هل كان هتلر مثقفاً؟

كانت مكتبته تضم 16 ألف كتاب

هل كان هتلر مثقفاً؟
TT

هل كان هتلر مثقفاً؟

هل كان هتلر مثقفاً؟

كم دهشت، بل وصعقت، عندما اكتشفت أن هتلر كان عاشقاً للكتب وقارئاً نهماً لا يشبع! في البداية لم أكد أصدق عيني حتى تعمقت في الموضوع مؤخراً وتوقفت عنده. بعد أكثر من سبعين سنة على سقوط النازية كنا نعتقد أننا نعرف كل شيء عن هتلر. فالمؤلفات التي نُشرت عنه في شتى لغات العالم لا تُعد ولا تُحصى. لم يتركوا شاردة وواردة في حياته إلا نقّبوا عنها ودرسوها وأشبعوها تمحيصاً وتدقيقاً. ولكن حتى الآن لم يفكر أحد في دراسة الموضوع التالي: علاقة هتلر بالثقافة والكتب. فهم يتهمونه بحرقها فإذا به مولع بها. والواقع أنه حرق منها الملايين، ولكنه جمع منها الآلاف أيضاً في مكتبته الخاصة. ما هي المطالعات التي شكّلت ثقافته وشخصيته؟
أول شيء نستخلصه هو أن هتلر كان مصاباً بعقدة النقص تجاه الثقافة والمثقفين بشكل عام. لماذا؟ ليس لأنه كان يكرههم على عكس ما نظن. وإنما لأنه كان يشعر بعقدة النقص تجاه المثقفين جداً أو الحائزين شهادات عليا؛ لأنه هو كان محروماً منها. لم يكن يحمل حتى شهادة البكالوريا! من يصدق ذلك؟ وبالتالي فكل ثقافته كوّنها بشكل عصامي معتمداً على نفسه. ولهذا السبب انخرط في اقتناء الكتب وقراءتها بكل حماسة لسد النقص. وعندما انتحر عام 1945 وجدوا في مكتبته الخاصة ما لا يقل عن ستة عشر ألف كتاب! وهو رقم كبير جداً بالنسبة لذلك الزمان، بل وحتى بالنسبة لزماننا. ولكن كيف كان يجد الوقت الكافي لإشباع هوايته في المطالعة أو عطشه للقراءة وهو على رأس الدولة؟ وأي دولة! أعظم دولة في ذلك التاريخ. في بعض اللحظات كان يهيمن على أوروبا، بل والعالم كله تقريباً. تقول لنا الأخبار بأنه كان ينتظر بفارغ الصبر حتى تنتهي آخر مواعيده الرسمية كل مساء، لكي يختلي في مكتبته مع إبريق كامل من الشاي فيطالع الكتب حتى ساعة متأخرة من الليل. ويقال بأنه كان يقرأ كتاباً واحداً كل ليلة! شيء عجيب. شيء لا يكاد يصدقه العقل. أنا المتفرغ كلياً للكتابة والمطالعة على مدار الساعة لا أستطيع أن أقرأ كتاباً كاملاً في اليوم. ربما قرأت نصفه أو ربعه لا أكثر. أقول ذلك وأنا لست رئيساً على أي شخص ولا على أي دولة ما عدا دولة نفسي وبالكاد! ولا أقود الجماهير ولا يخطر على بالي أن أشتغل في السياسة لحظة واحدة. ولا أعقد اجتماعات مع أي شخص اللهم إلا مع ذاتي. عصر السياسة لم يحن أوانه بعد. هذا عصر التفكير والتحليل والتعزيل الكبير. ربما أصبحت السياسة ممكنة في العالم العربي بعد عشرين أو ثلاثين سنة قادمة. السياسة الوحيدة الممكنة اليوم هي سياسة الفكر المبدع الخلاق:
لا تصلح الدنيا ويصلح أمرها
إلا بفكر كالضياء صراح
(بدوي الجبل متحدثاً عن المعري)
على أي حال، كان هتلر مولعاً بالقراءة والمطالعة إلى حد الهوس. كان مولعاً بقراءة السير الذاتية عن كبار الفاتحين في التاريخ: كنابليون، ويوليوس قيصر، والإسكندر المقدوني، وفريدريك الكبير الذي ربما كان آخر كتاب قرأه قبيل انتحاره في 30 أبريل (نيسان) عام 1945. ربما تساءلتم هنا: لكن ما هي أهم الكتب الأدبية التي كانت تحظى بإعجابه؟ أولاً: دون كيشوت، وروبنسون كروزو، ورحلات غوليفر، إلخ. كان يعدّ هذه الكتب من روائع الأدب العالمي. وكان يمتلك الأعمال الكاملة لويليام شكسبير الذي كان يضعه فوق غوته وشيلر رغم عصبيته الآرية الألمانية. وكان يتساءل أحياناً بغضب: لماذا أنجب عصر التنوير الألماني مسرحية «ناثان الحكيم» للفيلسوف ليسنغ التي تقص حكاية ذلك الحاخام الذي حاول المصالحة بين المسيحيين والمسلمين واليهود، هذا في حين أن شكسبير قدّم للعالم الصورة الحقيقية عن اليهودي، أي الصورة البشعة، من خلال مسرحيته الشهيرة «تاجر البندقية» وشخصية شايلوك المقززة؟. لهذا السبب؛ كان هتلر يفضّل شكسبير لأن هذه الفكرة كانت تتماشى مع كرهه الشديد؛ ليس فقط لليهود وإنما للساميين بشكل عام، ومن بينهم نحن العرب بالذات!
من هنا انقلابه على عصر التنوير وقيم التسامح والعقلانية والنزعة الإنسانية وكل إمكانية للمصالحة بين الأعراق البشرية والأديان المختلفة. من هنا عنجهيته الآرية وإشعاله كل النزعات الهيجانية اللاعقلانية التي اكتسحت ألمانيا في عهده وأدت إلى النتيجة الكارثية التي نعرفها.
هذا، وقد اطلع في الترجمة الألمانية على كتاب الصناعي الأميركي الشهير هنري فورد عن «اليهودي العالمي الكوسموبوليتي: مشكلة العالم الكبرى». وتأثر به كثيراً على ما يبدو. ونستنتج ذلك من خلال التعليقات الكثيرة التي كان يكتبها على هوامش الكتاب. وعموماً، كان يقرأ بنهم كل الأدبيات العنصرية التي كانت مسيطرة على عصره وتتخذ صفة الحقيقة العلمية المطلقة. كان ذلك بعد داروين ونظرية الاصطفاء الطبيعي والبقاء للأصلح، إلخ. كان يعتقد بأن الأعراق الدنيا ينبغي أن تنقرض لكي يخلو الجو فقط للأعراق العليا، وبالأخص العرق الآري الجرماني. هذا الفهم الخاطئ لداروين والنظرية البيولوجية الحديثة هو الذي أودى بهتلر وأفسد كل مشروعه السياسي لأنه أصبح مفرغاً من كل نزعة أخلاقية أو إنسانية. هنا يكمن مقتل هتلر بالضبط. وذلك لأنه لا يمكن أن ينجح أي مشروع سياسي قائم فقط على الكره والبغض واحتقار الآخرين. كل الحضارات البشرية العظمى ومنها حضارتنا العربية الإسلامية قامت على أكتاف الحب العارم والنزعة الإنسانية. وقد سقطت هذه النظرية البيولوجية العنصرية لحسن الحظ لاحقاً. ولكن اليمين المتطرف الأوروبي لا يزال متعلقاً بها بدليل نظرته السلبية عن العرب والسود مثلاً. فنحن في نظرهم من عرق أدنى غير صالح للحضارة. وسوف نظل همجاً متخلفين إلى أبد الدهر. فهناك أعراق بشرية خُلقت للحضارة وهناك أعراق لم تُخلق لها. هذا هو المنظور الأساسي الذي كان يخيم على عقل هتلر.
أما قصة تأثره بنيتشه وشوبنهاور وفيخته فمبالغ فيها جداً؛ لسبب بسيط: هو أن ثقافته الفلسفية كانت سطحية ولا تسمح له بفهم المقاصد العميقة لكبار الفلاسفة. كان يفهم الكتب السياسية والتاريخية، ولكن ليس الكتب الفلسفية العميقة التي تحتاج إلى اختصاص وتبحر. ولكن بما أنه زار بيت نيتشه واستقبلته أخته إليزابيث بكل حماسة وأهدته عصا الفيلسوف وأخذوا له صورة أمام تمثال أخيها العظيم، فإن الناس اعتقدوا بأنه كان نيتشوياً صرفاً! في الواقع، إن الدعاية النازية سطت على فلسفة نيتشه واستخدمتها لأغراضها الديماغوجية الغوغائية كما تفعل الحركات السياسية عادة مع كبار المثقفين. ومعلوم أن نيتشه كان وقتها في أوج شهرته ومجده. وكان قد مات مجنوناً منذ أكثر من ثلاثين سنة عندما زار «الفوهرر» بيته ومتحفه وتمسح بركابه وادعى أنه من تلامذته المعجبين! نقول ذلك ونحن نعلم أن شهرة نيتشه انفجرت بعد موته كالقنبلة الموقوتة.
أما في حياته فلم يكترث له أحد ولم يُنشر عن كتبه العبقرية المتتالية شيء يذكر في الصحف. ولم يُبع منها إلا بضع نسخ، وهكذا ظلت ملقاة على الرفوف حتى تلفت أو كادت. وكان ينشرها على نفقته الخاصة رغم فقره وتعتيره. ولكن بعد موته أصبحت تُطبع بالملايين! تصوروا لو أن نيتشه عاش بما فيه الكفاية لكان قد أصبح مليونيراً أو مليارديراً فقط من مبيعات كتبه. من هنا نفهم سر عبارته الشهيرة: «هناك أناس يولدون بعد موتهم»! كان يعرف أن لحظته آتية لا ريب فيها، ولكنه لن يكون هنا لكي يستمتع بثمار شهرته وعبقريته. مسكين نيتشه!
على أي حال كل الشهادات التي نقلت إلينا تدل على أن هتلر كان يفضل رفقة الكتب على رفقة البشر، وتضييع الوقت في الثرثرة مع هذا أو ذاك كما يفعل الآخرون. كانت تنطبق عليه كلمة المتنبي: وخير جليس في الزمان كتاب! ولكن مشكلته هي أن قراءاته كانت متبعثرة ومتشتتة أكثر من اللزوم.
أخيراً، لا بد من طرح هذا السؤال: كيف استطاع شخص نكرة، ضائع، عاطل عن العمل، متسكع في الشوارع، جائع، مثل هتلر، أن يصبح في ظرف سنوات معدودات قائد ألمانيا وزعيمها الأوحد؟ لا نستطيع الإجابة عن سؤال ضخم كهذا بكلمات معدودات. ولكن ينبغي العلم بأن الشخصيات الاستثنائية في التاريخ هي شخصيات إشكالية، عصابية، بل ومرضية بالمعنى الحرفي للكلمة. وإلا لما تجرأت على القذف بنفسها في فوهة المجهول وحرق المراحل والانتقال من الحضيض إلى القمة بسرعة صاروخية. الإنسان العاقل المتوازن أكثر من اللزوم لا يمكن أن يصبح قائداً تاريخياً لأنه يحسب الحساب لكل صغيرة وكبيرة ويخاف على حياته وأولاده ولا يتجرأ على الإقدام والاقتحام في اللحظة المناسبة. تنقصه جرعة الجنون الضرورية لذلك. لا عبقرية من دون جرعة جنونية أو حتى جرعات كما قلت في كتابي الذي سيصدر قريباً عن «دار المدى» بعنوان «العباقرة وتنوير الشعوب». ولذلك؛ لا يمكن للأشخاص العاديين الطبيعيين الخوافين من أشكالنا أن يصبحوا شخصيات عبقرية أو استثنائية. هتلر كان لا يتردد عن المخاطرة بنفسه في أي لحظة تماماً مثل نابليون وبقية القادة الكبار. بعد أن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة ينبغي القول بأن تاريخ البشرية ينقسم عموماً إلى نوعين من العباقرة: عباقرة الخير، وعباقرة الشر. ومأساة هتلر هي أنه كان ينتمي إلى النوع الثاني لا الأول؛ بدليل أن مشروعه انتهى بالانتحار الشخصي والجماعي لألمانيا التي كانت عزيزة جداً على قلبه. ومن الحب ما قتل! لقد دُمرت ألمانيا عن بكرة أبيها وانهارت على عروشها بسبب المشروع النازي. وبالتالي، فهتلر كان عبقرياً شريراً من الطراز الأول، على عكس نابليون الذي طبق فلسفة الأنوار ونشر مبادئ الحرية والمساواة والإخاء في شتى أنحاء أوروبا. وحتى عندما غزا مصر جلب معه مئات العلماء والفلاسفة لنقل نور الحضارة إلى الشرق! مَن هناك يرُجُّ الشرق؟ يقول شاعر عربي كبير (أدونيس).



هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.