كيف تتعامل واشنطن مع «أوراق الحرب الأوكرانية»؟

الجواسيس الأميركيون قادرون على الوصول إلى أعماق أسرار الحكومة الروسية

البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)
البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)
TT

كيف تتعامل واشنطن مع «أوراق الحرب الأوكرانية»؟

البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)
البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)

تظهر ردود الفعل، سواء المتشائمة، أو المقللة من أهمية ما بات يعرف بتسريبات «حرب أوكرانيا»، التي صنفت على أنها أحد أخطر الخروق العسكرية والاستخبارية في تاريخ الولايات المتحدة، أن تداعياتها على المستوى القصير، قد تجبر واشنطن، على إعادة صياغة عمليات التجسّس. وكذلك قد تؤدي إلى تغيير أوكرانيا وروسيا أيضاً خططهما القتالية. ثم إن بعض حلفاء أميركا، الذين «يشعرون بالتعب» من تكرار عمليات التجسس عليهم، قد يزداد حذرهم من تشارك المعلومات الاستخبارية مع «حليفتهم الاستراتيجية» الكبرى. إلا أن التجربة تفيد بأنه على المدى الطويل سوف تتضاءل آثار التسريب، وستواصل أوكرانيا المضي قدماً في هجومها المضاد المخطط له. وأيضاً ستستمر الولايات المتحدة وحلفاؤها في دعم أوكرانيا، في حين أن حلفاء أميركا سيواصلون تبادل المعلومات معها، حتى لو طالبوا بتأكيدات، أو عبروا عن حذرهم بشأن احتمال حدوث تسريبات.
من نافلة القول أن المسؤولين الأميركيين بالغوا في الماضي بتقدير الضرر الناجم عن التسريبات الأمنية والسياسية التي حصلت في مناسبات عدة. وهي تبدأ من تسريبات موقع «ويكيليكس» للبرقيات الدبلوماسية الأميركية، ولا تنتهي بتسريبات إدوارد سنودن لوثائق وكالة الأمن القومي. وبحسب كثير من المعلقين الأميركيين، كانت تلك التقديرات مبالغاً فيها بشكل كبير. على الأقل، هذا ما يُظهره التسريب الأخير، في حال كانت المعلومات المنشورة صحيحة. إذ أظهرت أن المسؤولين والجواسيس الأميركيين ما زالوا قادرين على الوصول إلى أعماق أسرار أعلى مستويات حكومات الدول الأخرى، خصوصاً روسيا، التي اتهمت في السابق بأنها تقف على الأقل وراء تسريبات «ويكيليكس» وسنودن.
رغم ذلك، تظل التسريبات مبعثاً على القلق، لأنها يمكن أن تكشف لروسيا كيف تجمع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) معلومات استخباراتية مهمة عن القوات والقدرات الروسية. وهي لا تحتوي فقط على معلومات عن القوات الأوكرانية، بل تشمل أيضاً تقييماً مفصّلاً للجيش الروسي، من الدبابات إلى المدفعية والطائرات. وما جرى خلال الفترة القصيرة الماضية، طرح سؤالاً عمّا إذا كانت معرفة الجاسوس بأنه عميل مزدوج أم عميل ثلاثي، يعد أمراً مهماً، ما دام أن المعنيين يعرفون الفرق. إذ إن ما يهم - في نهاية المطاف - أنهم يعرفون ما هو دقيق، وما جرى عكسه والتلاعب به. ومع ذلك، يشدد بعض المسؤولين الأميركيين على أن العمل جارٍ على فحص ما جرى تسريبه رغم «كون الأمور تبدو حقيقية».
- تضليل لروسيا أم إفشال لهجوم الربيع؟
طرحت تساؤلات عدة، من قبيل، هل كُشف عن هذه الوثائق (أي تسريبات «حرب أوكرانيا») من قبل الروس لفضح الضعف الأوكراني وتحطيم الروح المعنوية، بحسب بعض المحللين؟ أم أنها جاءت رداً روسياً مباشراً على تسريبات استخبارية أميركية مماثلة، لطالما أشادت بها واشنطن في كشف خطط الجيش الروسي قبل الهجوم المستمر على أوكرانيا منذ 24 فبراير (شباط) العام الماضي وخلاله وبعده؟
وفي حين اتهم مسؤولون أميركيون روسيا أو عناصر موالية لها، بالوقوف وراء تلك التسريبات، رأى محللون آخرون أن تلك التسريبات ليست سوى «عناصر قياسية» في اللعبة العملياتية للاستخبارات الروسية، وقد لا تكون أكثر من ذلك، وليست لها علاقة بخطط أوكرانيا الحقيقية.
فرضية أخرى أشارت إلى أن أوكرانيا هي من أقدم على نشرها بالفعل - بحسب بعض المواقع الروسية - التي تعتقد أن الهدف من نشرها، هو «تضليل» الكرملين، وإيهامه بأن أوكرانيا ضعيفة، لكنها تخفي قوتها الحقيقية قبل «هجوم الربيع» المضاد الذي تخطط له في الأسابيع المقبلة؟ وبحسب الصحافة الأميركية، كان رد فعل موسكو لافتاً في «هدوئه» غير العادي بشأن التسريبات، رغم قيام وكالة «تاس» الحكومية بنشرها. ذلك أن المدوِّنين الروس عادةً متشككون ويشيرون إلى أخطاء إملائية، وفي المواد المسرَّبة نفسها. ولقد نقلت عن مدوِّن روسي شهير، لديه أكثر من مليون متابع على تطبيق «تليغرام»، قوله إن الأمر هو «تسريب محكم وحملة تضليل ضخمة» لإظهار الأوكرانيين كأنهم غير مستعدين... ما سيشجع روسيا بالتالي على ارتكاب خطأ.
يقول الخبراء إن «اللعبة» تدور حول دراسة «كيف نعرف ما نعرفه»، ويدعون إلى التركيز على الحقائق من خلال فحص بعض المواضيع الأساسية في الوثائق التي تتوافق مع المعلومات المستقاة من مصادر أخرى. فالمدوّنون العسكريون الروس نشروا بالفعل الوثائق المسرّبة على نطاق واسع، بما في ذلك تلك التي تقدّر عدد أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة التي تنشرها أوكرانيا. لكن أوكرانيا تواجه، في الحقيقة، نقصاً حاداً في أسلحة الدفاع الجوي ما قد يكلفها الحرب. والولايات المتحدة، تعلم هذه المشكلة، وأعلنت قبل أسبوعين عن تسريع تقديم 2.6 مليار دولار إضافية لدعم أنظمة الدفاع الجوي والأسلحة الأخرى المرتبطة بها. ومع أن تقييمات «البنتاغون» وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفق التسريبات، تشير أيضاً إلى أن أوكرانيا لا تستطيع تحمل سوى بضع موجات أخرى من الضربات الصاروخية الروسية، مع توفير خريطة لمكان وجود أنظمة دفاعها الجوي. بيد أن أياً من الوثائق لا يحتوي على أي معلومات مهمة ما كان يعرفها من قبل حلفاء «ناتو» والاستخبارات الروسية. ورغم أن الضرر يتركز حول كشف المعلومات المتعلقة بالدفاعات الجوية الأوكرانية، باعتبارها الجزء «الأكثر سوءاً» من الوثائق المسربة، فإن ذلك لا يُعد أزمة مهولة.
- مجموعة أسئلة بناء عليه، طرحت مجموعة أسئلة عمّا كشفته تلك الوثائق:
أولاً: هل الوثائق حقيقية؟ يقول المسؤولون الأميركيون إنها صحيحة... على الأقل، بالنسبة للجزء الأكبر منها. ويضيفون أن بعض الوثائق جرى تغييرها على ما يبدو. ولذا يشعر المسؤولون الأميركيون بالقلق من هذا الكشف عن معلومات سرّية، الأمر الذي دعا «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) إلى فتح تحقيق لتحديد مصدر التسريب.
ثانياً: من أين أتت المواد؟ تشير الدلائل إلى أن الأمر «تسريب» وليس «اختراقاً قوياً». وعلى الرغم من ظهور المواد على منصات التواصل الاجتماعي، مثل «ديسكورد» و«تويتر» و«شان4» و«تليغرام»، فإن ما يُتداوَل مجرّد صور لتقارير موجزة مطبوعة.
ثالثاً: ما الذي تكشفه عن الحرب في أوكرانيا؟ توضح الوثائق بالتفصيل خطط واشنطن و«ناتو» السرية، لبناء الجيش الأوكراني قبل «هجوم الربيع» المتوقع. وكذلك تشير إلى أن القوات الأوكرانية «في حالة يرثى لها أكثر مما اعترفت به حكومة كييف علناً».
رابعاً: هل اخترقت الولايات المتحدة الاستخبارات الروسية؟ تكشف الوثائق المسربة مدى عمق قدرة الولايات المتحدة على اختراق أجهزة الأمن والاستخبارات الروسية، وهو ما سمح لواشنطن بتحذير أوكرانيا في التوقيت الحقيقي، بشأن الضربات الروسية المخطط لها، واكتساب نظرة ثاقبة على قوة آلة الحرب الروسية.
خامساً: ما الدول الأخرى التي جرى التنصت عليها؟ يبدو أن التسريب يتجاوز المواد السرّية المتعلقة بأوكرانيا. إذ يقول المحللون إن مجموعة الوثائق تشمل أيضاً مواد حساسة عن كندا والصين وإسرائيل وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى المسرح العسكري في المحيطين الهندي والهادي والشرق الأوسط.
وبينما لم يوضح «البنتاغون» ما إذا كان من المحتمل ظهور مزيد من الوثائق على الإنترنت، أو عدد المسؤولين في وزارة الدفاع الذين تمكنوا من الوصول إلى هذه الوثائق، يقول المسؤولون إن التسريب دفع الوزارة إلى اتخاذ خطوات لمراجعة كيفية مشاركة بعض المعلومات السرّية... ومع مَن. ومن ناحية ثانية، بادرت الإدارة الأميركية إلى إجراء اتصالات مكثفة مع حلفاء واشنطن منذ شيوع الأنباء عن تلك التسريبات. ولقد نفت كوريا الجنوبية صحة التسريبات المتعلقة بها، قائلة إنها «مزورة». وأيضاً نفى جهاز «الموساد» الإسرائيلي الادعاءات بأنه لعب دوراً رئيسياً في تأجيج الاحتجاجات ضد حكومة بنيامين نتنياهو على خلفية مشروعه الخاص بالتعديلات القضائية.
مع هذا، يعد التسريب أحد أوسع الانتهاكات نطاقاً على صعيد المعلومات الدفاعية في الولايات المتحدة خلال عقد من الزمان. وهو يسلط الضوء على الأسرار العسكرية، بينما يصار إلى الكشف عنها في بعض الأحيان بتسريبات صغيرة، تظل إلى حد كبير سرية في «البنتاغون» وأروقة الصناعات الدفاعية.
- تسريبات سابقة غيرت سياسات
بالمناسبة، لطالما تعرّضت الولايات المتحدة لعمليات تجسس وقرصنة إبان حقبة «الحرب الباردة»، ربما كان أشهرها تسريبات ما يعرف بـ«أوراق البنتاغون» عام 1971، وقضية تجسّس روبرت هانسن الموظف الكبير في الـ«إف بي آي» لمصلحة الاتحاد السوفياتي، منذ عام 1976. وبعد انتهاء «الحرب الباردة»، وإثر صعود روسيا بزعامة فلاديمير بوتين، شكّلت تسريبات «ويكيليكس» عام 2010 حول «حرب العراق»، أول التسريبات الكبرى في المعركة التي فتحها ضد «الهيمنة» الأميركية. ثم في عام 2013، كشفت تسريبات إدوارد سنودن، أحد المطلعين على مجتمع الاستخبارات، عن تفاصيل مفاجئة حول مراقبة الحكومة الأميركية لملايين الأميركيين سراً. وفي عام 2016، كشفت «ويكيليكس» عن البريد الدبلوماسي لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والبريد الإلكتروني لقيادة الحزب الديمقراطي. وهو المفصل الذي اعتُبر سبباً مباشراً لهزيمتهم في انتخابات الرئاسة لمصلحة دونالد ترمب. وأيضاً، كثيرون الذين يعتقدون أن تلك التسريبات أدّت في كل مرة إلى تغييرات جوهرية في قرارات الولايات المتحدة وسياساتها، وهو ما يخشى حصوله اليوم مع تسريبات أوكرانيا.
- أوراق «البنتاغون»
أخيراً، مع استمرار الصراع في السبعينات، سُرّبت دراسة دفاعية بالغة السرّية حول تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام، التي لم تعد تحظى بشعبية لدى الأميركيين، إلى صحيفة «نيويورك تايمز» في مارس (آذار) عام 1971. ويومذاك أطلقت التقارير التي نشرتها الصحيفة العنان لعاصفة من الانتقادات ضد الحكومة الأميركية، بعد كشفها بالتفصيل تورّط البلاد منذ عقود في حرب فيتنام، مثبتة صحة كثير من الانتقادات المناهضة للحرب. أيضاً، أوضحت الوثائق، بالتفصيل قرارات ومداولات السياسة الأميركية بين عامي 1945 و1967، جرى تسريبها إلى الصحيفة، من قبل المحلل العسكري دانيال إلسبيرغ، الذي تولى تصوير التقرير سرّاً، وقدمه إلى صحافيي الجريدة.
وكذلك الأوراق أدلة دامغة، بما في ذلك الخطوات التي اتخذها رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبون، من هاري ترومان ودوايت أيزنهاور وجون كيندي وليندون جونسون، لإثارة الصراع في المنطقة بشكلين سرّي وعلني. وعدّ التسريب ضربة كبيرة للجيش الأميركي والإدارة السياسية، كونه أدى إلى كشف التفاصيل التي عمل المسؤولون على إبقائها سرية لسنوات. ونتج عنها واحدة من أضخم المعارك بين الإدارة الأميركية والصحافة، عندما أصدرت وزارة العدل أمراً مؤقتاً بمنع نشر التقارير. ولكن في نهاية يونيو (حزيران) 1971، سمحت المحكمة العليا لصحيفتي «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، بمواصلة نشر التقارير، في قرار حصل على أصوات غالبية 6 مقابل 3 من قضاة المحكمة. ونُظِر إلى ذلك القرار على أنه إحدى أهم القضايا المتصلة بحرية الصحافة في تاريخ الولايات المتحدة.

تسريبات إدوارد سنودن

> في عام 2013، كشفت تسريبات إدوارد سنودن، وهو أحد الموظفين في وكالة الأمن القومي، عن كيفية إقدام الحكومة الأميركية على مراقبة ملايين الأميركيين بشكل سرّي. واتهمت روسيا بالوقوف وراء العملية، خصوصاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشاد بسنودن، ومنحه الإقامة الدائمة ومن ثم الجنسية الروسية.

إدوارد سنودن

وكشفت التسريبات، عن برنامج مراقبة وضع في أعقاب «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، بعدما رأى المسؤولون حاجة ماسة إلى تعزيز البرامج الأمنية وعمليات المراقبة لتحديد نطاق التهديدات الإجرامية والإرهابية المحتملة. لكنها كشفت أيضاً أن الحكومة كانت تجمع معلومات عن المواطنين العاديين، وليس فقط عن تهديدات إرهابية محتملة. وفضحت معلومات سنودن - الذي فر أولاً إلى هونغ كونغ، ثم إلى روسيا، واتُهم بسرقة ممتلكات حكومية وجرائم أخرى - وجود برامج أميركية للتجسس على الحكومات الأجنبية، بينها ألمانيا وفرنسا، والتنصت على عدد من مكاتب الاتحاد الأوروبي، والتجسس على 38 سفارة أجنبية في واشنطن على الأقل.
وأيضاً أثارت الوثائق عالية السرّية التي سرّبها سنودن - الذي ينظر إليه البعض على أنه إمّا مخبر شجاع أو خائن للحكومة - قلق الأميركيين بشأن «بصماتهم» الرقمية وبياناتهم الشخصية، في معركة لا تزال مستمرة حتى اليوم، لكنها أدت في نهاية المطاف، إلى وقف البرنامج.

سجلات «ويكيليكس» عن «حرب العراق»

> في عام 2010، نشرت «ويكيليكس»، وهي منظمة إعلامية أسسها جوليان أسانج، مجموعة من الوثائق العسكرية السرّية المسرّبة، توضح بالتفصيل تصرفات القوات الأميركية و«قوات التحالف» في «حرب العراق» بين عامي 2004 و2009. وفي حينه، عُدّت التسريبات من أكثر النظرات الواقعية عن الصراع في المنطقة، وكشفت عن عدد من الديناميكيات المقلقة للحرب، من بينها عدد القتلى المدنيين. إذ تبين أنه بحلول عام 2009، قتل 66 ألف مدني، أي أكثر من 60 في المائة من قتلى الحرب. كما أظهرت أن المئات من هؤلاء المدنيين قتلوا على أيدي «قوات التحالف»، مع أنه لم يُعلن حتى الآن عن آلاف القتلى المدنيين.

جوليان آسانج

وتزعم الوثائق أيضاً حدوث انتهاكات في السجون، حتى بعد الإبلاغ عن انتهاكات واسعة النطاق للمعتقلين في سجن أبو غُريب في المراحل الأولى من الحرب. وخلصت إلى أن القوات الأميركية سلّمت سجناء إلى مجموعة عراقية معروفة بتمرسها في أساليب التعذيب.
وتضم التسريبات ما يقرب من 400 ألف تقرير أو سجل، سجلها جنود على الأرض في الحرب. وساعد تسريب تلك الوثائق، التي يعتقد أن روسيا تقف وراءها، في إضعاف التأييد الشعبي للحرب، الذي كان بدأ يتضاءل بالفعل. وبحلول الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عن خطط لإنهاء العمليات العسكرية الأميركية في العراق عام 2011، وافق 75 في المائة من المستطلعين تماماً على قرار إنهاء الحرب، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «بيو» للأبحاث في ذلك الوقت.

تجسس روبرت هانسن

> في عام 1976، انضم روبرت هانسن إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) كعميل خاص. وطوال 25 سنة أمضاها في الـ«إف بي آي»، تجسس على حكومة الولايات المتحدة لصالح الاتحاد السوفياتي وأجهزة الاستخبارات الروسية.

روبرت هانسن

هانسن كان طوال «الحرب الباردة» جاسوساً لموسكو، ولم يتسنّ اكتشافه حتى منتصف الثمانينات. وحقاً، بفضل مكانته في الـ«إف بي آي»، تمكن هانسن من الوصول إلى معلومات سرّية للغاية، وباع آلاف الوثائق إلى روسيا السوفياتية، التي توضح بالتفصيل الخطط العسكرية الأميركية، والاستراتيجيات في حال نشوب الحرب النووية، وتقنيات الأسلحة. وبحسب ما ورد في أوراق الاتهام التي وجهت إليه، حصل الرجل على 1.4 مليون دولار نقداً ومجوهرات من بيع المعلومات الاستخباراتية. وتمكّنت أجهزة الاستخبارات الأميركية عام 2000، من العثور على تأكيدات روسية، تفيد بأن هانسن جاسوس. وبينما كان على وشك التقاعد مباشرة، قبض المحققون عليه متلبساً بتسليم معلومات سرّية لمصادر روسية في إحدى الحدائق العامة بولاية فيرجينيا وتم اعتقاله. وفي وقت لاحق من العام، أقرّ هانسن بأنه مذنب في 15 تهمة تجسس، وهو راهناً يمضي 15 حكماً متتالياً مدى الحياة في أحد سجون ولاية كولورادو، من دون أي حق في الإفراج المشروط.


مقالات ذات صلة

الكرملين ينفي تحديد مكان وزمان جولة محادثات ثلاثية مع أوكرانيا

أوروبا تجمع للصحافيين خارج مدخل فندق إنتركونتيننتال خلال محادثات السلام الروسية - الأوكرانية في جنيف (إ.ب.أ) p-circle

الكرملين ينفي تحديد مكان وزمان جولة محادثات ثلاثية مع أوكرانيا

الكرملين ينفي تحديد مكان وزمان جولة محادثات ثلاثية مع كييف، وتقارير حول أكثر من 1780 أفريقياً من 36 دولة «يقاتلون في الجيش الروسي».

الولايات المتحدة​ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي وفيكو يتفقان على مناقشة الأزمة الناتجة من خط أنابيب النفط الروسي

اتفق الرئيس الأوكراني ورئيس الوزراء السلوفاكي، الجمعة، على لقاء من حيث المبدأ، على خلفية اتهام براتيسلافا كييف بعرقلة إمدادات النفط الروسي عبر خط أنابيب دروجبا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا تجمع للصحافيين خارج مدخل فندق إنتركونتيننتال خلال محادثات السلام الروسية الأوكرانية في جنيف (إ.ب.أ) p-circle

الجولة المقبلة من المحادثات الثلاثية تنتقل من جنيف إلى أبوظبي

الجولة المقبلة من المحادثات الثلاثية تنتقل من جنيف إلى أبوظبي، والكرملين ينفي أي علاقة بتحليق مسيرة قريباً من حاملة طائرات فرنسية

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المفاوض الأوكراني رستم عمروف لدى وصوله إلى جنيف أمس (إ.ب.أ)

واشنطن وكييف تختتمان محادثات في جنيف تمهيداً لجولة مفاوضات مع موسكو

اختتم مبعوثون أميركيون وأوكرانيون محادثات في جنيف، الخميس، لتعزيز التنسيق والإعداد لجولة تفاوض جديدة مرتقبة مع روسيا بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أفريقيا فيستوس أوموامبا مؤسس وكالة التوظيف «غلوبال فايس للموارد البشرية» (رويترز)

اتهام كيني أرسل مواطنين للقتال في روسيا بـ«الاتجار بالبشر»

أعلن الادعاء العام في نيروبي الخميس توجيه تهمة الاتجار بالبشر لعنصر رئيسي في شبكة أرسلت أكثر من ألف كيني للقتال في صفوف الجيش الروسي.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.