اتفاق ترعاه واشنطن يحدد الجماعات السورية المستحقة للسلاح

تأجيل التصويت على قرار دولي لإيصال المساعدات للسوريين

ارشيفية لاجتماع اصدقاء سورية
ارشيفية لاجتماع اصدقاء سورية
TT

اتفاق ترعاه واشنطن يحدد الجماعات السورية المستحقة للسلاح

ارشيفية لاجتماع اصدقاء سورية
ارشيفية لاجتماع اصدقاء سورية

وافقت الولايات المتحدة وحلفاؤها الرئيسون من الأوروبيين والعرب على خطة موحدة لتقديم الدعم للجماعات المعارضة في سوريا، عن طريق تصنيفهم إلى جماعات يجب أن تتلقى إمدادات السلاح والمساعدات الأخرى، وآخرين غير مؤهلين لتلقي هذه الإمدادات بسبب ارتباطهم الواضح بالإرهاب، وأخيرا هؤلاء الذين تتطلب شرعيتهم مزيدا من النقاش، بحسب مسؤولين أميركيين وحلفاء.
وإضافة إلى المبادرات الجديدة التي طرحتها الولايات المتحدة وغيرها لزيادة شحنات الأسلحة والتدريب للمعارضة السورية، وغيرها من أشكال الدعم مثل المعلومات الاستخبارية، فإن هذه الخطة التي وضعت خلال اجتماع قادة الاستخبارات الذي رأسته الولايات المتحدة تهدف إلى التغلب على الانقسامات بين الحكومات بشأن أي جماعات المعارضة تستحق للحصول على المساعدة والتدريب. وقال أحد المسؤولين العرب «الهدف من ذلك هو ألا تعمل دولة بمفردها، وأن يلتزم الجميع بنفس المعايير». ووصف المسؤول التصنيف بأنه «وثيقة حية» يجري تحديثها باستمرار مع تحول تحالفات مجموعات المعارضة.
وتختلف هذه المبادرة عن المبادرات السابقة الرامية إلى تنظيم المساعدات الخارجية التي طرحت خلال العامين الماضيين من الحرب الأهلية الطاحنة في سوريا. وكانت تركيا والسعودية وفرنسا والولايات المتحدة وقطر، من بين المشاركين في اجتماع الأسبوع الماضي، وكانت تبرز بينهم تباينات حول أسلوب دعم المعارضة وتقويض الرئيس السوري بشار الأسد.
لكن مسؤولين من عدة حكومات أوروبية وعربية شاركوا في اجتماع للاستخبارات واجتماعات رفيعة المستوى في الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة - وكثير منهم شكوا في الماضي عن غياب الدور القيادي لدى الإدارة الأميركية - أشاروا إلى وجود تحول جوهري نحو موقف أميركي أكثر حزما ورغبة من قبل الآخرين على اتباع هذا المسار. وأشاد المسؤولون الأجانب بموقف الإدارة الأميركية الجديد «الذي استشعر الضرورة الملحة». ومن جانبهم أشاد مسؤولون أميركيون بالمستوى الجديد من التعاون الذي قدمته مسؤولو الدول الحليفة.
بيد أن الجميع عزا التغيير إلى نفس العوامل، التي كانت من بينها هذه الانشقاقات المتزايدة في صفوف الثوار التي سمحت بإجراء تقييم أكثر وضوحا للمجموعات المعتدلة بما يكفي للحصول على المعونة.
وقال مسؤول كبير في الإدارة طلب عدم الكشف عن هويته لمناقشته أمور متعلقة بالاستخبارات، مشيرا على وجه الخصوص إلى الانشقاقات بين تنظيم الدولة الإسلامية المتطرفة في العراق وسوريا وغيرها من الجماعات «نسعى إلى الاستفادة من الانقسامات التي ظهرت في صفوف المعارضة، وأعتقد أن ذلك سيساعدنا على إجراء محادثة بناءة بشكل أكبر مع دول الخليج والأتراك وبعض الأوروبيين حول كيفية تركيز مساعدتنا على عدد محدد من المجموعات».
ولم يتضح بعد ما إذا كانت إعادة التقييم ستجعل الإدارة تتخلى عن سياستها الراهنة بمساعدة الجيش السوري الحر أم أنها ستركز في الدرجة الأولى على تحقيق آمال واشنطن في توقف الآخرين عن مساعدة المجموعات الأخرى التي تعتبرها متطرفة. وقد تركز الاهتمام الأميركي والأوروبي في سوريا بشكل متزايد على إمكانية تجاوز الحرب في سوريا نطاق الشرق الأوسط. وحذرت تقييمات استخبارية جديدة من الأعداد المتزايدة للأجانب ضمن صفوف المتطرفين، بما في ذلك مئات من الأوروبيين الذين سمح لهم بدخول هذا البلد دون تأشيرات الدخول.
وفي شهادتهم أمام الكونغرس في أواخر الشهر الماضي، شبه كبار مسؤولي الاستخبارات الأميركيين بعض المناطق التي تسيطر عليها مجموعات معارضة في سوريا بملاذات تنظيم القاعدة في غرب باكستان واليمن، وأشاروا إلى أن بعض الجماعات المتطرفة تحمل «تطلعات» لمهاجمة الولايات المتحدة.
إضافة إلى ذلك، أودت الحرب السورية بحياة نحو 140.000 شخص، إضافة إلى ملايين الفارين إلى الدول المجاورة التي تمتلك بنية تحتية هشة، وخلفت مئات الآلاف من النازحين داخليا أو الذين يتضورون جوعا - بشكل كبير. وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الخميس إن الأزمة أثرت على «ما يقرب من نصف سكان سوريا».
وأخيرا، أصابت مفاوضات الشهر الماضي الفاشلة في جنيف بين المعارضة وحكومة الأسد الإدارة الأميركية بخيبة أمل إزاء إمكانية استعداد روسيا، الحليف الرئيس للأسد، للعب دور بناء. وقد اتضحت بوادر اتساع الخلاف مع روسيا هذا الأسبوع في الأمم المتحدة في قرار لمجلس الأمن المدعوم من الولايات المتحدة بوصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود - الذي ترفضه الحكومة السورية - ويحذر من اتخاذ عدد من التدابير غير المحددة.
لكن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وصف القرار، الذي من المرجح أن يطرح اليوم، بأنه انتهاك للقانون الدولي، وأن سوريا وحدها هي المخولة بتحديد من يعبر حدودها بشكل قانوني. بينما قال بعض المسؤولين الأميركيين وغيرهم إنهم لا يزالون يأملون في التوصل إلى الاتفاق، فيما دعا البعض الآخر إلى دفع روسيا للاعتراض على القرار وهو ما من شأنه أن يحرج موسكو خلال دورة الألعاب الأولمبية في سوتشي.
وقال مسؤولون أميركيون وغيرهم إن الخطط الجديدة تتجه نحو تنفيذ الدعوات المطالبة برفع تدريب مقاتلي المعارضة وزيادة شحنات الأسلحة. وقال مسؤولون أميركيون إنه لا توجد خطط لتحويل برامج التدريب ومساعدات الأسلحة التي تديرها وكالة الاستخبارات إلى الجيش الأميركي.
بالإضافة إلى ذلك، يجري وضع خطط في إطار الاتفاقات الجديدة لفتح طرق إمداد أكثر قوة في الشمال، عبر تركيا، حيث يواجه ما يسمى بمقاتلي المعارضة المعتدلة المتطرفين وكذلك قوات الأسد. وحتى الآن، ترفض تركيا مثل هذه العمليات الخارجية، واتهم بعض الحلفاء الأتراك بغض الطرف عن تسلل المتطرفين. وقال البيت الأبيض إن أوباما ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان اتفقا في اتصال هاتفي الأربعاء «على أهمية التعاون الوثيق بين بلدينا لمواجهة الوجود الإرهابي المتزايد في سوريا».
لكن استعداد الولايات المتحدة للقيام بدورها إزاء الأحداث الأخيرة لم يلق ترحيبا من كل شركاء واشنطن.
وقال مسؤول عربي آخر «شهدنا هذا الموقف من قبل عامين»، مشيرا إلى أن هدف الإدارة يظل عدم مساعدة المعارضة على تحقيق النصر على الحكومة السورية، بل لمنع هزيمة المعارضة.
وكانت فرنسا قد اقترحت أن يستغل أوباما تلكؤ الأسد في تنفيذ اتفاق العام الماضي لتدمير أسلحة سوريا الكيميائية كذريعة لتجديد التهديد بشن هجمات بصواريخ كروز على المنشآت السورية. لكن دول الخليج العربي الأخرى تصر منذ فترة طويلة على أن الضربات الجوية الأميركية لا تحتاج ذريعة أكثر من استمرار الأسد في السلطة. وأشار مسؤولون في الإدارة الأميركية إلى أن واشنطن لا تزال ثابتة على موقفها الذي كانت عليه قبل عامين، عندما بدأت تنسيق الجهود مع الدول الشريكة لطرح مبادرات جادة.
وقال مسؤول كبير في الإدارة «إننا لم نستثن أي خيار، لكننا على الرغم من ذلك نرفض إمكانية شن ضربات جوية أميركية في سوريا»، واصفا إياها بـ«الحل السريع الزائل». وأضاف «ستظل هناك دائما خيارات، لكننا لا نرى أي فائدة يمكن لهذه الضربات من خلالها تغيير الوضع على الأرض بما فيه الكفاية لتبرير الخطر الاستثنائي الذي تشكله».
ونفى مسؤول كبير في الإدارة التقارير التي صدرت هذا الأسبوع عن وجود تغييرات كبيرة في سياسة الإدارة الأميركية تجاه سوريا، مدعومة بالتصريحات الأخيرة من وزيرة الخارجية جون كيري وغيره، واصفا إياها بـ«المبالغة». وقال «قد تعتقد أننا حصلنا على مهام رسمية للتوصل إلى خيارات جديدة، لكن الأمر ليس على هذا النحو». وأضاف المسؤول «يمكنك القول إنه تغير في النظرة لا تغيير في السياسة».

وعلى صعيد اخر، يعقد مجلس الأمن الدولي صباح اليوم السبت، جلسة خاصة للتصويت على مشروع قرار لتعزيز وصول المساعدات الإنسانية إلى سوريا وسط غموض حول موقف كل من روسيا والصين - اللتين تتمتعان بحق الـ«فيتو» - من مشروع القرار.
وبعد مفاوضات استمرت أسبوعين داخل أروقة مجلس الأمن نجح سفراء كل من الأردن وأستراليا ولوكسمبورج في وضع اللمسات النهائية لمشروع القرار بعد اعتراضات سابقة من روسيا، الدولة الداعمة للنظام السوري.
وقال السفير الأسترالي لدى الأمم المتحدة غاري كوبنلان في تصريحات للصحافيين مساء أول من أمس إن مشروع القرار ينص على مطالبة جميع الأطراف في سوريا بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية للوكالات الإنسانية للأمم المتحدة وشركائها المنفذين دون عوائق وبسرعة إلى المناطق المأهولة بالسكان بما في ذلك المدن المحاصرة مثل حمص وحلب، وعبر خطوط النزاع وعبر الحدود، ووضع حد للقصف الجوي وإلقاء البراميل المتفجرة على الأحياء السورية ويطالب بإنشاء منطقة آمنة (برا) إلى المدن السورية المحاصرة، ويهدد مشروع القرار باتخاذ خطوات أخرى في حال عدم امتثال النظام السوري بتنفيذ مشروع القرار.
وأشار السفير الأسترالي إلى أن النقاط الخاصة بالتزام النظام السوري بالسماح بوصول المساعدات والتهديد بعقوبات في حال الإخفاق كانت من أبرز الخلافات التي سادت المفاوضات لأكثر من أسبوعين واستدعت إسقاط أي إشارة لإمكانية تبني عقوبات بموجب المادة (41)، مشيرا إلى أن المجلس كان من المفترض أن يجري تصويتا على مشروع القرار يوم الجمعة لكن تم تأجيل التصويت لصباح السبت.
وأوضح دبلوماسيون أن تأجيل التصويت على مشروع القرار جاء استجابة لطلب روسيا، التي أشارت إلى أنها بحاجة لمزيد من الوقت لدراسة مشروع القرار والتشاور حوله مع الحكومة في موسكو، بعد تلقيها مشروع القرار في وقت متأخر مساء الأربعاء. ويشير الدبلوماسيون إلى أن روسيا تحاول المماطلة ووضع العراقيل حتى تتجنب التصويت بالـ«فيتو» ضد إيصال مساعدات إنسانية للسوريين المنكوبين مما يضعها في موقف حرج أمام المجتمع الدولي.
ودون أن يذكر اسم البلد قال السفير الفرنسي جيرار أرو «أحد الوفود طلب بعض الوقت للحصول على تعليق دولته على القرار والحصول منها على تعليمات».
وقدمت كل من أستراليا ولوكسمبورغ والأردن مشروع القرار بدعم من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وقد أسقطت المسودة الأخيرة أي إشارة إلى «حزب الله» و«فيلق القدس» باعتبارهما من المنظمات الأجنبية المقاتلة في سوريا وتم التعديل لينص على دعوة المقاتلين الأجانب بمغادرة سوريا دون تحديد تنظيماتهم. وتضمنت المسودة الأخيرة تعديلا طلبته روسيا لإدانة الإرهاب والهجمات التي تشنها مجموعات تابعة لتنظيم القاعدة.
ودعت رئيسة الشؤون الإنسانية فاليري آموس الدول الأعضاء في مجلس الأمن إلى استخدام نفوذها للتأكد من التزام كل الأطراف في سوريا بتسهيل توصيل المساعدات وتطبيق القوانين الإنسانية الدولية وأعربت عن إحباطها من التقدم المحدود والبطيء للمفاوضات بين الدول الغربية وروسيا لصياغة القرار.
كانت روسيا قد اتخذت موقفا متشددا من قيام مجلس الأمن بإصدار قرار حول توصيل المساعدات الإنسانية عبر الحدود، وقالت موسكو إنها ستصوت بالـ«فيتو» على أي قرار يسمح لقوافل المساعدات بالوصول إلى سوريا دون موافقة النظام السوري. وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في تصريحات خلال زيارته لبغداد الخميس «إن القرار الخاص بتوصيل المساعدات الإنسانية عبر الحدود يجب أن يلتزم بالقانون الإنساني الدولي الذي يتطلب موافقة الحكومة السورية لمثل هذه الخطوة» وحذر لافروف من تهريب الأسلحة والمعدات للمقاتلين عبر الحدود تحت ستار توصيل المساعدات الإنسانية، متهما محاولات إصدار قرار بمجلس الأمن أنه ذريعة لدفع فكرة إنشاء ممرات إنسانية ومناطق حظر طيران. ويخشى «الكرملين» أن يكون خطوة إصدار قرار لضمان نفاذ المساعدات خطوة أولي تحو التدخل العسكري المباشر في سوريا.
أما الصين، فأعلنت الخارجية الصينية أن بكين تعتقد أن أي إجراء يقوم به مجلس الأمن يجب أن يقود إلى الضغط من أجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية «إن أية إجراءات يجب أن تحترم المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن تقديم المساعدات الإنسانية ويجب إعلاء النزاهة والحيادية».
وقد عرقلت كل من روسيا والصين ثلاثة قرارات سابقة من مجلس الأمن تستهدف الضغط على نظام الرئيس بشار الأسد بالتصويت بالـ«فيتو».
وقد استمرت المناقشات في الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول أهمية وصول المساعدات الإنسانية لأكثر من عام، وبعد شهور من المحادثات وبضغوط من الدول الغربية في مجلس الأمن، أصدر المجلس في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي قرارا «غير ملزم»، يحث على ضرورة تقديم المساعدات الإنسانية للسوريين. وهو القرار الذي لم يجد صدى على أرض الواقع.
من جانبها، بدأت الإدارة الأميركية بحث خطة لاستخدام أصولها العسكرية البرية في تركيا والأردن كمناطق انطلاق لتسهيل تدفق المواد الغذائية والطبية للسوريين.
وشدد مسؤول بالإدارة الأميركية على التزام الولايات المتحدة بمساعدة الشعب السوري وتقديم المساعدات الإنسانية وقال: «سوف نبقي على الجانب الآخر» من الحدود نافيا إمكانية استخدام طائرات في توصيل المساعدات الإنسانية للسوريين، حيث لا يذكر مشروع القرار بمجلس الأمن أي صياغة تتعلق باستخدام الطائرات في حماية الطرق لتوصيل المساعدات الإنسانية للمدن السورية المحاصرة.
وتشير مصادر إلى أن الإدارة الأميركية تريد الاعتماد على شركائها في تركيا والأردن للمساعدة في توفير المساعدات لكنها غير مستعدة للمخاطرة بوضع قوات أميركية على الأرض. وقد أشار الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة في تصريحات علنية أن فرض منطقة حظر جوي فوق سوريا ستكون عملية محفوفة بالمخاطر ومعقدة ومكلفة للغاية، نظرا للدفاعات الجوية الحديثة لدى سوريا، وهو السبب في تركيز الإدارة الأميركية على المساعدة في توصيل المساعدات الإنسانية إلى سوريا من مناطق آمنة وأقل إثارة للجدل بالتنسيق مع حلفائها في ظل قرار يرعاه مجلس الأمن الدولي.
وتقول الأمم المتحدة في تقاريرها إن هناك ما يقرب من 9.3 مليون شخص داخل سوريا بحاجة إلى المساعدة. وتقوم شبكة من المنظمات الإنسانية بالفعل بتقديم المساعدات الإنسانية ومنها هيئات الأمم المتحدة المختلفة والصليب الأحمر والهلال الأحمر وبعض المتطوعين.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.