الجهود الأميركية لتوجيه السودان نحو الديمقراطية انتهت إلى حرب

الحرب الأهلية ستجعل صراعات سوريا واليمن وليبيا تبدو مجرد «مسرحية صغيرة»

متظاهرون في الخرطوم للتنديد باحتجاز الجيش لأعضاء في الحكومة المدنية أكتوبر 2021 (أ.ف.ب)
متظاهرون في الخرطوم للتنديد باحتجاز الجيش لأعضاء في الحكومة المدنية أكتوبر 2021 (أ.ف.ب)
TT

الجهود الأميركية لتوجيه السودان نحو الديمقراطية انتهت إلى حرب

متظاهرون في الخرطوم للتنديد باحتجاز الجيش لأعضاء في الحكومة المدنية أكتوبر 2021 (أ.ف.ب)
متظاهرون في الخرطوم للتنديد باحتجاز الجيش لأعضاء في الحكومة المدنية أكتوبر 2021 (أ.ف.ب)

يرى نقّاد أن مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن وشركاءهم كانوا سُذّجاً حيال نيات الجنراليْن المتناحرين في السودان، وأخفقوا في تمكين القيادات المدنية.

قبل أسابيع فقط، ساور دبلوماسيين أميركيين اعتقاد بأن السودان على وشك إبرام اتفاق تاريخي سيعزز عملية انتقاله من نظام ديكتاتوري عسكري إلى ديمقراطية كاملة، ليتحقق بذلك هدف الثورة التي اشتعلت في البلاد خلال عام 2019.

وتحوَّل السودان إلى حالة اختبار مهمة للهدف المحوري للسياسات الخارجية للرئيس بايدن، والذي تمثَّل في تعزيز الأنظمة الديمقراطية بمختلف أرجاء العالم، الأمر الذي رأى فيه بايدن أنه سيضعف القادة الفاسدين، ويسمح للدول بالوقوف بقوة أكبر، والتصدي لنفوذ الصين وروسيا، وقوى استبدادية أخرى.

ومع ذلك نجد أنه، في 23 أبريل (نيسان) الماضي، وجد الدبلوماسيون الأميركيون، الذين شاركوا في المفاوضات التي جرت بالسودان، أنفسهم فجأة يغلقون سفارتهم، ويفرّون من الخرطوم في رحلات جوية ليلية سرية في طائرات مروحية، مع انزلاق البلاد باتجاه حرب أهلية محتمَلة.

واليوم، يكافح مسؤولو إدارة بايدن وشركاؤهم لدفع الجنراليْن المتقاتلين نحو الالتزام بوقف إطلاق نار هش، ووقف أعمال القتال، بينما تُجلِي حكومات أجنبية رعاياها المدنيين، في خضمّ قتال خلّف 528 قتيلاً على الأقل، وأكثر عن 330 ألف مشرَّد.

في الواقع، يكاد يكون في حكم المؤكَّد أن الحصيلة الحقيقية أعلى بكثير من الأرقام المعلَنة من جانب الحكومة السودانية.

العمل مع جنرالين متناحرين

ثمة تساؤل مُلحّ في قلب الأزمة يدور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة أخطأت في حساباتها، بشأن مدى صعوبة إرساء الديمقراطية في بلد لديه تاريخ طويل من الحكم العسكري، ومخاطر الدخول في مفاوضات مع رجال أقوياء يتشدقون بالحديث عن الديمقراطية، لكنهم لا ينفذون أبداً ما يقولونه.

ويرى نقّاد أن إدارة بايدن، بدلاً من تمكين قيادات مدنية، جعلت أولويتها العمل مع جنرالين متناحرين؛ الجنرال عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، والجنرال محمد حمدان دقلو، زعيم مجموعة شبه عسكرية، حتى بعد أن دبّرا معاً ونفّذا انقلاباً عسكرياً عام 2021.

في هذا الصدد، أعرب أمجد فريد الطيب، مستشار رئيس الوزراء السوداني المعزول عبد الله حمدوك، عن اعتقاده أن كبار الدبلوماسيين الأميركيين «اقترفوا خطأ تدليل الجنرالين، وقبول مطالبهما غير العقلانية، ومعاملتهما باعتبارهما لاعبين سياسيين طبيعيين. وكان من شأن ذلك تأجيج شهوتهما تجاه النفوذ، ووهم الشرعية الذي يعيشان فيه».

ويتساءل بعض المحللين حول ما إذا كان المسؤولون الأميركيون قد اتبعوا نهجاً واضحاً إزاء جهود بايدن العالمية لتعزيز الديمقراطية.

فراغ السلطة واللاعبون

الحقيقة أن العنف في السودان يخلق تماماً نمط فراغ السلطة، الذي كان يأمل مساعدو بايدن في تجنبه. ويُعدّ مرتزقة «فاغنر غروب» الروس من بين اللاعبين الذين يحاولون ملء هذه الفجوة، وفقاً لما أفاد به مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون.

عن ذلك قال جيفري دي. فيلتمان، المبعوث الأميركي السابق لمنطقة القرن الأفريقي، والذي عمل على مفاوضات من أجل إرساء الحكم المدني: «إذا استمر هذا القتال، فسيكون ثمة إغراء هائل بين عناصر خارجية لأن تقول: إذا كان هؤلاء الرجال سيتقاتلون حتى الموت، فمن الأفضل أن نشارك؛ لأننا نفضل فوز هذا الرجل أو هذا الفريق».

وأضاف فيلتمان: «إذا لم يجرِ الوصول إلى وقف لإطلاق النار، فإن هذا لن يتسبب في بؤس 48 مليون شخص فحسب، وإنما سيزداد الإغراء أمام قوى خارجية لأن تزيد القتال اشتعالاً عبر التدخل المباشر».

من جهته قال حمدوك إن الحرب الأهلية في السودان ستجعل الصراعات في سوريا واليمن وليبيا تبدو وكأنها مجرد «مسرحية صغيرة».

ورفضت وزارة «الخارجية» و«البيت الأبيض» التعليق.

جدير بالذكر أن وثيقة استراتيجية نشرها «البيت الأبيض»، في أغسطس (آب) الماضي، أكدت أنه «من خلال تأكيد أن الديمقراطية تحقق فوائد ملموسة» يمكن للولايات المتحدة المساعدة في تقليص النفوذ «السلبي» لدول خارجية، والجماعات غير التابعة لدول محددة، والحد من الحاجة لعمليات تدخُّل مكلِّفة، ومعاونة الأفارقة على تحديد ملامح مستقبلهم.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الجهد المبذول لمنع عودة السودان المحتملة للاستبداد، بدا دوراً غير محتمل، بعد عقود كانت خلالها البلاد معروفة، على نطاق واسع، بالمذابح الجماعية، وباعتبارها ملاذاً آمناً للإرهابيين؛ ومنهم أسامة بن لادن، الذي قضى حوالي 5 سنوات بالسودان خلال التسعينات. وفي عام 1998، أصدر الرئيس بيل كلينتون أوامره بتوجيه ضربة صاروخية لمصنع كيميائيات في الخرطوم قال إن «تنظيم القاعدة» استغلّه في صنع أسلحة كيميائية، على الرغم من أن وكالات الاستخبارات شككت، لاحقاً، في هذا الادعاء.

ترمب والديمقراطية الجديدة

في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، أيْ بعد عام على الثورة، أعلن الرئيس دونالد جيه. ترمب أنه سيلغي وضع السودان باعتباره بلداً راعياً للإرهاب، بعدما أقدم الأخير على تطبيع علاقاته مع إسرائيل.

وقال ترمب: «اليوم، أصبح شعب السودان العظيم في موقع المسؤولية، وثمة ديمقراطية جديدة يجري بناؤها». وقال فيلتمان ومسؤولون أميركيون حاليون وسابقون إن دعم الديمقراطية ينبغي أن يبقى حجر الزاوية في السياسة الأميركية تجاه السودان؛ نظراً إلى الطموحات التي جرى التعبير عنها، خلال المظاهرات التي أدت إلى الإطاحة عام 2019 بالرئيس عمر البشير؛ الدكتاتور الذي حكم البلاد طوال 30 عاماً. واليوم، يدعو قادة في «الكونغرس» بايدن و«الأمم المتحدة» لتعيين مبعوثين خصوصيين للسودان.

تأتي الانتكاسات في السودان، في أعقاب إحباطات ديمقراطية أخرى في شمال أفريقيا.

وأدى سقوط البشير، منذ 4 سنوات، إلى خروج السودانيين للاحتفال، إذ كانوا يأملون في أن تترسخ جذور الديمقراطية في البلاد، على الرغم من الإخفاقات التي مُنيت بها في أرجاء أخرى من المنطقة. وبعد شهور عدة من حكم مجلس عسكري، وقّعت قيادات عسكرية ومدنية في السودان على اتفاق للتشارك في السلطة، نصَّ على تشكيل حكومة مؤقتة، برئاسة حمدوك، الخبير الاقتصادي. ونصّت الخطة على إجراء انتخابات بعد 3 سنوات.

ومع ذلك، جرى تشكيل مجلس للمساعدة في إدارة الفترة الانتقالية، لكنه، في واقع الأمر، بات أقرب لكونه «ورقة توت»، حيث كان يضم عناصر عسكرية أكثر من المدنية، وفقاً لما أكدته سوزان دي. بيدج، السفيرة الأميركية السابقة لدى جنوب السودان، والبروفيسورة لدى ميتشيغان، في منشور لها عبر الموقع الإلكتروني، التابع للكلية التي تعمل فيها.

وجرى إقصاء أصوات مدنية مهمة، وهي مشكلة ظلت قائمة حتى المفاوضات التي جرت، هذا العام.

وبعد الانقلاب العسكري، في أكتوبر 2021، جمّدت الولايات المتحدة 700 مليون دولار من المساعدات المباشرة للحكومة السودانية، وعلّقت العمل بتخفيف أعباء الديون، في حين جمّد «البنك الدولي»، و«صندوق النقد الدولي» 6 مليارات دولار من المساعدات الفورية، مع خطط لإلغاء 50 مليار دولار من الديون. كما اتخذت حكومات ومؤسسات أخرى، بما في ذلك «بنك التنمية الأفريقي»، خطوات مماثلة.

وقال نيد برايس، المتحدث باسم «الخارجية» الأميركية في ذلك الوقت، إنه قد يُعاد تقييم «علاقتنا الكاملة» مع الحكومة السودانية، ما لم يُعِد الجيش الحكومة الانتقالية.

الانقلاب من دون عوائق

وحتى مع انتشار شائعات الانقلاب في أكتوبر، حذَّر مسؤولون أميركيون الجنرال حمدان بأنه سيواجه «عواقب محددة» إذا استولى على السلطة، وفق إفادة مسؤول أميركي بارز سابق، لكن بعد الانقلاب، قادت السيدة مولي في، أكبر مسؤولي «الخارجية» الأميركية بشأن السياسات الأفريقية، الدبلوماسيين الأميركيين، في محاولة للعمل مع الجنرالات، بدلاً من الدخول في مواجهة معهم.

ورفضت المسؤولة الأميركية تحديد العقوبات المقترحة ضد الجنرال حمدان، إلا أنها قالت إنها (العقوبات) تستهدف، بشكل واسع، ثروته الشخصية.

لم تعاقب الولايات المتحدة الجنرال حمدان بالعقوبات بعد الانقلاب، أو حتى بعد زيارته موسكو، في اليوم الأول من الهجوم الروسي على أوكرانيا، في العام الماضي، لإسعاد كبار المسؤولين في «الكرملين».

وجاءت الضغوط لمعاقبة الجنرالات من أعضاء بارزين في «الكونغرس»، فقد شارك عضو «مجلس الشيوخ» كريس كونز، وهو ديمقراطي من ولاية ديلاوير، والعضو في «اللجنة الفرعية للشؤون الأفريقية»، التابعة لـ«لجنة العلاقات الخارجية» بـ«مجلس الشيوخ»، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، في فبراير (شباط) 2022، قال فيه إن إدارة بايدن يجب أن تفرض «مجموعة شاملة من العقوبات على قادة الانقلاب وشبكاتهم»؛ لإضعاف قبضتهم.

وفي حديثه مع الصحافيين، خلال رحلة إلى شرق أفريقيا مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قال أحد كبار مسؤولي «الخارجية» إن الجنرالات أشاروا إلى أنهم على استعداد لتقاسم السلطة مرة أخرى مع المدنيين. ورأى المسؤول، الذي أصرّ على عدم ذكر اسمه، لحديثه عن المفاوضات، أن حجب المساعدات قد لا يكفي للضغط على الجنرالات، ولذلك ناشدت الإدارة شعورهم بالإرث الشخصي المشرف، من بين أمور أخرى.

واعتبر كاميرون هدسون، الذي شغل منصب رئيس موظفي المبعوثين الرئاسيين الأميركيين المتعاقبين إلى السودان، أن هذا النهج خطأ.

وقال هدسون: «إنهم يثقون أكثر مما ينبغي بما يقوله لهم هؤلاء الجنرالات. كان هؤلاء الرجال يخبروننا بما نريد سماعه، منذ أن وافقوا على الحكم المدني بعد الإطاحة بالبشير. كانت هناك ثقة مطلقة لدى وزارة الخارجية بأننا على أعتاب التوصل إلى اتفاق يحقق تقدماً كبيراً».

مساومة مع الجنرالات

وخذلان حمدوك

وأوضح هدسون أن استعداد واشنطن للمساومة مع الجنرالات بعد الانقلاب، كان له أثر في إضفاء الشرعية عليهم.

وأضاف أن الولايات المتحدة خذلت أيضاً حمدوك قبل الانقلاب، عندما أبطأ الجمود البيروقراطي من صرف المساعدات الاقتصادية، التي تهدف جزئياً إلى إظهار فوائد الحكم المدني.

حمدوك

في حالة ضعف شديد

لقد ترك الانقلاب فيلتمان، المبعوث السابق، يشعر بالخيانة، وقال إن الجنرالات أكدوا له، شخصياً، قبل ساعات من إلقاء القبض على حمدوك، أنهم لن يمسكوا زمام السلطة.

لكن حتى لو فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليهم، «فلستُ متأكداً من أنها كانت ستُحدث فارقاً كبيراً»، مضيفاً «ينظر الجنرالان إلى هذه المعركة باعتبارها معركة وجودية، فإذا كنت في معركة وجودية، فربما تكون منزعجاً من العقوبات، لكنها لن تمنع كلاً منهما من ملاحقة الآخر».

جاء الاختراق الأول بعد الانقلاب، في ديسمبر (كانون الأول) 2022، عندما توسطت «الأمم المتحدة»، و«الاتحاد الأفريقي»، وكتلة إقليمية، في اتفاق لانتقال السودان إلى حكم مدني في غضون أشهر.

لكن كانت هناك قضايا هائلة لا تزال تحتاج إلى حل، ولا سيما مدى سرعة دمج «قوات الدعم السريع»، التابعة للجنرال حمدان، مع الجيش النظامي، ومن سيكون مسؤولاً أمام رئيس الدولة المدني. ووقع العمل على تجسير هذه الخلافات، إلى حد كبير، على عاتق القوى الأجنبية ذات النفوذ في السودان: الولايات المتحدة، وبريطانيا، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة.

لكن مع تقدم المفاوضات، ازدادت الفجوة اتساعاً بين الجنرالين. وبدأت التعزيزات العسكرية من المعسكرين دخول الخرطوم.

وبحلول أواخر مارس (آذار) الماضي، قدم دبلوماسيون أميركيون وبريطانيون للجنرالات مقترحات تهدف إلى تسوية أكبر لخلافاتهم. لكن بدلاً من ذلك، بدا الأمر كأن الخطة تعمل على زيادة حِدة التوترات.

وبعد أسابيع، في 12 أبريل، سيطرت قوات الجنرال حمدان على قاعدة جوية على بُعد 200 ميل، شمال الخرطوم، في أول إشارة علنية إلى أن سنوات الدبلوماسية بلغت ذروتها بالحرب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يعلن إسقاط مُسيرة استراتيجية ثالثة خلال أسبوعين

شمال افريقيا بعض أجزاء من المُسيّرة التي أسقطها الجيش السوداني بولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مُسيرة استراتيجية ثالثة خلال أسبوعين

أعلن الجيش السوداني إسقاط مُسيرة استراتيجية بشمال كردفان، في حين أفاد «محامو الطوارئ» بقتل 15 مدنياً خلال قصف طائرة مُسيرة في بلدتين بولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)

«من بين أنقاض الحرب»... السودان يخوض معركة استعادة ذاكرته التاريخية

لم يقتصر الخراب الذي خلفته الحرب على تدمير المدن والأحياء والبنية التحتية، بل امتد إلى أكثر رموز البلاد تعبيراً عن تاريخها وهويتها الثقافية متحف السودان القومي

بهرام عبد المنعم (الخرطوم) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيات في مخيم للنازحين بالقرب من مدينة الأبيض السودانية 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الجامعة العربية تُحذّر من كارثة إنسانية وشيكة في السودان

حذّرت جامعة الدول العربية من «كارثة إنسانية وشيكة» في مدينة الأبيض بالسودان، وقال أمينها العام نبيل فهمي إنه يتابع بقلق بالغ التطورات الخطيرة هناك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من إحدى جلسات «مجلس حقوق الإنسان» في جنيف (أرشيفية - الأمم المتحدة)

قلق أممي إزاء الوضع الخطير في مدينة الأُبَيِّض السودانية

أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بشدة، تصاعد العنف الذي ترتكبه «قوات الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها بمدينة الأُبَيِّض؛ كبرى مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا امرأة وطفل سودانيان نازحان يسيران في مخيم العفاض الذي أُنشئ حديثاً بالضبعة - الولاية الشمالية 13 نوفمبر 2025 (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجمات «الدعم السريع» في غرب السودان تدمّر قرى وتهجّر الآلاف

أدّت سلسلة هجمات شنّتها «قوات الدعم السريع» السودانية قرب الحدود الغربية مع تشاد إلى تدمير عدد من القرى وتهجير آلاف الأشخاص، حسب ما أفاد ناجيان والأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

مصر تجدد رفضها للتهجير وتشدد على وحدة غزة والضفة الغربية

سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر تجدد رفضها للتهجير وتشدد على وحدة غزة والضفة الغربية

سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

فيما طالبت مصر بتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها في قطاع غزة، جددت رفضها «تهجير الفلسطينيين»، جاء ذلك خلال لقاء سفير مصر في رام الله إيهاب سليمان، ونائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، الخميس.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية استعرض سليمان والشيخ تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والجهود المصرية الرامية إلى تنفيذ استحقاقات خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بما يشمل ضمان النفاذ الكامل للمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وتنفيذ وقف إطلاق النار، وتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها في القطاع وفقاً لقرار مجلس الأمن 2803.

وطرح ترمب خطته للسلام بقطاع غزة في سبتمبر (أيلول) الماضي، قبل أن تعزز اتفاقاً لوقف إطلاق النار في الشهر التالي لذلك. ومنتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار.

وأكد سفير مصر في رام الله، الخميس، «ثبات موقف بلاده الرافض لتهجير الفلسطينيين أو تصفية القضية الفلسطينية»، و«أهمية الحفاظ على وحدة قطاع غزة والضفة الغربية». وجدد «إدانة الأنشطة الاستيطانية والانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية». كما شدد على «ضرورة عدم انصراف الاهتمام الدولي عن الانتهاكات اليومية بحق الشعب الفلسطيني».

بينما أعرب نائب الرئيس الفلسطيني عن تقديره للدور المصري وجهود القاهرة في دعم القضية الفلسطينية وتحقيق التهدئة والتخفيف من المعاناة الإنسانية.

فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب)

والأسبوع الحالي أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى «عمق العلاقات الأخوية والتاريخية بين مصر وفلسطين». وشدد عبد العاطي حينها على أهمية استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي بما يسهم في ضمان النفاذ الكامل للمساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف للانتقال إلى المراحل التالية وصولاً إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

كما تناول الاتصال الهاتفي بين عبد العاطي ومصطفى وقتها التحضيرات الجارية لمؤتمر الدول المانحة المقرر عقده في بروكسل خلال يوليو (تموز) الحالي، وأكد وزير الخارجية المصري «دعم بلاده الكامل للحكومة الفلسطينية، وأهمية حشد الدعم المالي الدولي للسلطة الوطنية الفلسطينية بما يمكنها من الوفاء بمسؤولياتها وتقديم الخدمات الأساسية للشعب الفلسطيني، ويسهم في تعزيز صموده ودعم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية»، حسب «الخارجية المصرية».


ما العائد المتوقع من تقليص قوائم مستحقي الدعم في مصر؟

«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)
«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)
TT

ما العائد المتوقع من تقليص قوائم مستحقي الدعم في مصر؟

«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)
«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)

أثار قرار حكومي بحذف نحو 850 ألف مصري من «البطاقات التموينية» تساؤلات بشأن العائد المتوقع من تقليص «قوائم مستحقي الدعم» وسط غياب الأرقام الرسمية، فيما ذهبت تقديرات لخبراء إلى توفير مليارات الجنيهات حال ضبط المنظومة.

كانت الحكومة قد قررت إرجاء تطبيق التحول من «الدعم العيني» إلى «النقدي» الذي كان مقرراً تطبيقه مطلع يوليو (تموز) الجاري، وسط نقاشات موسعة في البلاد شأنه. كما تواصل وزارة التموين وضع تصورات لآليات التحول إلى «الدعم النقدي» بما فيها الموقف من «رغيف الخبز المدعم».

وتصاعدت حدة الجدل عقب حذف آلاف المواطنين من «بطاقات التموين». وأكد المتحدث باسم «التموين»، محمد كمال، أن الوزارة مستمرة في مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين. وأضاف في تصريحات متلفزة، مساء الثلاثاء، أنه تم حذف نحو 850 ألف مواطن من منظومة الدعم خلال الشهر الماضي.

ويزيد عدد المستفيدين من الدعم التمويني على 65 مليون مواطن، بحسب بيانات وزارة التموين.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أحمد حنفي أن «حجم العائد المتوقع من تقليص قوائم مستحقي الدعم يُمكن أن يصل إلى مليارات الجنيهات».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «التجاوزات وتسرب الدعم وتهريب السلع التموينية يمكن أن يوفر المليارات ويقلل الحاجة إلى الاقتراض من الخارج»، لكنه أشار إلى أنه لا توجد أرقام دقيقة للعائد من ضبط منظومة الدعم.

وزارة التموين تواصل وضع تصورات لآليات التحول إلى «الدعم النقدي» (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

ووفق متحدث وزارة التموين، فإن الحكومة حددت عدداً من معايير استحقاق الدعم، تعتمد على مجموعة من المؤشرات التي تعكس القدرة الاقتصادية للمواطن، بما يؤدي إلى حذفه من البطاقات التموينية إذا كان يمتلك سيارة تتجاوز قيمتها مليون جنيه (نحو 20 ألف دولار)، أو لديه حيازة زراعية تزيد على 10 أفدنة، أو أبناء بمدارس دولية أو خاصة.

وأكد أن هذه المعايير تستهدف توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً، منوهاً إلى أن باب التظلمات مفتوح أمام المواطنين من خلال مكاتب التموين، حيث يجري فحص كل طلب على حدة، وفي حال ثبوت استحقاق المواطن للدعم، يعاد إدراجه ضمن منظومة البطاقات التموينية.

ويرى رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، محمود العسقلاني، أن قاعدة البيانات الدقيقة للمواطنين تشكل عائقاً أمام تحديد مستحقي الدعم.

قرار حكومي بحذف نحو 850 ألف مصري من «البطاقات التموينية» (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ضبط منظومة الدعم يُمكن أن يوفر مليارات الجنيهات من قيمة الدعم الذي لا يذهب إلى مستحقيه... لكن يجب أن تكون قواعد الاستحقاق منصفة وعادلة».

وقال الخبير الاقتصادي وائل النحاس: «الحكومة لا تسعى للتوفير بتقليص القوائم، بل تحاول أن تعيد توزيع مبلغ الدعم التمويني والخبز الشعبي على عدد أقل من المواطنين كي يكفي».

ويجري حالياً حوار مجتمعي يضم عدداً من لجان مجلس النواب ومسؤولي وزارة التموين ووزارات أخرى لوضع رؤية للتحول إلى الدعم النقدي، حسبما أفاد عضو مجلس النواب صقر عبد الفتاح.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من السابق لأوانه التكهن بمجريات الحوار؛ فكل يطرح رؤيته، ولن نوافق إلا على ما يحقق مصلحة المواطن».


وساطة تركية - غربية لحلحلة العقدة السياسية في الصومال

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

وساطة تركية - غربية لحلحلة العقدة السياسية في الصومال

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

يقود وسطاء دوليون جولة جديدة بين فرقاء السياسة في الصومال للمرة الثانية خلال أقل من شهرين، وسط أجواء غير مسبوقة من الصراع والخلافات على الانتخابات المباشرة وتطبيق الدستور الجديد الذي يمنح رئيس البلاد تمديد ولايته حتى عام 2027.

وهذه الجولة، التي تشهد وساطة من تركيا وسفراء دول غربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، تحمل، بحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فرصاً لحلحلة العقدة السياسية في الصومال، متوقعاً ثلاثة سيناريوهات؛ أحدها التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يعيد بناء التوافق حول الخلافات الرئيسية.

وبحسب الموقع الإخباري «الصومال الجديد»، احتضنت العاصمة مقديشو محادثات سياسية حساسة بين الحكومة الفيدرالية وائتلاف «مجلس المستقبل» المعارض، بجدول أعمال يشمل كيفية إجراء الانتخابات واستكمال الدستور ومراجعته وكيفية إدارة المرحلة الانتقالية السياسية في البلاد.

وقال مصدر صومالي مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن المحادثات تتواصل، الأربعاء، ومن المنتظر أن تنضم إليها، الخميس، ولايتا جوبالاند وبونتلاند المناوئتان للحكومة الفيدرالية، بالتزامن مع الجلسة الختامية التي سيحضرها سفراء عدد من الدول الغربية، إلى جانب ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن تلك المحادثات «محاولة لإحياء التوافق حول الملفات الخلافية التي عطلت المشهد السياسي خلال العام ونصف العام الماضيين»، مشيراً إلى أنها تأتي في ظل تحديات متزامنة تتصدرها الحرب المستمرة ضد حركة «الشباب»، إلى جانب الخلافات السياسية الداخلية المرتبطة بالتعديلات الدستورية، وشكل النظام الانتخابي، وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات.

ويبرز في هذه الجولة، بحسب كلني، «دخول تركيا على خط الوساطة السياسية للمرة الأولى بهذا المستوى، حيث تشارك بوصفها وسيطاً وضامناً للحوار»، مؤكداً أن هذا تطور «يعكس اتساع دور أنقرة في الصومال بعد سنوات من الحضور العسكري والاقتصادي والتنموي، ويعزز انخراط الشركاء الغربيين في دعم جهود التوصل إلى تسوية سياسية بين الأطراف الصومالية».

ومن المتوقع أن تنصب المحادثات على ثلاثة ملفات رئيسية هي مستقبل الانتخابات المقبلة، وتسوية الخلاف حول التعديلات الدستورية، ورسم إطار توافقي لإدارة المرحلة السياسية المقبلة، بما يضمن تجنب مزيد من الانقسام بين الحكومة الفيدرالية والولايات والقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)

وفي مايو (أيار) الماضي، لم تنجح جولة حوار استمرت ثلاثة أيام بين الحكومة الفيدرالية برئاسة حسن شيخ محمود والمعارضة، في التوصل لاتفاق، رغم الوساطة الغربية والأممية التي شهدتها المحادثات.

وتتلخص الخلافات في رفض المعارضة إجراء انتخابات مباشرة بالبلاد مع التمسك بالنظام القبلي، ورفض تطبيق الدستور اعتراضاً على بندي تقليص صلاحيات الأقاليم وتمديد فترة الرئاسة لمدة عام بحيث تنتهي في 15 مايو 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأعلنت المعارضة الصومالية عدم الاعتراف بشرعية الرئيس حسن شيخ محمود، ودعت لمظاهرات أسبوعية في يونيو (حزيران) الماضي، شهد بعضها اشتباكات مسلحة غير مسبوقة بين موالين للحكومة وموالين للمعارضة.

ورغم الأجواء الإيجابية التي صاحبت انطلاق الحوار الجديد، فإن فرص تحقيق اختراق سياسي لا تزال مرهونة بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة، لا سيما في القضايا التي ظلت محل خلاف منذ إقرار البرلمان التعديلات الدستورية في مارس (آذار) الماضي، وما تبعها من اعتراضات واسعة من قوى المعارضة وبعض الإدارات الإقليمية.

ويعتقد أن انخراط تركيا في الوساطة هذه المرة يمنح المفاوضات زخماً إضافياً، نظراً للعلاقات التي تربطها بمختلف الأطراف الصومالية، لكن كلني أشار إلى أن نجاحها سيظل مرتبطاً بمدى استعداد القوى السياسية لتغليب خيار التسوية على حساب استمرار الاستقطاب.

وهو يرجح أن تسفر المحادثات عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ أولها التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يعيد بناء التوافق حول الانتخابات والاستحقاقات الدستورية ويمهد لإنهاء أزمة استمرت نحو 18 شهراً، بينما يقوم الثاني على تحقيق تفاهمات جزئية تؤجل القضايا الأكثر تعقيداً إلى جولات لاحقة بما يحافظ على الحوار دون إنهاء أسباب الخلاف.

أما السيناريو الثالث فيتمثل في تعثر المفاوضات واستمرار الانقسام السياسي، وهو ما قد ينعكس سلباً على جهود مكافحة الإرهاب، ويؤخر استكمال عملية بناء مؤسسات الدولة.

ويضيف كلني: «ستظل مخرجات تلك الجولة اختباراً حاسماً لقدرة القوى السياسية على تجاوز خلافاتها، وإعادة إنتاج توافق وطني يوازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي وضغوط المرحلة الأمنية، في ظل استحقاقات سياسية وأمنية متسارعة تواجهها البلاد».