للمرور عبر نقاط التفتيش العسكرية إلى القدس الشرقية أو إسرائيل.

ويسمي الفلسطينيون الجدار الخرساني الذي تعلوه أسلاك شائكة وأسوار كهربائية «جدار الفصل العنصري».

منذ بدء الحرب مع «حماس» في غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في أعقاب الهجوم غير المسبوق الذي شنته الحركة على إسرائيل، قامت الأخيرة بتعليق العديد من تصاريح الدخول التي تسمح للفلسطينيين بالزيارة والعمل، بذرائع أمنية.

وازداد منسوب العنف في الضفة الغربية منذ بداية الحرب في قطاع غزة. وقُتل مذاك ما لا يقل عن 1075 فلسطينياً، بينهم مسلحون ومدنيون، برصاص جنود أو مستوطنين إسرائيليين، بحسب إحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية» استناداً إلى بيانات من السلطة الفلسطينية.

وفي الفترة نفسها، قُتل ما لا يقل عن 46 إسرائيلياً، مدنيين وعسكريين، في هجمات فلسطينية أو خلال عمليات عسكرية إسرائيلية، وفق البيانات الإسرائيلية الرسمية.


العراق: 200 مليون دولار لرشوة رئيس الوزراء... وتشكيل «لجنة للفساد»

الزيدي في لقاء مع مجموعة من الإعلاميين (رئاسة الوزراء)
الزيدي في لقاء مع مجموعة من الإعلاميين (رئاسة الوزراء)
TT

العراق: 200 مليون دولار لرشوة رئيس الوزراء... وتشكيل «لجنة للفساد»

الزيدي في لقاء مع مجموعة من الإعلاميين (رئاسة الوزراء)
الزيدي في لقاء مع مجموعة من الإعلاميين (رئاسة الوزراء)

في سابقة بتاريخ الحكومات العراقية، تحدث رئيس الوزراء علي الزيدي عن تلقيه عرض رشوة للتستر على فساد في وزارة النفط. ونقل صحافيون وإعلاميون عن الزيدي خلال استقباله لهم، السبت، أن مسؤولاً بارزاً في وزارة النفط عرض عليه، عبر وسيط، مبلغ 200 مليون دولار لإغلاق ملف فساد داخل الوزارة.

ويتحدث معظم الصحافيين الذين حضروا اللقاء، عن أن الزيدي كان يشير إلى مدير عام شركة مصافي الشمال السابق ووكيل وزارة النفط عدنان حمد حمود، الذي ألقي القبض عليه مساء الجمعة. وبحسب كتاب متداول صادر عن رئاسة الوزراء، فإن حمود كان قد أعفي من منصبه مطلع شهر مايو (أيار). وتحدثت مصادر صحافية، الأحد، عن إلقاء قوة من الاستخبارات القبض على المدير المالي لمصافي الشمال، وذكرت مصادر أخرى عن عملية إلقاء قبض طالت موظفاً في سكرتارية رئيس الوزراء السابق محمد السوداني.

وأثارت تصريحات رئيس الوزراء جدلاً واسعاً بالنظر لمستوى الفساد الذي ترزح تحت وطأته البلاد منذ عقود، بحيث وصل الأمر إلى إمكانية عرض رشاوى على أرفع مسؤول تنفيذ في البلاد.

وعلق الناشط السياسي حامد السيد على ذلك بالقول إن «الوكيل الفاسد حين عرض الرشوة على رئيس الوزراء لم يكن يتصرف كمن يرتكب مجازفة؛ بل كمن يمارس سلوكاً اعتاد أن ينجح. وهنا المصيبة».

وأضاف في تدوينة على منصة «إكس»: «لا ينبغي أن نسأل: كيف تجرأ على ذلك؟ بل ينبغي أن نسأل: كم مرة حدث ذلك من قبل؟ وكم رئيس وزراء عرضت عليه الرشوة؟ وكم رئيس وزراء قبلها؟».

ورأى الكاتب والصحافي فلاح المشعل في تدوينة مماثلة، أنه «كان ينبغي اعتقال الوسيط أيضاً يا دولة رئيس الوزراء. مهما كانت صفته أو اسمه؛ فالوسيط في صفقة فساد يُعدّ شريكاً فيها ومستفيداً منها، ولا يجوز استثناؤه من المساءلة القانونية».

وشهدت مواقع التواصل المختلفة موجة من التعليقات حول اعتقال وكيل وزارة النفط، وكان معظمها يشير إلى أنه كان يعمل تحت مظلة أحزاب وشخصيات نافذة تقوم بالتغطية على أعماله من خلف الستار، في مقابل حصولها على معظم الأموال المتأتية عن صفقات وعقود فساد.

مجلس أعلى للنزاهة

في سياق تعهداته بمحاربة الفساد، وجه رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، بتشكيل «المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام».

وقال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء إن الزيدي ترأس، مساء السبت، اجتماعاً خاصاً بشأن إجراءات تدقيق العقود الحكومية، بحضور رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي، ورئيس هيئة النزاهة الاتحادية، ورئيس الادعاء العام، وقاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النزاهة.

وأضاف أن الزيدي «وجه بتشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام برئاسته وعضوية كل من رئيس ديوان الرقابة المالية ورئيس هيئة النزاهة، للقيام بالمتابعة الرقابية للوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات بشأن المواضيع الجوهرية وذات الأثر المهم، لغرض إيقاف هدر المال العام واسترداد أموال الدولة، على أن يتم إرسال نتاج عمل المجلس إلى القضاء».

وشدد الزيدي على «ضرورة التحقق من الجدوى الاقتصادية للمشاريع، وأن تكون هناك لجان فرعية تخصصية لتدقيق التعاقدات الحكومية من أجل ضمان مطابقتها للقوانين والتعليمات النافذة».

وشهد الاجتماع «مناقشة تشكيل لجنة مركزية بين ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة ووزارة المالية، لتتولى مهمة وضع آلية للتدقيق والتحقيق بالعقود الحكومية قبل إبرامها، للتأكد من مطابقتها للتخصيصات المعتمدة».

وترتفع هذه الأيام أصوات المطالبين بالمباشرة في إجراءات تحقيق موسعة بشأن عدد من العقود المهمة التي أبرمتها الوزارات والمؤسسات الحكومية، في عهد حكومة رئيس الوزراء محمد السوداني الماضية، لـ«التأكد من مدى مطابقتها للقوانين والتعليمات وحماية المال العام».

وتشير توجيهات حكومية إلى أن الإجراءات «شملت التدقيق في تلك العقود وبيان أوجه التقصير فيها، وتشخيص المقصرين المتسببين في الإجحاف والإساءة للمال العام، والجهات المنتفعة منها على حساب المصلحة العامة».

تشكيك بمجالس النزاهة

يواجه المجلس السيادي الأعلى للنزاهة «الجديد الذي شكله رئيس الوزراء الزيدي، مزيداً من الانتقادات والتشكيك، لجهة افتقاره للصفة الدستورية والقانونية، أو لجهة الإخفاق الذي مني به جميع المجالس المماثلة التي شكلها رؤساء الوزراء السابقون بالنسبة لعمليات مجابهة الفساد».

وقال النائب محمد جاسم الخفاجي، الأحد، في تصريحات صحافية، إن «المجلس لا سند له من الناحية القانونية».

وأضاف أن «هيئة النزاهة الاتحادية وديوان الرقابة المالية هيئتان تخضعان وترتبطان بموجب المادتين (102) و(103) من الدستور بمجلس النواب العراقي، وأن هذه الهيئات المستقلة تستهدف في عملها الرقابة على عمل السلطة التنفيذية، والتحقيق بقضايا الفساد وهدر المال العام، وبالتالي هي تستهدف الوزارات والوزراء ورئيس مجلس الوزراء إضافة إلى وظيفته، فكيف يكون رئيساً لمجلسها؟».

وبالنظر للمجالس واللجان العديدة التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة، فإنها لم تترك أثراً واضحاً في مجال مكافحة الفساد.

وشكلت حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي «المجلس الاستشاري لمكافحة الفساد» عام 2007، ثم تلتها حكومة حيدر العبادي بتأسيس «المجلس الأعلى للفساد» عام 2016. وفي عام 2018، شكلت حكومة عادل عبد المهدي «المجلس الأعلى لمكافحة الفساد»، ثم تلتها حكومة مصطفى الكاظمي عام 2020، وأسست «اللجنة العليا للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الجنائية». وفي عام 2022، أسس محمد السوداني «الهيئة العليا لمكافحة الفساد». مع ذلك، ظل العراق يتصدر ترتيب الدول الأكثر فساداً في اللوائح الدولية.

ويرى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أنه «علينا أن نتسم بالواقعية وألا نندفع كثيراً في التفاؤل بأن بداية النهاية لعهد الفساد في العراق قد انطلقت فعلاً مع هذه الحكومة، ما دامت جاءت من رحم المنظومة نفسها التي تسببت في جميع الكوارث الاقتصادية التي عانى منها العراق طوال السنوات الماضية».

وذكر الهاشمي في تدوينة عبر «إكس»، أن «الفساد في العراق فساد مؤسس بقوة ومحمي ومدعوم وله رعاة يتربعون على رأس صناعة القرار في العراق، سواء عبر المواقع الرسمية أو عبر سلطة الأحزاب أو عبر تسلط السلاح».