ألمانيا تغلق آخر محطاتها النووية

وسط جدل على خلفية أزمة المناخ

مجسم للشمس وهي الشعار المناهض للأسلحة النووية في وقفة أمام بوابة براندنبورغ أثناء عمل منظمة السلام الأخضر البيئية للاحتفال بإغلاق آخر ثلاث محطات طاقة نووية ألمانية (د.ب.أ)
مجسم للشمس وهي الشعار المناهض للأسلحة النووية في وقفة أمام بوابة براندنبورغ أثناء عمل منظمة السلام الأخضر البيئية للاحتفال بإغلاق آخر ثلاث محطات طاقة نووية ألمانية (د.ب.أ)
TT

ألمانيا تغلق آخر محطاتها النووية

مجسم للشمس وهي الشعار المناهض للأسلحة النووية في وقفة أمام بوابة براندنبورغ أثناء عمل منظمة السلام الأخضر البيئية للاحتفال بإغلاق آخر ثلاث محطات طاقة نووية ألمانية (د.ب.أ)
مجسم للشمس وهي الشعار المناهض للأسلحة النووية في وقفة أمام بوابة براندنبورغ أثناء عمل منظمة السلام الأخضر البيئية للاحتفال بإغلاق آخر ثلاث محطات طاقة نووية ألمانية (د.ب.أ)

تنفذ ألمانيا، اليوم (السبت)، الوعد الذي قطعته بإغلاق آخر 3 مفاعلات نووية لديها، في ختام عملية تخلٍ عن الطاقة الذرية بدأت منذ فترة طويلة، رغم الجدل الذي يثيره هذا القرار في سياق الأزمة المناخية الملحة.
ويفتح أكبر اقتصاد في أوروبا فصلاً جديداً في مجال الطاقة، بعدما واجه تحدي وقف الاعتماد على الوقود الأحفوري، وفي الوقت نفسه إدارة أزمة الغاز الناجمة عن الحرب في أوكرانيا.
ومنتصف ليل السبت الأحد على أبعد حد، سيتم فصل محطات توليد الكهرباء «إيسار 2» (جنوب شرق) ونيكارفيستهايم (جنوب غرب) وإيمسلاند (شمال غرب) عن شبكة الكهرباء.
وكانت الحكومة الألمانية منحت هذه المحطات مهلة بضعة أسابيع بعد موعد توقفها الذي كان محدداً في 31 ديسمبر (كانون الأول)، لكن من دون العودة عن قرار طي صفحة الطاقة النووية.
وقالت وزيرة البيئة شتيفي ليمكه خلال الأسبوع الحالي إن «المخاطر المرتبطة بالطاقة النووية لا يمكن السيطرة عليها بالتأكيد». وهذا تذكير بأن المخاطر المرتبطة بالنووي المدني تثير استياء شرائح واسعة من السكان منذ عقود، وقد عززت حركة الدفاع عن البيئة.
وتنظم حركة «غرينبيس» التي تقف في الصفوف الأمامية لمعركة مكافحة النووي، حفل وداع أمام بوابة براندنبورغ في برلين ظهر اليوم. وقالت هذه المنظمة غير الحكومية: «أخيراً أصبحت الطاقة النووية جزءاً من التاريخ! لنجعل الخامس عشر من أبريل (نيسان) يوماً لا يُنسى».
وبالعكس، كتبت صحيفة «فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ» المحافظة، اليوم (السبت): «شكراً للطاقة النووية»، مشددة على الفوائد التي جلبتها للبلاد.
وقالت كامي ديفار الباحثة في سياسة الطاقة، في «معهد جاك ديلور» إن التخلي عن النووي «استغرق وقتاً طويلاً».
وبعد قرار أول اتخذته برلين مطلع الألفية بالتخلي تدريجياً عن النووي، سرعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميكل العملية بعد كارثة فوكوشيما في 2011، في تغيير سياسي لافت. ومنذ 2003، أغلقت ألمانيا 16 مفاعلاً نووياً.
وكاد الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022 يعيد النظر بالقرار. فمع حرمانها من الغاز الروسي الذي قطعت موسكو الجزء الأكبر منه، وجدت ألمانيا نفسها في مواجهة أحلك سيناريوهات؛ من احتمال توقف مصانعها إلى غياب التدفئة.
لكن الشتاء مر بلا نقص؛ إذ حل موردون آخرون للغاز محل روسيا، لكن الإجماع على التخلي عن الطاقة النووية ضعف. ففي استطلاع أخير للرأي أجرته قناة «إيه آر دي»، قال 59 في المائة من المشاركين فيه إن التخلي عن النووي في هذه الأوضاع ليس فكرة جيدة.
وقال رئيس غرف التجارة الألمانية بيتر أدريان لصحيفة «راينيشه بوست» اليومية إنه يجب على ألمانيا «توسيع عرض الطاقة، وليس تقليصه»، نظراً لاحتمالات النقص وارتفاع الأسعار.
من جهته، رأى بيان دير - ساراي الأمين العام لـ«الحزب الديمقراطي الحر» الليبرالي الشريك في الائتلاف الحكومي الذي يقوده المستشار أولاف شولتس ودعاة حماية البيئة إنه «خطأ استراتيجي في بيئة جيوسياسية ما زالت متوترة».
وأمنت المحطات الثلاث الأخيرة 6 في المائة فقط من الطاقة المنتَجة في البلاد، العام الماضي، بينما كانت الطاقة النووية تؤمن 30.8 في المائة في 1997.
في الوقت نفسه، بلغت حصة «مزيج» مصادر الطاقة المتجددة من الإنتاج 46 في المائة في 2022 في مقابل أقل من 25 في المائة قبل 10 سنوات.
وقال سيامن مولر مدير مركز الدراسات «آغورا إنرغيفيندي» المتخصص بالانتقال في مجال الطاقة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بعد 20 عاماً على بدء عملية انتقال في الطاقة، تنتج الطاقات المتجددة الآن كمية من الكهرباء أكبر بمرة ونصف المرة مما كان ينتجه النووي في ذروته في ألمانيا».
لكن في ألمانيا أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الاتحاد الأوروبي ما زال الفحم يمثل ثلث إنتاج الكهرباء، وسجل زيادة بنسبة 8 في المائة العام الماضي للتعويض عن غياب الغاز الروسي.
دفع ذلك الناشطة السويدية غريتا تونبرغ إلى انتقاد برلين، معتبرة أنه من الأفضل الاستمرار في استخدام محطات الطاقة النووية لخفض استخدام الفحم.
والانتقادات نفسها وجهتها وزارة الانتقال الطاقوي الفرنسية مؤكدة أن «إنعاش الطاقة الأحفورية لتعويض التخلي عن الطاقة النووية لا يسير في اتجاه العمل المناخي»، على المستوى الأوروبي.
وتبقى فرنسا التي تمتلك 56 مفاعلاً الأكثر اعتماداً على النووي مقارنة بعدد السكان. وعلى المستوى الأوروبي، تثير المسألة النووية خلافات حادة بين باريس وبرلين.
وتفضل ألمانيا التركيز على هدفها المتمثل في تأمين 80 في المائة من احتياجاتها من الكهرباء باستخدام مصادر الطاقة المتجددة بحلول 2030، مع إغلاق محطات الطاقة التي تعمل بالفحم بحلول 2038 على أبعد حد.
لكن الغموض يكمن في هذه النقطة. وكتبت صحيفة «سود دويتشه تسايتونا» اليومية، اليوم (السبت): «أين وكيف يجب إنتاج الطاقة المتجددة؟ الجميع في هذا البلد يتفقون على الأقل على شيء واحد: ليس في منزلي».


مقالات ذات صلة

رئيس نادي شتوتغارت: نتفهم عدم رضا الجماهير عن بيع أسهم رابطة الدوري

الرياضة رئيس نادي شتوتغارت: نتفهم عدم رضا الجماهير عن بيع أسهم رابطة الدوري

رئيس نادي شتوتغارت: نتفهم عدم رضا الجماهير عن بيع أسهم رابطة الدوري

أبدى أليكساندر ويرل، رئيس نادي شتوتغارت، تفهمه لعدم رضا الجماهير عن خطط رابطة الدوري الألماني لكرة القدم، لبيع أجزاء من أسهمها للمستثمرين. وقال رئيس شتوتغارت في تصريحات لصحيفة «فيلت»، اليوم الأربعاء: «إنهم يخشون أن تذهب الأموال للاعبين ووكلائهم، يجب العلم بأن ذلك لن يحدث في تلك الحالة». وتنص اللوائح على عدم إمكانية امتلاك أي مستثمر لأكثر من 50 في المائة من الأسهم، باستثناء باير ليفركوزن، وفولفسبورغ المدعوم من شركة فولكسفاجن، وتوجد طريقة للتحايل على تلك القاعدة، وهي الاستثمار في القسمين (الدوري الممتاز والدرجة الثانية). وكان يتعين على الأطراف المهتمة تقديم عروضها بحلول 24 أبريل (نيسان) الماضي ل

«الشرق الأوسط» (شتوتغارت)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم سوري مشتبه به في تنفيذ هجومين بسكين في ألمانيا

سوري مشتبه به في تنفيذ هجومين بسكين في ألمانيا

أعلن مكتب المدّعي العام الفيدرالي الألماني، اليوم (الجمعة)، أن سورياً (26 عاماً) يشتبه في أنه نفَّذ هجومين بسكين في دويسبورغ أسفر أحدهما عن مقتل شخص، وفقاً لوكالة «الصحافة الفرنسية». وذكرت النيابة العامة الفيدرالية في كارلسروه، المكلفة بأكثر القضايا تعقيداً في ألمانيا منها «الإرهابية»، أنها ستتولى التحقيق الذي يستهدف السوري الذي اعتُقل نهاية الأسبوع الماضي. ولم يحدد المحققون أي دافع واضح للقضيتين اللتين تعودان إلى أكثر من 10 أيام. وقالت متحدثة باسم النيابة الفيدرالية لصحيفة «دير شبيغل»، إن العناصر التي جُمعت حتى الآن، وخصوصاً نتائج مداهمة منزل المشتبه به، كشفت عن «مؤشرات إلى وجود دافع متطرف ور

«الشرق الأوسط» (برلين)
الخليج وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته الألمانية تطورات الأحداث في السودان

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته الألمانية تطورات الأحداث في السودان

تلقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، اتصالاً هاتفياً، اليوم (الخميس)، من وزيرة خارجية جمهورية ألمانيا الاتحادية أنالينا بيربوك. وبحث الجانبان خلال الاتصال، التطورات المتسارعة للأحداث في جمهورية السودان، وأوضاع العالقين الأجانب هناك، حيث أكدا على أهمية وقف التصعيد العسكري، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، وتوفير الممرات الإنسانية الآمنة للراغبين في مغادرة الأراضي السودانية. وناقش الجانبان القضايا والمستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تعزيز جهود إرساء دعائم السلام التي يبذلها البلدان الصديقان بالمنطقة والعالم.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم القبض على سوري مشتبه به في تنفيذ هجوم الطعن بألمانيا

القبض على سوري مشتبه به في تنفيذ هجوم الطعن بألمانيا

ألقت السلطات الألمانية ليلة أمس (السبت)، القبض على شخص مشتبه به في تنفيذ هجوم الطعن الذي وقع مساء الثلاثاء الماضي، في صالة للياقة البدنية بمدينة دويسبورغ غرب البلاد. وصرح الادعاء العام الألماني في رد على سؤال من وكالة الأنباء الألمانية، بأن هذا الشخص سوري الجنسية ويبلغ من العمر 26 عاماً. وأدى الهجوم الذي قالت السلطات إنه نُفذ بـ«سلاح طعن أو قطع» إلى إصابة 4 أشخاص بجروح خطيرة.


مخزونات الغاز في ألمانيا تثير القلق من عدم كفايتها لفصل الشتاء

مستودع أستورا للغاز الطبيعي وهو أكبر مستودع لتخزين الغاز الطبيعي في أوروبا الغربية في ريدن بألمانيا (رويترز)
مستودع أستورا للغاز الطبيعي وهو أكبر مستودع لتخزين الغاز الطبيعي في أوروبا الغربية في ريدن بألمانيا (رويترز)
TT

مخزونات الغاز في ألمانيا تثير القلق من عدم كفايتها لفصل الشتاء

مستودع أستورا للغاز الطبيعي وهو أكبر مستودع لتخزين الغاز الطبيعي في أوروبا الغربية في ريدن بألمانيا (رويترز)
مستودع أستورا للغاز الطبيعي وهو أكبر مستودع لتخزين الغاز الطبيعي في أوروبا الغربية في ريدن بألمانيا (رويترز)

ما زال مستوى امتلاء مخزونات الغاز في ألمانيا منخفضاً، مع قرب دخول فصل الشتاء، وهو ما أثار خلال الأيام الماضية مخاوف من احتمال عدم كفاية كمية الغاز المخزنة حتى الربيع المقبل.

ورغم أن الوكالة الاتحادية لإدارة الشبكات في ألمانيا، بددت المخاوف من احتمال عدم كفاية مخزونات الغاز لتلبية احتياجات إمدادات الغاز في البلاد خلال فصل الشتاء. إذ قال رئيس الوكالة، كلاوس مولر، السبت، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية» في بون: «لدينا بالفعل الآن كمية من الغاز في المخزونات تفوق قليلاً الكمية التي سحبناها من المخزونات طوال النصف الشتوي الماضي. ولا يزال هناك وقت خلال الأسابيع المقبلة لمواصلة تخزين الغاز».

غير أن كمية الغاز المخزنة حالياً تبلغ نحو 136 تيراواط/ساعة، أي ما يزيد قليلاً على 55 في المائة من سعة التخزين. ووفقاً لوكالة الشبكات، جرى سحب نحو 134 تيراواط/ساعة خلال الشتاء الماضي بأكمله.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، فإن مستوى امتلاء مخزونات الغاز منخفض. ونوقشت إمكانية أن تأمر الحكومة بإجراء عمليات شراء، وهي إمكانية متاحة بالفعل، لكنها قد تكون مكلفة.

وتحدث اتحاد مشغلي منشآت تخزين الغاز «إينيس» مؤخراً عن «مستويات امتلاء منخفضة تاريخياً»، مطالباً بوضع قواعد أخرى حتى تصبح عملية تخزين الغاز مجدية من جديد.

ولا تعتبر مقارنة مستويات التخزين الحالية بالمستويات السابقة مناسبة تماماً، إذ توجد الآن على السواحل الألمانية محطات لاستقبال سفن الغاز الطبيعي المسال، ومن ثم يمكن استيراد كميات إضافية من السوق العالمية بسرعة نسبياً. كما توجد خطوط أنابيب، من بينها خطوط قادمة من النرويج.

وأشار مولر أيضاً إلى إمكانية استيراد الغاز الطبيعي المسال، قائلاً: «تبلغ نسبة تشغيل محطات الغاز الطبيعي المسال حالياً نحو 45 في المائة. وهناك سعات كافية لاستيراد كميات إضافية من الغاز».

وعلى غرار موقف وزارة الاقتصاد الألمانية، لا يؤيد مولر حالياً أي تدخل من جانب الدولة، معولاً بدلاً من ذلك على السوق الحرة. وقال مولر: «إنها مهمة التجار أن يملأوا المخزونات»، مشيراً إلى أن التجار لديهم التزامات بتوريد الغاز إلى مرافق الخدمات العامة المحلية والمنشآت الصناعية.

وأضاف: «يمكنهم الوفاء بهذه الالتزامات من خلال عمليات التوريد عبر خطوط الأنابيب أو استيراد الغاز الطبيعي المسال أو سحب الغاز من المخزونات»، مشيراً إلى أنهم ملزمون بالوفاء بهذه الالتزامات، ولذلك فإنهم يتخذون الاحتياطات اللازمة، وقال: «التدخلات الحكومية ستكون مكلفة في جميع الأحوال».


«ستاندرد آند بورز»: السعودية تعزز قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية

صورة جوية للمركز المالي في الرياض (واس)
صورة جوية للمركز المالي في الرياض (واس)
TT

«ستاندرد آند بورز»: السعودية تعزز قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية

صورة جوية للمركز المالي في الرياض (واس)
صورة جوية للمركز المالي في الرياض (واس)

عكس مراجعة «وكالة ستاندرد آند بورز» قوة التحول الاقتصادي في السعودية، مع استمرار زخم النشاط غير النفطي، وتنوع صادرات الطاقة، وارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي، وهي عوامل دعمت إبقاء التصنيف السيادي عند «إيه+/إيه-1» (A+/A-1) ، مع نظرة مستقبلية «مستقرة».

فقد أكدت الوكالة تصنيف السعودية الائتماني السيادي عند «إيه+/إيه-1» للعملتين المحلية، والأجنبية، مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن مرونة الاقتصاد، وتنوع البنية التحتية لصادرات الطاقة، إلى جانب استمرار نمو النشاط غير النفطي، كلها توفر للمملكة هوامش واسعة لامتصاص الضغوط الناجمة عن التوترات الإقليمية الراهنة.

وتستند النظرة «المستقرة»، وفق أحدث تقييم للوكالة، إلى قدرة السعودية على تحمل تداعيات الصراع الإقليمي، مدعومة بامتلاكها بنية تحتية متنوعة لصادرات الطاقة، تشمل إمكانية تحويل صادرات الخام إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب شرق-غرب، إلى جانب امتلاكها طاقات كبيرة لتخزين النفط وتكريره داخل البلاد، وخارجها.

وترى «ستاندرد آند بورز» أن استمرار زخم النمو غير النفطي، والإيرادات المرتبطة به، إلى جانب قدرة الحكومة على إعادة ضبط الإنفاق الاستثماري المرتبط بمشاريع «رؤية 2030»، من شأنه أن يدعم الاقتصاد، والمسار المالي خلال الفترة المقبلة.

الاقتصاد غير النفطي يواصل تعزيز وزنه

وأشارت الوكالة إلى أن النشاط غير النفطي ظل متماسكاً بصورة معقولة رغم الصراع الإقليمي، مدعوماً بالإنفاق الاستهلاكي، فيما أصبح القطاع غير النفطي، بما في ذلك الأنشطة الحكومية، يمثل نحو 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعاً من نحو 65 في المائة في 2018.

ويعكس ذلك، بحسب تقييم الوكالة، استمرار التقدم الهيكلي في تنويع الاقتصاد، وتقليص اعتماده على الأنشطة النفطية، مع بقاء الإصلاحات الهيكلية عاملاً مهماً لدعم النمو غير النفطي خلال السنوات المقبلة.

وفي توقعاتها للنمو، ترى «ستاندرد آند بورز» أن الاقتصاد السعودي سينكمش بنسبة 0.9 في المائة خلال 2026، قبل أن يسجل ارتداداً قوياً بنمو يبلغ 8.2 في المائة في 2027، مدفوعاً بزيادة إنتاج النفط، على أن يبلغ متوسط النمو نحو 3.3 في المائة خلال 2028، و2029.

الدّيْن والإنفاق

وفي جانب آخر من التقييم، أشارت الوكالة إلى بعض الضغوط التي تظل محل متابعة، ولا سيما ما يتعلق بالمالية العامة، واحتياجات التمويل. وأظهر تقييم مكونات التصنيف إجراء «ستاندرد آند بورز» تعديلاً سلبياً بمقدار درجة واحدة ضمن بند «التعديلات التكميلية والمرونة»، مع ترجيح تعرض التقييمين -المالي، والخارجي- لبعض الضغوط الإضافية.

ويرتبط ذلك باستمرار وتيرة إصدارات الدين لتمويل مشاريع «رؤية 2030»، إلى جانب الضغوط المحتملة على الإنفاق في ظل التوترات الإقليمية، وهو ما قد يرفع مستويات العجز المالي، واحتياجات المملكة من التمويل الخارجي.

ومع ذلك، أوضحت الوكالة أن هذه العوامل لم تنعكس بالكامل في مستوى التصنيف الإرشادي، ولذلك ظل التصنيف النهائي عند «إيه+/إيه-1»، مع نظرة مستقبلية «مستقرة».

وتستند «إس آند بي» في تقييم الجدارة الائتمانية السيادية إلى خمسة عوامل رئيسة، تشمل التقييم المؤسسي، والاقتصادي، والخارجي، والمرونة والأداء الماليين، وعبء الدين، إلى جانب التقييم النقدي.

الأصول والاحتياطيات تعززان المتانة المالية

وتعد الوكالة صافي أصول الحكومة العامة المرتفع أحد عناصر القوة الرئيسة في التصنيف، كما أشارت إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ أوائل عام 2020.

وترى «ستاندرد آند بورز» أن إعادة معايرة تنفيذ مشاريع «رؤية 2030» يمكن أن تدعم المرونة المالية، مشيرة إلى أن الحكومة أظهرت استعداداً لتعديل وتيرة تنفيذ بعض المشاريع بما يتناسب مع الظروف المالية، والاقتصادية، مع الحفاظ على الالتزام بالأهداف الرئيسة للتحول الاقتصادي.

وتتوقع الوكالة أن تواصل الحكومة اتباع نهج حذر ومرن في تنفيذ مشاريع «رؤية 2030»، مع السعي إلى تحقيق أهداف البرنامج من دون الإضرار بالمالية العامة.

مرونة صادرات الطاقة

ويشكل قطاع الطاقة أحد العناصر الرئيسة التي تستند إليها النظرة المستقرة للتصنيف، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية الحالية.

وترى الوكالة أن امتلاك السعودية مسارات بديلة لتصدير النفط، إلى جانب قدراتها في التخزين، والتكرير، كل ذلك يوفر لها مرونة في مواجهة الاضطرابات التي قد تؤثر في حركة الشحن عبر الممرات البحرية الإقليمية.

وتعكس هذه القدرة -إلى جانب القوة المالية، والاحتياطيات الأجنبية، واستمرار نمو الاقتصاد غير النفطي- مجموعة من الهوامش التي ترى «ستاندرد آند بورز» أنها تساعد السعودية على امتصاص الصدمات الخارجية من دون انعكاس فوري على جدارتها الائتمانية.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الوكالة أن استمرار الإصلاحات الهيكلية سيكون مهماً للحفاظ على زخم النمو غير النفطي، فيما ستظل إدارة الإنفاق، والدين، والاحتياجات التمويلية عوامل رئيسة في تقييم المسار المالي للسعودية خلال السنوات المقبلة.


التضخم والنفط يرفعان رهانات أول زيادة للفائدة الأميركية منذ 2023

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش أثناء حضوره مراسم إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أ.ب)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش أثناء حضوره مراسم إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أ.ب)
TT

التضخم والنفط يرفعان رهانات أول زيادة للفائدة الأميركية منذ 2023

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش أثناء حضوره مراسم إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أ.ب)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش أثناء حضوره مراسم إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أ.ب)

تدخل الأسواق اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأسبوع المقبل وهي أمام معادلة نقدية أكثر تعقيداً من مجرد المفاضلة بين خفض الفائدة وإبقائها دون تغيير؛ فالتضخم الأميركي لا يزال أعلى بكثير من مستهدف البنك المركزي، وأسعار النفط تجاوزت 100 دولار للبرميل، بينما اقترب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة، في وقت بدأت فيه الأسواق تستعد لاحتمال أول رفع للفائدة منذ عام 2023.

وأظهرت بيانات التضخم الصادرة الجمعة، أن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 3.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب)، ليستقر عند المستوى نفسه المسجل في يوليو (تموز)، لكنه جاء أعلى من توقعات الاقتصاديين البالغة 3.3 في المائة. والأهم بالنسبة لصنّاع السياسة أن التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، ارتفع 0.3 في المائة على أساس شهري، متسارعاً من 0.2 في المائة في الشهر السابق، بما يشير إلى أن ضغوط الأسعار لا تقتصر على الطاقة وحدها.

وارش مترئساً الاجتماع السابق للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (الفيدرالي)

وتأتي هذه الأرقام قبل اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» المقرر يومي 15 و16 سبتمبر (أيلول)، بعدما كانت توقعات الأسواق قد مالت بقوة إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير. لكن صدور بيانات التضخم غيّر المعادلة سريعاً؛ إذ ارتفعت احتمالات رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع سبتمبر إلى نحو 90 في المائة، وفق أداة «فيد ووتش»، مقارنة بنحو 70 في المائة في اليوم السابق.

وفي حال قرر «الاحتياطي الفيدرالي» رفع الفائدة، فستكون هذه أول زيادة منذ يوليو 2023، ليرتفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية من 3.50 إلى 3.75 في المائة حالياً إلى 3.75 إلى 4 في المائة.

لكن قرار رفع الفائدة، الذي أصبح أكثر ترجيحاً، لا يحسم السؤال الأصعب أمام المستثمرين: هل ستكون الزيادة خطوة منفردة لإعادة ضبط السياسة النقدية؟ أم بداية دورة جديدة من التشديد؟

النفط يضيف طبقة جديدة من التضخم

يزداد تعقيد المشهد مع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب الأميركية - الإيرانية واضطراب إمدادات النفط؛ فقد تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل هذا الأسبوع، فيما ارتفعت أسعار البنزين في أغسطس بنسبة 3.9 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 27.4 في المائة على أساس سنوي، كما تجاوز سعر الديزل 6 دولارات للغالون.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن بيانات التضخم الأخيرة لا تعكس بالكامل موجة ارتفاع أسعار الطاقة الأحدث. وهو ما يعني أن «الفيدرالي» قد يواجه في الأشهر المقبلة ضغوطاً إضافية على مؤشر الأسعار، إذا استمرت أسعار النفط عند مستوياتها المرتفعة، أو امتدت تأثيراتها إلى تكاليف النقل والإنتاج والخدمات.

وبذلك لا يواجه البنك المركزي مشكلة التضخم الحالي فحسب؛ بل خطر أن تعيد صدمة الطاقة إشعال الضغوط السعرية في وقت لم ينجح فيه التضخم بعد في العودة إلى هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

عوائد السندات تضغط على الأسواق

لا يقتصر أثر التحول في توقعات السياسة النقدية على سعر الفائدة قصير الأجل؛ إذ بدأت أسواق السندات تعكس بالفعل مخاطر بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول. واقترب عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من 5 في المائة، مسجلاً مستويات هي الأعلى في نحو 3 سنوات.

ويضع ارتفاع العوائد الأسهم الأميركية أمام اختبار جديد، بعدما حقق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مكاسب تقارب 12 في المائة منذ بداية العام، لكنه تراجع بنحو 2 في المائة عن مستواه القياسي المسجل في منتصف أغسطس.

فارتفاع عوائد السندات يرفع تكلفة الاقتراض للشركات والأسر، كما يجعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم. وتصبح الضغوط أكبر على الشركات الصغيرة والقطاعات الحساسة للفائدة، بينما تواجه أسهم النمو والتكنولوجيا تحدياً إضافياً بسبب ارتفاع معدل الخصم المستخدم في تقييم أرباحها المستقبلية.

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

وارش أمام اختبار مزدوج

بالنسبة لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، يأتي الاجتماع في توقيت بالغ الحساسية؛ فقد حاول في خطابه في جاكسون هول الشهر الماضي، إرسال رسالة أكثر تشدداً بشأن التضخم، مؤكداً أن البيانات لا تظهر تحسناً كافياً في الاتجاهات الأساسية للأسعار، وأن الفيدرالي «لديه عمل ينبغي إنجازه» إذا لم يتحرك التضخم نحو هدفه بالسرعة المطلوبة.

لكن وارش تجنب في الوقت نفسه تقديم توجيه واضح بشأن المسار المقبل للفائدة، وهو ما أبقى الأسواق في حالة ترقب، ورفع أهمية البيانات التي ستصدر قبل الاجتماع.

وتأتي أرقام أغسطس لتمنحه سبباً أقوى للتحرك، خصوصاً أن التضخم الأساسي ارتفع بوتيرة أسرع من الشهر السابق، بينما لا تزال سوق العمل والاقتصاد الأميركي قادرين على تحمل تكاليف اقتراض أعلى. وقد صوّت 3 أعضاء في اجتماع يوليو لمصلحة رفع الفائدة، في مؤشر مبكر على اتساع الانقسام داخل لجنة السوق المفتوحة بشأن المسار المناسب للسياسة النقدية.

وفي المقابل، لا يزال هناك اختلاف بين قراءة الأسواق وتوقعات الاقتصاديين؛ فاستطلاع أجرته «رويترز» قبل صدور بيانات التضخم، أظهر أن غالبية الاقتصاديين كانت تتوقع إبقاء الفائدة دون تغيير خلال اجتماع سبتمبر، فيما أصبحت الأسواق بعد بيانات الأسعار أكثر ميلاً إلى رفعها.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش أثناء حضوره مراسم إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أ.ب)

قرار الأربعاء قد لا يكون نهاية القصة

تشير توقعات بعض المؤسسات إلى أن رفع سبتمبر قد يتبعه تشديد إضافي؛ فـ«كابيتال إيكونوميكس» تتوقع زيادة ثانية في ديسمبر (كانون الأول)، ثم زيادة أخرى في مارس (آذار) 2027، في حين يرى اقتصاديون آخرون أن المسار سيتوقف على مدى انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار.

وهنا تكمن حساسية اجتماع سبتمبر: فرفع الفائدة قد يعزز مصداقية «الفيدرالي» في مواجهة التضخم، لكنه في المقابل يأتي في وقت بدأت فيه الأسواق تتحمل بالفعل عوائد سندات مرتفعة وتكاليف تمويل أكبر.

كما أن القرار سيضع وارش في مواجهة سياسية مباشرة مع الرئيس دونالد ترمب، الذي يضغط منذ فترة من أجل خفض أسعار الفائدة. وبالتالي، فإن أي تحرك نحو التشديد لن يكون مجرد قرار اقتصادي؛ بل سيكون أيضاً اختباراً لاستقلالية «الفيدرالي» وقدرة رئيسه الجديد على تثبيت أولويات البنك المركزي في مواجهة الضغوط السياسية.

وبينما كان المستثمرون قبل أسابيع يترقبون بدء دورة خفض للفائدة، أعادت بيانات التضخم وصدمة النفط رفع احتمال السيناريو المعاكس إلى الواجهة. ومع اقتراب عوائد سندات الخزانة من 5 في المائة، لن يكون السؤال في اجتماع الأربعاء هو ما إذا كان «الفيدرالي» قلقاً من التضخم فحسب؛ بل إلى أي مدى يستعد للذهاب لمواجهته، وما إذا كانت زيادة واحدة ستكفي لتهدئة الأسعار والأسواق في آن واحد.