جدوى مشاريع الطاقة المتجددة في شمال أفريقيا

هل تكون صفقةً رابحةً بين العرب والأوروبيين؟

ألواح للطاقة الشمسية في مقاطعة نافارا الإسبانية (أ.ف.ب)
ألواح للطاقة الشمسية في مقاطعة نافارا الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

جدوى مشاريع الطاقة المتجددة في شمال أفريقيا

ألواح للطاقة الشمسية في مقاطعة نافارا الإسبانية (أ.ف.ب)
ألواح للطاقة الشمسية في مقاطعة نافارا الإسبانية (أ.ف.ب)

تتمتع الدول العربية في شمال أفريقيا بساعات إشعاع شمسي طويلة على مدار السنة، ما يجعل ألواح الطاقة الشمسية فيها قادرة على توليد كمية من الكهرباء تزيد بنحو ثلاثة أضعاف مقارنةً بالدول الأوروبية. ومع رغبة أوروبا في التخلي عن إمدادات الغاز الروسي بسبب الصراع في أوكرانيا، تتسارع وتيرة الاستثمارات لبناء مشاريع طاقة شمسية عملاقة في شمال أفريقيا، وتصدير الكهرباء النظيفة الناتجة عنها إلى أوروبا بواسطة كابلات عابرة للقارات.
وبينما توصف مناطق المشاريع المقترحة لإقامة محطات الطاقة الشمسية على أنها أراضٍ صحراوية شاسعة وقليلة السكان، تزداد المخاوف بشأن التأثيرات البيئية لهذه المشاريع، وما قد ينتج عنها من تعريض النظم البيئية الصحراوية للضرر، إلى تهديد مصدر معيشة المجتمعات المحلية، إذا لم تُدرس بعناية. لكنها يمكن أن تساعد في رعاية البيئة وتنمية المناطق النائية إذا التزمت بشروط محددة.

استثمارات ضخمة ومشاريع كبرى
تُصنَّف محطتا نور ورزازات المغربية وبنبان المصرية ضمن أضخم محطات الطاقة الشمسية في العالم. وفيما كانت الغاية الأساسية من هاتين المحطتين تعزيز إمدادات الطاقة المحلية وتقليل الاعتماد على الفحم، يجري تطويرهما حالياً لتساهما أيضاً في توفير طاقة نظيفة للدول على الضفة الشمالية من البحر المتوسط عبر كابلات بحرية، أو عن طريق تصنيع هيدروجين أخضر متاح للتصدير.
ويصدّر المغرب حالياً الكهرباء إلى أوروبا عبر وصلتي طاقة تمتدان إلى إسبانيا، وكان وقّع في العام الماضي على اتفاقية لتوسيع صادرات الطاقة إلى الاتحاد الأوروبي. وفيما تدرس مصر ثلاثة مقترحات لربط كابلات مع اليونان، يعتزم الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي تمويل مشروع يربط محطات الطاقة الشمسية الجديدة في صحراء جنوب تونس بشبكة الكهرباء الإيطالية.
وتأمل شركة «إكس لينكس» (Xlinks) الناشئة توفير 8 في المائة من إمدادات الكهرباء في بريطانيا من خلال كابل يربط المغرب بالمملكة المتحدة، ويزوّد 7 ملايين منزل بالطاقة بحلول 2030. ومن المتوقّع أن تبلغ كلفة هذا المشروع الضخم 22 مليار دولار، نصفها لتنفيذ مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ونصفها الآخر لتوريد الكابلات ومدها عبر سواحل المحيط الأطلسي.
وترى الشركة أن هذا المشروع يعتمد على الخبرة المغربية الراسخة في مجال الطاقة المتجددة، حيث يدير المغرب أكبر مشروع للطاقة الشمسية المركّزة على مستوى العالم، وبرنامجاً متكاملاً لطاقة الرياح. كما أرست الدولة إطاراً قانونياً متيناً لتعزيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة، ودعم دورها الرائد عالمياً في مواجهة تغيُّر المناخ، وتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050.
وكان الاتحاد الأوروبي تبنّى قبل نحو عام استراتيجية الطاقة الخارجية بهدف إنهاء اعتماد دوله على الوقود الأحفوري الروسي، وتسريع التحوُّل الأخضر. وتوفّر هذه الاستراتيجية الدعم السياسي والمالي للاستثمارات العابرة للحدود، بما فيها استثمارات الطاقة المتجددة في شمال أفريقيا. وتساهم الاستراتيجية في تمكين الاتحاد من تحقيق هدفه المناخي لسنة 2030 المتمثّل بخفض الانبعاثات بنسبة 55 في المائة بالمقارنة مع مستويات 1990.
وبالنسبة إلى شمال أفريقيا، يساعد تصدير الطاقة المتجددة إلى أوروبا في تعزيز النمو الاقتصادي ودعم التنمية الشاملة، وتوفير المزيد من الوظائف ضمن قطاع الطاقة المتجددة، وتوليد عائدات ضريبية للحكومات، وجذب الاستثمار الأجنبي. كما تساهم محطات الطاقة المتجددة في تنويع اقتصاد المنطقة وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري.
ويثير تصدير الطاقة المتجددة من أفريقيا إلى أوروبا إشكالية تأمين الطاقة للبلدان الغنية على حساب الحاجة الفعلية للبلدان الأقل دخلاً. وفيما يحظى مُجمل المواطنين في المغرب ومصر بحاجتهم من الكهرباء، لا يزال أكثر من نصف الأفارقة بمعزل عن شبكات الكهرباء العامة. وينضوي المغرب في إطار «تجمُّع الطاقة لغرب أفريقيا»، الذي يسعى إلى إنشاء شبكة طاقة موثوقة وسوق كهرباء مشتركة في المنطقة، بينما ترتبط مصر بتجمُّع مماثل لمعظم دول شرق أفريقيا. أما صادرات البلدين من الكهرباء حالياً فهي مخصصة للأسواق الأوروبية.
ومن ناحية أخرى، تتطلب مشاريع الطاقة المتجددة الأوروبية في شمال أفريقيا مساحات واسعة من الأراضي، ما قد يترك أثره على النظم البيئية الصحراوية، ويقيّد تنقلات مربّي المواشي، ويستنزف الموارد المائية الشحيحة. فمشروع «إكس لينكس» مثلاً، يتطلّب تشغيل 12 مليون لوح شمسي و530 توربين رياح عملاقا على مساحة تصل إلى 960 كيلومتراً مربعاً في جهة كلميم واد نون جنوب المغرب، وهي منطقة تتمتع بتقاليد ثقافية صحراوية وذات موارد مائية محدودة.
ومع ذلك، تبقى المكاسب المحتملة من استغلال موارد الطاقة المتجددة في شمال أفريقيا كبيرة، وتدعم جهود مكافحة تغيُّر المناخ والتنمية المحلية. ويجمع المغرب بين كونه واحداً من أكثر البلدان إشراقاً على سطح الأرض، وسرعات رياح مجدية نتيجة تباينات الحرارة بين الصحراء الحارّة وتيارات المحيط الأطلسي الباردة. وتشجّع عوائد تصدير الطاقة النظيفة السلطات المغربية على زيادة مساهمات الطاقة المتجددة، ما يسمح لها بتوفير فائض لبيعه إلى أوروبا.
وتعمل تونس حالياً على تطوير مشروعين لتصدير الكهرباء النظيفة إلى مالطا وإيطاليا، بالاعتماد على محطات للطاقة الشمسية بالقرب من قرية رجيم معتوق في جنوب غرب البلاد. وتتميز منطقة رجيم معتوق بثروتها النباتية من الشجيرات الصحراوية المقاومة للملوحة، كما تقع على تخوم شط الجريد، إحدى أضخم السبخات المالحة في الصحراء.
وفي مصر، ستنضم محطة كوم أمبو الجديدة إلى محطة بنبان لدعم قدرات البلاد في توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية. ومن المتوقّع أن يتم تصدير فائض الكهرباء من هاتين المحطتين إلى الاتحاد الأوروبي، ولا سيما اليونان. وتُعد محطة بنبان أحد أضخم مشاريع الطاقة الشمسية في العالم بقدرة تبلغ 1650 ميغاواط، في حين تبلغ القدرة الإنتاجية لمحطة كوم أمبو 200 ميغاواط. وتوجد حالياً ثلاثة مشاريع قيد الدراسة لمدّ كابلات بين مصر وأوروبا بقدرة تصل إلى 3000 ميغاواط.

تصدير «حوامل» الطاقة الخضراء
إلى جانب تصدير الكهرباء النظيفة إلى أوروبا، تعمل مصر والمغرب حالياً على تطوير صناعة الهيدروجين والأمونيا، بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة. وتأمل مصر في أن تصبح مصدر الهيدروجين الأخضر الرئيسي لأوروبا بإنتاجية تبلغ 10 ملايين طن سنوياً مع نهاية هذا العقد. كما يعتزم المغرب رفع قدراته الحالية من الطاقة المتجددة (نحو 4151 ميغاواط) بأكثر من 50 في المائة، وإنتاج 3 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر بحلول 2030.
ورغم المشاكل السياسية في ليبيا، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية مؤخراً عزم بلاده إنشاء خط كهربائي يسمح بتصدير الطاقة المتجددة بكلفة منخفضة إلى أوروبا، إلى جانب الاستثمار في الهيدروجين الأخضر. وتتبنى ليبيا استراتيجية وطنية للطاقة المتجددة تهدف إلى زيادة حصتها في كهرباء الشبكة العامة إلى 22 في المائة بحلول 2030. وتتضمن الاستراتيجية خططاً لتطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الحرارة الأرضية.
وتتمتع بلدان شمال أفريقيا بعدد من المزايا التي تدعم إنتاج الهيدروجين والأمونيا الأخضرين، اللذين يصنّفان في فئة ناقل الطاقة، إذ يحتاجان إلى كهرباء من مصادر نظيفة متجددة لإنتاجهما. فالمنطقة ذات موقع استراتيجي بالقرب من الأسواق الأوروبية الرئيسية، وتكلفة الطاقة المتجددة فيها منخفضة نسبياً، ولديها قوة عمالة ماهرة يمكن تدريبها للعمل في هذا القطاع.
وتواجه شمال أفريقيا عدداً من التحديات التي يجب التصدي لها قبل أن تصبح منتِجاً رئيسياً للهيدروجين والأمونيا الأخضرين. وتشمل هذه التحديات تكلفة الإنتاج التي لا تزال مرتفعة نسبياً، والحاجة لتطوير البنية التحتية لنقل وتخزين حوامل الطاقة الخضراء، وضرورة تطوير أسواق الهيدروجين والأمونيا الأخضرين.
هذه المشروعات الطموحة في شمال أفريقيا، التي تسير على خطى نجاحات مشروعات الطاقة المتجددة السابقة، تجعل من المنطقة بمثابة جوهرة التاج لرغبات أوروبا في تخضير مصادر طاقتها، وإنهاء الاعتماد على الغاز الروسي. ولتكون الصفقة رابحة للجميع، يجب على الشراكات الجديدة بين بلدان القارتين أن تلحظ أيضاً التعاون على حماية النظم البيئية، والحفاظ على الموروث المحلي.



فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».