دول جوار السودان... توازن سياسي وتأهب أمني

مراقبون اعتبروا الأزمة «قنبلة إقليمية موقوتة»

جانب من الضرر الذي أصاب مباني العاصمة الخرطوم (إ.ب.أ)
جانب من الضرر الذي أصاب مباني العاصمة الخرطوم (إ.ب.أ)
TT

دول جوار السودان... توازن سياسي وتأهب أمني

جانب من الضرر الذي أصاب مباني العاصمة الخرطوم (إ.ب.أ)
جانب من الضرر الذي أصاب مباني العاصمة الخرطوم (إ.ب.أ)

مع دخول اشتباكات السودان أسبوعها الثاني، ترتفع وتيرة القلق الإقليمي، خاصة في دول الجوار الـ7، من تداعيات تبدو مفتوحة على كل الاحتمالات بشأن امتداد أفق الصراع زمنياً، وتوسعه جغرافياً، بما يزيد المخاوف من موجات نزوح واسعة نحو المناطق الحدودية، في وقت تعاني فيه معظم دول جوار السودان أزمات شتى، ولا تبدو بحاجة إلى المزيد.
وشهدت خمس من سبع دول مجاورة للسودان، وهي: «إثيوبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا وجنوب السودان»، اضطرابات سياسية أو صراعات في السنوات القليلة الماضية، كما عانت من أزمة نزوح ولجوء للآلاف من جراء تلك الاضطرابات السياسية، كما تعاني تلك الدول أزمات اقتصادية ومعيشية ضاغطة.
- مخاوف متعددة
وتخشى دول جوار السودان من أزمة نزوح جماعي نحو أراضيها، ويعيش أكثر من خمسة ملايين سوداني بمصر، وفق إحصاءات رسمية، من بينهم نحو 60 ألف لاجئ وطالب لجوء. وتتحسب ليبيا، التي تعاني انقسامات داخلية عميقة، من تأثيرات أمنية جراء الأزمة السودانية، حيث لعب المرتزقة ومقاتلو الميليشيات السودانيون دوراً نشطاً في الصراع الداخلي الليبي بعد عام 2011، كما يمثل السودان نقطة انطلاق وعبور للمهاجرين الذين يسعون للتوجه إلى أوروبا عبر ليبيا.
ورغم أن تشاد أغلقت منذ اليوم الأول لاندلاع الاشتباكات في 15 أبريل (نيسان) الحالي، حدودها مع السودان «حتى إشعار آخر»، حيث يتشارك البلدان في حوالي ألف كيلومتر حدودية، فإن ذلك لم يحل دون استقبال الحدود نحو 20 ألف لاجئ، بحسب ما أعلنته الأمم المتحدة، فيما قالت الحكومة التشادية إنها نزعت سلاح كتيبة قوامها 320 جندياً تابعاً للقوات شبه العسكرية دخلت أراضيها يوم الاثنين. وتعد تشاد إحدى أكبر الدول الأفريقية التي تستضيف لاجئين إذ يصل عددهم إلى مليون شخص في حالة نزوح قسري داخل البلاد، بينهم 580 ألف لاجئ جراء النزاعات في السودان المجاورة وجمهورية أفريقيا الوسطى والكاميرون، و406 آلاف نازح داخلي حول بحيرة تشاد، الأمر الذي يفاقم الضغط على موارد تشاد المحدودة بالفعل.
- ترقب مآلات الصراع
وتقترن مخاوف جنوب السودان الأمنية بأخرى اقتصادية، إذ تخشى الدولة التي انفصلت عن السودان في عام 2011 بعد حرب أهلية استمرت عقوداً، من تعطل تصدير إنتاجها النفطي البالغ 170 ألف برميل يومياً عبر خط أنابيب يمر من خلال أراضي جارتها الشمالية. ويستضيف السودان 800 ألف لاجئ من جنوب السودان، وربما تمثل أي عودة جماعية لهؤلاء اللاجئين ضغطاً متزايداً على البنية الهشة لتقديم المساعدات الأساسية لأكثر من مليوني نازح في جنوب السودان.
وتترقب إثيوبيا كذلك تأثيرات الأزمة على المناطق الحدودية التي شهدت نزاعاً محتدماً خلال السنوات الأخيرة، لا سيما خلال الحرب الأهلية التي شهدها إقليم تيغراي منذ عام 2020، التي دفعت أكثر من 50 ألف لاجئ إثيوبي إلى مناطق منطقة الفشقة الخصبة على الحدود في شرق السودان. الجارة الإريترية تترقب كذلك مآلات الصراع السوداني، لا سيما في ظل وجود أكثر من 134 ألف لاجئ وطالب لجوء من إريتريا في الأراضي السودانية، بعد اندلاع الحرب في منطقة تيغراي قبل ثلاثة أعوام، كثير منهم من الإريتريين الفارين من التجنيد الإجباري، وقد يتعرض اللاجئون الإريتريون في السودان لمحنة مماثلة إذا تفاقم أي صراع خارج الخرطوم.
- قنبلة إقليمية موقوتة
السفيرة سعاد شلبي، المساعد السابق لوزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، وعضو لجنة الحكماء في «الكوميسا»، وصفت تدهور الأوضاع الأمنية في السودان جراء الاشتباكات الراهنة بـ«المصيبة الإقليمية»، لافتة إلى أن تداعيات الأزمة تتجاوز الحدود السودانية لتكون بمثابة «قنبلة إقليمية موقوتة». وأوضحت شلبي لـ«الشرق الأوسط» أن السودان يمثل دولة محورية ترتبط به عدة أقاليم في القارة الأفريقية، فالسودان يربط بين القرن الأفريقي ودول الساحل وجنوب الصحراء، كما أنه يرتبط بالأمن الإقليمي للبحرين الأحمر والمتوسط.
وأشارت إلى أن هناك مخاوف وصفتها بـ«المشروعة والجدية» لدى جيران السودان السبعة، بل وفي دوائر أكثر اتساعاً تمتد إلى الخليج العربي وجنوب أوروبا، لافتة إلى أن أي تأخر في حسم الصراع، قد تكون له تداعيات اجتماعية وعسكرية وأمنية تتخطى حدود السودان إلى دول الجوار.
وتابعت عضو لجنة الحكماء في «الكوميسا» الأفريقية، القول إن تطورات الأزمة السودانية تدفع باتجاه إعادة تموضع جماعات إرهابية ومتطرفة، والنزوح العابر للدول، وتهريب البشر، والهجرة غير الشرعية، وتنشيط عمل عصابات الجريمة المنظمة، وهو ما يمثل خطراً حقيقياً على الجهود الدولية الرامية إلى تهدئة الصراعات في القارة الأفريقية التي تعاني اضطرابات عديدة، داعية إلى أن يكون هناك دور أكبر للدول المجاورة للسودان في الدفع باتجاه «احتواء سريع وآمن للصراع هناك». وكانت عدة دول مجاورة للسودان، منها مصر وجنوب السودان وإثيوبيا وليبيا قدمت مبادرات متكررة للوساطة، من أجل وقف إطلاق النار، والدعوة إلى حوار سياسي، إلا أن تلك الدعوات لم تجد صدى لدى الأطراف المتصارعة في السودان حتى الآن.
- تداعيات كارثية
من جانبه، وصف الدكتور خالد فهمي، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للقوات المسلحة المصرية، التداعيات الناجمة عن الأزمة السودانية على دول الجوار بـ«الكبيرة والمستمرة»، مشيراً إلى أن الاضطرابات التي يشهدها السودان «تلقي بأعباء كبيرة على جهود ضبط الحدود في الدول المجاورة». وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن ملف النزوح الجماعي ومخاطر زيادة الهجرة غير الشرعية، يمثلان حالياً أولوية بالنسبة لدول الجوار، خاصة أن العديد من الدول المجاورة للسودان «تواجه ضغوطاً اقتصادية وأمنية متراكمة، وهو ما يجعلها غير قادرة على استقبال مزيد من الأعباء عبر الحدود السودانية».
وأشار إلى أن مصر تعد من أكثر الدول التي تترقب بـ«حذر وقلق» ما يجري في السودان، مشيراً إلى اتساع وعمق الروابط المصرية السودانية، ولفت إلى أن مصر تستضيف ملايين السودانيين على أراضيها، ويمكن أن يزداد هذا العدد في ظل تفاقم الأزمة، وهو ما يمثل عنصر ضغط على مصر التي ترفض سياسة إقامة معسكرات للاجئين، بل تصر على استضافة المقيمين على أراضيها من غير المصريين دون إجراءات استثنائية، بل تمنحهم امتيازات عديدة مخصصة للمواطنين، وبخاصة في الخدمات الصحية والتعليمية.
وأبدى فهمي تخوفه من إطالة أمد الأزمة، مشيراً إلى أن ذلك سيضاعف من التداعيات الإقليمية، وبخاصة مع توقع أن يدخل السودان في أزمات مستقبلية نتيجة فقدان الثقة الدولية، الأمر الذي قد يهدد بأزمة اقتصادية طاحنة إذا ما تعطلت جدولة مديونيات السودان، مع تراجع الاستثمارات الخارجية وعدم قدرة الدولة السودانية على توفير متطلبات مواطنيها الأساسية.
وأوضح مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للقوات المسلحة المصرية، أن إطالة أمد الأزمة سيدفع بتدخلات خارجية إلى الانخراط في الصراع، الأمر الذي يقود إلى فرض عقوبات على السودان، وربما يدفع باتجاه تطورات أشد وطأة ترتبط بتهديد وحدة الأراضي السودانية، وهو ما ستكون له «تداعيات كارثية» على الإقليم برمته والدول المجاورة للسودان في المقام الأول.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السودان يدفع بـ«النخبة» إلى النيل الأزرق

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

السودان يدفع بـ«النخبة» إلى النيل الأزرق

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)

دفع الجيش السوداني أمس بوحدات من قوات «النخبة» إلى جبهة النيل الأزرق، لوقف تقدم «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية» بقيادة عبد العزيز الحلو، وقطع الطريق أمامهما نحو الدمازين، عاصمة الإقليم.

وجاء التحرك عقب إعلان «الدعم السريع» السيطرة على قاعدتي «بكوري» و«سركم» الاستراتيجيتين.

وتزامن التصعيد مع كشف مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل عن حشد عسكري مفاجئ داخل قاعدة إثيوبية في أصوصا قرب الحدود السودانية، شمل نحو 100 مركبة قتالية خفيفة وناقلات جند ومعدات لوجستية، يمكنها نقل ما يصل إلى ألف عنصر. وحذّر المختبر من أن الحشد يرفع مخاطر تصعيد واسع ويزيد الضغوط العسكرية على الدمازين، فيما أكد حاكم الإقليم أن قواته مستعدة لحماية السكان والحدود.


القوات التركية والصومالية تحرر سفينة مختطفة

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
TT

القوات التركية والصومالية تحرر سفينة مختطفة

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

حرّرت البحرية التركية بالتعاون مع القوات الصومالية سفينة مختطفة كانت محتجزة في المياه الصومالية، وقتلت 14 قرصاناً بعد معركة استمرت أياماً، وفق ما أعلنت حكومة مقديشو السبت.

وجاء في بيان للحكومة الصومالية أن العملية «استمرت عشرة أيام، تمكنت خلالها القوات من تدمير أربعة قوارب استخدمها القراصنة (...) وقُتل 14 قرصاناً في العملية، في حين فرّ الباقون من السفينة بعد ضغط متواصل من القوات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار البيان إلى أن القوات قامت بعد ذلك بتأمين السفينة «لوتوف» التي استأنفت رحلتها بأمان.

ويظهر موقع «مارين ترافيك» أن السفينة التي ترفع علم الكاميرون غادرت تركيا في أواخر يوليو (تموز) متجهة إلى ميناء دار السلام في تنزانيا. وبحسب تقارير إعلامية دولية، كانت السفينة تحمل أسلحة تركية.


دستور جديد يُعيد رسم خريطة السلطة في غينيا بيساو

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
TT

دستور جديد يُعيد رسم خريطة السلطة في غينيا بيساو

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)

تترقب غينيا بيساو نتائج استفتاء، الأحد، بشأن تعديل دستوري يمنح الرئيس صلاحيات أوسع قبل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 6 ديسمبر (كانون الأول) المقبل لإعادة الحكم المدني.

ويتوقف مستقبل غينيا بيساو على مسار هذا الاستفتاء الذي تقاطعه المعارضة بحسب حديث خبير في الشؤون الأفريقية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن أول اختبار حقيقي سيكون في الانتخابات المقبلة التي ستكشف مراد الدستور الجديد هل كان بنيَّة إصلاحات حقيقية، أو توسيع صلاحيات وهيمنة جديدة عقب الانقلاب العسكري.

واستولى الجيش على السلطة بغينيا بيساو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بعد أيام قليلة من انتخابات رئاسية، وأطاح برئيس الدولة، وعلّق العملية الانتخابية، في بلد يعد من أفقر دول العالم، وقد شهدت 5 انقلابات وعدد من محاولات الانقلاب منذ عام 1974.

والأحد، سيجيب الناخبون بـ«نعم» أو «لا» عن السؤال التالي: «هل توافق على دخول الدستور الجديد الذي أقره المجلس الوطني الانتقالي حيز التنفيذ؟»، بحسب معلومات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونص الدستور الحالي على أن يتولى المجلس التشريعي في غينيا بيساو تعيين رئيس الوزراء الذي يعيّن بدوره أعضاء الحكومة. أما الدستور الجديد فسيسمح للرئيس بتعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعزلهم.

وأظهرت نسخة اطلعت عليها «رويترز» أن الرئيس سيتمكن أيضاً من إنشاء أو إلغاء الوزارات ورئاسة مجلس الوزراء، وحل البرلمان في حال حدوث أزمة سياسية خطيرة، وعزل الحكومة في ظل ظروف معينة.

وسيقلص الدستور الجديد أيضاً عدد مقاعد البرلمان من 102 إلى 65، ويخفض عدد الدوائر الانتخابية من 29 إلى 12.

ويشترط الدستور الجديد أن يكون المرشحون للرئاسة قد أقاموا على نحو دائم في غينيا بيساو خلال السنوات الخمس الماضية، وهو شرط لم يكن مدرجاً في الدستور الحالي، الذي يشترط أن يكون المرشحون مواطنين غينيين بالولادة، وألا تقل أعمارهم عن 35 عاماً، وأن يتمتعوا بكامل حقوقهم المدنية والسياسية.

محطة مفصلية

يرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى أن استفتاء 30 أغسطس (آب) الحالي في غينيا بيساو محطة مفصلية في مسار المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانقلاب العسكري في نوفمبر 2025، كما يحدد ملامح النظام السياسي المقبل، في ظل مشروع دستوري يمنح مؤسسة الرئاسة صلاحيات أوسع، ويعيد ترتيب العلاقة بين مؤسسات الحكم.

ويعتقد إسحاق أنه من حيث المبدأ، يمكن للدستور الجديد أن يسهم في الاستقرار إذا نجح في حسم الخلاف المزمن حول توزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والبرلمان، لا سيما أن غينيا بيساو لسنوات في صراع مؤسساتي متكرر، خصوصاً داخل النظام شبه الرئاسي، حيث أدى التداخل في الصلاحيات إلى أزمات حكومية، وحل البرلمان وتوترات انتهت أكثر من مرة بتدخل الجيش.

وضوح المسؤولية

لذلك، فإن وضوح المسؤولية التنفيذية يمكن أن يقلل من احتمالات الشلل السياسي، لكن المشكلة أن العلاج المقترح يبدو في حد ذاته مصدراً لمشكلة جديدة، وفق إسحاق.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المشروع ينقل البلاد باتجاه نظام أكثر رئاسية، ويمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع في تعيين وإقالة رئيس الوزراء والحكومة، مع تقليص حجم البرلمان من 102 مقعداً إلى 65، وتقليص عدد الدوائر من 29 إلى 12، كما يفرض شروطاً مالية وتنظيمية أكثر صعوبة على المرشحين والأحزاب.

كما يعتقد أن هذه التغييرات تعني عملياً تقليص وزن البرلمان والأحزاب مقابل مؤسسة الرئاسة، وهنا تكمن المفارقة، قد ينتج الدستور استقراراً قصير المدى، لكنه قد يزرع عدم استقرار طويل المدى إذا أدى إلى تركيز السلطة بدل توزيعها.

ويوضح أنه في ظل بلد له تاريخ طويل من الانقلابات والتدخل العسكري في السياسة، وقد تكون العودة إلى نموذج شديد التركيز حول الرئيس قد تعيد إنتاج أحد الأسباب التي دفعت غينيا بيساو أصلاً إلى تبني نظام تقاسم السلطة.

لكن المناخ السياسي متوتر في هذه الدولة الساحلية الواقعة بغرب أفريقيا، والتي تشهد انقلابات متكررة، حيث حثت المعارضة الناخبين على مقاطعة الاستفتاء في ظل قيود مفروضة على الحريات العامة.

وقال الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر (PAIGC) الذي قاد البلاد إلى الاستقلال عن البرتغال عام 1974 في بيان إنه «تم تعليق الأنشطة السياسية، وإغلاق مقار الأحزاب ومنع الجماعات السياسية من المشاركة في الاستفتاء».

إرساء الاستقرار

بينما يقول المجلس العسكري إن التغيير يهدف إلى إرساء الاستقرار في المؤسسات قبل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، تهدف لإعادة السلطة إلى المدنيين، والمقرر إجراؤها في السادس من ديسمبر المقبل.

وفي هذا الصدد، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أن دعوة حزب الاستقلال الأفريقي لغينيا والرأس الأخضر، وهي من أبرز قوى المعارضة إلى مقاطعة الاستفتاء يطرح سؤالاً أساسياً، حتى لو حصل الدستور على أغلبية نعم، هل ستكون لديه شرعية سياسية كافية إذا كانت القوى المعارضة الرئيسية تشكك أصلاً في العملية؟

وأضاف: «لذلك أرى أن الحكم على الدستور يجب ألا يتوقف عند نتيجة الاستفتاء فالعامل الحاسم سيكون ما سيحدث بعده، لا سيما الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر».

وإذا أدى الدستور إلى انتخابات تنافسية، وبرلمان قادر على مراقبة الرئيس، وقضاء مستقل، وضمانات حقيقية لعدم تدخل الجيش في السياسة، فقد يصبح خطوة نحو استقرار مؤسساتي، أما إذا استخدم لتثبيت نفوذ السلطة الانتقالية ومنح الرئيس المقبل أدوات واسعة من دون ضوابط فعالة، فسيكون أقرب إلى إعادة توزيع السلطة لصالح الرئاسة منه إلى بناء نظام ديمقراطي أكثر استقراراً، وهنا مكمن الخطر، بحسب إسحاق.

ويعتقد أن انتخابات ديسمبر المقبل ستكون اختباراً حقيقياً للدستور الجديد، إذا سمحت القواعد الجديدة بمنافسة واسعة وتمثيل متوازن، فقد تساعد على إنهاء حالة عدم الاستقرار، أما إذا أدت إلى إقصاء منافسين وتقوية الأحزاب المهيمنة وتقليص دور البرلمان، فقد تصبح الانتخابات مدخلاً لترسيخ هيمنة السلطة التنفيذية بدل إعادة بناء التعددية السياسية.