هل كان هتلر مثقفاً؟

كانت مكتبته تضم 16 ألف كتاب

هل كان هتلر مثقفاً؟
TT

هل كان هتلر مثقفاً؟

هل كان هتلر مثقفاً؟

كم دهشت، بل وصعقت، عندما اكتشفت أن هتلر كان عاشقاً للكتب وقارئاً نهماً لا يشبع! في البداية لم أكد أصدق عيني حتى تعمقت في الموضوع مؤخراً وتوقفت عنده. بعد أكثر من سبعين سنة على سقوط النازية كنا نعتقد أننا نعرف كل شيء عن هتلر. فالمؤلفات التي نُشرت عنه في شتى لغات العالم لا تُعد ولا تُحصى. لم يتركوا شاردة وواردة في حياته إلا نقّبوا عنها ودرسوها وأشبعوها تمحيصاً وتدقيقاً. ولكن حتى الآن لم يفكر أحد في دراسة الموضوع التالي: علاقة هتلر بالثقافة والكتب. فهم يتهمونه بحرقها فإذا به مولع بها. والواقع أنه حرق منها الملايين، ولكنه جمع منها الآلاف أيضاً في مكتبته الخاصة. ما هي المطالعات التي شكّلت ثقافته وشخصيته؟
أول شيء نستخلصه هو أن هتلر كان مصاباً بعقدة النقص تجاه الثقافة والمثقفين بشكل عام. لماذا؟ ليس لأنه كان يكرههم على عكس ما نظن. وإنما لأنه كان يشعر بعقدة النقص تجاه المثقفين جداً أو الحائزين شهادات عليا؛ لأنه هو كان محروماً منها. لم يكن يحمل حتى شهادة البكالوريا! من يصدق ذلك؟ وبالتالي فكل ثقافته كوّنها بشكل عصامي معتمداً على نفسه. ولهذا السبب انخرط في اقتناء الكتب وقراءتها بكل حماسة لسد النقص. وعندما انتحر عام 1945 وجدوا في مكتبته الخاصة ما لا يقل عن ستة عشر ألف كتاب! وهو رقم كبير جداً بالنسبة لذلك الزمان، بل وحتى بالنسبة لزماننا. ولكن كيف كان يجد الوقت الكافي لإشباع هوايته في المطالعة أو عطشه للقراءة وهو على رأس الدولة؟ وأي دولة! أعظم دولة في ذلك التاريخ. في بعض اللحظات كان يهيمن على أوروبا، بل والعالم كله تقريباً. تقول لنا الأخبار بأنه كان ينتظر بفارغ الصبر حتى تنتهي آخر مواعيده الرسمية كل مساء، لكي يختلي في مكتبته مع إبريق كامل من الشاي فيطالع الكتب حتى ساعة متأخرة من الليل. ويقال بأنه كان يقرأ كتاباً واحداً كل ليلة! شيء عجيب. شيء لا يكاد يصدقه العقل. أنا المتفرغ كلياً للكتابة والمطالعة على مدار الساعة لا أستطيع أن أقرأ كتاباً كاملاً في اليوم. ربما قرأت نصفه أو ربعه لا أكثر. أقول ذلك وأنا لست رئيساً على أي شخص ولا على أي دولة ما عدا دولة نفسي وبالكاد! ولا أقود الجماهير ولا يخطر على بالي أن أشتغل في السياسة لحظة واحدة. ولا أعقد اجتماعات مع أي شخص اللهم إلا مع ذاتي. عصر السياسة لم يحن أوانه بعد. هذا عصر التفكير والتحليل والتعزيل الكبير. ربما أصبحت السياسة ممكنة في العالم العربي بعد عشرين أو ثلاثين سنة قادمة. السياسة الوحيدة الممكنة اليوم هي سياسة الفكر المبدع الخلاق:
لا تصلح الدنيا ويصلح أمرها
إلا بفكر كالضياء صراح
(بدوي الجبل متحدثاً عن المعري)
على أي حال، كان هتلر مولعاً بالقراءة والمطالعة إلى حد الهوس. كان مولعاً بقراءة السير الذاتية عن كبار الفاتحين في التاريخ: كنابليون، ويوليوس قيصر، والإسكندر المقدوني، وفريدريك الكبير الذي ربما كان آخر كتاب قرأه قبيل انتحاره في 30 أبريل (نيسان) عام 1945. ربما تساءلتم هنا: لكن ما هي أهم الكتب الأدبية التي كانت تحظى بإعجابه؟ أولاً: دون كيشوت، وروبنسون كروزو، ورحلات غوليفر، إلخ. كان يعدّ هذه الكتب من روائع الأدب العالمي. وكان يمتلك الأعمال الكاملة لويليام شكسبير الذي كان يضعه فوق غوته وشيلر رغم عصبيته الآرية الألمانية. وكان يتساءل أحياناً بغضب: لماذا أنجب عصر التنوير الألماني مسرحية «ناثان الحكيم» للفيلسوف ليسنغ التي تقص حكاية ذلك الحاخام الذي حاول المصالحة بين المسيحيين والمسلمين واليهود، هذا في حين أن شكسبير قدّم للعالم الصورة الحقيقية عن اليهودي، أي الصورة البشعة، من خلال مسرحيته الشهيرة «تاجر البندقية» وشخصية شايلوك المقززة؟. لهذا السبب؛ كان هتلر يفضّل شكسبير لأن هذه الفكرة كانت تتماشى مع كرهه الشديد؛ ليس فقط لليهود وإنما للساميين بشكل عام، ومن بينهم نحن العرب بالذات!
من هنا انقلابه على عصر التنوير وقيم التسامح والعقلانية والنزعة الإنسانية وكل إمكانية للمصالحة بين الأعراق البشرية والأديان المختلفة. من هنا عنجهيته الآرية وإشعاله كل النزعات الهيجانية اللاعقلانية التي اكتسحت ألمانيا في عهده وأدت إلى النتيجة الكارثية التي نعرفها.
هذا، وقد اطلع في الترجمة الألمانية على كتاب الصناعي الأميركي الشهير هنري فورد عن «اليهودي العالمي الكوسموبوليتي: مشكلة العالم الكبرى». وتأثر به كثيراً على ما يبدو. ونستنتج ذلك من خلال التعليقات الكثيرة التي كان يكتبها على هوامش الكتاب. وعموماً، كان يقرأ بنهم كل الأدبيات العنصرية التي كانت مسيطرة على عصره وتتخذ صفة الحقيقة العلمية المطلقة. كان ذلك بعد داروين ونظرية الاصطفاء الطبيعي والبقاء للأصلح، إلخ. كان يعتقد بأن الأعراق الدنيا ينبغي أن تنقرض لكي يخلو الجو فقط للأعراق العليا، وبالأخص العرق الآري الجرماني. هذا الفهم الخاطئ لداروين والنظرية البيولوجية الحديثة هو الذي أودى بهتلر وأفسد كل مشروعه السياسي لأنه أصبح مفرغاً من كل نزعة أخلاقية أو إنسانية. هنا يكمن مقتل هتلر بالضبط. وذلك لأنه لا يمكن أن ينجح أي مشروع سياسي قائم فقط على الكره والبغض واحتقار الآخرين. كل الحضارات البشرية العظمى ومنها حضارتنا العربية الإسلامية قامت على أكتاف الحب العارم والنزعة الإنسانية. وقد سقطت هذه النظرية البيولوجية العنصرية لحسن الحظ لاحقاً. ولكن اليمين المتطرف الأوروبي لا يزال متعلقاً بها بدليل نظرته السلبية عن العرب والسود مثلاً. فنحن في نظرهم من عرق أدنى غير صالح للحضارة. وسوف نظل همجاً متخلفين إلى أبد الدهر. فهناك أعراق بشرية خُلقت للحضارة وهناك أعراق لم تُخلق لها. هذا هو المنظور الأساسي الذي كان يخيم على عقل هتلر.
أما قصة تأثره بنيتشه وشوبنهاور وفيخته فمبالغ فيها جداً؛ لسبب بسيط: هو أن ثقافته الفلسفية كانت سطحية ولا تسمح له بفهم المقاصد العميقة لكبار الفلاسفة. كان يفهم الكتب السياسية والتاريخية، ولكن ليس الكتب الفلسفية العميقة التي تحتاج إلى اختصاص وتبحر. ولكن بما أنه زار بيت نيتشه واستقبلته أخته إليزابيث بكل حماسة وأهدته عصا الفيلسوف وأخذوا له صورة أمام تمثال أخيها العظيم، فإن الناس اعتقدوا بأنه كان نيتشوياً صرفاً! في الواقع، إن الدعاية النازية سطت على فلسفة نيتشه واستخدمتها لأغراضها الديماغوجية الغوغائية كما تفعل الحركات السياسية عادة مع كبار المثقفين. ومعلوم أن نيتشه كان وقتها في أوج شهرته ومجده. وكان قد مات مجنوناً منذ أكثر من ثلاثين سنة عندما زار «الفوهرر» بيته ومتحفه وتمسح بركابه وادعى أنه من تلامذته المعجبين! نقول ذلك ونحن نعلم أن شهرة نيتشه انفجرت بعد موته كالقنبلة الموقوتة.
أما في حياته فلم يكترث له أحد ولم يُنشر عن كتبه العبقرية المتتالية شيء يذكر في الصحف. ولم يُبع منها إلا بضع نسخ، وهكذا ظلت ملقاة على الرفوف حتى تلفت أو كادت. وكان ينشرها على نفقته الخاصة رغم فقره وتعتيره. ولكن بعد موته أصبحت تُطبع بالملايين! تصوروا لو أن نيتشه عاش بما فيه الكفاية لكان قد أصبح مليونيراً أو مليارديراً فقط من مبيعات كتبه. من هنا نفهم سر عبارته الشهيرة: «هناك أناس يولدون بعد موتهم»! كان يعرف أن لحظته آتية لا ريب فيها، ولكنه لن يكون هنا لكي يستمتع بثمار شهرته وعبقريته. مسكين نيتشه!
على أي حال كل الشهادات التي نقلت إلينا تدل على أن هتلر كان يفضل رفقة الكتب على رفقة البشر، وتضييع الوقت في الثرثرة مع هذا أو ذاك كما يفعل الآخرون. كانت تنطبق عليه كلمة المتنبي: وخير جليس في الزمان كتاب! ولكن مشكلته هي أن قراءاته كانت متبعثرة ومتشتتة أكثر من اللزوم.
أخيراً، لا بد من طرح هذا السؤال: كيف استطاع شخص نكرة، ضائع، عاطل عن العمل، متسكع في الشوارع، جائع، مثل هتلر، أن يصبح في ظرف سنوات معدودات قائد ألمانيا وزعيمها الأوحد؟ لا نستطيع الإجابة عن سؤال ضخم كهذا بكلمات معدودات. ولكن ينبغي العلم بأن الشخصيات الاستثنائية في التاريخ هي شخصيات إشكالية، عصابية، بل ومرضية بالمعنى الحرفي للكلمة. وإلا لما تجرأت على القذف بنفسها في فوهة المجهول وحرق المراحل والانتقال من الحضيض إلى القمة بسرعة صاروخية. الإنسان العاقل المتوازن أكثر من اللزوم لا يمكن أن يصبح قائداً تاريخياً لأنه يحسب الحساب لكل صغيرة وكبيرة ويخاف على حياته وأولاده ولا يتجرأ على الإقدام والاقتحام في اللحظة المناسبة. تنقصه جرعة الجنون الضرورية لذلك. لا عبقرية من دون جرعة جنونية أو حتى جرعات كما قلت في كتابي الذي سيصدر قريباً عن «دار المدى» بعنوان «العباقرة وتنوير الشعوب». ولذلك؛ لا يمكن للأشخاص العاديين الطبيعيين الخوافين من أشكالنا أن يصبحوا شخصيات عبقرية أو استثنائية. هتلر كان لا يتردد عن المخاطرة بنفسه في أي لحظة تماماً مثل نابليون وبقية القادة الكبار. بعد أن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة ينبغي القول بأن تاريخ البشرية ينقسم عموماً إلى نوعين من العباقرة: عباقرة الخير، وعباقرة الشر. ومأساة هتلر هي أنه كان ينتمي إلى النوع الثاني لا الأول؛ بدليل أن مشروعه انتهى بالانتحار الشخصي والجماعي لألمانيا التي كانت عزيزة جداً على قلبه. ومن الحب ما قتل! لقد دُمرت ألمانيا عن بكرة أبيها وانهارت على عروشها بسبب المشروع النازي. وبالتالي، فهتلر كان عبقرياً شريراً من الطراز الأول، على عكس نابليون الذي طبق فلسفة الأنوار ونشر مبادئ الحرية والمساواة والإخاء في شتى أنحاء أوروبا. وحتى عندما غزا مصر جلب معه مئات العلماء والفلاسفة لنقل نور الحضارة إلى الشرق! مَن هناك يرُجُّ الشرق؟ يقول شاعر عربي كبير (أدونيس).



فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.