جان دورميسون: هدف «داعش» تحريض الغرب ضد المسلمين

بلغ التسعين ولا يزال فاعلاً في المحافل الثقافية الفرنسية

جان دورميسون
جان دورميسون
TT

جان دورميسون: هدف «داعش» تحريض الغرب ضد المسلمين

جان دورميسون
جان دورميسون

إنه أحد آخر الحكماء في فرنسا. هو عضو الأكاديمية الفرنسية ومن عائلة أرستقراطية عريقة. وقد بلغ التسعين أخيرًا، فقد ولد في سنة 1925. ومع ذلك فلا يزال يكتب وينشر ويظهر على التلفزيون من وقت لآخر. لا تكاد تمل من سماعه، وهو يتحدث لك عن تاريخ الأدب الفرنسي، قديمه والحديث. إنه يعرفه عن ظهر قلب من أوله إلى آخره، وعندما تسأله: هل تفضل أن تكون رئيسا للجمهورية أم مارسيل بروست؟ يجيبك فورا: «بروست، بروست. أبيع الدنيا كلها برواية (بحثا عن الزمن الضائع). السياسة عابرة، وحده الأدب يبقى. إنها لمتعة حقيقية أن تستمع له، وهو يتحدث لك عن شاتو بريان وكتابه الضخم (مذكرات ما وراء القبر). وهو يعتبر نفسه صغيرا جدا بالقياس إلى هؤلاء العمالقة. فوجئت أخيرا بأنه مهموم بقصة (داعش) أكثر من سواه، على الرغم من شواغله الكثيرة وكبر سنه. فلنستمع إليه لكي نرى كيف ينظر إلى هذه الظاهرة المقلقة في تاريخنا وفي تاريخ العالم كله. فنظرة الغريب البعيد قد تكون لها مزاياها أيضًا».
ما رأي هذا الكاتب الديغولي الشهير فيما يحصل حاليا؟ إنه يقول إننا دخلنا في حرب غريبة مريبة لا تشبه كل الحروب. إنها حرب دون جيوش ولا ساحات قتال ولا ألوية ولا أعلام. صحيح أن ضحاياها لا تزال قليلة العدد عندنا في أوروبا، وصحيح أن الطائرات لا تقصف مدننا وقرانا كما كان يحصل إبان الحرب العالمية الثانية. ولكن هناك جو من الخوف والفزع يخيم على الجميع لأنها حرب تستهدف المدنيين العزل بالمصادفة كيفما اتفق. فقد يدهسك شخص في الشارع أو يضربك بسكين أو يفجر قنبلة في السوبر ماركت فيحصد العشرات بشكل عشوائي، إلخ. إنها حرب نزلت إلى الشارع وقد تصيبك وأنت جالس في مقهى، أو في مكتبة، أو مدرج رياضي أو في قاعات السينما والمسرح.. إلخ. أنت وحظك! إنها حرب فجائية مباغتة لا تستطيع توقع ضرباتها وبالتالي لا تستطيع تحاشيها. إذ كيف يمكن أن تتحاشى شيئا شبحيا غير موجود بشكل محدد. إنها حرب داعشية لا تستهدف الجيوش وإنما الناس العاديين. إنها حرب رهائن وكمائن ومصائد. صحيح أنها ليست حربا كلاسيكية تهدد الجيوش الغربية الجرارة. ولكنها حرب حقيقية على الرغم من كل شيء. إنها حرب ممتدة من بروكسيل إلى تولوز، ومن نيويورك إلى باريس، ومن الجزائر إلى ليبيا إلى اليمن إلى أفريقيا الوسطى والغربية، ومن سوريا إلى العراق إلى باكستان إلى مدينة ديجون الفرنسية وحتى مدينة سيدني العاصمة الأسترالية. باختصار فإنها حرب كونية منبثة في كل مكان. ذلك أن «داعش» أصبح مثل «فانتوماس»! هل رأيتم فيلم «فانتوماس» الذي بث أخيرا على التلفزيون الفرنسي؟ هل استمتعتم برؤية الممثل الفكاهي الشهير لويس دو فونيس؟ هل انقلبتم على قفاكم من الضحك؟ الفرق الوحيد هو أن «داعش» لا يضحك على الإطلاق. هذا أقل ما يمكن أن يقال..
ثم يقول لنا جان دورميسون ما معناه: أنا شخصيا كنت دائما أعتقد ولا أزال بأن الإسلام دين كبير وعظيم. لقد أثر بشكل هائل على التاريخ البشري. لقد أسس واحدة من أجمل الحضارات. وقد لامني الكثيرون في الغرب على هذا الاعتقاد، على هذا التمجيد والإعجاب بالإسلام. ففي رأيهم هو دين قتال وعنف، وسيف وضرب، ليس إلا. ولكني أخالفهم الرأي تماما. فالحضارة الإسلامية حققت بعضا من أجمل الإنجازات للعبقرية البشرية إبان العصر الذهبي. وبالتالي فإن «داعش» يدنس شرف الإسلام ويمرغ سمعته في الحضيض. وينبغي العلم بأن المسلمين عندنا هنا في فرنسا وفي أماكن أخرى هم أول من يدين «داعش» ويتبرأ منه. ولذا ينبغي أن نشكرهم، أن نحترمهم، أن نساندهم. أما «داعش» ذاته فينبغي أن نواجهه بالطريقة المناسبة.
لماذا يقول جان دورميسون هذا الكلام؟ لأنه يخشى أن تؤدي فظائع «داعش» إلى حصول ردود فعل هائجة لدى الشعب الفرنسي ذاته ضد كل عربي أو مسلم يعيش على أراضيه. إنه يخشى أن يتعرض المسلمون في شوارع الغرب للاعتداءات من طرف البعض كرد فعل. وعندئذ تتحقق أمنية «داعش» الكبرى. وبالتالي فهو أحد حكماء فرنسا المعدودين، ولكن لحسن الحظ فإن الشعب الفرنسي ناضج حضاريا ولا يستسلم للانفعالات الغرائزية بسهولة. وقل الأمر ذاته عن بقية الشعوب الأوروبية المتحضرة والمستنيرة.
إن جان دورميسون يريد توعية الجماهير الفرنسية لكيلا تستسلم لغرائزها الانتقامية، ويحصل ما لا تحمد عقباه. وهذا مقصد نبيل يشكر عليه الكاتب الكبير؛ فماذا كان سيحصل (لا سمح الله) لو هاجت الجماهير الفرنسية والأوروبية عموما ضد جالياتنا ومهاجرينا في بلاد الغرب؟ ينبغي ألا ننسى أن عددهم في فرنسا وحدها يبلغ 5 ملايين نسمة. فما بالك بأوروبا كلها؟ يقال إن العدد يصل إلى 15 مليون نسمة وربما أكثر. فما بالك بالغرب كله أي حتى أميركا وكندا وأستراليا؟ بل فما بالك بالعالم كله لأن الشرق الأقصى أيضًا هائج ضدنا بسبب «داعش» و«القاعدة» و«النصرة»، وكل حركات التطرف التي تكفر الصينيين واليابانيين والهنود وتعتبرهم مشركين؟ فالديانات الكنفوشيوسية أو البوذية والهندوسية تعتبر رجسا من عمل الشيطان بالنسبة لطالبان. ألم يدمروا تماثيل بوذا الرائعة في باميان؟ وبالتالي فالقصة الداعشية أصبحت كونية. وأنا شخصيا أعتبر ذلك شيئا مفيدا جدا ويمشي باتجاه حركة التاريخ. ربما أدهش كلامي هذا جان دورميسون لأول وهلة. ولكنه قادر على تفهمه تماما. فهو مطلع على فلسفة هيغل ويعرف أنه «إذا ما كبرت ما تصغر». كانت القصة الداعشية مضمرة، مكبوتة، مسكوتًا عنها. كانت كامنة أو نائمة في أحشاء أحشائنا. والآن انفتحت على مصراعيها. وهذا بحد ذاته تقدم هائل ضمن مسار حركة التاريخ. كانت كقنبلة موقوتة ستنفجر في أي لحظة لأن مبرراتها الموضوعية مسجلة في أعماق التراث وأحشاء الواقع والتاريخ. بل إنها مسجلة في برامج التعليم المدرسية ناهيك بخطب الكثير من شيوخ التطرف والظلام. ناهيك بالثقافة الدينية القروسطية المنبثة في العائلة والمجتمع ككل. وبالتالي فلا يمكن حلها قبل حل المشكلة التراثية ذاتها. وإذن فالمواجهة ليست فقط عسكرية وإنما فكرية بالدرجة الأولى. وسوف تنفجر في وجوهنا مئات الدواعش لا حقا إن لم نحلّها فكريا وجذريا من أساساتها. من الواضح أن العالم الإسلامي يتهيب حتى الآن خوض هذه المعركة الفكرية العسيرة جدا، لأنها ستضعنا في مواجهة مباشرة مع أنفسنا، مع أعماق أعماقنا. لكن لا بد مما ليس منه بُدّ.
أخيرًا، فإن جان دورميسون يحمل بشدة على إردوغان المتواطئ ضمنيا مع داعش لأسباب انتهازية، وربما حتى آيديولوجية، كما يعتقد «فالرجل كان في شبابه الأول داعشيا حقيقيا، ثم تظاهر تكتيكيا بأنه تطور وتغير. ولذا ينصح جان دورميسون الحكومات الغربية بمساعدة الفئات التي تقف حاليا في مواجهة داعش وتحقق عليها الانتصارات، وفي طليعتها الشعب الكردي البطل الذي يصب إردوغان جام غضبه وحقده عليه فقط، على الأقل حتى الآن. ثم يتظاهر بأنه يحارب «داعش» والإرهاب! وهو وإياه من أرومة واحدة. الجميع إخوان مسلمون باعتراف القرضاوي نفسه. من هنا حقده أيضًا على الرئيس النهضوي المستنير عبد الفتاح السيسي، الذي أطاح بالحكم المتخلف للجماعة وأحبط كل مخططات السلطان إردوغان في السيطرة مجددا على العرب من خلال الأممية الإخوانية الأخطبوطية التي لا تقل توتاليتارية عن الأممية الشيوعية سابقا. ولكن إردوغان مخطئ فعقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء. ومصر وراءها مائتا سنة من النهضة والتنوير وكذلك تركيا ذاتها. ولذا فمن مصلحته التخلي عن هذا الحلم الإخواني الظلامي الرجعي. وكفاه شدا لتركيا إلى الوراء. كفاه معاندة لحركة التاريخ. المستقبل ليس للإخوان المسلمين! المستقبل لفهم آخر للإسلام، فهم مضاد تماما. المستقبل سيكون لتفسير عقلاني مشرق، لعصر ذهبي جديد يتجاوز العقلية القروسطية الانغلاقية لحسن البنا وكل هذه الجماعة الإرهابية التي أسسها. ثم من مصلحته أيضًا فك الارتباط مع «داعش» والإرهاب. فهل سيفعلها ولو مرغمًا؟ على أي حال هذا ما نصحه به زميله السابق في النضال الرجل الحصيف المتزن عبد الله غل. بل واصطدم معه علنيا أخيرا في أحد الاجتماعات أو في سهرة إفطار. فكان أن رد عليه بعنف واصفا إياه بأنه خائن وجبان لأن غل دعاه إلى تغيير سياسته الخاطئة تجاه العرب وبالأخص مصر. إنه يركب رأسه مثل صدام حسين، ويرفض التراجع عن الخطأ. فهل هو مصاب بجنون العظمة أيضًا يا ترى؟ البعض يؤكد ذلك. على أي حال فإن مصر السيسي سائرة في الاتجاه الصحيح على طريق التقدم والعمران. وأكبر شاهد على ذلك تدشين قناة السويس الجديدة التي لا تقل عظمة عن معجزات مصر السابقة، كأهرامات الفراعنة أو السد العالي أو إشعال التنوير النهضوي العربي أو بقية الإنجازات التاريخية».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».