العراق... يوم سقوط صدام

بعد عقدين من التغيير... لا يزال البحث جارياً عن الدولة

جندي أميركي ينزع علم الولايات المتحدة عن تمثال رأس صدام حسين (أ.ف.ب) ... ويضع العلم العراقي فوق رأس التمثال (غيتي)
جندي أميركي ينزع علم الولايات المتحدة عن تمثال رأس صدام حسين (أ.ف.ب) ... ويضع العلم العراقي فوق رأس التمثال (غيتي)
TT

العراق... يوم سقوط صدام

جندي أميركي ينزع علم الولايات المتحدة عن تمثال رأس صدام حسين (أ.ف.ب) ... ويضع العلم العراقي فوق رأس التمثال (غيتي)
جندي أميركي ينزع علم الولايات المتحدة عن تمثال رأس صدام حسين (أ.ف.ب) ... ويضع العلم العراقي فوق رأس التمثال (غيتي)

(تحليل سياسي)
تنبه تومي فرانكس، قائد الجيوش الأميركية التي غزت العراق عام 2003، إلى أن العلم الأميركي هو الذي لفّ تمثال صدام حسين الكائن في ساحة الفردوس في قلب بغداد حين تقدمت دبابة أميركية عملاقة لاقتلاعه، في تمام الساعة الرابعة من عصر يوم 9-4-2003.
يروي فرانكس في مذكراته التي حملت عنوان «جندي أميركي»، أنه كان يراقب دخول القوات وحركة الدبابات في العاصمة العراقية بغداد من مقر إقامته آنذاك في قاعدة السيلية في قطر. وعندما وجد أن العلم الأميركي هو الذي يلفّ تمثال صدام حسين الضخم في ساحة الفردوس تمهيداً لاقتلاعه، اتصل هاتفياً بقائد القوة في بغداد طالباً منه، وبأقصى سرعة، إنزال العلم الأميركي ووضع العلم العراقي مكانه. وبالفعل، وطبقاً للشهود العيان ممن كانوا يرون بالعين المجردة من سطح أحد الفندقين المحيطين بالساحة (فلسطين ميريديان والشيراتون) ومنهم كاتب هذه السطور، فإن عملية إنزال التمثال من قبل الدبابة الأميركية تأخرت، لا سيما أن جندياً أميركياً كان قد صعد على أعلى ماسورة الدبابة لكي ينزل العلم الأميركي ويرفع العلم العراقي مكانه، ومن بعدها قامت الدبابة العملاقة بجر التمثال، فأسقطته أرضاً.
في تلك اللحظة؛ حيث كان الجميع مذهولين مما يجري، بمن في ذلك المواطنون العراقيون، كان هناك مشهدان متوازيان يحدثان لحظة إسقاط التمثال. فمن الجهة الغربية من شارع السعدون، كان هناك متظاهرون يبدو أنهم منظمون وينتمون إلى جماعة «المؤتمر الوطني العراقي» بزعامة أحمد الجلبي (مات عام 2015) قد اقتربوا من رأس التمثال الساقط على الأرض، محاولين بكل قواهم سحله في الشارع. ولاحقاً، ظهر أن هناك مشهداً آخر يجري، وبخاصة في حي الأعظمية على بعد بضع كيلومترات من مكان سقوط التمثال، كان بطله صدام حسين شخصياً، وليس تمثاله الذي بات مرمياً في الشارع. كان صدام يصور فيلماً تم توزيعه عشية سقوط بغداد على بعض الفضائيات العربية، يظهر فيه محمولاً على الأكتاف من قبل الجماهير المحيطة به في إحدى ساحات الأعظمية. وكان الناس هناك لا يزالون يهتفون باسمه. بعدها سقطت بغداد، وسقط التمثال، واختفى صدام حتى لحظة إلقاء القبض عليه بعد شهور.
الجنرال تومي فرانكس يبرر ما قام به عندما أصدر أوامره إلى القوة الأميركية في بغداد بإنزال العلم الأميركي بأنه لم يكن يريد أن يعطي انطباعاً بأن الأميركيين هم عنوان المرحلة القادمة في العراق. لكن فرانكس لا يعلم أن العلم الذي أمر بأن يلف رأس تمثال صدام قبيل إسقاطه كدلالة على أن العملية تمت من قبل العراقيين، لا يزال مختلفاً عليه، مثل أشياء كثيرة مختلف عليها في العراق، وفي المقدمة منها الدولة، إذ لا يزال البحث جارياً عن هذه الدولة بعد عقدين من التغيير.
فإذا كانت مهمة فرانكس انتهت بإسقاط تمثال رأس النظام السابق، فإن من تولى إدارة السلطة أميركياً، وهما جي غارنر وبول بريمر، لم تكن لأي منهما دراية بطبيعة الوضع العراقي.
غارنر كانت مهمته طارئة وسرعان ما اختفى من المشهد، لكن بريمر كان دوره هو الأخطر، ليس على صعيد بناء أي شيء، بل هدم كل شيء. فهذا الرجل الذي ألف كتاباً عن العراق بعد بقائه سنة حاكماً مطلقاً (عنوانه «عام قضيته في العراق») اعتمد في تقديم الرؤى الناقصة له على زعامات المعارضة العراقية. وحيث إن غالبية قادة المعارضة كانوا لعقدين، وربما لثلاثة عقود، خارج العراق هاربين من صدام حسين وأحكامه القاسية ضد بعضهم (الإعدام مثلاً)، لم يكونوا يعرفون شيئا عن العراق، ما خلا ما يردهم من معلومات ثبت أنها ناقصة هي الأخرى من أنصارهم داخل العراق. ولعل القرار الذي اتخذه بريمر ووافقت عليه قوى المعارضة بحل الجيش والمؤسسات الأمنية التي هي عماد الدولة، لا يزال العراق يدفع ثمنه الباهظ حتى الآن.
فالآن، وبعد مرور عقدين من التغيير، فإن أهم ما يميز تجربة التغيير هو أن الأطراف السياسية تضخمت في شكل أحزاب وفصائل مسلحة وجماعات بأسماء مختلفة، ناهيك من سلطات العشائر التي باتت هي الأخرى غير محدودة، ما نتج عنه قيام سلطة مركزية ممثلة في الحكومات التي تتغير كل أربع سنوات عبر الانتخابات، مع عشرات السلطات الموازية التي لا يعترف بعضها بالدولة أو يرى أن سلطته هي الأعلى، وأن كل ما يترتب على الحكومة عمله هو توزيع الرواتب والامتيازات لهم وتسهيل مهماتهم طولاً وعرضاً.
ورغم كل المحاولات والمساعي التي تحاول الحكومة القيام بها، سواءً على صعيد السياسة الخارجية أو الإصلاح الداخلي، فإنها لا تزال تصطدم بتعارض الإرادات بين أطراف متباينة الرؤى والتوجهات، الأمر الذي يعرقل عمل الحكومة، حتى لو كانت نياتها صادقة للعمل، بعد عقدين من التخبط السياسي.
فالحكومة الحالية، التي بدأت العقد الثالث من التغيير، يقف خلفها ائتلاف يسمى «ائتلاف إدارة الدولة»، وهو أمر يحصل للمرة الأولى، لا سيما بعد سلسلة حكومات لم تصل إلى السلطة طبقاً لمفهوم الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً. بل حتى عندما كانت تأتي بعض الحكومات طبقاً لمبدأ التوافق، فإن هذا التوافق سرعان ما كان ينهار، وبالتالي تقضي الحكومة فترتها على شكل صراعات بين أطراف سياسية تكون الدولة فيها هي الحلقة الأضعف.
اليوم، وفي ظل ما يعلن عنه رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني من خطط وبرامج، لا سيما في الميادين التنفيذية الهادفة إلى ترسيخ عمل الدولة على حساب أطراف السلطة، ورغم ادعاء الجميع أنهم يؤيدون مثل هذه الخطوات، فإنه من الواضح أن الحكومة لا تزال تخوض صراعاً على صعيد تغيير البوصلة من السلطة إلى الدولة، التي بقيت مفقودة طوال العقدين الماضيين.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

مخاوف تسود بغداد من تداعيات الانسحاب الأميركي

سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)
سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)
TT

مخاوف تسود بغداد من تداعيات الانسحاب الأميركي

سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)
سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)

تسود في بغداد مخاوفُ من تداعيات محتملة للانسحاب الأميركي من البلاد، المقرر في 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، وفيما تشهد حركة السوق اضطراباً وركوداً، تقول مصادر مقربة من الحكومة إن التحذيرات المطروحة في الفضاء العام تنطوي على مبالغات.

وتستعد الحكومة العراقية وقوى سياسية حليفة لتحويل موعد الانسحاب إلى «يوم للسيادة العراقية»، لكن المخاوف تتركز على التداعيات المحتملة لحصر السلاح، الذي يتحدث سياسيون عراقيون عن تعديله إلى «خطة لتنظيم وإدارة السلاح».

وشدد قاسم الأعرجي، مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأمنية، في تصريح متلفز، على أن «الحكومة ستعامل كل من يستمر في حمل السلاح بصورة غير شرعية بعد اكتمال عملية حصر السلاح بيد الدولة بوصفه خارجاً عن القانون، تُتخذ بحقه إجراءات صارمة تصل إلى معاملته كإرهابي».

لكن الأعرجي قال أيضاً إن «ما يجرى تداوله بشأن تحديد سقف زمني لأعمال لجنة حصر السلاح غير دقيق»، نافياً «وجود مدة محددة لإنهاء العملية».

وأوضح الأعرجي أن «اللجنة المشكلة من تحالف (الإطار التنسيقي) تعمل بإشراف مباشر من رئيس مجلس الوزراء، وأن الإجراءات القانونية بحق حاملي السلاح غير الشرعي ستبدأ بعد اكتمال أعمال اللجنة وحصر السلاح بيد الدولة بصورة كاملة».

من جهته، رأى حيدر العبودي، المتحدث باسم الحكومة العراقية، أن موعد 30 سبتمبر (أيلول) يمثل «استحقاقاً سيادياً يؤسس لانتقال علاقة العراق مع دول التحالف الدولي إلى علاقات ثنائية قائمة على احترام السيادة والمصالح المتبادلة».

وأشار العبودي في تصريحات نقلتها الوكالة الرسمية إلى أن الحكومة ماضية في استكمال إنهاء المهمة العسكرية للتحالف، وفق التوقيتات والآليات المتفق عليها، مشدداً على أن «العراق يمتلك أدوات دستورية وسياسية ودبلوماسية تمكنه من إدارة أمنه الوطني من خلال مؤسساته وقواته المسلحة».

مروحية أميركية تحلِّق بالقرب من قاعدة حرير في أربيل بكردستان العراق (أرشيفية - رووداو)

مخاوف من عقوبات

رغم التطمينات الحكومية المتواصلة، يعبر رجال دين وخبراء عن مخاوفهم من تداعيات محتملة بعد الانسحاب. وحذر إمام وخطيب جامع أبي حنيفة النعمان، عبد الوهاب السامرائي، من «احتمال إعادة فرض عقوبات اقتصادية على بغداد مماثلة لتلك التي شُدّدت في تسعينات القرن الماضي»، على حد تعبيره.

وقال السامرائي: «وجهنا رسالة إلى حكومتنا ورئيسها مفادها أن هذا الشعب والبلاد أمانة في أعناقهم، ومن الأمانة تقديم مصالح البلاد والعباد على مصالح الفئات والأشخاص».

وأضاف السامرائي أن «البعض يتحدث عن عقوبات اقتصادية، ويستذكر أيام الحصار، لذلك نحث المسؤولين على تجنب المجازفة بمصير البلاد أو تقديم رغبات جزء من العراقيين على الكل».

وعادة ما تتركز المخاوف على تعثر خطة «حصر السلاح» بيد الدولة، ويربط ذلك كثيرون بتعرض العراق لعزلة إقليمية أو عقوبات، إلا أن قوى سياسي وفصائل ترفض علناً أي محاولات لنزع سلاحها.

وحذر إمام وخطيب جمعة النجف، صدر الدين القبانجي، من أن «أي اضطراب سياسي أو أمني في العراق سيفجر أزمةً في المنطقة كلها ويزعزع الاقتصاد العالمي، لذا يجب معالجة الملفات بعقلانية».

مع ذلك، أفاد سياسيون مقربون من الحكومة العراقية بأن «التحذيرات المطروحة في الفضاء العام تنطوي على مبالغات»، بما في ذلك «ما يشاع بأنها رسائل متبادلة بين واشنطن وبغداد بشأن فرض عقوبات».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض في يونيو 2026 (أ.ب)

سوق راكدة ودولار «مرتفع»

تأتي هذه المواقف المتضاربة في ظل ركود يضرب الأسواق المحلية، وفق مؤشرات تتحدث عنها مؤسسات محلية معنية بالتجارة الداخلية.

وقال مرصد «إيكو عراق»، المختص بالشأن الاقتصادي، إن «سعر صرف الدولار مقابل الدينار في السوق الموازية يشهد ارتفاعاً غير مسبوق».

وأشار المرصد في بيان صحافي إلى أن «الارتفاع الحالي لا يرتبط بعامل واحد، بل نتيجة تداخل عوامل اقتصادية ومالية ونفسية مختلفة»، مبيناً أن من «أبرزها المضاربات في السوق الموازية، التي تنشط بين فترة وأخرى، مستفيدةً من ارتفاع الطلب على الدولار وتراجع المعروض منه».

وأضاف المرصد أن «المخاوف والتكهنات المرتبطة باستحقاقات ما بعد 30 سبتمبر (أيلول)، وما يتداول بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب مزاعم العقوبات الأميركية تزيد من حالة عدم اليقين في السوق، وتدفع بعض المتعاملين إلى زيادة الطلب على الدولار».

بالفعل، بدأت مبيعات الدولار تسجل ارتفاعات حادة في الأسواق العراقية خلال الأيام الماضية بلغت أكثر من 162 ديناراً عراقياً للمائة لكل دولار أميركي، وهي زيادة أثرت على حركة السلع والبضائع، وفق مراقبين، تضاف إلى التداعيات النشطة منذ أشهر مع اندلاع النزاع الأميركي الإيراني.

وأبلغ تجار من بغداد وأربيل والبصرة، «الشرق الأوسط»، بأن «حركة البيع والشراء تراجعت إلى حدود غير مسبوقة، درجة إغلاق مصالح إلى إشعار آخر».

إلى ذلك، يعتزم رئيس الوزراء علي الزيدي التوجه إلى الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقب انتهاء جولته الأوروبية التي تشمل فرنسا وألمانيا، وسط تكهنات بأن يتضمن جدول أعماله هناك لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن السلطات في واشنطن وبغداد لم تؤكد ذلك حتى اليوم.


دير الزور شرق سوريا تشيّع 11 عسكرياً قضوا بانفجار مخزن للسلاح في ريفها الغربي

من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)
من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)
TT

دير الزور شرق سوريا تشيّع 11 عسكرياً قضوا بانفجار مخزن للسلاح في ريفها الغربي

من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)
من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)

شيّعت محافظة دير الزور شرق سوريا السبت، في موكب رسمي، 11 عسكرياً في الجيش السوري قضوا في الانفجار الكبير الذي وقع في مخزن للسلاح في منطقة عياش بالريف الغربي للمحافظة.

وارتفعت حصيلة الانفجار الذي وقع الجمعة في مخزن للأسلحة ضمن أحد مواقع الجيش قرب بلدة عياش غرب محافظة دير الزور، إلى 11 قتيلاً و10 جرحى، في حين يستمر البحث عن مفقودين بموازاة التحقيق للوقوف على أسباب الحادث وملابساته.

ودعا بيان رسمي لمحافظة دير الزور عقب الانفجار أهالي المنطقة إلى «التروي حتى استكمال عمليات البحث».

لحظة الانفجار في بلدة عياش بريف دير الزور الغربي (متداولة - فيسبوك)

ومخزن السلاح في عياش (10 كم غرب مدينة دير الزور) يتبع لإدارة التسليح بوزارة الدفاع، ويعد من المخازن العسكرية الكبيرة في المحافظة، وكان ضمن منطقة النفوذ الإيراني قبل الإطاحة بنظام الأسد، وسبق أن تعرض لأكثر من استهداف أميركي وإسرائيلي.

وقالت تقارير إعلام محلي إن الانفجار وقع خلال عملية نقل وتخزين أسلحة سبق أن سلمتها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) لوزارة الدفاع في إطار عمليات الدمج تنفيذاً لاتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويعد الانفجار في «مخزن عياش» العسكري الرابع من نوعه خلال الشهر الحالي؛ إذ وقع في الثاني عشر منه انفجار في «مخزن الضمير» العسكري بريف دمشق لذخائر ومخلفات عسكرية تالفة كانت قد نُقلت إليه تمهيداً لإبطال مفعولها. وبحسب التقارير الرسمية، اقتصرت الأضرار على الماديات. وجاء ذلك بعد ثلاثة أيام من انفجار مخزن للأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب قرب مدينة سرمدا في ريف إدلب الشمالي (شمال غرب سوريا) أدى إلى مقتل 14 شخصاً وإصابة 11 آخرين. كما شهدت بنش بريف إدلب الشمالي انفجار سيارة كانت تحمل ذخيرة في الطرف الغربي من المدينة، أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة أربعة آخرين مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي. وفي وقت سابق قُتل أربعة عسكريين وأصيب ثمانية آخرون في انفجار وقع في داخل مخزن السلاح في «مجمع الغزالي» على أوتوستراد درعا - دمشق في 14 أبريل (نيسان) الماضي.

من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)

وتكررت على نحو لافت الانفجارات المتعلقة بمخازن السلاح والذخيرة ونقل الأسلحة في سوريا مؤخراً، وسط تقديرات بانتشار مخازن السلاح في البلد، وبعضها لا يزال بيد فصائل خارج إطار الدولة، وذلك في ظل ضعف معايير التخزين والتعامل الآمن والسليم مع الذخائر.

ويقدر عدد المخازن التي انفجرت منذ سقوط النظام في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بأكثر من 15 مخزناً (11 مخزناً خلال عام واحد)، تتوزع ما بين مواقع عسكرية رسمية تابعة للحكومة ومخازن تجميع عشوائية أو مؤقتة لسلاح ومخلفات حرب مستولى عليها.

ويشار إلى أن الجيش الإسرائيلي أعلن عن تمكنه من تدمير من 70 إلى 85 في المائة من القدرات العسكرية الاستراتيجية السورية، في حملة قصف واسعة النطاق شنها فور الإطاحة بالأسد، واستهدفت مخازن الأسلحة والبنية التحتية العسكرية في سوريا.


تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)
جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)
TT

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)
جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب مستقبل الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. وبينما تؤكد إسرائيل أنها لا تملك أطماعاً إقليمية في لبنان، فإن تصريحات مسؤوليها خلال الأشهر الماضية لم تحدد موعداً واضحاً للانسحاب، بل ربطته بتحقق شروط أمنية وسياسية متعاقبة.

من حماية الشمال إلى «منطقة أمنية»

ومع تكرار التصريحات الإسرائيلية التي تتمحور حول بقاء الاحتلال في جنوب لبنان، كان قد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 21 يونيو (حزيران) أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته داخل جنوب لبنان، مؤكداً أن قواته المنتشرة في المنطقة الأمنية «لن تنسحب» منها، ولديها حرية العمل لإزالة التهديدات.

وبعدها قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، إن إسرائيل «لا تملك أطماعاً إقليمية في لبنان»، لكنه شدَّد في الوقت نفسه على أنها «لن تنسحب من المنطقة الأمنية»، مبرراً ذلك بالحاجة إلى حماية مواطنيها من هجمات «حزب الله».

جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

أما كاتس، فكان أكثر وضوحاً في رفض أي انسحاب قريب، إذ أعلن في 24 يونيو أن الجيش الإسرائيلي «لن ينسحب من المنطقة الأمنية، حتى لو كان هناك طلب أميركي». وفي اليوم التالي، مباشرة انتقل الكلام من الحديث عن ضرورة أمنية إلى صيغة زمنية مفتوحة، إذ قال كاتس إن القوات الإسرائيلية ستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة «من دون أي حد زمني».

شرط نزع سلاح «حزب الله»

وفي نهاية يونيو، حاول كاتس الجمع بين نفي أي طموح إقليمي والتأكيد على استمرار السيطرة العسكرية، وشدَّد على «عدم الانسحاب مليمتراً واحداً» قبل نزع سلاح «حزب الله».

وبعد أيام، جاء التصريح الأكثر مباشرة. فبعد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن احتمال انسحاب إسرائيل من لبنان، ردَّ كاتس قائلاً: «لم نطلب إذناً من أحد لدخول لبنان، ولا نحتاج إلى إذن للبقاء في لبنان».

شرط جديد: تقوية الجيش اللبناني

لكن وفي أحدث التصريحات الأميركية المرتبطة بالملف، برز معيار آخر لمستقبل الوجود الإسرائيلي، يوم السبت، مع قول السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، «إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان حتى يصبح الجيش اللبناني قوياً».

الأهداف الإسرائيلية تتجاوز الانسحاب

وفي قراءة لمسار الشروط الإسرائيلية، يرى اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن أهداف إسرائيل تتجاوز الانسحاب العسكري من الجنوب، لتشمل الوصول إلى «اتفاق عسكري وأمني بين البلدين، وإلغاء كل ما ينصُّ على العداوة مع إسرائيل»، وصولاً إلى التعامل «كأي علاقة بين دولتين»، إضافة طبعاً إلى نزع سلاح «حزب الله».

ويرى في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى سعي إسرائيل لتشكيل لجنة مشتركة على الحدود لمراقبة الخروقات، وصولاً إلى اتفاقات اقتصادية، والهدف الأهم هو اجتماع بين الرئيسين اللبناني والإسرائيلي، من هنا يعد أن الضغوط الإسرائيلية التي تُمارَس على الدولة اللبنانية تصب في هذا الاتجاه.

مبانٍ متضررة نتيجة عمليات القصف والهدم التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

وفي المقابل، يرفض شحيتلي ربط الانسحاب بشرط تقوية الجيش اللبناني، عادّاً أن إسرائيل نفسها تعرقل حصول الجيش على الدعم اللازم، مستشهداً بما حصل في مؤتمر باريس، حيث لم يصدر قرارات نهائية. ويؤكد أن الجيش اللبناني، بضباطه وعناصره، «مستعد للقيام بواجباته على أكمل وجه».

الجيش... وسلاح «حزب الله»

ويقول شحيتلي إن إسرائيل تريد للجيش اللبناني أن يكون «مفرزة سباقة» تتولى الاحتكاك الأول مع «حزب الله» قبل أن تتولى القوات الإسرائيلية المهمة، وهو ما يؤكد أن الجيش «لن يقوم به». ويرى أن المعادلة الطبيعية هي أنه «عندما تقول إسرائيل إنها انتهت من عملياتها العسكرية في لبنان، عندها يقوم الجيش اللبناني بمهمته»، أي أن الانسحاب هو الذي يتيح للدولة والجيش تولي مسؤولياتهما كاملة.

أما فيما يتعلق برفض «حزب الله» التخلي عن سلاحه وتحوله إلى ذريعة إسرائيلية لاستمرار الاحتلال، فيشير شحيتلي إلى أن إسرائيل سبق أن ربطت انسحابها باتخاذ الحكومة اللبنانية قرارات بشأن حصرية السلاح، مضيفاً: «وهذا الأمر حصل، ومنح البرلمان الحكومة الثقة للمرة الثالثة في مجلس النواب، بما في ذلك المكون الشيعي، وتحديداً (حزب الله)، الذي لم يحجب الثقة عنها، وبالتالي لم يرفض قراراتها»، وبالتالي، يرى شحيتلي أنه بإمكان الحكومة، بعد الانسحاب، تنفيذ قراراتها في مختلف المناطق اللبنانية «بغض النظر عن إعلان (حزب الله) موافقته على ذلك أم لا»، عادّاً أن استمرار الوجود الإسرائيلي يجعل مهمة الدولة والجيش أكثر صعوبة، وأن «الاحتلال هو العائق أمام تمكين الدولة من تنفيذ قراراتها، وتولي مسؤولياتها كاملة».

علي عز الدين راعٍ لبناني يبلغ من العمر 19 عاماً يرعى قطيعه في قرية المروانية جنوب لبنان (رويترز)

إصابة جنديين إسرائيليين

ويأتي ذلك في وقت تستمر فيه الاعتداءات الإسرائيلية التي تأخذ منحى متفاوتاً في الأيام الأخيرة. وتعرَّضت النبطية يوم السبت لحزام ناري؛ حيث أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على حي الساحة القديمة في النبطية الفوقا على دفعتين، قبل أن ينفِّذ غارةً ثالثةً استهدفت فريق الإسعاف الصحي في كشافة الرسالة الإسلامية وإسعاف بيت الطلبة، في أثناء توجههما إلى مكان الغارتين السابقتين. ونجا أفراد الفريقين، بينما لم يُفَد عن وقوع إصابات.

وفي الخيام، نفَّذ الجيش الإسرائيلي صباحاً عملية نسف كبيرة، بالتزامن مع تفجير ضخم في منطقة المنصوري، في حين شنَّ الطيران الحربي سلسلة غارات على المنصوري وكفرتبنيت، واستهدف وادي السلوقي بالقصف.

كما قصفت المدفعية الإسرائيلية فجراً أطراف بلدات حداثا وحاريص وميفدون، في إطار تصعيد ميداني شمل عدداً من المناطق الجنوبية.

وبعد الظهر قال الجيش الإسرائيلي إن جنديين أُصيبا بانفجار عبوة ناسفة داخل ما تسميها إسرائيل «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، واتهم الحزب بزرعها، معلناً تنفيذ سلسلة غارات على مواقع في مناطق عدة من الجنوب.

ووفق الجيش الإسرائيلي، شملت الأهداف مواقع استطلاع ومنشآت قال الجيش إنها استُخدِمت للتحضير لعمليات ضد قواته، مؤكداً في الوقت عينه انتشار قواته داخل ما يصفها بـ«المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، ومؤكداً أنه سيواصل عملياته ضد ما يعدّها تهديدات لقواته ولسكان إسرائيل.