تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

TT

تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

أثارت الأزمة الدبلوماسية بين تشاد وألمانيا في أعقاب الطرد المتبادل لسفيري البلدين، مخاوف عميقة بشأن انعكاسات الأزمة على المساعدات الإنسانية التي تقدمها دول ومؤسسات غربية مانحة لتشاد، التي تعد من بين أكثر دول العالم فقرا، كما تستضيف ما يزيد على مليون من اللاجئين والنازحين.
وتبادل البلدان اللذان تجمعهما علاقات دبلوماسية منذ عام 1960 طرد السفيرين خلال الأيام القليلة الماضية، إذ طلبت ألمانيا (الثلاثاء) من سفيرة تشاد لديها، مريم علي موسى، مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، وذلك رداً على تحرك مماثل قامت به الدولة الواقعة في وسط أفريقيا (الجمعة).
ونقلت وكالة «رويترز» عن وزارة الخارجية الألمانية قولها إن الخطوة تأتي «رداً على الطرد غير المبرر» للسفير الألماني يان كريستيان غوردون كريكه، الذي غادر الأراضي التشادية (السبت) بعد اتهام الحكومة التشادية له بـ«عدم احترامه الممارسات الدبلوماسية»، خصوصاً «تدخله المفرط في شؤون إدارة البلاد، وتصريحاته التي تنزع إلى تقسيم التشاديين»، وفق ما صرح به في وقت سابق مصدر حكومي تشادي، لوكالة الصحافة الفرنسية.
وتعد تشاد من أكبر الدول الأفريقية التي تستضيف لاجئين، إذ يصل عددهم إلى مليون شخص في حالة نزوح قسري داخل البلاد، بينهم 580 ألف لاجئ جراء النزاعات في السودان المجاورة، وجمهورية أفريقيا الوسطى والكاميرون، و406 آلاف نازح داخلي حول بحيرة تشاد، الأمر الذي يفاقم الضغط على موارد تشاد المحدودة بالفعل.
وقدر «برنامج الغذاء العالمي» أن هناك ما يزيد على مليوني شخص في تشاد من المتوقع أن يعانوا من انعدام شديد للأمن الغذائي خلال موسم الجفاف لعام 2022، إذ يعيش 42 في المائة من التشاديين تحت خط الفقر، ويحتل المرتبة 187 من بين 189 دولة في مؤشر التنمية البشرية لعام 2020.
وفي عام 2022، أصدرت الحكومة التشادية إعلانين للطوارئ، أحدهما في ظل أزمة الغذاء غير المسبوقة التي تعاني منها البلاد، والآخر في أعقاب كارثة طبيعية بعد الفيضانات غير المسبوقة، قرر بعدها الاتحاد الأوروبي تخصيص ميزانية إنسانية قدرها 175 مليون يورو للتضامن مع السكان المعرضين للخطر في بلدان غرب ووسط أفريقيا، بينها 26.5 مليون يورو لتشاد، وفق بيان للمفوضية الأوروبية.
ونبه جبرين عيسى، المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، إلى «التداعيات السلبية» التي يمكن أن تؤدي إليها الأزمة الدبلوماسية بين برلين ونجامينا، مؤكداً أن «الأمور مرشحة للتصعيد، وقد تطرد ألمانيا مسؤولين دبلوماسيين آخرين بسفارة تشاد في برلين».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه إذا لم يتم تدارك الموقف بحكمة فإن الأمور قد تصل إلى قطع المساعدات الإنسانية والدولية المقدمة من ألمانيا إلى تشاد، وهو ما قد يمثل تأثيراً سلبياً على كثير من اللاجئين والنازحين الذين تستهدفهم برامج الدعم الإنسانية الممولة دولياً في تشاد. وأوضح عيسى أن الحكومة التشادية «تعتمد بشكل أساسي على المساعدات الدولية لتسيير أمور البلاد»، حيث تعد ألمانيا والاتحاد الأوروبي في صدارة الدول التي تقدم دعماً إنسانياً لتشاد.
وأعلن الاتحاد الأوروبي خلال مؤتمر صحافي مشترك لسفراء الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وهولندا وإسبانيا لدى تشاد في 26 يوليو (تموز) 2022 في نجامينا عن تخصيص مائة مليون يورو في شكل مساعدات مالية لتشاد، لمواجهة الأزمة الغذائية، كما قررت ألمانيا العام الماضي تقديم دعم إنساني مقداره 40 مليون يورو للمشروعات الإنسانية في منطقة بحيرة تشاد.
وتعد ألمانيا من كبار المساهمين في برامج الإغاثة الدولية العاملة في تشاد، مثل برنامج الغذاء العالمي، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إذ تدعم، وفق موقع وزارة الخارجية الألمانية، تشاد من خلال مشاريع المساعدة الإنمائية الانتقالية والمبادرة الخاصة بالنازحين والدول المضيفة، وينصب التركيز على تعزيز الصمود وضمان الأمن الغذائي، وتحسين سبل عيش السكان المحليين واللاجئين.
ويرى رامي زهدي، خبير الشؤون الأفريقية، أن تأثر المساعدات الإنسانية بالأزمة الدبلوماسية بين تشاد وألمانيا «أمر وارد بقوة»، مشيراً إلى أن ألمانيا تعد من أكبر المانحين الدوليين في أفريقيا، إذ اعتمدت مقاربة إنسانية ممتدة منذ سنوات للحفاظ على وجودها في كثير من دول القارة.
وتوقع زهدي في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» ألا ينعكس التوتر الحالي بين البلدين بقوة على دور الاتحاد الأوروبي في تشاد، رغم ما لألمانيا من تأثير كبير في القرار الأوروبي، باعتبارها القوة الاقتصادية الأكبر في الاتحاد.
ويوضح أن هناك دولا أخرى «تتحين الفرصة لتأكيد أو تعظيم وجودها في المنطقة»، ومنها فرنسا صاحبة النفوذ القوي في غرب ووسط أفريقيا، خصوصا أن دولة تشاد باتت تمثل أهمية أكبر لسياستها في المنطقة، في أعقاب تأزم العلاقات مع مالي وبوركينا فاسو، وهو ما سيدفع باريس إلى الحفاظ على دعمها لتشاد.
ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية أن دولا أوروبية أخرى مثل إيطاليا وبلجيكا يمكن أن تلعب دوراً أكبر في تشاد على المستوى الثنائي، إضافة إلى الحد من التأثير السلبي للأزمة مع ألمانيا في أنشطة الاتحاد الأوروبي بتشاد.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

العالم العربي الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

فرّ ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص من المعارك الجارية في السودان بحثاً عن ملاذ في تشاد المجاورة، وفقاً لفرق تابعة لمفوضية الأمم المتّحدة السامية لشؤون اللاجئين موجودة على الحدود. ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، قالت المفوضية، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ «غالبية الوافدين هم من النساء والأطفال... تعمل المفوضية عن كثب مع الحكومة التشادية وشركائها لتقييم احتياجاتهم وإعداد استجابة مشتركة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

التقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في جدة، (الاثنين)، محمد إدريس ديبي رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، وجرى خلال اللقاء استعراض أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب بحث عدد من المسائل ذات الاهتمام المشترك. حضر اللقاء من الجانب السعودي، الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية، والدكتور مساعد العيبان وزير الدولة عضو مجلس الوزراء مستشار الأمن الوطني، والمهندس خالد الفالح وزير الاستثمار، وأحمد قطان المستشار بالديوان الملكي، وعامر ال

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

بحث الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الاثنين، مع محمد إدريس ديبي، رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، المسائل ذات الاهتمام المشترك. جاء ذلك خلال لقاء جمعهما في جدة، واستعرضا فيه أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

طرد السفير الألماني في تشاد الذي أعلنته الحكومة «شخصا غير مرغوب فيه» بسبب «سلوكه الفظّ»، مساء السبت، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين في العاصمة التشادية نجامينا. وكانت الحكومة التشادية أعلنت الجمعة أنها طلبت من السفير الألماني مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، بسبب «عدم احترامه الممارسات الدبلوماسية». وقال وزير الخارجية التشادي، محمد صالح النظيف، إن «سفير ألمانيا في تشاد يان كريستيان غوردون كريكه سافر على متن طائرة (إير فرانس) مساء السبت». وأكد المتحدث باسم الحكومة عزيز محمد صالح مغادرة السفير.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)
العالم بسبب «سلوكه الفظّ»... تشاد تطلب من السفير الألماني مغادرة أراضيها

بسبب «سلوكه الفظّ»... تشاد تطلب من السفير الألماني مغادرة أراضيها

أعلنت الحكومة التشادية أمس (الجمعة) أنها طلبت من السفير الألماني مغادرة البلاد خلال 48 ساعة بسبب «سلوكه الفظّ» و«عدم احترامه الممارسات الدبلوماسية»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وقال المتحدث باسم الحكومة عزيز محمد صالح في بيان إن الحكومة «تطلب من يان كريستيان غوردون كريكه، السفير فوق العادة والمفوض لجمهورية ألمانيا الاتحادية، مغادرة الأراضي التشادية خلال 48 ساعة». من جهته، قال مصدر في الخارجية الألمانية لوكالة الصحافة الفرنسية إن «الأسباب التي دفعت حكومة تشاد إلى إعلان سفيرنا في نجامينا شخصا غير مرغوب فيه، غير مفهومة أبدا. نحن على اتصال مع حكومة تشاد بشأن هذا الموضوع».

«الشرق الأوسط» (نجامينا)

ترمب: بوتين وزيلينسكي «يريدان اتفاقاً» ينهي الحرب في أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)
TT

ترمب: بوتين وزيلينسكي «يريدان اتفاقاً» ينهي الحرب في أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)

أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الثلاثاء في أنقرة، أن نظيريه؛ الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والروسي فلاديمير بوتين، «يريدان» التوصل إلى اتفاق يضع حداً للحرب في أوكرانيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ترمب للصحافيين بعيد وصوله إلى العاصمة التركية في اليوم الأول من قمة مرتقبة لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»: «أعتقد أنهما يريدان التوصل إلى اتفاق. من المؤسف أن يكون الأمر قد استغرق هذا الوقت الطويل، لكنني أعتقد أن شيئاً ما سيظهر».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) لدى وصوله إلى قمة الـ«ناتو» في أنقرة يصافح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (أ.ب)

وأفاد ترمب خلال لقائه الرئيس التركي، رجب طيب ‌إردوغان، على ‌هامش قمة «حلف ​شمال ‌الأطلسي» ⁠في ​تركيا: «أعتقد أننا ⁠سنتوصل إلى حل، وآمل أن يكون ذلك قريباً».

واستطرد: «أجرينا محادثة مطولة... استمرت فترة طويلة. تحدثت أيضاً إلى الرئيس زيلينسكي مباشرة بعد هذه المحادثة. ⁠أعتقد أنهما يرغبان في التوصل ‌إلى اتفاق... ‌أعتقد أيضاً أننا ​سنتوصل إلى ‌إنهاء للحرب، وآمل أن يكون ذلك ‌في القريب العاجل».

ومن المتوقع أن يجتمع زيلينسكي وترمب خلال قمة «حلف شمال الأطلسي» الأربعاء، ‌وذلك في أعقاب تصعيد أوكرانيا وتيرة هجماتها على قطاع ⁠الطاقة ⁠الروسي على مدى أشهر، فضلاً عن الهجمات الجوية الروسية المكثفة التي أودت بحياة 50 شخصاً في العاصمة الأوكرانية خلال يوليو (تموز) الحالي فقط.

وقال زيلينسكي، الثلاثاء، إنه يعتزم مناقشة حاجة أوكرانيا الملحة إلى أنظمة دفاع جوي للتصدي ​للهجمات الباليستية ​الروسية.

وفي وقت سابق، دعا زيلينسكي «حلف شمال الأطلسي» إلى زيادة مساعداته لأوكرانيا في مجال الدفاع الجوي.

وأوضح من العاصمة التركية: «نحن قادرون على القيام بكل ما تبقّى بأنفسنا، لكن عندما يتعلق الأمر بالدفاع الجوي، فنحن بحاجة إلى عزيمة شركائنا».


صاروخ الصين في «الهادئ»: رسالة نووية من «تحت الماء» تشعل قلق الحلفاء

الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)
الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)
TT

صاروخ الصين في «الهادئ»: رسالة نووية من «تحت الماء» تشعل قلق الحلفاء

الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)
الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)

لم يكن إطلاق الصين صاروخاً باليستياً بعيد المدى من غواصة نووية إلى المحيط الهادئ، مجرد تجربة تقنية عابرة؛ بل إشارة استراتيجية محسوبة في توقيت شديد الحساسية. فواشنطن، التي قالت وفق بيان من وزارة الخارجية، إنها راقبت إطلاق صاروخ غير مسلح عابر للقارات من غواصة صينية وسقوطه في جنوب الهادئ، رأت في الخطوة دليلاً إضافياً على تسارع بناء نووي «سريع وغامض»، وطالبت بكين بالانخراط في ترتيبات إخطار منتظمة وحوار جدي حول الحد من التسلح.

الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)

الأخطر أن الاختبار جاء في بيئة إقليمية مثقلة أصلاً بالتوتر: أزمة تايوان، وصعود النشاط العسكري الصيني في البحار المحيطة، وتدريبات بحرية صينية - روسية بدأت الاثنين قرب تشينغداو وتستمر حتى 13 يوليو (تموز)، مع تأكيد موسكو أنها «دفاعية» ولا تستهدف أحداً. بهذا المعنى، بدا الصاروخ كأنه يختبر ليس فقط مدى السلاح؛ بل أعصاب الحلفاء الأميركيين في المحيطين الهندي والهادئ.

الرئيس الصيني شي جيبينغ (د.ب.أ)

ردع يتغير

تقول بكين إن التجربة «روتينية» ولا تستهدف دولة بعينها، لكن طبيعتها تجعل من الصعب التعامل معها بوصفها حدثاً عسكرياً اعتيادياً؛ فالإطلاق من غواصة نووية، لا من منصة برية، يعني أن الصين تعرض قدرة متقدمة على الضربة الثانية؛ أي امتلاك وسيلة نووية قادرة على البقاء بعد هجوم أول والرد من البحر. هذه هي الحلقة الأشد حساسية فيما يسمى «الثالوث النووي»: البر والجو والبحر.

سفينة لخفر السواحل الصيني (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحسب صحف أميركية، بينها «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال»، عدّت التجربة أول عرض معروف لقدرة صينية على توجيه ضربة نووية استراتيجية من البحر، في خطوة تقرب بكين من تثبيت ثالوثها النووي الكامل. كما أن تجربة 2024 لصاروخ باليستي عابر للقارات قطع نحو 12 ألف كيلومتر إلى قرب بولينيزيا الفرنسية، سبقت هذه الخطوة، ما يجعل اختبار الغواصة حلقة جديدة في مسار تصاعدي لا حادثاً منفصلاً.

هذا التطور يضع الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيداً: لم تعد الصين قوة نووية «صغيرة» تكتفي بالحد الأدنى من الردع؛ بل قوة توسع خياراتها، وتبني منصات أكثر بقاءً، وتريد إقناع واشنطن بأن أي تدخل كبير في نزاع حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، قد يحمل تكلفة استراتيجية أوسع.

صورة أرشيفية لنظام صاروخي تايواني متحرك «هيمارس» (رويترز)

حلفاء قلقون

ردود الفعل الإقليمية عكست حجم التحول. أستراليا وصفت الاختبار بأنه مزعزع للاستقرار، واليابان أبدت قلقاً جدياً، ونيوزيلندا انتقدت الخطوة، فيما اتسعت الدائرة لاحقاً مع انتقاد مشترك من أستراليا وجزر سليمان اليوم (الثلاثاء). اللافت أن القلق لم يقتصر على الصاروخ نفسه؛ بل على الشفافية: من أُبلغ؟ ومتى؟ وهل كان الإخطار كافياً لتجنب سوء التقدير؟

تقول تقارير إن الصاروخ ربما كان من طراز «جي إل-2» أو «جي إل-3»، وإنه قطع أكثر من 7 آلاف كيلومتر، في حين سبقت التجربة حركة سفن تتبّع صينية في غرب «الهادئ» بين غينيا الجديدة وغوام. وإذا صح ذلك، فإن الرسالة لم تكن موجهة فقط إلى العواصم الآسيوية؛ بل أيضاً إلى البنية العسكرية الأميركية في غوام ومحيطها، حيث تتمركز عناصر أساسية من قدرة واشنطن على مراقبة «الهادئ» وردع الصين.

الصاروخ الصيني العابر للقارات من طراز «جي إل-3» خلال استعراض عسكري في سبتمبر 2025 بالذكرى الـ80 للحرب اليابانية على الصين (أ.ب)

وبحسب «وول ستريت جورنال»، هنا تظهر معضلة الحلفاء. فكلما زادت الصين من قدرتها على تهديد العمق الأميركي، زادت حاجة دول مثل اليابان وأستراليا إلى ضمانات أميركية أوضح. لكن هذه الضمانات نفسها قد تدفع بكين إلى مزيد من استعراض القوة. إنها دائرة ردع وردع مضاد، قد تتحول بسهولة إلى سباق تسلح إذا غاب التواصل العسكري وقواعد الإخطار.

تايوان في الخلفية

لا يمكن فصل الاختبار عن تايوان، حتى لو لم يذكرها البيان الصيني؛ فالصين تعرف أن نقطة الاحتكاك الأكثر احتمالاً مع الولايات المتحدة هي الجزيرة، وأن واشنطن تقيس أي تطور نووي صيني بمدى تأثيره في حرية قرارها العسكري عند اندلاع أزمة هناك. لذلك، لا يبدو الصاروخ رسالة «هجومية» مباشرة ضد تايوان بقدر ما هو رسالة ردع إلى الولايات المتحدة: لا تراهنوا على أن التدخل سيظل محدود التكلفة.

وفي خلفية المشهد، تتقدم الصين في تحديث أوسع يشمل صوامع صاروخية جديدة، ومنصات بحرية، وقاذفات مطورة. وتشير تقديرات غربية إلى أن الترسانة الصينية بقيت في مستوى «الـ600 المنخفضة» من الرؤوس النووية، مع توقعات بأن تتجاوز ألف رأس بحلول 2030. حتى لو ظلت هذه الأرقام أقل بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية، فإن سرعة التحول كافية لإعادة رسم حسابات الأمن الآسيوي.

لذلك، تبدو مطالبة «الخارجية» الأميركية بترتيبات إخطار منتظمة أكثر من اعتراض بروتوكولي. إنها محاولة لمنع انتقال المنافسة الأميركية - الصينية من مرحلة الاستعراض إلى مرحلة سوء الحساب، فالصاروخ الذي سقط في «الهادئ» لم يفجر حرباً، لكنه أطلق إنذاراً: المنطقة تدخل زمناً نووياً جديداً، حيث لا تكفي التحالفات وحدها لضبط التوتر، ولا تكفي بيانات الطمأنة الصينية لتهدئة جيران يرون في البحر منصة ردع عابرة للقارات.

سفينة خفر السواحل الصينية تلاحق سفينة فيتنامية (رويترز)

الخلاصة أن الصين لا تختبر صواريخها فقط؛ بل تختبر ميزان القوة الذي حكم «الهادئ» لعقود. وإذا لم يواكب هذا التحول مسار جدي للحد من المخاطر والشفافية، فإن «الردع المستقر» الذي تتحدث عنه القوى الكبرى قد يتحول إلى سباق مفتوح؛ عنوانه تايوان، ومسرحه المحيط الهادئ، وتكلفته أمن العالم كله.


«ناتو» يعلن من تركيا 3 مبادرات دفاعية لتعزيز بنية المراقبة والاستخبارات والنقل الجوي

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته وعدد من قادة الدول ووزراء الدفاع في الحلف خلال افتتاح منتدى الصناعات الدفاعية في أنقرة حيث تم الإعلان عن مشروعات ومبادرات دفاعية جديدة (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته وعدد من قادة الدول ووزراء الدفاع في الحلف خلال افتتاح منتدى الصناعات الدفاعية في أنقرة حيث تم الإعلان عن مشروعات ومبادرات دفاعية جديدة (إ.ب.أ)
TT

«ناتو» يعلن من تركيا 3 مبادرات دفاعية لتعزيز بنية المراقبة والاستخبارات والنقل الجوي

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته وعدد من قادة الدول ووزراء الدفاع في الحلف خلال افتتاح منتدى الصناعات الدفاعية في أنقرة حيث تم الإعلان عن مشروعات ومبادرات دفاعية جديدة (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته وعدد من قادة الدول ووزراء الدفاع في الحلف خلال افتتاح منتدى الصناعات الدفاعية في أنقرة حيث تم الإعلان عن مشروعات ومبادرات دفاعية جديدة (إ.ب.أ)

أعلن حلف شمال الأطلسي (ناتو) عن مبادرات دفاعية جديدة، خلال بدء أعمال قمته الـ36 في أنقرة. وكشف الأمين العام للحلف، مارك روته، خلال منتدى الصناعات الدفاعية للحلف الذي عقد الثلاثاء، باعتباره أول نشاط رسمي في إطار قمة أنقرة التي تختتم الأربعاء وركز على تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية والمشتريات المشتركة؛ عن 3 مبادرات تهدف إلى توسيع قدرات الحلفاء في مجالات النقل الجوي والاستخبارات والمراقبة.

تعزيز المراقبة والاستخبارات

تمثلت المبادرة الأولى في برنامج تحديث متعدد الجنسيات يركز على طائرات النقل إيرباص (إيه 400 إم) وأسطول طائرات التزود بالوقود والنقل متعددة المهام «إيرباص إيه 330» (إم آر تي تي).

وقال روته: «يعلن عدد من الحلفاء رسمياً عن قرب تسليم طائرات إضافية من طراز (إيرباص إيه 330)... هذه خطوة نحو تعزيز قدرات (الناتو) الاستراتيجية في مجال النقل الجوي والتزود بالوقود».

وأعلن روته عن مشروع شراء مشترك لطائرات «ترايتوت إم كيو - 4 سي»، من دون طيار، بهدف تعزيز قدرات الحلف في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، لافتاً إلى أن هذه الطائرات الإضافية ستوفر مراقبة مستمرة لمناطق بحرية واسعة.

روته ورئيس وزراء السويد أولف كريسترسون خلال الإعلان عن اعتماد شراء طائرات ساب السويدية (إ.ب.أ)

أما المبادرة الثالثة فتمثلت في استبدال أسطول أنظمة الإنذار والتحكم المحمولة جواً (أواكس) التابع لحلف «الناتو»، والذي يعاني من التقادم، حيث سيقوم حلفاء «الناتو» بشراء 10 طائرات مراقبة من طراز «ساب غلوبال آي»، سويدية الصنع، لاستبدال طائرات «بوينغ إي - 3 إيه سينتري» الأميركية الصنع، التي تعاني من التقادم.

وتم اختيار الطائرات السويدية، من بين عروض تقدمت بها مع كل من بلجيكا، جمهورية التشيك، الدنمارك، فنلندا، ألمانيا، لوكسمبورغ، هولندا، النرويج، وإسبانيا.

وسبق أن أكد «الناتو» الحاجة إلى استبدال قدراته الحالية في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، باعتباره جزءاً من رؤية أوسع لتحديث وتعزيز قدراته.

زيادة الإنفاق

ويُعد «منتدى الصناعات الدفاعية» جزءاً لا يتجزأ من قمة «الناتو» 2026، حيث جمع كبار مسؤولي «الناتو» والحلفاء والشركاء، وقادة الصناعة، والجهات المعنية بدفع الصناعة والابتكار، لمناقشة أهم القضايا المُلحة.

وأوضحت الدورات السابقة في لاهاي وواشنطن أنه لا دفاع قوياً دون صناعة دفاعية قوية، وركز المنتدى في أنقرة على التقدم الذي أحرزه الحلفاء نحو تحقيق خطة «الناتو» التاريخية لزيادة الإنفاق الدفاعي لأعضائه إلى نسبة 5 في المائة من الناتج الإجمالي، وكيفية توظيف هذه الأموال لزيادة الإنتاج الدفاعي والتعاون والمشتريات المشتركة، بما يخدم تعزيز قوة الردع للحلف.

وسيناقش قادة دول «الناتو»، خلال قمتهم الأربعاء، الاستثمار الدفاعي، والدعم العسكري لأوكرانيا، وجهود توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية للحلف.

وفي مؤتمر صحافي عقده، الاثنين، عشية بدء أعمال القمة، أعلن روته أن الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف وكندا رفعت ‌بالفعل إجمالي إنفاقها الدفاعي إلى نحو 4 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي.

روته وعدد من قادة ووزراء دفاع «الناتو» خلال منتدى الصناعات الدفاعية في أنقرة (إ.ب.أ)

وتعد زيادة الإنفاق إلى 5 في المائة مطلباً يصر عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أبدى استياء من الموقف الأوروبي خلال حرب إيران.

وأضاف روته: «أنفق الحلفاء الأوروبيون وكندا في العام الماضي على الدفاع ⁠الأساسي أكثر 20 في المائة تقريباً من عام 2024، وعند احتساب عامي 2025 و2026 معاً، فإن ذلك يعادل استثمارات إضافية حجمها 258 مليار دولار».

وأكد أن الحلف سيمتلك بنية دفاعية رادعة، مشدداً على أن الجناح الشرقي لـ«الناتو» يزداد قوة، بما يشمل منطقة البلطيق والقطب الشمالي، وفي الوقت نفسه حماية أوكرانيا، معتبراً أن ذلك يعكس تحولاً حقيقياً في طريقة التفكير لأن أوروبا الأقوى تعني «ناتو» أقوى، مشدداً على أن الاستثمارات الاقتصادية تتحول إلى قدرات عسكرية.

وعَدّ أن انعقاد قمة «الناتو» الـ36 في أنقرة «مهم للغاية»، مضيفاً أن «قيادة تركيا داخل حلف الناتو مهمة وموقعها على الخريطة مهم».

وأوضح روته أن الضغوط التي تتم مواجهتها حقيقية، وأنها تأتي من روسيا، مضيفاً: «في الوقت الراهن، تغيّر أوكرانيا الديناميكيات في ساحة المعركة، وأن هذا الوضع يتغير الآن بفضل شجاعة أوكرانيا وتفانيها وقدراتها، وفي مجال الدفاع الجوي، بينما تواصل روسيا مهاجمة المدن الأوكرانية».

روته خلال مؤتمر صحافي عشية قمة «الناتو» في أنقرة (موقع الحلف)

وأكد أن تركيا تعد واحدة من أكبر القوى العسكرية في الحلف منذ انضمامها إلى «الناتو» عام 1952، مضيفاً أنه خلال السنوات الـ15 الأخيرة، قطعت الصناعات الدفاعية التركية شوطاً كبيراً جداً، ويوجد في تركيا 3 آلاف شركة تعمل في مجال الصناعات الدفاعية، التي تلبي بعض الاحتياجات اللازمة لأعضاء الحلف من أجل الدفاع عن أنفسهم.

وأشار روته إلى أهمية وجود بنية داخل الحلف تزيل العقبات أمام العمل المشترك، وأن دول الحلف قادرة على العمل معاً في كامل جغرافيا الحلف الممتدة من أركنساس الأميركية إلى أنقرة.

الأمن الأوروبي

بدوره، أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر أن «التعاون بين (الناتو) والاتحاد الأوروبي يجب أن يكون شاملاً ومتكاملاً ومُعززاً للطرفين».

ورحب بالتزام حلفاء «الناتو» المتزايد بزيادة الإنفاق الدفاعي، لكنه أكد أن زيادة الميزانيات يجب أن تُترجم إلى قدرات عسكرية ملموسة، وكوادر مدربة، وصناعات دفاعية قوية.

وزير الدفاع التركي يشار غولر متحدثاً خلال إحدى الفعاليات المصاحبة لقمة «الناتو» في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)

وقال غولر، الثلاثاء، خلال فعالية «حلفاء الناتو في أنقرة»، المقامة على هامش قمة «الناتو» بالتعاون مع مديرية الاتصالات بالرئاسة التركية، ومؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركية (سيتا) ومؤتمر ميونيخ للأمن، إن زيادة الإنفاق الدفاعي أمر مهم، لكن إنفاق المال وحده لا يُحقق الردع، وإن مصداقية الحلف ستعتمد على قدرة الحلفاء على تحويل التزاماتهم السياسية إلى قوات جاهزة، وذخائر، ودعم لوجيستي، ودفاع جوي وصاروخي متكامل، وهياكل قيادة وسيطرة، وقدرات صناعية.

وأضاف أن تركيا تدعم تحالفاً أقوى وأكثر توازناً يتحمّل فيه الحلفاء الأوروبيون مسؤولية أكبر عن الدفاع، مع بقاء الرابطة عبر الأطلسي، لافتاً إلى أن التزام الولايات المتحدة الأمني أمر لا غنى عنه.

وأوضح غولر أن تقاسم الأعباء لا ينبغي أن يُقاس فقط بأرقام الميزانية، بل يجب أيضاً مراعاة المخاطر العملياتية، والجغرافيا، والجاهزية، ومساهمات المهام، والقدرة الصناعية، والقدرة على التحرّك أثناء الأزمات.

وذكر أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وإحدى أكثر قواته كفاءة وتميزاً بالجاهزية العالية، وخبرة عملياتية واسعة، ومعايير تدريب قوية، وقدرة عملياتية مشتركة.

وأشار إلى أن مساهمات تركيا تمتد من منطقة البلطيق إلى البحر الأسود، وتشمل مهام «الناتو» وعملياته وتدريباته، فضلاً عن مسؤولياتها في الأمن البحري، وإدارة الأزمات، والتدريب، والردع.

ونوه إلى أن تركيا طورت قدرات متقدمة في الأنظمة غير المأهولة، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والذخائر، والمنصات البحرية، والطيران، وتقنيات القيادة والسيطرة، وخلال السنوات الـ3 المقبلة، ستعطي أولوية أكبر للأنظمة الجوية والباليستية، كما ستلبي أنظمة الدفاع الصاروخي، والأسلحة بعيدة المدى، والمركبات غير المأهولة، أهداف قدرات حلف الناتو ومتطلبات الدفاع الوطني.

وفيما يتعلق بالأمن الأوروبي، قال غولر إن تركيا ترحب بمساهمة دفاعية أوروبية أقوى، شريطة أن تُعزز حلف الناتو لا أن تُنافسه، ويجب أن يكون التعاون شاملاً ومتكاملاً ومُعززاً للطرفين، لافتاً إلى أن قمة «الناتو» في أنقرة ستكون بمثابة نقطة تحول حاسمة للحلف لمعالجة قضايا الوحدة والتماسك والاستثمارات الدفاعية والإنتاج الصناعي ودعم أوكرانيا والردع المستقبلي.

وشدد غولر على أن رسالة أنقرة يجب أن تكون واضحة، فالتزام حلف الناتو بالمادة الخامسة لا يزال راسخاً، ولكن يجب أن تكون التعهدات مدعومة بقوة عسكرية ذات مصداقية.

وأكد ضرورة أن يحافظ حلف الناتو على نهج شامل ومتكامل. للأمن، الذي يغطي الجبهتين الشرقية والجنوبية، فضلاً عن التحديات التي تتجاوز منطقة أوروبا الأطلسية، موضحاً أن مضيق هرمز والخليج العربي وسوريا والعراق وشرق المتوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل والبحر الأسود والقوقاز، جميعها تشكل جزءاً من البيئة الاستراتيجية نفسها.

وزير الخارجية التركي متحدثاً خلال فعالية حول الأمن الأوروبي بمقر الخارجية التركية الثلاثاء (الخارجية التركية - إكس)

في السياق ذاته، أكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أن الأمن الأوروبي لا يمكن اختزاله في الاتحاد الأوروبي، بل يتطلب نهجاً أكثر شمولية، لافتاً إلى الدور المحوري لتركيا في هذا السياق.

وأشار فيدان، في كلمة خلال ندوة بعنوان: «الأمن الأوروبي بعد قمة أنقرة: تعزيز التعاون بين حلفاء الناتو في جميع أنحاء أوروبا» نظمها الثلاثاء مركز البحوث الاستراتيجية التابع لوزارة الخارجية التركية، بالتعاون مع معهد «تشاتام هاوس»، إلى ضرورة تركيز «الناتو» على بناء القدرات الاستراتيجية في العصر الجديد، مؤكداً ضرورة أن «يتجاوز (الناتو) كونه مجرد هيكل يستجيب للتهديدات الراهنة، وأن يتبنى رؤية أمنية شاملة طويلة الأمد».

وتوقع فيدان عدم تطور التوترات التي ظهرت بين الولايات المتحدة وأوروبا، إلى أزمة خارجة على السيطرة خلال قمة «الناتو» في أنقرة، لافتاً إلى أن مشاركة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في القمة مهمة لإدارة هذه المشكلات.

وذكر فيدان أن تركيا تدعم وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها، وأن استمرار أنقرة في التواصل الدبلوماسي وقنوات الحوار المفتوحة مع روسيا ضروري أيضاً للأمن الأوروبي.

وطالب بضرورة عدم النظر إلى قدرات حلف الناتو في مجال الصناعات الدفاعية من منظور الاتحاد الأوروبي فقط، مشيراً إلى أن الدول التي تمتلك صناعات دفاعية قوية، مثل تركيا والمملكة المتحدة، تُعتبر أيضاً جهات فاعلة طبيعية وضرورية في التعاون الدفاعي في إطار الأمن الأوروبي.

وذكر فيدان أن على أوروبا ألا تنظر إلى تحذيرات الولايات المتحدة بشأن تقاسم الأعباء على أنها ضغط نفسي أو تهديد، وأن عليها أن تتحمل المزيد من المسؤولية، موضحاً أن تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية ضروري لمستقبل حلف الناتو وصمود أوروبا الاستراتيجي، وأن تبادل الاتهامات بين أوروبا والولايات المتحدة لن يكون له تأثير كبير في قمة «الناتو» في أنقرة. وذكر أن الجزء الأصعب من القمة كان إقناع ترمب بالحضور، وأنه من خلال النجاح في القيام بذلك، تم التغلب على الجزء الصعب.

بيئة استراتيجية متغيرة

وذكر فيدان عبر حسابه في «إكس» أنه مع انطلاق القمة التي تستمر يومين، أكد فيدان أن تركيا مستعدة لاستضافة حلفاء الناتو بقيادة الرئيس رجب طيب إردوغان.

وقال إن القرارات التي ستُتخذ في القمة «لن تقتصر على معالجة التحديات الآنية فحسب، بل ستُشكل البيئة الأمنية الأوروبية الأطلسية للسنوات القادمة، وإن الدفاع الجماعي لا يزال المهمة الأساسية لـ(الناتو)، لكنه ذكّر بأن البيئة الاستراتيجية تتغير مع ازدياد التهديدات وتعدد المجالات، وسرعتها، وتعقيدها».

وأضاف فيدان: «لم تعد المقاييس التقليدية تعكس هذا الواقع، ما يهم الآن هو المخرجات: القدرة على النشر، والقدرة الصناعية، والجاهزية العملياتية... تعزيز المساهمة الأوروبية في حلف الناتو أمرٌ ضروري، لكن القيود المفروضة على التعاون في الصناعات الدفاعية تُضعف الكفاءة وتُبطئ الاستجابة».

وأوضح أن هذه القيود أصبحت أعباءً استراتيجية يجب أن تظل المبادرات الدفاعية الأوروبية شاملة لجميع حلفاء الناتو، مشيراً إلى أن القضية الحقيقية لا تكمن فقط في كيفية الاستجابة، بل في كيفية تنظيم التعاون بما يُراعي واقع اليوم، وأن قمة أنقرة سترشد الحلف في مواءمة هياكله مع العالم الذي يواجهه، وأن هدف تركيا واضح، وهو «حلفٌ أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة، وأكثر مرونة».