مع انتهاء الشتاء... هل سيواجه الجيش الروسي نكسة جديدة في أوكرانيا؟

النخب الروسية موحدة في قناعتها بضرورة كسب الحرب

جنديان أوكرانيان قرب خط النار في باخموت (أ.ب)
جنديان أوكرانيان قرب خط النار في باخموت (أ.ب)
TT

مع انتهاء الشتاء... هل سيواجه الجيش الروسي نكسة جديدة في أوكرانيا؟

جنديان أوكرانيان قرب خط النار في باخموت (أ.ب)
جنديان أوكرانيان قرب خط النار في باخموت (أ.ب)

(تحليل إخباري)
تُدافع قوات أوكرانية عن باخموت، في منطقة دونيتسك شرق البلاد، منذ أشهر، لكن معظم المدينة وأجزاء من وسطها، تخضع بالفعل لسيطرة روسيا. غير أن وحدات أوكرانية تتمركز في الجزء الغربي من المدينة.
وذكرت وزارة الدفاع البريطانية الجمعة، في تحديث منتظم لها بشأن الحرب أن القوات الروسية، ربما شقت طريقها، بوسط المدينة، وسيطرت على الضفة الغربية من نهر «باخموتكا».
وأضاف التقرير أن هذا يعني أن طريق إمداد أوكرانيا رئيسياً، إلى غرب البلدة «ربما تعرض لتهديدات بشكل خطير». وتابع التقرير أنه بعد عدم إحراز القوات الروسية بالكاد أي تقدم في باخموت، منذ نهاية مارس (آذار) الماضي، زادت موسكو بشكل كبير، وجودها في المنطقة ونشرت أيضاً مزيداً من المدفعية. واعترفت كييف بصعوبة الوضع في باخموت.
لكنها وبعدما كانت كييف تترقب هجوماً روسياً عنيفاً في الشتاء، تجد موسكو نفسها كما في غالب الأحيان منذ اندلاع هذه الحرب أمام نتائج مخيبة تنذر بتحول الغزو إلى حملة عسكرية طويلة الأمد. ويدور القتال بين الجيشين الأوكراني والروسي على امتداد الجبهة الشرقية من شمالها إلى جنوبها، وهذا يؤدي إلى تشتت القوات، ويجعل من المستبعد تحقيق تقدم يذكر. وعلى الرغم من اعتراف عديد من المراقبين بأن باخموت مجردة من أي أهمية استراتيجية أساسية، فإنها تشهد معارك عنيفة مستمرة منذ أشهر، هي أبرز مؤشر إلى حرب استنزاف.
ويرفض الطرفان التراجع، وكل منهما واثق في أنه يضعِف الآخر. وإن كانت الخسارة ستشكل انتكاسة رمزية لأوكرانيا، فستكون بمثابة هزيمة كبرى لروسيا.
وأعلن «معهد هادسون» الأميركي، الأربعاء، أن «باخموت أصبحت منطقة استنزاف شديد مع ارتفاع خسائر الجانبين». وأعلنت مجموعة «فاغنر» المسلحة في مطلع أبريل (نيسان) السيطرة على بلدية المدينة، لكن المعارك متواصلة، وأقر رئيس مجموعة المرتزقة إيفغيني بريغوجين، خلال زيارته مقبرة، بأنها «تتسع باستمرار». وأكد «معهد هادسون» أن «حتى لو سقطت باخموت» لن يتمكن الجيش الروسي من «السيطرة على منطقة دونيتسك، أحد أهدافه الجغرافية الرئيسية».
ولفت ليو بيريا بينييه من «المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية» إلى أن الروس لم يحتلوا سوى 70 كيلومتراً مربعاً في مارس، ما يمثل تقدماً لا يذكر. وقال «لوكالة الصحافة الفرنسية»: «الجيش الروسي ينقصه عناصر مدربون» ويواجه «مشكلات إمدادات بالذخائر المدفعية. إننا نقترب من التوازن بين الطرفين».
وكتب المحلل الأميركي مايكل كوفمان على «تويتر» أن «الهجوم الروسي يجري بشكل سيئ كما كان متوقعاً. والمسألة المطروحة تقضي بمعرفة في أي مرحلة سيشعر الروس بالإنهاك، وسيُرغمون على تقنين ذخائرهم».
ورأى أن رئيس هيئة أركان الجيش الروسي فاليري غيراسيمون «يستنفد القوات بهجمات غير مناسبة وغير مفيدة» قد تضعفها.
وقالت وزارة الدفاع البريطانية، السبت، في تحديثها المنتظم عن الحرب في أوكرانيا، كما نقلت عنها «الوكالة الألمانية»، إن محاولة روسيا «إنهاك بشدة» البنية التحتية الخاصة بالطاقة في أوكرانيا قد «فشلت على الأرجح» أيضاً، وإن وضع الطاقة في أوكرانيا لن يتحسن إلا مع ارتفاع درجات الحرارة. وعلى مدار الشهور الماضية، استهدفت الهجمات الصاروخية الروسية عمداً، البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، وغالباً ما كانت تترك السكان بلا كهرباء وتدفئة لفترات طويلة خلال درجات حرارة تحت الصفر. وأضاف التقرير البريطاني، نقلاً عن معلومات استخباراتية، أن الهجمات الصغيرة النطاق ما زالت مستمرة، ولكن «من المرجح بشكل كبير أن تكون ذات تأثير ضعيف» على نظام الطاقة الأوكراني. وأضافت أن شراء بدائل وإصلاح البنية التحتية هو تحدٍ لوجيستي كبير لشركات المرافق الأوكرانية. وتابع التقرير أنه مع بداية الربيع سوف يهدأ الوضع بشكل كبير. وجاء فيه أنه من المرجح أن تبدأ أوكرانيا أيضاً الاستعدادات للشتاء المقبل.
وتنهك الحرب، منذ ما يزيد على سنة، المعدات وتجتث الجنود. وفي غياب أرقام موثوقة، يقدر كل من المعسكرين خسائر العدو بأكبر مما يقر به. وأكد المحلل العسكري المستقل في موسكو ألكسندر كرامتشيخين أن «هذا يصب في مصلحة روسيا... أوكرانيا أهدرت كثيراً من القوات للحفاظ على هذه المدن التي لا تتسم بأهمية استراتيجية كبرى». في المقابل، كتب فيليب غرو وفينسان توريه في تحليل لحساب «مؤسسة البحث الاستراتيجي» أن الخسائر الروسية تتخطى على الأرجح «بكثير نصف مجمل المعدات الموزعة على الوحدات أو في المخزون» التي يمكن ترميمها، والتي «كانت تملكها القوات الميدانية البرية» في فبراير (شباط) 2022 عند شن الغزو. وقال وزير الدفاع الأوكراني السابق أندري زاغورودنيوك: «نشك بجدية أن يكون بإمكانهم تحسين النوعية، لا نعتقد بأن العملية يمكن أن تدوم». وإن كان المعسكران يجدان صعوبة في ترسيخ تقدمهما، فإن مايكل كوفمان لفت إلى أن «الجيش الروسي لديه على الأرجح الموارد والعدة لتنظيم دفاع قوي» بما في ذلك «حقول ألغام وخنادق» بوجه الهجوم المضاد الأوكراني المعلن.
وتعول كييف على الغرب على صعيد الاستخبارات والتدريب وإمدادات الأسلحة الحديثة. وتصل إلى ساحة المعركة بوجه الجيش الروسي دبابات خفيفة وثقيلة ورادارات وذخائر وصواريخ وقذائف بعيدة المدى. ورأى إيغور كوروتشنكو رئيس تحرير مجلة «الدفاع الوطني» الروسية أنه في المستقبل «سيتوقف الوضع من جهة على سرعة الإمدادات الغربية ومداها، ومن جهة أخرى على قدرة المضادات الجوية الروسية على اعتراض» هذا النوع من الأسلحة. وأضاف المحلل أن الإمدادات التي ترسل لأوكرانيا «تطيل أمد النزاع».
ويرى أندري زاغورودنيوك أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يخطط للمدى البعيد، متوقعاً أن «يخوض حرب موارد». وأقر في المقابل بأن الاقتصاد الأوكراني «لا يتعافى».
وقالت كييف الجمعة، إن المستندات التي يُزعم أنها معلومات سرية حول استعدادات أوكرانيا لشن هجوم مضاد، مزيفة، وذلك رداً على تقرير نشرته إحدى الصحف الأميركية. وقال ميخايلو بودولياك مستشار المكتب الرئاسي في كييف في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إنه «منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تدهور حال أجهزة الاستخبارات إلى وضع أصبح لا يمكنهم فيه إعادة تأهيل أنفسهم إلا عن طريق برامج الفوتوشوب و(مقالب المعلومات المزيفة)». وأضاف أن موسكو تحاول تعطيل هجوم أوكرانيا المضاد ولكن بدلاً من ذلك ستتكشف خطط كييف قريباً على أرض الواقع. وجاءت تغريدة بودولياك بعد أن نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تفاصيل حول تسريب مستندات يفترض أنها سرية تقول إن الهجوم المضاد الأوكراني سيكتمل بحلول 30 أبريل. وزعمت المستندات أن كييف أعدت لذلك 60 ألف جندي وأكثر من 250 دبابة وأكثر من 350 عربة مدرعة.
من جهته أسف ألكسندر كرامتشيخين لقيام موسكو بخيارات غير مجدية بمواجهة مقاومة أوكرانية تزداد قوة، وقال: «إن المشكلات العسكرية العديدة لا تفسر الأخطاء في الأهداف السياسية». إلا أن هذه الأخطاء تنعكس على الرأي العام. وكتبت تاتيانا ستانوفايا من «معهد كارنيغي»: «يمكن لمس الغضب واليأس في الأحاديث الخاصة» في روسيا بين التكنوقراط والمسؤولين العسكريين، وفي أوساط الأعمال القريبة من الحكومة، وحتى بين «الوطنيين المتطرفين».
وأضافت أن «النخب الروسية موحدة في قناعتها بأنه يتحتم على بوتين كسب الحرب بما أنه بدأها»، لكن فيما يتعلق بالوضع على الجبهة «لا أحد يفهم كيف يمكنه ضمان النصر».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟